تنسيق عراقي - تركي حول ممرات الطاقة والمياه

الزيدي: بغداد وأنقرة قادرتان على كتابة «قصة نجاح» في المنطقة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)
TT

تنسيق عراقي - تركي حول ممرات الطاقة والمياه

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)

تصدرت مكافحة الإرهاب والطاقة والمياه والتجارة ومشروع «طريق التنمية» مباحثات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الذي زار أنقرة، الثلاثاء.

وإلى جانب هذه القضايا، ركزت المباحثات على التطورات الجيوسياسية والقضايا الإقليمية، في مقدمتها تطورات حرب إيران وتأثيراتها على المنطقة، إلى جانب قضايا دولية تهم البلدين.

وجاءت زيارة الزيدي لتركيا، الثلاثاء، تلبية لدعوة إردوغان الذي استقبله بمراسم رسمية بالقصر الرئاسي في أنقرة.

وكتب الزيدي، عبر حسابه في «إكس» قبل ساعات قليلة من بدء زيارته لأنقرة، أن «العراق وتركيا يرتبطان بـ«جوار تاريخي وجغرافي وحضاري، ومصالح مشتركة ومتنوعة، وأن المباحثات ستشمل ملفات الاستثمار والمياه ومشروع (طريق التنمية)، إلى جانب جهود تعزيز الاستقرار في المنطقة وعدد من القضايا الاقتصادية والأمنية».

تطور متسارع في العلاقات

تسعى أنقرة، بشكل أساسي، إلى الاستمرار في تعزيز العلاقات مع بغداد، التي شهدت تطوراً ملحوظاً في مختلف المجالات، ووصلت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية خلال فترة رئيس الوزراء العراقي السابق، محمد شياع السوداني.

ونظراً لأهمية زيارة الزيدي لأنقرة على المستوى الإقليمي في ظل تطورات الحرب في إيران والأوضاع في سوريا، وأهمية ملفات الطاقة والنقل، فإنها حظيت بمتابعة أميركية عن كثب.

جانب من لقاء فيدان وبراك عشية زيارة الزيدي لأنقرة (الخارجية التركية)

عشية الزيارة، التقى السفير الأميركي لدى أنقرة المبعوث الخاص للرئيس دونالد ترمب في سوريا والعراق، توم براك، وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان. وقالت مصادر دبلوماسية إن مباحثات فيدان وبراك تطرقت إلى زيارة الزيدي، التي تتزامن مع استمرار النزاع بين الولايات المتحدة وإيران، والقيود المفروضة على العبور في مضيق هرمز»، ما أضفى أهميةً مضاعفة على الزيارة.

وصدرت عن العراق، أحد أكثر الدول تضرراً من حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي، رسالة انعكست في مبادراته الدبلوماسية الأخيرة مفادها ضرورة تحقيق الاستقرار في المنطقة بأسرع وقت ممكن.

وسبق زيارة الزيدي لأنقرة تحضيرات مكثفة عبر زيارات متبادلة بين الجانبين تناولت ملفات الأمن والطاقة والمياه والتجارة وتطورات في مشروع «طريق التنمية»؛ منها زيارة رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين لبغداد وأربيل والسليمانية، الشهر الماضي، ثم زيارة وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، التي أعقبت زيارة وفد من وزارتي الطاقة والخارجية العراقيتين لبحث تمديد اتفاق نقل النفط العراقي عبر خط أنابيب كركوك - جيهان، حيث التقى الزيدي المسؤولين التركيين، كما قام وزير النقل عبد القادر أورال أوغلو، الأسبوع الماضي، بزيارة لبغداد لبحث التقدم في مراحل مشروع «طريق التنمية».

تعزيز التجارة والتعاون الأمني

وعقد على هامش زيارة الزيدي اجتماع «الطاولة المستديرة العراقي التركي» بحضور وزراء ورجال أعمال من الجانبين لبحث تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية ورفع مستويات التعاون وتنمية البيئة الاستثمارية والاقتصادية بما يحقق المصلحة المشتركة للبلدين.

