نتنياهو خشي الإدانة وتحسّب للانتخابات... ففاجأ إسرائيل بطلب العفو

المسار القانوني يمتد لأسابيع وقد يتضمن مفاوضات تسبق قرار هرتسوغ

TT

نتنياهو خشي الإدانة وتحسّب للانتخابات... ففاجأ إسرائيل بطلب العفو

نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد موجهة إليه - ديسمبر 2024 (رويترز)
نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد موجهة إليه - ديسمبر 2024 (رويترز)

​فجّر طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، العفو من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، بعد نحو 5 سنوات ونصف سنة على بدء محاكمته، زلزالاً سياسياً وقانونياً في تل أبيب، وأثار تكهنات وردود أفعال واسعة.

وفاجأ نتنياهو، الساحة السياسية في إسرائيل، الأحد، بتقديمه طلب عفو بعد أسبوعين ونصف أسبوع على الرسالة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى هرتسوغ، بالرغبة نفسها في العفو. وذهب محللون إسرائيليون إلى أن طلب العفو جاء بعد أن اقتنع نتنياهو بأنه سيدان في نهاية المطاف، ولأنه يخطط لخوض الانتخابات المقبلة (أكتوبر/تشرين الأول 2026) من دون محاكمة أو إدانات.

وضم طلب نتنياهو رسالتين؛ واحدة موقعة من محاميه أميت حداد، مكونة من 14 صفحة وسُلّمت إلى القسم القانوني في مقر هرتسوغ، والثانية من نتنياهو شخصياً ومكونة من 111 صفحة وموجهة إلى هرتسوغ، يشرح فيها الأسباب التي يجب بموجبها منحه العفو، قبل أن يخرج نتنياهو في مقطع فيديو مصور يشرح للرأي العام لماذا طلب العفو.

عفو من دون إقرار بذنب

ولم يقرّ نتنياهو، بالذنب ولم يبدِ أي ندم ولم يعتذر، بل قال لهرتسوغ، في مقطع مصور، نشره الأحد، إنه مهتم بإجراء المحاكمة لإثبات براءته، لكنه يعتقد أن المصلحة العامة تُملي خلاف ذلك.

وزعم نتنياهو أن محاكمته خلّفت توترات ونزاعات، وأنه يريد عبر إنهاء محاكمته، تحقيق المصالحة بين فئات الشعب وتخفيف حدة الجدل الدائر حولها، في ظل التحديات الأمنية والفرص السياسية التي تواجهها إسرائيل، متعهداً بأنه سيبذل كل ما في وسعه لرأب الصدوع وتحقيق الوحدة واستعادة الثقة في أجهزة الدولة.

معارض لنتنياهو خارج مقرّ المحكمة في تل أبيب - ديسمبر 2024 (أ.ب)

وأوضح نتنياهو أن المحاكمة تعيقه، وأن عليه تكريس كل وقته وقوته وطاقته وذكائه لقيادة إسرائيل في هذه الأيام التاريخية، التي تحمل فرصاً ذهبية قد تُحدث تغييراً جذرياً في الشرق الأوسط بأكمله، إلى جانب المخاطر والتهديدات والتحديات. وفي مجمل الرسالة الطويلة، فإن سبب العفو هو «مصلحة الدولة».

وسعى نتنياهو في رسالته المرئية، إلى استدعاء دعم الرئيس الأميركي، وبعدما قال إنه لا بد من الوحدة الوطنية، شدد على أنه يتفق مع ترمب في الدعوة إلى إنهاء المحاكمة فوراً «لأتمكن، معه، من تعزيز المصالح الحيوية المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة بشكل أكثر حزماً في فترة زمنية من غير المرجح أن تعود».

وأضاف: «أتوقع من كل من يهتم بمصلحة البلاد العليا أن يدعم هذه الخطوة». لكن هذه الكلمات لم تقنع الكثيرين في إسرائيل.

الاستعداد للانتخابات

وقال كتاب أعمدة ومحللون إن الأسباب الحقيقية لطلب العفو مختلفة ومتعلقة بسير جلسات محاكمته، ولأنه يريد خوض الانتخابات المقبلة نظيفاً. وكتب المحلل السياسي المعروف بن كسبيت، أنه يطلب إيقاف محاكمته بعدما انكشف في الاستجواب المضاد كاذباً ومتلعثماً وعاجزاً في الرد على الهدايا التي تلقاها، وأمام ذلك اختار إبطال المحاكمة عبر طلب العفو من هرتسوغ دون اعتراف ودون مسؤولية.

