«فقرة غامضة» تُلغّم مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران

«هرمز» يعيد رسم حدود التفاوض واحتمالات الحرب

ناقلة نفطية تمر بمضيق «هرمز» في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)
ناقلة نفطية تمر بمضيق «هرمز» في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)
TT

«فقرة غامضة» تُلغّم مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران

ناقلة نفطية تمر بمضيق «هرمز» في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)
ناقلة نفطية تمر بمضيق «هرمز» في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)

لم تعد أزمة مضيق «هرمز» مجرد مواجهة بحرية عابرة بين واشنطن وطهران، ولا تفصيلاً أمنياً في هامش الحرب الأوسع. فالنص الغامض في الفقرة الخامسة من مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية بات، عملياً، مركز الاشتباك السياسي والعسكري والدبلوماسي.

وتحوَّلت هذه الفقرة، التي كان يفترض أن تفتح الطريق أمام استعادة الملاحة، إلى مساحة صراع على معنى «الترتيبات الإيرانية» وحدود الدور الأميركي، وعلى مَن يملك حقَّ إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ولم تنهِ الضربات الأميركية الأخيرة على إيران، وإن كانت شديدة ومحددة وطالت خصوصاً مواقع لـ«الحرس الثوري» ومنظومات دفاع جوي ومخازن صواريخ ومسيّرات، المسار التفاوضي بالكامل. فقد حرصت واشنطن، بعد التصعيد، على القول إن المحادثات الفنية مستمرة، وإنها لا تزال ملتزمةً بإيجاد حل، لكنها أرفقت ذلك برسالة قوة أكثر وضوحاً: «الهجمات على السفن التجارية لم تعد تُقرأ بوصفها خرقاً تكتيكياً، بل بوصفها (أعمالاً إرهابية) وفشلاً إيرانياً في الالتزام بمذكرة تقوم على الأداء لا على النيات»، بحسب المسؤولين الأميركيين.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يعرض في طهران نسخةً موقّعةً من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة... 18 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

ليست أداة تهدئة... بل نزاع

نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين قولهم إن جوهر الخلاف يكمن في صياغة الفقرة الخامسة التي تنصُّ على أنَّ إيران ستبذل «أفضل جهودها» لتأمين مرور السفن التجارية من الخليج إلى بحر عمان وبالعكس. وذلك من دون رسوم لمدة 60 يوماً فقط، وأن حركة الملاحة ستبدأ فوراً مع إزالة العوائق التقنية والعسكرية ونزع الألغام خلال 30 يوماً. كما تنصُّ على حوار بين إيران وسلطنة عمان، بالتشاور مع الدول المشاطئة، لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في المضيق وفق القانون الدولي وحقوق الدول الساحلية.

وقرأت واشنطن هذه الصياغة على أنَّها تعهد إيراني بفتح المضيق وإزالة العوائق التي عطّلت الملاحة. أما طهران، وخصوصاً تيارها المتشدد و«الحرس الثوري»، فتعاملت معها بوصفها اعترافاً أميركياً بدور قيادي لإيران في إدارة الممر، وربما مدخلاً لفرض ترتيبات مرور ورسوم وخدمات تأمين عبر سلطة إيرانية جديدة. لم تعد المشكلة في النص وحده، بل في أنه ترك لكل طرف مساحة كافية لتقديم تفسيره كأنه المعنى الأصلي للتفاهم.

هذا الغموض كان مفيداً لحظة التوقيع، لأنه سمح بتمرير اتفاق أولي في ظرف ضاغط. لكنه أصبح عبئاً بعد التنفيذ. فالطرفان وافقا على لغة عامة، على أمل أن يفرضا تفسيريهما لاحقاً. ومع غياب آلية واضحة لحل الخلافات، تحوَّلت الفقرة إلى مرجع متنازع عليه بدل أن تكون أداة تهدئة.

