وسّعت الولايات المتحدة ضرباتها على إيران، فجر الأحد بتوقيت المنطقة، في جولة ثالثة قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إنها استهدفت نحو 140 موقعاً عسكرياً، بعدما أعلنت البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» إغلاق مضيق هرمز «حتى إشعار آخر»، إثر استهداف سفينة قالت إنها خالفت مسار العبور المعتمد.
وقالت «سنتكوم» إن بحرية «الحرس الثوري» هاجمت سفينة الحاويات «إم/في في جي إف إس غالاكسي»، التي ترفع علم قبرص، أثناء عبورها مضيق هرمز، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها، وإلحاق أضرار كبيرة بغرفة المحركات، وفقدان أحد أفراد الطاقم المدني.
وأفادت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، في وقت سابق، بأن البحرية التابعة له استهدفت سفينة وصفتها بـ«المخالفة» بصاروخ كروز بحري في مضيق هرمز، بعدما قالت إن السفينة لم تستجب للتحذيرات الإيرانية.
وفي بيان لاحق، قالت البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» إن السفينة نفسها أُصيبت بـ«إطلاق تحذيري» وأُوقفت، موضحة أنها كانت ضمن «عدة سفن» حاولت، بتحريض من جهات أجنبية، التحرك في مسار غير معتمد، ولم تستجب للتنبيهات الإيرانية لتصحيح مسارها.
وأضاف البيان أن السفينة أطفأت أنظمتها الملاحية، ما عرّض، وفق رواية «الحرس الثوري»، أمن الملاحة البحرية للخطر، الأمر الذي دفع القوات الإيرانية إلى استهدافها وإجبارها على التوقف.
وقالت عمليات التجارة البحرية البريطانية إن طاقم السفينة غادرها واستقل قارب نجاة، مشيرة إلى أن الحادث وقع على بعد نحو 17 كيلومتراً شرقي سواحل عُمان.
وكانت السفينة تسلك مساراً قريباً من الساحل العُماني، وهو المسار الذي تستخدمه سفن تجارية لتفادي المياه الإقليمية الإيرانية عند الدخول إلى الخليج العربي أو الخروج منه. وقالت وزارة الخارجية الهندية إن أحد مواطنيها لا يزال مفقوداً بعد الهجوم على سفينة غالاكسي قبالة سواحل عُمان، مضيفة أن 10 من أصل 11 هندياً كانوا على متن السفينة جرى إنقاذهم. وأوضحت أن سفارتها في عُمان تتابع عمليات البحث والإنقاذ بالتنسيق مع السلطات العُمانية. وقالت السلطات العُمانية إنها أنقذت 23 من أفراد طاقم السفينة، وإن البحث جارٍ عن شخص آخر مفقود. وكانت وزارة الخارجية الهندية قد قالت إن المفقود مواطن هندي، وإن سفارتها في عُمان تتابع عمليات البحث والإنقاذ مع السلطات العُمانية.
وقالت عمليات التجارة البحرية البريطانية إن الهجوم وقع على بعد نحو 17 كيلومتراً شرقي شبه جزيرة مسندم العُمانية، وأدى إلى اندلاع حريق دفع الطاقم إلى إخلاء السفينة.

وقال «الحرس الثوري» إن الحادث جاء بعد تحذير سابق من أن «تدخلات الأجانب» وتحديد «مسارات غير قانونية» لحركة السفن في مضيق هرمز سيقابلان بـ«تعامل حاسم»، وسيؤديان إلى تعطيل مسار زيادة حركة العبور في المضيق.
وأعلن البيان أنه، بعد هذا الحادث، سيبقى مضيق هرمز مغلقاً حتى إشعار آخر و«إلى حين انتهاء التدخلات الأميركية في هذه المنطقة»، مؤكداً أنه لن يُسمح لأي سفينة بالعبور.
وحذر «الحرس الثوري» من أن أي «خطأ» أو «عدوان جديد» على إيران بذريعة الحادث سيقابل برد «شديد»، مع التهديد باستهداف «قواعد جديدة للعدو في المنطقة».
وفي بيان منفصل لاحق، قال «الحرس الثوري» إنه استهدف سفينة ثانية في مضيق هرمز وأوقفها، في إطار ما وصفه بـ«الرد» على الضربات الأميركية التي طالت مدناً ومواقع في جنوب إيران.