وعلّق باراك سري على موقع «واللا»، أنه «بعد استجواب مضاد أفقده صوابه على منصة الشهود، وحطمه دون إجابات على مبالغ الهدايا والتناقضات، وبعد أن كذب بلا توقف وتورط في تناقضات وتلعثم وتُرك دون إجابات، فهم أكثر من أي شخص آخر أنه لا يوجد مخرج».

نتنياهو قبل الإدلاء بشهادته في محاكمته بتهمة الفساد بالمحكمة المركزية بتل أبيب - ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)

وكتبت جيلي كوهين، المراسلة السياسية في هيئة البث الإسرائيلي (كان)، أن نتنياهو يريد خوض الانتخابات المقبلة من دون محاكمة، بفضل طلب العفو. وأضافت: «ربما يكون نتنياهو، بسبب سنه، مدركاً أن هذه قد تكون الانتخابات الأخيرة التي يخوضها. وربما أدرك نتنياهو، مع رياح الدعم التي تهب من البيت الأبيض، أنه يستطيع ببساطة أن يطلب العفو من دون الاعتراف بأي شيء، وأن يمضي قدماً بكل بساطة».

وكتب إيتمار إيشنر في «يديعوت أحرونوت»، يصف طلب نتنياهو العفو، بأنه عرض سخيف: المسؤول عن الانقسام يطلب العفو من أجل الوحدة. وأضاف: «في طلبه غابت كلمة واحدة: المغفرة أو الندم. لكن نتنياهو لا يملك هذا المفهوم في قاموسه. إنه الضحية، إنه المضطهد. علينا أن نطلب منه العفو. ثم تأتي العبثية: رئيس الوزراء نفسه المسؤول عن الانقسام الكبير بين فئات الشعب والذي يفرقها، هو من يطلب العفو الآن لتحقيق الوحدة ورأب الصدوع. رئيس الوزراء نفسه الذي حارب سلطات الدولة وخنق المتنفذين، هو الآن من يطلب العفو».

ما المسار المتوقع؟

من جهته، قال مكتب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، إنه يدرك أن طلب نتنياهو استثنائي، وله تداعيات كبيرة، وبعد تلقي جميع الآراء ذات الصلة، سينظر الرئيس في الطلب بمسؤولية.

ونشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية الخطوات المقبلة وصولاً إلى قرار هرتسوغ، بحسب مخطط نشره مكتب الرئيس.

ويُفترض أن يخضع طلب نتنياهو لعملية مراجعة في مقر هرتسوغ، الذي سيحيله إلى قسم العفو في وزارة العدل، الذي يتواصل مع الجهات ذات الصلة (مصلحة السجون، وشرطة إسرائيل، ومكتب المدعي العام، وهيئات الرعاية الاجتماعية والطبية، وسلطات التنفيذ، وهيئة التحصيل، وغيرها) بهدف جمع المعلومات وتكوين رأي.

ومن المقرر أن يُحال رأي إدارة العفو إلى وزير العدل، الذي يُصدر رأيه بعد ذلك، وفي حال وجود تضارب في المصالح، تُعيّن الحكومة وزيراً آخر لمناقشة القضية. وينتمي وزير العدل الإسرائيلي الحالي ياريف ليفين، إلى حزب «الليكود» الذي يتزعمه نتنياهو، كما أنه حليف مقرب لرئيس الوزراء.

وستتضمن الخطوة التالية إحالة رأي وزير العدل (أو الآخر المُعين) إلى المكتب القانوني بديوان الرئيس، الذي يُراجع ملف العفو، ويستكمل تفاصيله ويُقدم التوضيحات اللازمة، ثم يُحيله إلى المستشار القانوني للرئيس الذي سيصيغ رأياً قانونياً لرئيس الدولة.

وقد تقتضي الحاجة عند الضرورة إجراء استفسارات ودراسات مع إدارة العفو في وزارة العدل، أو الجهات المعنية الأخرى لاستكمال المواد والحصول على دراسة إضافية. وبعد ذلك يُرفع رأي المستشار القانوني إلى رئيس الدولة مرفقاً بملف العفو وكل المواد اللازمة لاتخاذ قراره.

معارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)

وفي حال قرر هرتسوغ العفو، يوقّع على خطاب العفو الذي يُحال إلى وزير العدل، أو وزير متفق عليه في مكانه للتوقيع عليه، ثم يُرسل إشعار كتابي بقرار الرئيس إلى مقدم الطلب، إلى جانب خطاب العفو.

وفي الحالات التي يقرر فيها الرئيس عدم منح طلب العفو، يُرسل إشعار بقرار الرئيس كتابياً إلى مقدم الطلب، ومن المتوقع أن تستمر هذه العملية أسابيع.

العفو قد مُنح بالفعل

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إنه من الواضح أن العفو إن مُنح بالفعل لنتنياهو، فلن يُمنح إلا بعد مفاوضات مع هرتسوغ. وبالإضافة إلى هذين الطرفين، ستشارك في هذه العملية 3 أطراف معنية: الأول هو وزير العدل ياريف ليفين الذي يدعم العفو بطبيعة الحال، والثاني هو المستشارة القانونية لرئيس الوزراء غالي بهاراف ميارا التي ترأس فريق الادعاء في محاكمة «الألوف». أما الطرف الثالث فهو محكمة العدل العليا التي سيلجأ إليها معارضو العفو إن أرادوا.

ونقلت «يديعوت أحرونوت» عن مصدر تحدث مؤخراً مع مقربين من الرئيس، تكوّن لديه انطباع بأن هرتسوغ مهتم بمنح عفو لتهدئة الأزمة الاجتماعية في إسرائيل، لكنه قد يطلب «صفقة شاملة» تشمل الإقرار بالذنب في بعض التهم الجنائية الموجهة إليه.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتوسط الرئيس الأميركي دونالد ترمب والإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في مطار بن غوريون أكتوبر الماضي (أ.ب)

إضافة إلى ذلك، قد يُطلب من رئيس الوزراء الإعلان عن انتهاء أي تشريع آخر يتعلق بـ«الثورة القانونية» (التي لمح إليها نتنياهو في طلب العفو)، ووقف محاولة عزل النائب العام، والإعلان عن خطوات لرأب الصدع الاجتماعي.

سابقة للعفو من دون إدانة

واستشهد المصدر نفسه الذي نقلت عنه «يديعوت أحرونوت»، بأنه بما أن محكمة العدل العليا، وافقت على العفو في قضية «الخط 300» (قضية سابقة في الثمانينات)، فمن غير المرجح أن ترفض قراراً مماثلاً الآن.

وكان حاييم هرتسوغ والد الرئيس الحالي رئيساً عام 1984، ومنح العفو لضباط «شاباك» قتلوا أسيرين فلسطينيين بعد أن اعتقلا حيَّين، بعد قيامهما بخطف باص إسرائيلي من تل أبيب نحو غزة بهدف مفاوضات حول إطلاق أسرى فلسطينيين، وتم منحهم العفو قبل بدء محاكمتهم، في سابقة لم تتكرر حتى الآن.

ومعروف أن الائتلاف الحاكم يدعم منح نتنياهو العفو، وقد عبّر عن ذلك وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وآخرون.

المعارضة تحتج

لكن المعارضة هاجمت بشدة، وقال رئيس الحزب الديمقراطي، اللواء (احتياط) يائير غولان، إن المذنبين فقط هم من يطلبون العفو. وخاطب رئيس المعارضة يائير لبيد، الرئيس هرتسوغ، قائلاً: «لا يمكنك منح نتنياهو العفو دون الاعتراف بالذنب والتعبير عن الندم والتقاعد من الحياة السياسية».

ودعت حركة «جودة الحكم» رئيس الدولة إلى رفض الطلب فوراً: «إن العفو في خضم إجراءات قانونية يشكل ضربة قاصمة لسيادة القانون ومبدأ المساواة أمام القانون، شريان الحياة للديمقراطية الإسرائيلية. إن منح العفو لرئيس وزراء متهم بجرائم خطيرة من الاحتيال وخيانة الأمانة، سيوجه رسالة واضحة مفادها أن هناك مواطنين فوق القانون».


مقالات ذات صلة

حرب إيران لم تعزز شعبيته... نتنياهو يسعى لتجنب انتخابات مبكرة

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز) p-circle

حرب إيران لم تعزز شعبيته... نتنياهو يسعى لتجنب انتخابات مبكرة

يسارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إقرار الميزانية وتجنب إجراء انتخابات مبكرة من المرجح أن يخسرها لأن الحرب على إيران لم تعزز حتى الآن شعبيته.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتراجع عن موقفه ويرحّل عشرات الألوف من الشمال

على الرغم من أن واشنطن وضعت قيوداً للحرب على لبنان، بمنع إسرائيل من تجاوز نهر الليطاني، قررت القيادتان السياسية والعسكرية في تل أبيب تصعيد العمليات العسكرية.