«هرمز» ورقة نفوذ

وبالنسبة إلى إيران، لا يتعلق مضيق «هرمز» فقط بمرور السفن، بل بمصدر نادر للنفوذ في لحظة ضغط عسكري واقتصادي. فالمضيق هو شريان رئيسي لصادرات النفط والغاز من الخليج، وأي قدرة على التأثير في حركته تمنح طهران ورقةً تفاوضيةً تتجاوز الملف البحري إلى النووي والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي.

وبحسب الصحيفة، بدا إصرار إيران على المسار الشمالي القريب من سواحلها، ورفضها العملي للممر الجنوبي بمحاذاة عمان، جزءاً من معركة أوسع على الاعتراف بالدور. فقبول السفن بممر ترعاه أو تواكبه واشنطن يعني، في القراءة الإيرانية المتشددة، تقويض فكرة أن الفقرة الخامسة منحت طهران موقعاً مركزياً. لذلك جاءت الهجمات بالمسيّرات والصواريخ على سفن استخدمت المسار الجنوبي رسالةً سياسيةً بقدر ما هي عسكرية.

أما دول المنطقة، فتقرأ الأمر بعكس ذلك تماماً. فهي لا تريد أن يتحوَّل المضيق إلى مجال هيمنة إيرانية، ولا أن تصبح صادراتها النفطية والغازية رهينة تصاريح أو رسوم أو ترتيبات تفرضها طهران. لذلك دعمت مساراً أكثر التصاقاً بالمياه العمانية، وتحت مظلة دولية بهدف إعادة الملاحة إلى وضع أقرب لما كان قبل الحرب.

دوي انفجار بمدينة إيران شهر القريبة من الحدود الباكستانية (جنوبي شرق)... فجر 9 يوليو 2026 (تلغرام)

شراء الوقت لتغيير الواقع

تحوُّل موقف ترمب من التهدئة إلى الضرب لم يأتِ، وفق «وول ستريت جورنال»، نتيجة انهيار كامل للتفاوض، بل بسبب قناعة متزايدة بأنَّ إيران تستغل الغموض والمهل الزمنية لتثبيت أمر واقع في المضيق.

وقد كان الاجتماع الذي أبلغه فيه وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث باستهداف سفن تجارية بصواريخ «كروز» ومسيّرات لحظةً مفصليةً. وبافتراض أن السؤال الذي طرحه ترمب على مساعديه: هل لا تزال إيران جادة في الاتفاق النهائي؟ والإجابة التي تشكَّلت داخل غرفة القرار دفعت نحو الضرب.

وبدا أنَّ الرسالة الأميركية من الموجات الأخيرة كانت مزدوجة. فمن جهة، إلغاء جزء كبير من الحوافز التي تضمَّنها وقف إطلاق النار المؤقت، بما في ذلك امتيازات مرتبطة ببيع النفط الإيراني. ومن جهة أخرى، إضعاف القدرة العسكرية لـ«الحرس الثوري» على تهديد حرية الملاحة. وبذلك أرادت واشنطن إعادة التفاوض إلى «معادلة قوة» جديدة، لا يكون فيها الغموض اللغوي كافياً لمنح إيران اليد العليا في البحر.

لكن استمرار المحادثات الفنية بعد الضربات يكشف عن أنَّ الإدارة الأميركية لا تريد، حتى الآن، دفن المسار الدبلوماسي. هي تريد تعديله بالقوة، أو دفع إيران إلى تفسير أضيق للفقرة الخامسة: فتح المضيق وتأمين الملاحة أولاً، ثم بحث الإدارة والخدمات لاحقاً، لا العكس.

لقطة نشرتها «سنتكوم» تظهر دخاناً من موقع غير مُحدَّد بعد إعلان واشنطن موجة ضربات جديدة ضد إيران إثر هجمات على ناقلات في «هرمز» (رويترز)

غموض... ومزيد من الغموض

في المقابل، يطرح التصعيد سؤالاً أكثر تعقيداً عن مركز القرار داخل إيران. وبحسب محللين، فإنَّ غياب المرشد الحالي مجتبى خامنئي عن المشهد في هذه المرحلة الحساسة، يضيف طبقةً من الغموض إلى غموض مذكرة التفاهم نفسها. مَن يملك الكلمة الأخيرة في التفاوض؟ هل الحكومة المدنية؟ أم البرلمان وممثلو التفاوض؟ أم «الحرس الثوري»؟ أم مراكز ظل داخل النظام ترى في «هرمز» الأداة الأخيرة لمنع تراجع النفوذ؟

