قائد «الحرس الثوري»: يجب استخلاص العبر... وسوريا ليست مكاناً للتدخل الأجنبي

الشباب يمثلون 90 % من خسائر إيران

سلامي متحدثاً خلال مراسم في طهران أمس (دانشجو)
سلامي متحدثاً خلال مراسم في طهران أمس (دانشجو)
TT

قائد «الحرس الثوري»: يجب استخلاص العبر... وسوريا ليست مكاناً للتدخل الأجنبي

سلامي متحدثاً خلال مراسم في طهران أمس (دانشجو)
سلامي متحدثاً خلال مراسم في طهران أمس (دانشجو)

قال قائد قوات «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي إن سوريا تمثل «درساً مريراً لإيران» و«ليست مكاناً للتدخل الأجنبي»، متوعداً إسرائيل بـ«دفع ثمن باهظ»، وذلك في ثالث خطاب له منذ سقوط بشار الأسد وانسحاب قواته من سوريا.

ودعا سلامي إلى استخلاص العبر مما حدث في سوريا؛ في إشارة إلى الإطاحة بنظام الأسد على يد قوى المعارضة، وكذلك القصف الإسرائيلي الذي تعرضت له سوريا، وقال: «سوريا درس مرير لنا، ويجب أن نأخذ العبرة».

وأنفقت إيران مليارات الدولارات لدعم بشار الأسد خلال الحرب، ونشرت قوات «الحرس الثوري» في سوريا لإبقاء حليفها في السلطة منذ اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011.

ودافع سلامي مرة أخرى، عن تدخل قواته في سوريا. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن سلامي قوله، في هذا الصدد، «رأى الجميع أنه عندما كنا هناك، كان الشعب السوري يعيش بكرامة؛ لأننا كنا نسعى لرفع عزتهم».

وصرح سلامي في مراسم تقديم جائزة قاسم سليماني: «لم نذهب لضم جزء من أراضي سوريا إلى أراضينا، ولم نذهب لنجعلها ميداناً لتحقيق مصالحنا الطموحة».

وتطرق إلى الهجمات الإسرائيلية التي طالت مواقع الجيش السوري في الأيام الأخيرة بعد سقوط نظام بشار الأسد، وقال: «حين سقط النظام السوري، رأينا ما يحدث من أحداث مؤسفة. الصهاينة أصبحوا قادرين على رؤية ما بداخل بيوت أهل دمشق من دون الحاجة إلى أسلحة؛ وهذا أمر لا يمكن تحمله».

وقال: «الآن ندرك أنه إذا لم يصمد الجيش ولم تقاوم القوات المسلحة، فإن البلاد بأكملها قد تُحتل في لحظة»، وأعرب عن اعتقاده بأن «الناس في دمشق يفهمون قيمة رجال المقاومة، ويدركون كم هم أعزاء عندما يكونون موجودين، وكيف ستكون الكارثة إذا غابوا».

وأشار سلامي إلى تصريحات المرشد علي خامنئي بشأن سوريا قبل أيام، وقال: «كما قال قائدنا، فإن سوريا ستحرر على يد شبابها الأبطال، وستدفع إسرائيل ثمناً باهظاً، وستدفن في هذه الأرض».

ورأى أن هذا الأمر «يتطلب وقتاً وصموداً عظيماً وعزماً راسخاً وإيماناً جميلاً»، عاداً ذلك من صفات من وصفهم بـ«الشباب المجاهدين في العالم الإسلامي».

وقال سلامي: «نحن ندافع بحزم عن أمننا واستقلالنا ونظامنا ومصالحنا وتاريخنا وديننا. هذه الأرض ليست أرضاً يمكن للغرباء أن ينظروا إليها بنظرة غير لائقة».

وتحدث سلامي الأسبوع الماضي مرتين إلى نواب البرلمان وقادة قواته. وكان أول ظهور لسلامي الثلاثاء أمام المشرعين الإيرانيين في جلسة مغلقة، لم يحضرها إسماعيل قاآني، مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، ونقل نواب إيرانيون قوله إن إيران «لم تضعف» إقليمياً.