جانب من اجتماع المائدة المستديرة بين الجانبين التركي والعراقي في أنقرة على هامش زيارة الزيدي (حساب وزير التجارة التركي في إكس)

وقال وزير التجارة التركي عمر بولاط، عبر حسابه في «إكس» عقب الاجتماع: «ناقشنا، مع ممثلي قطاع الأعمال، بشكل شامل تطور علاقاتنا التجارية والاستثمارية، وفرص التعاون التي يتيحها مشروع «طريق التنمية»، والمشاريع المشتركة في قطاعي الطاقة والنقل، وتسهيل التجارة البينية، وتحسين الإجراءات الجمركية، والخطوات العملية اللازمة لحل المشكلات التي تواجهها شركاتنا في هذا المجال»، معرباً عن اعتقاده بأن الاجتماع سيقرب تركيا والعراق خطوةً نحو تحقيق هدف التبادل التجاري البالغ 30 مليار دولار.

ووقعت تركيا والعراق في الفترة بين 2022 و2026، اتفاقيات في العديد من المجالات، لا سيما الأمن، وعززتا علاقاتهما، وبموجب اتفاقيات أمنية في عامي 2024 و2025، كما بدأ العراق تعاوناً أكبر مع تركيا في المسائل الأمنية، وصنّف حزب «العمال الكردستاني» «منظمة محظورة»، واعتُبرت «مذكرة التفاهم بشأن التعاون العسكري والأمني ​​ومكافحة الإرهاب»، الموقعة في 2024، نقطة تحول في التعاون الأمني ​​بين البلدين، وأنشأ الطرفان مركزاً مشتركاً للتنسيق الأمني ​​في بغداد في إطار هذه المذكرة.

وأسهمت الخطوات المتخذة في هذا المجال بين البلدين في عملية «تركيا خالية من الإرهاب»، أو ما يسميها الجانب الكردي «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، التي أسفرت عن التوصل إلى حل حزب «العمال الكردستاني» والبدء بنزع أسلحته، إلى جانب الخطوات التي اتخذت لإدماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية.

جانب من مباحثات إردوغان والزيدي (الرئاسة التركية)

وبحث إردوغان والزيدي آخر التطورات في هذه العملية، التي تهدف إلى إخلاء تركيا والمنطقة من الإرهاب، حيث تستعد تركيا لوضع «قانون إطاري» ينظم عودة عناصر الحزب من شمال العراق بعد نزع أسلحتهم ويعالج كيفية إدماجهم في المجتمع التركي.

وخلال زيارته لبغداد في 30 يونيو (حزيران) الماضي، بحث رئيس المخابرات التركية، إبراهيم كالين، مع الزيدي والرئيس العراقي، نزار آميدي، ووزير الخارجية، فؤاد حسين، العملية الجارية في تركيا وتعزيز الشراكة الأمنية بين البلدين لضمان القضاء على الإرهاب وأمن الحدود.

«طريق التنمية» والطاقة والمياه

يُعد مشروع «طريق التنمية» من أبرز الموضوعات التي تناولتها مباحثات إردوغان والزيدي، وترى بغداد أن تركيا تعد من أهم الشركاء في هذا المشروع، الذي اكتسب أهمية بالغة في ظل التوترات القائمة في مضيق هرمز.

وقبل زيارة الزيدي بأيام، التقى وفد برئاسة وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، الزيدي في بغداد في 21 يوليو (تموز) الحالي، وعقب اللقاء، قال أورال أوغلو: «يمكننا القول إن المشروع قد اكتمل؛ لم يتبقَّ سوى بعض النواقص الطفيفة، ويمكننا الآن اعتباره مُنجزاً، وإن الرئيس إردوغان ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي سيتخذان قراراً نهائياً بشأن تمويل المشروع، لافتاً إلى أنه يتم التخطيط لبدء الإنشاءات في المشروع قبل نهاية هذا العام الحالي.