هذا السؤال مهم لأنَّ أي اتفاق لا تضمنه جهة قادرة على إلزام المؤسسات الأمنية والعسكرية سيبقى هشاً. فإذا كان «الحرس الثوري» يدفع نحو تفسير متشدد للفقرة الخامسة، بينما تواصل قنوات سياسية أو فنية الحديث مع واشنطن، فإنَّ الوسطاء سيواجهون مشكلةً جديةً: ليست فقط تقريب المواقف بين الولايات المتحدة وإيران، بل التأكد من أنَّ الطرف الإيراني الذي يوافق يستطيع تنفيذ ما يوافق عليه.


مقالات ذات صلة

ترمب: لا ضربات على إيران قبل الانتخابات

الولايات المتحدة​ 
قدّمت القيادة المركزية الأميركية إحاطة لشركائها الدوليين في قطاع الشحن البحري حول مضيق هرمز أمس (سنتكوم)

ترمب: لا ضربات على إيران قبل الانتخابات

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الولايات المتحدة لن تستأنف هجماتها العسكرية على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر.

إيلي يوسف (واشنطن) «الشرق الأوسط» (طهران)
المشرق العربي أرشيفية لدخان يتصاعد بعد انفجار بالقرب من منطقة المطار في أربيل بكردستان العراق (أ.ف.ب)

العراق: قصف مخيم لنازحي كردستان إيران بمسيرتين

ذكر جهاز مكافحة الإرهاب في إقليم كردستان العراق، مساء الخميس، تعرض مخيم لنازحي كردستان إيران إلى قصف بمسيرتين في قضاء خبات بمحافظة أربيل (450 كم شمالي بغداد).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)

بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محادثات، الخميس، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان قبيل قمة إقليمية في تركمانستان.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الولايات المتحدة​ مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)

أميركا تفرض عقوبات على 17 سفينة من «أسطول الظل» الإيراني

فرضت الولايات المتحدة، الخميس، عقوبات تستهدف «ما تبقى من أسطول الظل» الإيراني المكوّن من ناقلات تُستخدم لنقل المنتجات النفطية إلى الأسواق الخارجية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح للصحافيين أثناء سيره في الحديقة الجنوبية عند وصوله إلى البيت الأبيض يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ب)

ترمب: نجري محادثات بنّاءة مع إيران ولن نهاجمها قبل الانتخابات

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، إن الولايات المتحدة تُجري محادثات مثمرة مع إيران ولن تشن هجوماً عليها قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الكردستاني» يسحب مسلحيه من تركيا

الرئيسة المشاركة لـ«اتحاد مجتمعات كردستان» ويسي هوزات تقدمت 30 مسلحاً من «العمال الكردستاني» في مراسم رمزية لإحراق الأسلحة شمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)
الرئيسة المشاركة لـ«اتحاد مجتمعات كردستان» ويسي هوزات تقدمت 30 مسلحاً من «العمال الكردستاني» في مراسم رمزية لإحراق الأسلحة شمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)
TT

«الكردستاني» يسحب مسلحيه من تركيا

الرئيسة المشاركة لـ«اتحاد مجتمعات كردستان» ويسي هوزات تقدمت 30 مسلحاً من «العمال الكردستاني» في مراسم رمزية لإحراق الأسلحة شمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)
الرئيسة المشاركة لـ«اتحاد مجتمعات كردستان» ويسي هوزات تقدمت 30 مسلحاً من «العمال الكردستاني» في مراسم رمزية لإحراق الأسلحة شمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)

أعلن «حزب العمال الكردستاني» أنه سحب، مسلحيه من داخل الأراضي التركية والمناطق القريبة، في إطار مساعيه لتسريع عملية السلام.