أما الخميس، فقد تحدث سلامي أمام مجموعة من قادة قواته، وقال: «البعض يّروج لفكرة أنَّ النظام الإيراني قد فقد أذرعه الإقليمية، لكن هذا غير صحيح، النظام لم يفقد أذرعه». وأضاف: «الآن أيضاً، الطرق لدعم (جبهة المقاومة) مفتوحة. الدعم لا يقتصر على سوريا وحدها، وقد تأخذ الأوضاع هناك شكلاً جديداً تدريجياً».

وتباينت رواية سلامي مع رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، الذي تحدث بدوره الخميس، عن «الاختلال في العمق الاستراتيجي للقوى المرتبطة بالجمهورية الإسلامية»، رغم أنه توقع أن يتمكن «حزب الله» من التكيف مع الظروف الجديدة.

جاءت تصريحات سلامي، الأحد، في وقت ركزت وسائل إعلام «الحرس الثوري» على حملتها في تبرير الوجود الإيراني خلال الحرب الداخلية السورية، وكذلك سقوط نظام بشار الأسد وتداعياته على إيران وأذرعها الإقليمية.

بعد صمت دام أكثر من 48 ساعة من قبل الإعلام الإيراني إزاء الاحتفالات التي عمت سوريا، وخصوصاً دمشق، بسقوط النظام، كما لم تنشر أي من الصحف الإيرانية صوراً على صفحاتها الأولى من الاحتفالات، أبرزت عدد من الصحف في المقابل آثار القصف الإسرائيلي على مواقع عسكرية سورية، وصوراً من كبار المسؤولين في تركيا، والمعارضة السورية.

على المستوى الرسمي ألقت إيران منذ أولى لحظات سقوط الأسد، اللوم على الجيش السوري، وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل في سقوط حليفها.

قاآني خلال تشييع الجنرال عباس نيلفروشان في طهران 15 أكتوبر 2024 (أ.ب)

خالي الوفاض

قال النائب إسماعيل كوثري، مسؤول الملف العسكري في لجنة الأمن القومي، إن «بشار الأسد كان خالي الوفاض ولم يتمكن من كسب رضا الجيش».

وصرح كوثري، وهو قيادي في «الحرس الثوري»، بأن بشار الأسد «فشل في كسب دعم الجيش بسبب افتقاره للموارد وضعف الدعم، ما أدى إلى انهيار الجيش». وأكد أن الاتصال مع إيران استمر حتى اللحظة الأخيرة، لكن بعض المحيطين بالأسد، مثل رئيس الوزراء وبعض قادة الجيش، عرقلوا هذا التواصل.

وأوضح كوثري أن سوريا كانت نقطة عبور وطريقاً مهماً لدعم «حزب الله»، ولكن بعد رفض الحكومة السورية السماح بالدخول، لم تتمكن إيران من التدخل بالقوة. وأضاف أنه خلال فترة «داعش»، دخلت إيران سوريا بناءً على طلب رسمي وساهمت في القضاء على التنظيم، ما حال دون تمدده نحو الحدود الإيرانية.

وتحدث عن الوضع الحالي، مشيراً إلى أن سوريا ما زالت تحت سيطرة «الكيان الصهيوني وأميركا وعملائهم». وبشأن المستقبل، توقع ظهور خلافات «بين القوى التي اجتمعت بأموال أميركية»، مما سيدفع الشعب السوري إلى إدراك الخداع والبحث عن جهات قادرة على تحقيق الأمن وتحسين الاقتصاد.

ملصقات تحمل صورة زاهدي ونائبه محمد هادي حاجي رحيمي خلال مجلس عزاء في السفارة الإيرانية بدمشق أبريل الماضي (أ.ف.ب)

خسائر «الحرس الثوري»

في سياق متصل، قال الجنرال مهدي فرجي، الذي شارك في الحرب السورية، في حديث لوكالة «فارس»، إن إيران بدأت في إرسال القوات «الاستشارية» منذ 2011، مشدداً على ضرورة «تفسير الأوضاع التي كانت في سوريا حينذاك».