شؤون إقليمية  رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز) p-circle

نتنياهو: إسرائيل في طور توسيع «المنطقة العازلة» جنوب لبنان

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم (الأربعاء)، إنّ قواته في طور توسيع «المنطقة العازلة» في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية إيرانيون يفحصون حطام منزلهم بعد تعرضه لأضرار جراء ضربة جوية نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل واستهدفت محطة شرطة في طهران (أ.ب)

استطلاع: معظم الأميركيين يرون أن حرب إيران «تجاوزت الحد»

أظهر استطلاع رأي أجرته وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء و«مركز نورك للأبحاث» أن معظم الأميركيين يعتقدون أن حرب إيران «قد تجاوزت الحد»...

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

قبل الهجوم على إيران… نتنياهو ضغط على ترمب لقتل خامنئي

وافق الرئيس الأميركي على ضرب إيران بعد مكالمة مع نتنياهو ضغط فيها لقتل المرشد علي خامنئي، وسط تقديرات بأن العملية قد تفتح الباب لتغيير في بنية الحكم بطهران.

«الشرق الأوسط» (لندن)

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
TT

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)

تلامس حرب إيران شهرها الثاني، بينما تتصاعد جهود دبلوماسية تتصدرها مصر وتركيا وباكستان، لوقف التصعيد وسط تهديدات أميركية وإسرائيلية وإيرانية متبادلة بالتصعيد رغم أحاديث المفاوضات المتواصلة من الرئيس دونالد ترمب، التي لا تقرها طهران.

ذلك الحراك يراه وزير مصري سابق ومحلل مختص بالشأن الإيراني تحدثا لـ«الشرق الأوسط» يحمل «تفاؤلاً حذراً»، خاصة أن فرص نجاحه محدودة لكن ليست مستحيلة، مشيرين إلى أن الأطراف الثلاثة يملكون قدرة على جذب طرفي الصراع رغم التحديات والتهديدات الموجودة.

اتصالات للوسطاء مستمرة

وجرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ونظيره الأميركي، ماركو روبيو، تناول «المستجدات الإقليمية في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة».

وأعرب الوزير الأميركي عن «تقدير الإدارة الأميركية للقيادة المصرية، وللدور البنَّاء الذي تقوم به مصر في الوساطة، وخفض التصعيد بالمنطقة»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية».

وأشار عبد العاطي إلى «الجهود الصادقة التى تبذلها مصر وتركيا وباكستان لتحقيق التهدئة، ودفع الأطراف المعنية لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

وسبق ذلك اتصالان هاتفيان بين عبد العاطي ووزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، ونظيره التركي، هاكان فيدان، لبحث «الجهود والاتصالات المكثفة التي تضطلع بها الدول الثلاث بغية بدء مسار التفاوض المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، وتعزيز خيار الدبلوماسية والحوار بدلاً من التصعيد العسكري»، وفق بيان ثانٍ لـ«الخارجية المصرية»، الجمعة.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء الموقف»، معرباً عن «أمله أن تسفر الجهود المصرية التركية الباكستانية المشتركة والمستمرة الأيام المقبلة إلى خفض التصعيد، وبدء مسار متدرج للتهدئة يسفر عن إنهاء الحرب».

تفاؤل حذر

ويرى رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية ووزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي، أنه رغم الوساطة الجارية والرغبة في حدوث وقف إطلاق نار سريع فإنه يجب تبنِّي حالة من «التفاؤل الحذر الشديد».

وأوضح العرابي أن عملية التفاوض قد لا تخرج عن كونها تكتيكاً متبادلاً من كلا الطرفين؛ حيث تسعى إيران من خلالها إلى كسب المزيد من الوقت، وتحقيق نوع من التهدئة، في حين تحاول الولايات المتحدة تصوير نفسها في موقف المنتصر.

وزير الخارجية المصري في لقاء سابق مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة (الخارجية المصرية)

ويرى رئيس «المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية»، والخبير في الشؤون الإيرانية، الدكتور محمد محسن أبو النور، أن هذه الدول الثلاث تمتلك مزايا نسبية تجعلها مؤهلة لهذا الدور، فمصر تحتفظ بقنوات تقليدية متوازنة مع واشنطن وعلاقات غير تصادمية مع طهران، وتركيا تمتلك خبرة تفاوضية طويلة وتوازناً دقيقاً بين عضويتها في «الناتو» وعلاقاتها الإقليمية، بينما تتمتع باكستان بصلات أمنية وتاريخية مع الطرفين، خصوصاً في ما يتعلق بالملف النووي والتنسيق الإسلامي.

ويرى أن ترحيب ماركو روبيو بهذه الجهود يعكس إدراكاً داخل بعض الدوائر الأميركية أن خيار الضغط الأقصى بلغ حدوده، وأن استمرار المواجهة المفتوحة قد يقود إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه، لافتاً إلى أن هذا الترحيب يمنح الوساطة غطاءً سياسياً مهماً، ويشير إلى أن واشنطن ربما تكون مستعدة لاختبار قنوات غير تقليدية لنقل الرسائل واستكشاف نقاط التلاقي.

سجالات بطريق الوساطة

تحركات الوساطة الثلاثية تأتي وسط تبادل بين طهران وواشنطن بشأن سجال المفاوضات، والتلويح باستمرار الحرب.

وقال الرئيس الأميركي إنه «لا يهتم» بالتوصل إلى اتفاق إذا لم تكن الشروط مناسبة، مضيفاً: «لدينا أهداف أخرى نريد ضربها قبل أن نغادر».

في المقابل، قال وزير الخارجية عباس عراقجي للتلفزيون الرسمي إن بلاده «لا نية لديها للتفاوض»، مضيفاً أن سياسة طهران هي «الاستمرار في المقاومة». مستطرداً: «تُنقل رسائل أحياناً... لكن لا يمكن أبداً اعتبار ذلك حواراً أو مفاوضات نريد إنهاء الحرب بشروطنا وضمان عدم تكرارها».

مبنى سكني في طهران تضرر جراء غارة جوية وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران (رويترز)

وليس التحدي فقط في أن «الفجوة بين الموقفين الإيراني والأميركي لا تزال بعيدة تماماً»، ولكن في موقف إسرائيل التي لا تنظر إلى موضوع الاتفاق بشكل إيجابي، وهي مستعدة لإفشاله عبر استمرار غاراتها وهجماتها على أهداف إيرانية، بحسب العرابي.

وأوضح العرابي أنه في إيران لا يوجد صوت واحد موحد يعبر عن الموقف الرسمي، وفي الولايات المتحدة يتخذ الرئيس قراراً منفرداً بتمديد الفترات الزمنية لوقف الضرب لمنشآت الطاقة، بينما يتبنى نتنياهو أسلوباً مغايراً بالإصرار على استمرار الضربات.

ويعتقد أبو النور أن طهران تنظر عادة إلى مثل هذه الوساطات من زاوية كسر العزلة، وتخفيف الضغوط دون تقديم تنازلات جوهرية، وهو ما يجعل نجاح الوساطة مرهوناً بقدرتها على خلق حوافز متبادلة، وليس مجرد إدارة الأزمة إعلامياً أو مرحلياً.

لكنه يشير أيضاً إلى أن هذه الوساطة تواجه جملة من التهديدات البنيوية، منها تعارض الأهداف الاستراتيجية بين واشنطن وطهران؛ فالأولى تسعى إلى تقييد النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني، بينما ترى الثانية أن هذه الملفات تمثل أدوات قوة سيادية لا يمكن التفاوض عليها بسهولة، بخلاف تعدد ساحات الاشتباك غير المباشر، وهو ما يجعل أي تصعيد ميداني قادراً على إفشال المسار الدبلوماسي في لحظة.

ويخلص أبو النور إلى أن فرص نجاح المفاوضات تظل «محدودة لكنها غير مستحيلة»، ذلك أن نجاح الوساطة لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق شامل، بل قد يتمثل في تحقيق اختراقات جزئية مثل خفض التصعيد، أو فتح قنوات اتصال مباشرة، أو الاتفاق على قواعد اشتباك غير معلنة.


ترمب ينتظر رداً من إيران على مقترح السلام اليوم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب ينتظر رداً من إيران على مقترح السلام اليوم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

قال مصدر مطلع، لوكالة «رويترز» للأنباء، إنه من المتوقع أن يتوافر، في وقت لاحق من اليوم الجمعة، رد من إيران على مقترح السلام الأميركي، الذي يهدف إلى إنهاء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

وذكر المصدر أنه جرى إبلاغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكبار مسؤولي البيت الأبيض عبر وسطاء بأن الرد الإيراني سيصل، على الأرجح، اليوم الجمعة.