وقال «الحزب» إنه سحب، قبل أيام قليلة، جميع مسلحيه «الموجودين داخل الأراضي التركية والمناطق القريبة من الحدود، التي لم تكن تشكّل أي خطر لاندلاع نزاع»، عادّاً أنه يكون «بذلك قد نفذ جميع الخطوات المتعلقة بإنهاء الكفاح المسلح، والانتقال إلى العمل السياسي الديمقراطي» في إطار «عملية السلام». وذكر الحزب أنه أخلى أيضاً 4 أنفاق ومواقع عسكرية في متينا غرب زاب (شمال العراق) في الفترة ذاتها، على الرغم من بُعدها عن الحدود، حتى لا تعدّها الدولة التركية تهديداً.

وتوقع الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد، تونجر باكيرهان، أن يعلَن عن انتهاء نزع الأسلحة تماماً في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، استناداً إلى القراءات الميدانية والمعلومات التي تلقاها حزبه من شمال العراق. وقال باكيرهان، في مقابلة تلفزيونية، إن «عملية السلام» تقترب تدريجاً من إتمامها، مؤكداً أن هناك ثقة حقيقية بها مقارنة بالعملية التي أُجريت بين عامي 2013 و2015.


بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
TT

بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محادثات، الخميس، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان قبيل قمة إقليمية في تركمانستان، وجدد له استعداد موسكو للمساعدة في تسوية الحرب في الشرق الأوسط، وفق ما أفادت وكالات الأنباء الروسية.

وقال بوتين: «نحن مستعدون لبذل كل ما في وسعنا للمساهمة في تسوية هذا الوضع»، عادّاً أن إيران تبذل «جهوداً حقيقية لإنهاء النزاع» الذي اندلع بضربات أميركية-إسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط)، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

يأتي ذلك وسط تواصل المساعي الإقليمية لدفع الحوار بين واشنطن وطهران وخفض التصعيد، في وقت شدّدت إيران لهجتها تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، ملوّحة بالرد على أي هجوم جديد، بينما أبقت في الوقت نفسه على استعدادها للتفاوض بشأن برنامجها النووي مع تأكيدها أنها لن تتنازل عن حقوقها «تحت أي ظرف»..


تحذيرات أميركية من هجمات جديدة في أديس أبابا تثير قلقاً

عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات أميركية من هجمات جديدة في أديس أبابا تثير قلقاً

عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

وجّهت الولايات المتحدة تحذيراً لرعاياها في إثيوبيا من هجمات محتملة، وسط نزاع مسلح بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي»، التي تزعم أديس أبابا أنها تتلقى دعماً من الجارة إريتريا، رغم نفي أسمرة.

ويعني ذلك التحذير أن مستوى المخاطر وتوسعها لا يزالان قائمين ويثيران قلقاً، ويفتحان سيناريوهات عدة، أبرزها حرب استنزاف إثيوبية داخلية، أو صدام إثيوبي-إريتري، أو احتواء للتصعيد بوساطة دولية، بحسب تقديرات خبير إثيوبي في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط».

واندلعت المعارك بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، ما أثار مخاوف من عودة الحرب الأهلية المدمرة التي شهدتها البلاد بين عامَي 2020 و2022، ومن اتساع نطاق النزاع إقليمياً.

وتثير المعارك مخاوف من اندلاع حرب أوسع نطاقاً، خصوصاً في حال انسحاب مقاتلي «جبهة تحرير تيغراي» عبر الحدود إلى إريتريا، المتهمة بدعمهم في هذه الجولة من النزاع.

ووسط تلك المعطيات، أصدرت السفارة الأميركية في إثيوبيا تحذيراً أمنياً، الأربعاء، لرعايا بلادها من «احتمال وقوع هجمات بعيدة المدى تستهدف منشآت عسكرية إثيوبية في عدة مناسبات خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول)»، داعية إياهم لعدم السفر إلى أقاليم تيغراي وأمهرة وعفر.

ويرى الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية موسى شيخو، أنه «لا يمكن قراءة التحذيرات الأميركية من هجمات محتملة داخل إثيوبيا بمعزل عن التصعيد العسكري في تيغراي والتدهور المتسارع للعلاقات بين أديس أبابا وأسمرة».