وبرر فرجي وجود إيران بظهور تنظيم «داعش» ومنع وصولها إلى حدود إيران. وأشار إلى دور مسؤول العمليات الخارجية السابق قاسم سليماني، الذي قضى في ضربة أميركية مطلع 2020، وقال: «تنسيق الجيش السوري كان عملاً ذا قيمة كبيرة، حينها لم يكن الجيش السوري ملوثاً إلى هذا الحد، ولكن خلال هذه السنوات العشر، أصبح تأثير العدو على الجيش السوري كاملاً».

كما أشار فرجي إلى الدعم الذي قدمه الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد إلى طهران، في الحرب الإيرانية - العراقية في الثمانينات قرن الماضي. وقال: «لقد أرسلت ذخائر بناء على أمر حافظ الأسد»، ونقل عن بشار الأسد قوله: «حافظ الأسد أوصى ابنه بشار قائلاً: طالما أنكم مع إيران، فأنتم موجودون».

وقال فرجي إن الشباب تحت الـ30 شكلوا 90 في المائة من القوات الإيرانية، ونحو 10 في المائة من المحاربين القدامى في حرب الثمانينات؛ في إشارة إلى قادة «الحرس».

وقال إن «الشباب شكلوا أكثر من 90 في المائة من 540 قتيلاً في الدفاع عن الأضرحة».

وهذه أول مرة قيادي من «الحرس الثوري» يشير إلى مقتل أكثر 500 إيراني في الحرب السورية. وهي نسبة أقل بكثير مما أعلنه نائب إيراني الأسبوع الماضي عن مقتل أكثر من ستة آلاف.

وقال النائب محمد منان رئيسي، وهو مندوب مدينة قم، إن إيران خسرت 6000 من قواتها في الحرب الداخلية السورية. وهي أعلى إحصائية يكشف عنها مسؤول إيراني لعدد قتلى القوات التي أطلق عليها مسؤولون إيرانيون اسم «المدافعين عن الأضرحة».

وتعود أعلى إحصائية إلى 2017، عندما أعلن رئيس منظمة «الشهيد» الإيرانية محمد علي شهيدي، مقتل 2100 عنصر من القوات الإيرانية في سوريا والعراق.

ويرفض «الحرس الثوري» تقديم إحصائيات واضحة عن خسائره البشرية والمادية.


مقالات ذات صلة

خفايا تقويض «حصر السلاح» في بغداد... ترسانة الفصائل باقية حتى 2028

خاص خريجون من كلية الشرطة يستعرضون أمام رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال حفل ببغداد يوم 13 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)

خفايا تقويض «حصر السلاح» في بغداد... ترسانة الفصائل باقية حتى 2028

نجحت فصائل عراقية بمساعدة إيرانية في إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ، وفق مصادر موثوقة.

علي السراي (الرياض)
شؤون إقليمية ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)

كيف أجهض متشددون إيرانيون اتفاق السلام مع ترمب؟

كشف تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» أن هجمات على سفن في مضيق هرمز نفذتها مجموعة متشددة من دون تفويض القيادة العليا وأفشلت مساراً كان يقترب من إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك *)
شؤون إقليمية صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» لمروحية أميركية لدى انطلاقها من حاملة الطائرات «رافائيل بيرالتا» في المنطقة (سنتكوم)

واشنطن تشدد حصار إيران وتقيّد عبور السفن في هرمز

أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن نحو 100 سفينة تجارية غيّرت مسارها خلال الـ60 يوماً الماضية في إطار تطبيق الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران

«الشرق الأوسط» (واشنطن -لندن)
المشرق العربي ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)

العراق يضبط مسيرات وصواريخ في الصحراء الغربية

أعلنت وزارة الداخلية العراقية، السبت، عن ضبط 47 طائرة مسيّرة و46 مقذوفاً في موقع مهجور غرب المحافظة، يرجح أنه تابع لأحد الفصائل المسلحة.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي مسافرون عند معبر الشلامجة الحدودي بين العراق وإيران بعد أن أمرت السلطات العراقية بإغلاقه كإجراء احترازي عقب أحدث هجمات بطائرات مسيّرة على السعودية يوم 12 سبتمبر 2026 (رويترز)

العراق يغلق معابر مع إيران ويلاحق «منفذي هجمات» على السعودية

أعفى رئيس الحكومة العراقية قادة أمن في محافظة ميسان جنوب البلاد، على خلفية إطلاق مسيَّرات ملغَّمة استهدفت المملكة العربية السعودية.