مباحثات عراقية - تركية في بغداد في 9 يوليو الحالي حول اتفاقية نقل النفط عبر ميناء جيهان في جنوب تركيا (من حساب وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار في إكس)

وفي ملف الطاقة، وهو أحد الملفات المهمة التي طرحت خلال لقاء إردوغان والزيدي، سبق المباحثات التوصل إلى تمديد العمل باتفاقية نقل النفط العراقي عبر خط أنابيب كركوك - جيهان، الموقعة عام 1973 والتي انتهى العمل بها فعلياً في 27 يوليو الحالي، لمدة عام واحد على أن يتم توقيع اتفاقية جديدة تتضمن مد الخط جنوباً إلى البصرة وإنشاء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من قطر ودول خليجية أخرى.

وأعادت تركيا إحياء فكرة نقل النفط العراقي والغاز الطبيعي القطري، اللذين يمران حالياً عبر مضيق هرمز، إلى الأسواق العالمية عبر خطوط أنابيب جديدة، كما تسعى إلى نقل الغاز الطبيعي من تركمانستان إلى أوروبا، في إطار خطتها لأن تصبح أهم ممر للطاقة يربط المنطقة بشرق وجنوب أوروبا.

وطرحت قضية تقاسم مياه نهري دجلة والفرات، التي تعد من أهم المشاكل بين تركيا والعراق، بوصفها واحدة من القضايا المهمة على أجندة مباحثات إردوغان والزيدي.

ووقّع البلدان وثيقة مهمة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تُحدّد تفاصيل تنفيذ اتفاقية التعاون المائي المُبرمة عام 2024، أقرها البرلمان العراقي في 25 يوليو الحالي، مُحدّداً الأول من سبتمبر (أيلول) المقبل موعداً لبدء تنفيذ الاتفاقية التي تنص على قيام تركيا والعراق بتطوير مشاريع مشتركة لإدارة المياه وتنفيذ الاستثمارات اللازمة في البنية التحتية، حيث يُموّل العراق المشروع من خلال إيداع جزء من عائدات مبيعات النفط لتركيا في صندوق خاص، مع مشاركة الشركات التركية المتخصصة في هذا المجال في تنفيذ مشاريع مثل تحسين البنية التحتية القائمة وبناء سدود جديدة.

منظور جديد للعلاقات

وبالتزامن مع زيارته لأنقرة، نشرت وكالة «الأناضول» التركية الرسمية مقالاً للزيدي، لفت فيه إلى أن العلاقات بين البلدين كثيراً ما عرضت خلال العقود الماضية من زاوية الملفات التي تحتاج إلى إدارة؛ كالأمن، والمياه، والتجارة، وحركة الحدود، لكن منطقتنا تقف اليوم أمام فرصة مختلفة، تفرض علينا أن ننظر إلى المستقبل بعين أكثر طموحاً. فلم يعد السؤال: كيف ندير التحديات المشتركة؟ بل كيف نحولها إلى فرص تصنع الازدهار لشعبينا؟

أقام إردوغان مراسم استقبال رسمية للزيدي بقصر الرئاسة في أنقرة (الرئاسة التركية)

وذكر أن العراق اختار طريق الاستقرار والإصلاح والتنمية، وأعاد ترتيب أولوياته على أساس بناء اقتصاد قوي، ودولة فاعلة، وعلاقات خارجية متوازنة تجعل التعاون الإقليمي ركيزة للنمو، لا مجرد خيار سياسي، وأن الأمر ذاته على تركيا، التي تمتلك قاعدة صناعية متقدمة، وموقعاً استراتيجياً، وخبرة واسعة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل.