وأعرب خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» عن اعتقاده بأن «هذه التحذيرات لا تعني بالضرورة قرب وقوع هجوم، لكنها تعكس ارتفاع مستوى المخاطر واتساع نطاق التهديدات المحتملة، وتزيد القلق الواسع بشأن الفترة المقبلة».

اتهامات لإريتريا

وشنت طائرات مسيّرة إثيوبية عدة غارات استهدفت قوات إريترية كانت قد وصلت إلى مدينة في شمال إقليم تيغراي، حسبما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، نقلاً عن منظمة «أكليد» المعنية برصد النزاعات وعن شهود عيان.

وتدهورت العلاقات بقوة في الآونة الأخيرة بين البلدين الجارين اللذين خاضا حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000. ومع الاتهامات الإثيوبية لإريتريا بدعم المتمردين في إقليم تيغراي بشمال البلاد، قطعت الجارتان علاقاتهما الدبلوماسية الأسبوع الماضي.

وقالت وزيرة الاتصال الحكومي الإثيوبية إيناتاليم ميليسي لوكالة «بلومبرغ»، الأربعاء: «يجب على جميع القوات العسكرية الأجنبية العاملة داخل أراضينا السيادية الانسحاب فوراً. وعلى وجه الخصوص، يتعين على القوات الإريترية العاملة في تيغراي مغادرة الأراضي الإثيوبية دون تأخير».

وقاتلت إريتريا إلى جانب إثيوبيا ضد الجبهة «الشعبية لتحرير تيغراي» خلال الحرب الأهلية التي استمرت من 2020 إلى 2022، غير أن العلاقات سرعان ما تدهورت وسط اتهام أديس أبابا لأسمرة بدعم الجبهة، على خلفية مخاوف لدى إريتريا من أن تكون إثيوبيا تخطط لغزو أراضيها للحصول على منفذ مباشر إلى البحر الأحمر.

أفراد من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية يتفقدون مركزاً للشرطة في تيغراي (أ.ف.ب)

ويقول الباحث شيخو: «التطورات الميدانية المرتبطة بوجود قوات إريترية داخل شمال إثيوبيا تشير إلى أن الأزمة قد تتجاوز حدود الصراع الداخلي، لتكتسب بُعداً عسكرياً مباشراً بين دولتين، رغم النفي الإريتري لهذه التقارير».

وكان مصدر إريتري مسؤول قد نفى، الأربعاء، وجود قوات لبلاده في إقليم تيغراي، لكنه لم يستبعد في حديثه مع «الشرق الأوسط» الصدام مع إثيوبيا لو مسَّت حدود بلاده. وقال المصدر، الذي فضَّل عدم ذكر اسمه: «لا قوات إريترية في تيغراي، ولكن الاحتكاك والصدام واردان، إذا تم المساس بالحدود الإريترية، فهذا طبيعي».

3 سيناريوهات

ورغم هذا النفي، يعتقد شيخو أن أمام المنطقة ثلاثة سيناريوهات، تتمثل في «احتواء التصعيد عبر الضغوط الدبلوماسية، أو استمرار حرب استنزاف في تيغراي، أو الانزلاق إلى مواجهة إثيوبية–إريترية مفتوحة».

أما إقليمياً، فقد تمتد التداعيات إلى السودان وعفر وأمهرة، وتزيد التوترات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والتنافس على النفوذ.

وإلى جانب إريتريا، تشهد العلاقات بين إثيوبيا والسودان توتراً على خلفية اتهام الخرطوم لأديس أبابا بدعم ميليشيات مسلحة ضد الجيش، واتهام إثيوبي بدعم سوداني لـ«جبهة تحرير تيغراي» وتحالف مسلح دُشن الشهر الماضي لإسقاط حكومة آبي أحمد.

وإزاء تلك التعقيدات، يعتقد شيخو أن «الخطر الأكبر ليس في تعدد الأزمات وحده، بل في احتمال تداخلها وتحولها إلى صراع إقليمي يصعب احتواؤه».