حمزة مصطفى (بغداد)

مسلّحون مجهولون يقتلون أحد كبار رجال الدين السنّة في إيران

صورة من أحد شوارع طهران يوم 9 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
صورة من أحد شوارع طهران يوم 9 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

مسلّحون مجهولون يقتلون أحد كبار رجال الدين السنّة في إيران

صورة من أحد شوارع طهران يوم 9 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
صورة من أحد شوارع طهران يوم 9 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ذكرت وكالة «إرنا» الإيرانية الرسمية للأنباء أن مولوي يوسف كوركيج، ‌وهو ‌رجل ​دين ‌سني ⁠رفيع المستوى، ​قُتل برصاص ⁠مسلحين مجهولين في جنوب شرقي إيران اليوم الاثنين.

ونقلت ‌«إرنا» عن ‌أحد ​الحكام ‌المحليين ‌قوله إن كوركيج «كان ناشطاً في مكافحة ‌العناصر المثيرة للانقسام والصهيونية»، ⁠وهو ⁠وصف يشير إلى أن رجل الدين كان مؤيداً للحكومة، وفق ما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.


دعوات إلى تنويع مسارات تصدير الطاقة وسط مؤشرات جديدة على اضطراب الملاحة في هرمز

عباس عراقجي وبدر البوسعيدي في محادثات سابقة بطهران (الخارجية الإيرانية)
عباس عراقجي وبدر البوسعيدي في محادثات سابقة بطهران (الخارجية الإيرانية)
TT

دعوات إلى تنويع مسارات تصدير الطاقة وسط مؤشرات جديدة على اضطراب الملاحة في هرمز

عباس عراقجي وبدر البوسعيدي في محادثات سابقة بطهران (الخارجية الإيرانية)
عباس عراقجي وبدر البوسعيدي في محادثات سابقة بطهران (الخارجية الإيرانية)

أرجأت سلطنة عُمان اجتماعاً كان مقرراً، يوم الاثنين، بين إيران ودول عربية وخليجية، لبحث مستقبل مضيق هرمز الاستراتيجي الذي تشلّ طهران الملاحة فيه منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، في حين تتزايد الدعوات والضغوط على دول المنطقة لإيجاد طرق بديلة لتصدير الطاقة في ظل استمرار الحرب الأميركية ـ الإيرانية، وتراجع حركة السفن عبر المضيق إلى مستويات متدنية.

وقالت وكالة الأنباء العُمانية الرسمية: «تقرّر تأجيل الاجتماع الإقليمي الذي كان مقرّراً عقده في مدينة صلالة بسلطنة عُمان إلى موعد لاحق، حرصاً على تهيئة الظروف الملائمة لحوار بنّاء يسهم في تحقيق تفاهمات مستدامة تدعم أمن المنطقة واستقرارها». وكتب وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في منشور على «إكس» قائلاً: «ما زلنا ملتزمين بتعزيز حوار يسهم في الاستقرار وفي تعاون مستدام في منطقتنا»، مشيراً إلى أن الاجتماع قد أرجئ «توخّياً للتوافق». وكانت طهران قد أعلنت عن هذا الاجتماع بمشاركة العراق ودول خليجية لم تحدّدها. ولم تؤكّد أيّ دولة من المنطقة مشاركتها، في حين أعلنت البحرين إحجامها عن المشاركة. أما الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فقال إنه لا يبالي للاجتماع، فـ«هذا شأنهم». وكان الاجتماع المرتقب يكتسب أهمية خاصة في ظل المساعي الإقليمية لإعادة تنظيم حركة الملاحة عبر «هرمز»، الذي أصبح إحدى أبرز بؤر التوتر في الحرب المستمرة منذ أواخر فبراير (شباط)، وما ترتب عليها من قيود واسعة على حركة السفن وإمدادات الطاقة.