وقالت وكالة «ميزان» التابعة للسلطة القضائية الإيرانية إن العبور من مضيق هرمز «غير ممكن حالياً»، في تأكيد إضافي للإغلاق الذي أعلنته طهران. كما قالت الهيئة الإيرانية المزعومة لإدارة المضيق إن التصاريح ستمنح مجدداً «فور عودة الاستقرار والهدوء»، مرجعة التعليق إلى ما وصفته بـ«التحركات غير القانونية» للقوات الأميركية في المنطقة.

ضربة أميركية واسعة
لكن الرد الأميركي جاء سريعاً. وقالت «سنتكوم» إن قواتها بدأت تنفيذ الجولة الثالثة من الضربات ضد إيران هذا الأسبوع، رداً على ما وصفته بهجوم «سافر» على سفينة تجارية تعبر المضيق.
وقالت القيادة الأميركية إن إيران مُنحت «فرصة أخرى» لإظهار التزامها بمذكرة التفاهم بعد تحميلها المسؤولية عن هجمات سابقة على سفن تجارية، لكنها «فشلت مجدداً». وأضافت أن الولايات المتحدة ترد بفرض «كلفة باهظة» عبر مواصلة إضعاف قدرة إيران على مهاجمة البحارة المدنيين والسفن التجارية التي تعبر المضيق بحرية.
وأفاد بيان «سنتكوم» بأن القوات الأميركية ضربت نحو 140 هدفاً عسكرياً في إيران، في ختام الجولة الثالثة من الضربات التي نُفذت هذا الأسبوع، ليرتفع عدد الأهداف التي أعلنت واشنطن ضربها خلال ثلاث ليالٍ إلى أكثر من 300 هدف، بأوامر من الرئيس الأميركي، بهدف تقليص قدرة طهران على مهاجمة البحارة المدنيين والسفن التجارية في مضيق هرمز.
وقالت «سنتكوم» إن الضربات نُفذت بذخائر موجهة، وباستخدام مقاتلات متمركزة في البر والبحر، وطائرات مسيّرة، وسفن تابعة للبحرية الأميركية. وشملت الأهداف مواقع صواريخ وطائرات مسيّرة، وقدرات بحرية، ومخازن ذخيرة، وشبكات اتصالات، ومراكز مراقبة ساحلية.
وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، في منشور مقتضب، إن إيران «اتخذت خياراً سيئاً» بإطلاقها النار على سفينة في مضيق هرمز، مضيفاً: «وها هي الآن تدفع الثمن».
ورغم إعلان طهران إغلاق المضيق، قالت «سنتكوم» إن سفناً تجارية لا تزال تواصل عبور الممر المائي. ولم يتضح على الفور حجم حركة الملاحة بعد الإعلان الإيراني، ولا ما إذا كانت السفن العابرة تستخدم مسارات بديلة قرب المياه العُمانية.

وكانت الجولة الثالثة امتداداً لضربات أميركية مكثفة نُفذت يومي الأربعاء والخميس، قالت «سنتكوم» إنها استهدفت خلالها نحو 170 موقعاً عسكرياً إيرانياً، بينها منظومات دفاع جوي، ومواقع قيادة وسيطرة، ورادارات ساحلية، ومنصات صواريخ مضادة للسفن، ومخازن صواريخ ومسيّرات، إضافة إلى زوارق سريعة ومراكز مراقبة مرتبطة بمضيق هرمز.
وقالت القيادة الأميركية إن تلك الضربات جاءت رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في المضيق، وهدفت إلى تقليص قدرة إيران على تهديد الملاحة المدنية. وأفادت وسائل إعلام إيرانية، لاحقاً، بأن الغارات الجوية والصاروخية التي طالت ست مدن إيرانية خلال يومي الأربعاء والخميس أسفرت عن مقتل 17 شخصاً وإصابة 115 آخرين.
وامتد نطاق تلك الضربات من مواقع ساحلية في جنوب إيران وجنوبها الشرقي، بينها بندر عباس وبوشهر وجاسك وكنارك، إلى نقاط داخلية مرتبطة بالبنية العسكرية واللوجستية، قبل أن تعود المواجهة، فجر الأحد، إلى مضيق هرمز نفسه مع إعلان «الحرس الثوري» إغلاقه واستهداف سفن قال إنها خالفت مسارات العبور التي تعتمدها طهران.