وأضاف الزيدي: «عندما ننظر إلى إمكانات البلدين معاً، فإننا لا نرى حدوداً مشتركة فقط، بل نرى مساحة واسعة لبناء واحدة من أهم الشراكات الاقتصادية في المنطقة... العالم يعيد رسم خرائط التجارة وسلاسل الإمداد، والممرات الاقتصادية أصبحت عنصراً رئيسياً في المنافسة الدولية. وفي هذا المشهد الجديد، يمتلك العراق وتركيا فرصة تاريخية لتحويل موقعهما الجغرافي إلى قيمة اقتصادية، تجعل منهما حلقة وصل بين الخليج وآسيا وأوروبا، ومن هنا تأتي أهمية مشروع (طريق التنمية)، الذي لا ننظر إليه على أنه مشروع عراقي فحسب، بل بوصفه مشروعاً إقليمياً يعيد تعريف مفهوم الربط الاقتصادي في الشرق الأوسط».

وأكد أن العراق يؤمن بأن أمنه وأمن تركيا يتطلبان تعاوناً وثيقاً يقوم على الاحترام المتبادل للسيادة، ومواجهة الإرهاب، والجريمة المنظمة؛ لأن التنمية لا تزدهر إلا في ظل الأمن، ولفت إلى أن الشرق الأوسط بحاجة اليوم إلى قصص نجاح جديدة، والعراق وتركيا قادران على تقديم واحدة من أهم هذه القصص إذا نجحا في الانتقال من مرحلة التعاون التقليدي إلى مرحلة التكامل الحقيقي.


مقالات ذات صلة

حزب أوزيل يتقدم سريعاً نحو قيادة المعارضة التركية

شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس «الحزب الجديد» أوزغور أوزيل متحدثاً خلال أول اجتماع للمجموعة البرلمانية للحزب (حساب الحزب في إكس)

حزب أوزيل يتقدم سريعاً نحو قيادة المعارضة التركية

عقد «الحزب الجديد» أول اجتماع لمجموعته البرلمانية برئاسة أوزغور أوزيل، في حين انضم إليه 200 من البلديات بعد استقالتهم من حزب «الشعب الجمهوري»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
رياضة عالمية البرتغالي رافائيل لياو نجم ميلان على رادار فنربخشة (أ.ف.ب)

فنربخشة يتحرك لضم رافائيل لياو مهاجم ميلان

أكدت تقارير صحافية عديدة أن نادي فنربخشة التركي أرسل وفدا إلى إيطاليا للتفاوض مباشرة لضم البرتغالي رافائيل لياو نجم ميلان.

«الشرق الأوسط» (اسطنبول)
رياضة عالمية النجم البلجيكي كيفين دي بروين (أ.ف.ب)

حلم غلاطة سراي... هل يخطف دي بروين من نابولي؟

بدأ اسم كيفين دي بروين يتصدر عناوين الصحف الإيطالية والتركية مجدداً، بعدما كشف موقع «توتو ميركاتو» الإيطالي أن غلاطة سراي يدرس التحرك للتعاقد مع النجم البلجيكي.

مهند علي (القاهرة)
رياضة عالمية محمد صلاح قائد منتخب مصر ونجم ليفربول السابق (د.ب.أ)

بشكتاش يعلن انسحابه «مؤقتاً» من مفاوضات محمد صلاح

انسحب نادي بشكتاش التركي مؤقتاً من المفاوضات بشأن التعاقد مع محمد صلاح قائد منتخب مصر ونجم ليفربول السابق.

«الشرق الأوسط» (اسطنبول)
شؤون إقليمية لا يزال التضارب سائداً حول موعد طرح القانون الإطاري للسلام على البرلمان التركي لمواكبة خطوات حل «حزب العمال الكردستاني» (حساب البرلمان في إكس)

تركيا: تضارب حول موعد طرح «قانون السلام» على البرلمان

تضاربت تصريحات حزب تركي مؤيد للأكراد بشأن موعد طرح مسودة «القانون الإطاري» لـ«عملية السلام» التي تستند إلى حل حزب «العمال الكردستاني»، ونزع أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)