تراجع حاد في حركة السفن

سفن تجارية راسية وسط الضباب في مضيق هرمز تنتظر العبور (أ.ب)

وتزامن تأجيل الاجتماع مع مؤشرات جديدة على استمرار اضطراب الملاحة في المضيق؛ إذ أظهرت بيانات أولية لتتبع حركة السفن أن عدد سفن البضائع التي عبرت «هرمز» يومياً في مطلع الأسبوع تراجع إلى خانة الآحاد، مقابل متوسط بلغ 14 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.

وأظهرت البيانات خروج أربع سفن من الخليج عبر المضيق، بينها سفينة تحمل غاز البترول المسال، إضافة إلى سفينة محملة بالأسمدة، وأخرى تنقل النفط الخام أو المكثفات. وفي الاتجاه المعاكس، دخلت عشر سفن إلى الخليج، معظمها سفن شحن تحمل سلعاً وحبوباً ومعادن وشحنات سائبة جافة.

ولا تشمل أرقام التتبع بالضرورة جميع السفن؛ إذ يمكن أن تعبر بعض السفن المضيق بعد إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بنظام التعريف الآلي، ما يجعل رصدها أكثر صعوبة.

وجاء ذلك بعد إعلان هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إصابة سفينة بمقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز، في حادث يعكس استمرار المخاطر التي تواجه السفن التجارية في المنطقة.

بدائل لتصدير الطاقة

ومع استمرار صعوبة الملاحة، تتجه دول الخليج بصورة متزايدة إلى تقليص اعتمادها على «هرمز» كممر رئيسي لصادرات الطاقة. وفي هذا الصدد، قال وزير الطاقة والمعادن العماني، سالم العوفي، خلال مؤتمر «جازتك» في بانكوك، إن المنطقة بحاجة إلى تحديد خيارات تصدير بديلة، سواء عبر المسار الشمالي أو من خلال سلطنة عُمان أو اليمن، داعياً إلى تنويع طرق تصدير موارد الطاقة.

وتكتسب الدعوة العمانية أهمية خاصة بالنسبة لصادرات الغاز الطبيعي المسال؛ إذ تمر نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة الخليجية عادة عبر «هرمز». وتمتلك عُمان بالفعل محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال على ساحلها الشرقي، بما يسمح لها بتصدير الغاز من دون المرور بالمضيق.

وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع بحث شركات خليجية عن منشآت لتصدير الغاز من خارج نطاق «هرمز»، في مؤشر على أن أزمة الملاحة قد تدفع دول المنطقة إلى إعادة النظر في البنية التحتية التي تعتمد عليها صادرات الطاقة.

أزمة تتجاوز «هرمز»

أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

وقبل اندلاع الحرب في 28 فبراير كانت نحو 125 سفينة تجارية كبيرة تعبر مضيق هرمز يومياً، من بينها ناقلات النفط والغاز وسفن البضائع والحاويات. وكان المضيق يشكل ممراً رئيسياً لنحو خُمس الإمدادات العالمية اليومية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال. لكن الحصار الأميركي على حركة الشحن المرتبطة بإيران أدى، منذ إعادة فرضه في منتصف يوليو (تموز)، إلى توقف صادرات النفط الخام الإيرانية، في وقت تراجعت فيه حركة الملاحة التجارية بصورة كبيرة.

وفي المقابل، تبدو حركة السفن عبر مضيق باب المندب أكثر استقراراً نسبياً؛ إذ عبرت 24 سفينة شحن السبت و27 سفينة الأحد، مقارنة بمتوسط يقارب 27 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.

وتشير هذه التطورات إلى أن أزمة «هرمز» لم تعد تقتصر على مسألة فتح المضيق أو إغلاقه، بل باتت تدفع دول الخليج إلى البحث عن بنية تصدير أكثر تنوعاً، في حين تتداخل ترتيبات الملاحة مع الحسابات الأمنية والعسكرية للحرب، والتوترات الإقليمية من اليمن إلى الخليج.