انفجارات على الساحل
بالتزامن مع الجولة الأميركية الثالثة، أفادت وسائل إعلام إيرانية بوقوع انفجارات في عدد من المدن الساحلية والمناطق الجنوبية، بينها بندر عباس وسيريك وجاسك وجزيرة قشم، إضافة إلى محافظة الأحواز الحدودية مع العراق. ولم ترد تقارير فورية عن سقوط ضحايا.
وكان التلفزيون الإيراني قد أورد، في سلسلة تحديثات، سماع دوي انفجارات في عسلوية وبندر دير وبندر عباس وسيريك وتشابهار. وقال إن ثلاثة انفجارات تأكدت في بندر عباس، وثلاثة أخرى في سيريك، فيما أفاد مراسله بسماع أربعة انفجارات في عسلوية، وخمسة في دير بمحافظة بوشهر. وقال مسؤولون محليون إن ضربات أميركية طالت أربع نقاط في بوشهر، حيث أصابت 10 مقذوفات ثلاث مناطق داخل المدينة ومنطقة رابعة قرب جغادك، من دون تسجيل خسائر بشرية حتى الآن.
وقال التلفزيون إن الأصوات التي سُمعت في تشابهار تعود إلى هجوم أميركي استهدف منطقة في كنارك. ونقل عن حاكم قشم قوله إنه لم تُسجل إصابات في الجزيرة حتى تلك اللحظة، فيما قال حاكم ميناب إنه لم يُسمع دوي انفجار في منطقته.
وتقع كثير من المواقع التي تحدثت عنها وسائل الإعلام الإيرانية على امتداد الساحل الجنوبي، قرب مضيق هرمز أو الموانئ والمنشآت المرتبطة بالملاحة والطاقة. ويعد ميناء بندر عباس، أحد أبرز المراكز البحرية الإيرانية، كما أن موانئ جاسك وكنارك وتشابهار تلعب دوراً مهماً في عمليات بحرية الجيش النظامي، وهي مناطق سبق أن برزت في جولات سابقة من الضربات المتبادلة.
وفي محافظة لرستان، غرب البلاد، قال «الحرس الثوري» إن دفاعاته أسقطت «صاروخ كروز أميركياً» في محيط مدينة خرم آباد. ونقلت «إرنا» عن العلاقات العامة لـ«الحرس الثوري» في لرستان أن منظومة دفاع جوي تابعة له اعترضت الصاروخ في منطقة «دره» قرب المدينة.
وقال مسؤولون أمنيون في المحافظة إن «معزز» مقذوف إيراني سقط على موقف سيارات في أحد الأحياء السكنية بمدينة دورود، ما أدى إلى أضرار مادية محدودة. ونقلت وسائل إعلام محلية عن سعيد بورعلي، معاون الشؤون السياسية والأمنية في محافظة لرستان، قوله إن الحادث لم يسفر عن خسائر بشرية أو أضرار جسيمة، نافياً تعرض المدينة لهجوم صاروخي.
وفي وسط البلاد، قالت وكالة «إرنا» إن «منطقة عسكرية» في خنداب تعرضت لمقذوفات، وإن فرق التقييم والإنقاذ أُرسلت إلى الموقع لتقدير الخسائر. وتقع خنداب في المنطقة التي تضم منشآت الماء الثقيل في أراك.

وقالت وكالة «مهر» الإيرانية إن هجوماً أميركياً، صباح الأحد، استهدف «برج اتصالات» في مرتفعات جنوب محافظة كرمان، ما أدى إلى إصابة شخصين.
ونقلت الوكالة عن رحمان جلالي، معاون الشؤون الأمنية والشرطية في محافظة كرمان، قوله إن المصابين نُقلا بواسطة مروحية إلى مراكز علاجية بعد وصول فرق الإسعاف إلى الموقع، وإن علاجهما جارٍ.
ولم يحدد المسؤول موقع البرج بدقة أو طبيعة الأضرار التي لحقت به.
وأفادت وكالتا «مهر» و«تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، نقلاً عن مسؤول محلي، بأن الضربات الأميركية ليل السبت - الأحد أسفرت عن مقتل الملازم حميد رضا دهقاني، من القوات البحرية الإيرانية، خلال هجوم استهدف ميناء جاسك في جنوب إيران.
وقال المسؤول إن دهقاني قُتل في ما وصفه بـ«الهجوم الإجرامي الإرهابي» الذي شنته الولايات المتحدة على الميناء. ولم تورد الوكالتان تفاصيل إضافية عن حجم الأضرار في الموقع.
وكانت وسائل إعلام إيرانية قد أفادت بأن الغارات الجوية والصاروخية الأميركية التي استهدفت ست مدن إيرانية يومي الأربعاء والخميس أسفرت عن مقتل 17 شخصاً وإصابة 115 آخرين، في حصيلة سبقت الجولة الأميركية الثالثة من الضربات.
رد إيراني محدود النطاق
وفي رد موازٍ على الضربات الأميركية، أعلن «الحرس الثوري» أنه استهدف قواعد ومواقع عسكرية تستخدمها الولايات المتحدة في الأردن والكويت والبحرين وقطر، باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة.
وقال «الحرس الثوري» إنه دمر مركزاً للقيادة والسيطرة وحظائر للطائرات المسيّرة في قاعدة بالأردن، واستهدف موقعاً أميركياً للرادار العسكري في الكويت، وهاجم منصات دعم وتزويد بالوقود لحاملة طائرات أميركية في سلطنة عمان، ودمر مركزاً لصيانة الطائرات المقاتلة ومنشأة للقيادة في قطر.
وقالت قطر إنها اعترضت نيراناً إيرانية قادمة، وأعلنت وزارة الداخلية القطرية إصابة ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، جراء سقوط شظايا من عمليات الاعتراض. كما قالت الكويت إن دفاعاتها تعاملت مع نيران قادمة، فيما دوت صفارات الإنذار في البحرين، وسُمعت انفجارات في الدوحة ومناطق أخرى من الخليج العربي.
وقالت الإمارات إن الهجمات وقعت خارج حدودها، رغم دوي صفارات الإنذار صباحاً. وأفادت وكالة الأنباء العُمانية الرسمية بأن طائرات مسيّرة ضربت مواقع في شمال شرقي عمان، في المنطقة الواقعة على مضيق هرمز.
وقال «الحرس الثوري» إن الوحدة الصاروخية فيه استهدفت، في مرحلة جديدة من الرد، مراكز دعم لوجستي وساحات تزويد بالوقود مرتبطة بحاملات طائرات أميركية في ميناء الدقم العُماني، إضافة إلى منشآت عسكرية في قاعدة الأمير حسن الجوية في الأردن. كما قال إنه استهدف قاعدة العديد في قطر بصواريخ باليستية، مدعياً تدمير مركز للقيادة والسيطرة ومركز لصيانة المقاتلات.
ورغم إعلان «الحرس الثوري» إغلاق مضيق هرمز، قالت «سنتكوم» إن عبور السفن التجارية لا يزال مستمراً عبر الممر المائي، مضيفة أن القوات الأميركية ساعدت، منذ أوائل مايو (أيار)، في عبور أكثر من 800 سفينة تجارية ونحو 400 مليون برميل من النفط الخام عبر المضيق.
واستدعت سلطنة عمان السفير الإيراني للاحتجاج على الهجمات التي استهدفت منطقتين في البلاد، ووصفتها بأنها «غير مسؤولة». كما أصدرت السفارة الأميركية في عُمان تحذيراً لرعاياها في الدقم ومسندم بالبقاء في أماكنهم.
وفي قطر، قالت الدوحة إن إيران تتحمل «المسؤولية القانونية الكاملة» عن الهجوم، بعدما أعلنت إصابة ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، بشظايا ناتجة من اعتراض النيران الإيرانية.
وقال مركز المعلومات البحرية المشتركة، الذي تشرف عليه البحرية الأميركية، إن «المسار الجنوبي» القريب من عُمان لا يزال متاحاً لحركة الملاحة في الاتجاهين، لكنه أبقى مستوى التهديد الأمني في المضيق عند درجة «شديدة».