وقال ترمب، الخميس، إنه سيمدّد، مرة أخرى، المهلة لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز أو تدمير محطاتها للطاقة، وذلك بعد أن رفضت طهران، في وقت سابق، اقتراحه المؤلَّف من 15 بنداً لإنهاء الحرب التي شنّها مع إسرائيل.

وهدَّد ترمب، خلال اجتماع للوزراء في البيت الأبيض، الخميس، بزيادة الضغط على إيران إذا لم تُبرم اتفاقاً. وكتب لاحقاً على وسائل التواصل الاجتماعي أنه سيعلِّق تنفيذ الهجمات التي هدد بها على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان) 2026 الساعة 20:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة (منتصف ليلة السابع من أبريل بتوقيت غرينتش).

وأضاف، في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «المحادثات جارية، وعلى الرغم من التقارير المغلوطة التي تنفي ذلك وتُروّجها وسائل الإعلام الكاذبة وغيرها، فإنها تسير على نحو جيد».

وتقول إيران إنها لا تُجري أي محادثات مع واشنطن، ولم يحدد ترمب الجهة التي يقول إن الولايات المتحدة تتفاوض معها في إيران، التي قُتل فيها كثير من كبار المسؤولين في الحرب.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن لديه معلومات بوجود اتصالات غير مباشرة، وإن هناك ترتيبات لعقد اجتماع مباشر. وأضاف: «يبدو أن ذلك سيكون قريباً جداً في باكستان».

ونقلت باكستان، التي تربطها علاقات جيدة مع إيران، مقترح واشنطن المكوَّن من 15 بنداً لطهران، كما أبدت استعدادها لاستضافة الاجتماعات.

وفي 23 مارس (آذار)، أعلن ترمب تعليق جميع الضربات التي هدد بها ضد محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة لمدة خمسة أيام. وقال، في منشور أمس، إن المهلة الجديدة تأتي استجابةً لطلب إيراني.


«الأمم المتحدة» توجه نداء لجمع 80 مليون دولار للاجئين في إيران

حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
TT

«الأمم المتحدة» توجه نداء لجمع 80 مليون دولار للاجئين في إيران

حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وجّهت «الأمم المتحدة» نداء لجمع تبرّعات بقيمة 80 مليون دولار لوكالات مختلفة فيها بغية الاستجابة «للحاجات الإنسانية المُلحة» لنحو مليونيْ لاجئ في إيران.

وتُعدّ إيران البلد الذي يستضيف أكبر عدد من اللاجئين على أراضيه ويعيش فيه كثير من المهاجرين، بينهم ملايين الأفغان (4.5 مليون وفق مصادر حكومية) ومئات آلاف العراقيين، وفقاً للأمم المتحدة.

وقال الناطق باسم مفوّضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، بابار بالوش، خلال إحاطة إعلامية في جنيف، إن «التصعيد الأخير في النزاع يضع اللاجئين والمجتمعات المضيفة لهم في إيران في وضع صعب، فهُم يواجهون مشاكل أمنية وأخرى نفسية وخطر خسارة وظائفهم وحاجة طارئة إلى مساكن».

وأشار إلى أن «الزملاء العاملين في المجال الإنساني برعاية المفوّضية السامية أعدّوا خطّة تدخُّل عاجل من أجل اللاجئين بغية مساعدة 1.8 مليون لاجئ (بمن فيهم الأفغان)، فضلاً عن مليون شخص من المجتمعات التي استضافتهم والمتأثّرة بدورها بالنزاع المتصاعد»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ويقضي الهدف بجمع 80 مليون دولار على نحو عاجل بغية الاستجابة «للحاجات الإنسانية الطارئة بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2026».

وقال الناطق باسم المفوّضية الأممية إن «النزاع ألقى بظلاله على النُّظم الاجتماعية الوطنية والحاجات آخذة في التنامي».

وأضاف: «ينبغي ألا ننسى أن معظم اللاجئين الأفغان في إيران يعيشون في قلب المدن وأن الجميع متأثّر. نتلقّى يومياً آلاف الاتصالات من أفغان يائسين يطلبون دعماً ومساعدة».