«سعي رسمي لسحب جنسية المخرجَين»... هجمة إسرائيلية على فيلم عن غزة

فلسطينيات يبكين محمد اليازوري الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية الخميس الماضي قبيل تشييع جثمانه في خان يونس جنوب غزة (أ.ب)
فلسطينيات يبكين محمد اليازوري الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية الخميس الماضي قبيل تشييع جثمانه في خان يونس جنوب غزة (أ.ب)
TT

«سعي رسمي لسحب جنسية المخرجَين»... هجمة إسرائيلية على فيلم عن غزة

فلسطينيات يبكين محمد اليازوري الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية الخميس الماضي قبيل تشييع جثمانه في خان يونس جنوب غزة (أ.ب)
فلسطينيات يبكين محمد اليازوري الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية الخميس الماضي قبيل تشييع جثمانه في خان يونس جنوب غزة (أ.ب)

بعد فوز فيلم «نازا» بجائزة في مهرجان البندقية وتسهيل ترشيحه للأوسكار، والانتشار الهائل في العالم لاعترافات جنود وضباط بارتكاب جرائم حرب وإبادة في قطاع غزة، أعلن وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي، ميكي زوهار، أنه سيعمل على سحب الجنسية الإسرائيلية من مخرجَي الفيلم الإسرائيليين.

ورأى الوزير في الحكومة التي تخوص انتخابات عامة مهمة الشهر المقبل تعوّل فيها على أصوات اليمين المتطرف، أن المخرجَين يوفال أبراهام، وراحيل تسور، ارتكبا جريمة «الخيانة القومية». وفاز الثنائي بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي عن الفيلم.

واستكمل المسؤولون الرسميون الهجمة على الفيلم، عبر رئيس أركان الجيش، إيال زامير، الذي قرر عقد جلسة خاصة للبحث مع خبراء في القانون الدولي لصد الاتهامات ومنع مزيد من هذه الاعترافات.

المخرجان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل تسور الحاصلان على جائزة لجنة التحكيم عن فيلم «نازا» من مهرجان البندقية (أ.ف.ب)

ورد المخرجان، يوفال أبراهام وراحيل تسور، خلال لقائهما الجمهور في البندقية، الأحد، بالقول: «الوزير يتصرف كالنعامة. ففي هذا الوقت الذي نتحدث فيه معكم يقصف الجيش الإسرائيلي غزة ويقتل مدنيين، ولا يهمه إذا كانوا أطفالاً، وما فعلناه هو أننا أتحنا لضباط في الجيش الإسرائيلي أن يعترفوا بذلك حتى يعرف الجمهور الإسرائيلي ما الذي يفعله الجيش باسمه ويعالج الأمر».

مَن تحدث في الفيلم؟

والفيلم «نازا» وثائقي طويل (80 دقيقة)، يتحدث فيه 24 ضابطاً في الجيش الإسرائيلي، بالأساس من «أمان» (شعبة الاستخبارات العسكرية)، عن ممارسات الجيش الرهيبة في قطاع غزة خلال الحرب. ويصف هؤلاء الضباط ممارسات الجيش على أنها أفعال «تجعل الجنود والضباط يشعرون بأنهم باتوا يعملون في (مصنع للقتل) أو داخل لعبة فيديو فتاكة أثناء استخدامهم أنظمة الاستهداف الإسرائيلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لقصف غزة».

واعترفوا بأن قتل المدنيين، بمن في ذلك الأطفال الفلسطينيون في غزة «عمل متعمد ولا يتم بلا قصد»، كما كشفوا عن أن «الطُرق التي اتُبعت في غزة تتيح لمن يقرر القصف معرفة الهدف بدقة، بما في ذلك أين يختبئ ومع من، بما في ذلك معرفة إن كان معه زوجته وأطفاله، فيقرر الضرب حتى لو مات في القصف 500 شخص».

وقد أثار الفيلم، صدمة لدى عدد كبير ممن شاهدوه. ووصفت مجلة «سكرين» (Screen) السينمائية الفيلم بأنه عمل «مؤلم للغاية ويترك أثراً عميقاً في النفس»، بينما ذكرت مجلة «هوليوود ريبورتر» (The Hollywood Reporter) أنه يثير «الغضب... والشعور بالمهانة والاشمئزاز العميق حيال النظام الإسرائيلي الحالي». ورشّحه بعض النقاد لنيل جائزة «الأسد الذهبي» لأفضل فيلم، وذلك بعدما حصد تصفيقاً حاراً استمر 25 دقيقة إثر عرضه الأول. وراح يكتسح الفيلم الإعلام العالمي، في حين عدّه الإسرائيليون عملاً تخريبياً على الدولة يضيف للعزلة في الخارج.

ومع أن اسم الفيلم «نازا»، مشتق من تعبير استخباري إسرائيلي يُستخدم للدلالة على عدد المدنيين المتوقع قتلهم في غارة جوية، وتعني بالعربية «ضرر جانبي»، فإن تشابهه مع كلمة النازية يهزّ المجتمع الإسرائيلي.

فلسطيني مصاب يُنقل إلى «مستشفى الشفاء» بعد إصابته في غارة جوية شنها الجيش الإسرائيلي على مدينة غزة الاثنين (أ.ب)

وقد أصدر الوزير زوهار بياناً غاضباً هستيرياً، ليل الأحد - الاثنين، قال فيه: «بصفتي وزيراً للثقافة، سأتخذ على الفور إجراءات لسحب الجنسية الإسرائيلية من هذين المخرجَين البغيضين بتهمة الخيانة العظمى للبلاد». وكتب زوهار أن «فوز فيلم (نازا) البغيض في مهرجان البندقية السينمائي، أمر صادم»، مضيفاً أن «كراهية الذات المتأججة لدى صناع الفيلم، والذين هم على استعداد لإلحاق الضرر بوطنهم من أجل نيل تصفيق (واستحسان) المعادين للسامية في جميع أنحاء العالم، أمر لا يُصدق، ويُعدّ خيانة للبلاد».

وقد رد المخرج أبراهام على الوزير بقوله إن الفيلم كشف عن حقائق لا يجوز لصاحب ضمير إخفاؤها. فقد حاولت إسرائيل إبادة الشعب الفلسطيني في غزة. ويجب أن يُعرف الأمر كما هو. ولدى تسلمه الجائزة، قال أبراهام إنه خلال الأيام العشرة التي أعقبت بدء المهرجان، «قتلت إسرائيل في هذه الأيام وحدها ما لا يقل عن ستة أطفال فلسطينيين في غزة بينهم طفل رضيع».

وخاطب الحضور، قائلاً: «أبلغنا ضباط في الاستخبارات الإسرائيلية أن عمليات القتل الجماعي هذه كانت منهجية، ولم تكن وليدة الصدفة، بل ثمرة تخطيط مسبق، وتشمل أفعال قتل وسياسات تقوم على تجريد الفلسطينيين تماماً من إنسانيتهم».

وكشفت وسائل الإعلام العبرية، الاثنين، عن أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، عقد جلسة مشاورات أولية حول أضرار الفيلم على سمعة الجيش وعقد جلسة ثانية، مع خبراء في القانون الدولي لمواجهة تبعات الكشف عن تلك الاعترافات.

كما سبق وأن أصدر الجيش بياناً مطولاً باللغة الإنجليزية يفنّد فيه الاعترافات، ويقول إن «الضباط الصغار الذين ظهروا في الفيلم ليسوا مقاتلين ولا هم من القادة الذين يعرفون كيف تتخذ القرارات؛ ولذلك فإن رواياتهم ناقصة وغير صحيحة، فالجيش يفحص مسبقاً الأضرار الجانبية المتوقعة». وعاد إلى الحجة المعروفة أن «حماس» تستخدم المواطنين، بمن في ذلك أولادهم وأطفالهم درعاً بشرياً؛ ولذلك يقتلون.

ويفتح الفيلم نقاشات داخلية حادة في إسرائيل. ومع أن الغالبية تتعاطف مع الجيش وتتهم الحكومة بأنها تتصرف بعجز ولا تدافع عن ضباطه وجنوده أمام تسونامي الهجوم الإعلامي في العالم، ومع ذلك فهناك شهادات جديدة يدلي بها ضباط آخرون يؤكدون فيها الاعترافات. ويطلبون إجراء أبحاث معمَّقة وصادقة حول الموضوع ومعالجته بشكل عملي ومهني، إذ إن الاكتفاء بنفي المعلومات لا يكفي. فكل ضابط وجندي إسرائيل يصبح اليوم هدفاً للاعتقال في الخارج والمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب.