انسحاب جزئي لـ«الحرس الثوري» من سوريا بعد ضربات إسرائيلية

طهران تعتمد على ميليشيات أفغانية وباكستانية في الحفاظ على وجودها

سكان حي المزة فيلات بدمشق يتفقدون الأضرار في موقع الغارة الإسرائيلية على مبنى تابع لـ«الحرس الثوري» 20 يناير (رويترز)
سكان حي المزة فيلات بدمشق يتفقدون الأضرار في موقع الغارة الإسرائيلية على مبنى تابع لـ«الحرس الثوري» 20 يناير (رويترز)
TT

انسحاب جزئي لـ«الحرس الثوري» من سوريا بعد ضربات إسرائيلية

سكان حي المزة فيلات بدمشق يتفقدون الأضرار في موقع الغارة الإسرائيلية على مبنى تابع لـ«الحرس الثوري» 20 يناير (رويترز)
سكان حي المزة فيلات بدمشق يتفقدون الأضرار في موقع الغارة الإسرائيلية على مبنى تابع لـ«الحرس الثوري» 20 يناير (رويترز)

أفادت «رويترز»، عن مصادر مطّلعة، بأن «الحرس الثوري» الإيراني قلَّص نشر كبار ضباطه في سوريا بسبب سلسلة من الضربات الإسرائيلية المُميتة، مشيرة إلى أنه سيعتمد أكثر على فصائل شيعية متحالفة مع طهران للحفاظ على وجوده هناك.

ويتعرض «الحرس الثوري» لواحدة من أكثر الفترات صعوبة في سوريا منذ وصوله قبل عقد من الزمن لمساعدة الرئيس بشار الأسد في الحرب الأهلية. فمنذ ديسمبر (كانون الأول)، قتلت الضربات الإسرائيلية أكثر من ستة من أعضائه في سوريا، بينهم قياديان كبيران في «فيلق القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري».

وقالت ثلاثة من المصادر إنه بينما تطالب أطراف في التيار المحافظ في طهران، بالثأر، فإن «قرار إيران سحْب كبار الضباط مدفوع جزئياً بحرصها على ألا تنجرّ إلى صراع يحتدم في أنحاء الشرق الأوسط».

وتخشى إيران من تعرض قواتها لضربات انتقامية أميركية، بعد الهجوم الذي أودى بثلاثة جنود أميركيين في قاعدة في الأردن، ونسَبَته واشنطن إلى فصيل مسلَّح مدعوم من إيران، مُحذّرة واشنطن التي توعدت بالرد.

وصدرت دعوات إلى «خفض التصعيد»، و«ضبط النفس»، الثلاثاء، عن روسيا والصين، وحذّرت بكين من «دوامة انتقام» في الشرق الأوسط.

وتعهّد الرئيس الأميركي جو بايدن بردّ «ملائم»، الثلاثاء، من المحتمل أن يتخذ أشكالاً عدّة، وذلك في الوقت الذي قال فيه إنه يُحمّل إيران «المسؤولية» عن تزويد الأشخاص الذين شنّوا الهجوم بالأسلحة، دون أن يوضح ما إذا كان سيستهدف مباشرة الأراضي الإيرانية، مثلما يطالب به قسم من الطبقة السياسية في واشنطن.

وأكد المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، جون كيربي، الاثنين، أن واشنطن «لا تسعى إلى حرب مع إيران». وبمواجهة هذه التهديدات، حرصت طهران على عدم إصدار أي تصريحات حربية، مُفسحة المجال للدبلوماسية.

ودعا وزير خارجية إيران، حسين أمير عبداللهيان، الولايات المتحدة، الأربعاء، إلى «الكفّ عن استخدام لغة التهديد». من جهته، حذّر قائد «الحرس الثوري» الإيراني، حسين سلامي، الأربعاء، من أن إيران مستعدّة لـ«الرد» على أي هجوم. وقال: «نحن لا نريد الحرب ولكننا لا نخاف منها».

تقليص الوجود

وأوضحت المصادر أن «إيران ليست لديها نية للانسحاب من سوريا، وهي جزء أساسي من دائرة (نفوذ) طهران»، لكنها قالت إن «إعادة التفكير تُسلّط الضوء على كيف تتكشف العواقب الإقليمية للحرب التي أشعلها هجوم حركة (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)».

وقال مسؤول أمني إقليمي كبير على اطلاع من جانب طهران، إن «قادة إيرانيين كباراً غادروا سوريا مع عشرات الضباط ذوي الرُّتب المتوسطة»، واصفاً ذلك بأنه تقليص لحجم الوجود.

ولم تذكر مصادر «رويترز» عدد الإيرانيين الذين غادروا، وقالت الوكالة إنها لم تتمكن من تحديد ذلك بشكل مستقلّ. ولم تتمكن «رويترز» من الاتصال بـ«الحرس الثوري»، للحصول على تعليق، كما لم تردَّ وزارة الإعلام السورية على أسئلة عبر البريد الإلكتروني بشأن هذا الموضوع.

وقالت ثلاثة من المصادر إن «الحرس الثوري» سيُدير العمليات السورية عن بُعد، بمساعدة حليفته جماعة «حزب الله» اللبناني. ولم تردَّ الجماعة اللبنانية، على الفور، على طلب للتعليق.

وقال مصدر آخر؛ وهو مسؤول إقليمي مقرَّب من إيران، إن مَن لا يزالون في سوريا غادروا مكاتبهم وأماكن إقامتهم، وابتعدوا عن الأنظار. وأضاف: «الإيرانيون لن يتخلّوا عن سوريا، لكنهم قلّلوا وجودهم وتحركاتهم إلى أقصى حد».

وذكرت المصادر أن التغييرات لم يكن لها تأثير على العمليات حتى الآن. وقال أحد المصادر، وهو إيراني، إن تقليص الحجم «سيساعد طهران على تجنب الانجرار إلى الحرب بين إسرائيل وغزة».

«على عاتق الوكلاء»

ويُصرّ المسؤولون الإيرانيون على وصف حضور القوات العسكرية، خصوصاً «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، بـ«النفوذ» لإظهاره نتيجة عوامل اجتماعية وثقافية وخلفيات تاريخية.

ورغم أن إيران حاولت النأي بنفسها عن الهجمات التي شنّتها جماعات مسلَّحة دخلت المعركة من لبنان واليمن والعراق وسوريا، في إطار ما تسميه «محور المقاومة»، نافية أن تكون تلك الجماعات وكيلة لها في المنطقة، لكنها لم تنفِ تزويد تلك الجماعات بالأسلحة والمال.

وأرسلت إيران آلاف المقاتلين إلى سوريا، خلال الحرب السورية. وبينما كان بين هؤلاء أعضاء من «الحرس الثوري»، يعملون رسمياً في دور مستشارين، كان الجزء الأكبر من الفصائل المسلَّحة الشيعية من أنحاء المنطقة.

تشييع حجت أميدوار مسؤول استخبارات «الحرس الثوري» في سوريا (إرنا)

ومنذ اندلاع حرب غزة، صعّدت إسرائيل حملة الضربات الجوية المستمرة منذ سنوات؛ بهدف تحجيم الوجود الإيراني في سوريا، ومهاجمة كل من «الحرس الثوري»، و«حزب الله» الذي يتبادل بدوره إطلاق النار مع إسرائيل عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ الثامن من أكتوبر الماضي.

ونادراً ما تُعلّق إسرائيل على هجماتها في سوريا، ولم تعلن مسؤوليتها عن أحدث الضربات هناك. وقال الجيش الإسرائيلي، ردّاً على أسئلة لـ«رويترز»، إنه لا يُعلّق على تقارير إعلامية أجنبية.

«اختراق استخباراتي»

ذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن خمسة من أفراد «الحرس الثوري»، بينهم حجت الله أميدوار مسؤول استخبارات «فيلق القدس» في سوريا، قُتلوا خلال هجوم وقع في 20 يناير (كانون الثاني)، وسوّى بالأرض مبنى في دمشق.

وفي هجوم آخر يوم 25 ديسمبر (كانون الأول) خارج دمشق، قُتل مسؤول إمدادات «الحرس الثوري» في سوريا، رضي موسوي، الذي كان مسؤولاً عن التنسيق بين سوريا وإيران أيضاً. وأمَّ المرشد الإيراني علي خامنئي المُصلّين في صلاة جنازته.

وقالت «رويترز» إنها تحدثت إلى ستة مصادر مطّلعة على عمليات الانتشار الإيرانية في سوريا من أجل هذا الموضوع، ورفضوا الكشف عن هويتهم بسبب حساسية الأمر.

وقالت ثلاثة من المصادر إن «الحرس الثوري» أثار مخاوف مع السلطات السورية من أن تسريب معلومات من داخل قوات الأمن السورية لعب دوراً في الضربات المُميتة الأخيرة. وذكر مصدر آخر مُطّلع على العمليات الإيرانية في سوريا أن الضربات الإسرائيلية الدقيقة دفعت «الحرس الثوري» إلى نقل مواقع العمليات ومساكن الضباط، وسط مخاوف من «اختراق استخباراتي».

حرب الظل

وتخوض إسرائيل وإيران، منذ سنوات، حرب ظل في سوريا، وعزَّزت الجماعات المسلَّحة وجودها على مدى سنوات في الحدود الإسرائيلية. ونفّذت إسرائيل ضربات متكررة تهدف إلى صدّ القوات الإيرانية، ومنع نقل الأسلحة المتقدمة إلى «حزب الله».

وتقول الحكومة الإيرانية إن قوات «الحرس الثوري» والجماعات التابعة لها، جاءت إلى سوريا بدعوة من الحكومة السورية، بعد اندلاع الأزمة في 2011. ومنذ البداية، وصفت إيران حضور قواتها بـ«الاستشاري»، لكنها في الوقت نفسه أطلقت تسمية «المُدافعين عن الأضرحة» على قتلاها في سوريا.

وبعد سنوات من استعادة الأسد وحلفائه معظم سوريا، لا تزال الجماعات المدعومة من إيران تعمل في مناطق واسعة.

وعزَّز وجود هذه الجماعات، الدور الإقليمي لإيران، وخصوصاً «الحرس الثوري» الذي امتدّ عبر العراق وسوريا ولبنان إلى البحر المتوسط. ويقول قادة «الحرس الثوري» إن توسع أنشطتهم الإقليمية «أسهم في إعادة توازن القوى بمنطقة غرب آسيا».

وقالت ثلاثة من المصادر إن «(الحرس الثوري) يُجنّد، مرة أخرى، مقاتلين شيعة من أفغانستان وباكستان للانتشار في سوريا، في تكرار لمراحل سابقة من الحرب عندما لعب مُسلّحون شيعة دوراً في تحويل مجرى الصراع»؛ في إشارة إلى تعزيز ميليشيا «فاطميون» للمقاتلين الأفغان، و«زينبيون» للمقاتلين الباكستانيين.

وقال المسؤول الإقليمي المقرَّب من إيران إن «الحرس الثوري يعتمد أكثر على فصائل شيعية سورية».

قاآني يظهر مع قادة في «الحرس الثوري» خلال تأبين مسؤول الإمدادات رضي موسوي الشهر الماضي (تسنيم)

«انسحاب تكتيكي»

وقال جريجوري برو، المحلل في مجموعة أوراسيا لاستشارات المخاطر السياسية، إن الإخفاق في حماية القادة الإيرانيين «قوَّض بوضوح موقف إيران»، لكن من غير المرجح أن تُنهي طهران التزامها تجاه دمشق حفاظاً على دورها في سوريا».

ودعّمت روسيا أيضاً الأسد ونشرت قواتها الجوية في سوريا عام 2015، وأي إضعاف لدور إيران هناك، يمكن أن يكون في صالحها. وقال برو: «موسكو وطهران تعملان معاً بشكل وثيق، لكن علاقتهما قد تتوتر إذا تنافسا علانية في سوريا».

وقالت روسيا، هذا الشهر، إنها تتوقع أن يُوقّع الرئيس فلاديمير بوتين، ونظيره الإيراني إبراهيم رئيسي، معاهدة جديدة قريباً، وسط تعزيز للعلاقات السياسية والتجارية والعسكرية بين البلدين.

ووجّهت وسائل إعلام إيرانية، خلال السنوات الماضية، اتهامات إلى روسيا بأنها تسعى لإبعاد إيران عن إعادة إعمار سوريا وحرمانها من الامتيازات الاقتصادية، لصالح الشركات الروسية.

وهذه ليست المرة الأولى التي تتحدث وسائل إعلام عن انسحاب «الحرس الثوري» من سوريا. وكانت تقارير مماثلة قد انتشرت في نهاية عام 2015، بعد مقتل قائد القوات الإيرانية في سوريا حينذاك حسين همداني، وأنباء عن جرح قاسم سليماني، مع توسع أنشطة إيرانية.

في مايو (أيار) 2020، أفادت وكالة «أسوشيتد برس»، نقلاً عن الجيش الإسرائيلي قوله إن «فيلق القدس» الإيراني بدأ انسحاباً ببطء من سوريا، بسبب الضربات الإسرائيلية، فضلاً عن الاستياء الداخلي جراء تدهور الوضع الاقتصادي الإيراني، وتفشي فيروس جائحة كورونا.


مقالات ذات صلة

سيناريوهات الربح والخسارة لـ«وكلاء إيران» في لبنان والعراق

تحليل إخباري عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)

سيناريوهات الربح والخسارة لـ«وكلاء إيران» في لبنان والعراق

مع دخول «حزب الله» و«الحشد الشعبي» الحرب الحالية دفاعاً عن إيران، ما هي سيناريوهات الربح والخسارة لـ«وكلاء إيران» في كل من لبنان والعراق؟

المحلل العسكري
شؤون إقليمية علي خامنئي يلقي كلمة خلال لقاء مع كبار المسؤولين وعلى يمينه حسن روحاني عندما كان رئيساً للجمهورية ولاريجاني خلال توليه رئاسة البرلمان أبريل 2018 (موقع المرشد) p-circle

أبرز القادة الإيرانيين الذين قتلوا في الحرب

أودت الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران منذ 28 فبراير (شباط) بحياة العديد من كبار الشخصيات السياسية والعسكرية. فمن هم؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي (القبة الحديدية) يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)

الحوثيون يعلنون مسؤوليتهم عن إطلاق صاروخ باتجاه إسرائيل

أعلن الجيش الإسرائيلي أن صاروخاً من اليمن أطلق باتجاه إسرائيل للمرة الأولى منذ بدء الحرب بالشرق الأوسط في 28 فبراير (شباط).

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية ضربات على منشأة عسكرية في ضواحي أصفهان وسط إيران (تلغرام)

هجمات إسرائيل تشتد على منشآت نووية في إيران

كثّفت إسرائيل، الجمعة، ضرباتها داخل إيران عشية دخول الحرب شهرها الثاني، مركزةً على منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي ومواقع إنتاج الصواريخ.

«الشرق الأوسط» (لندن_واشنطن_طهران_تل أبيب)
شؤون إقليمية  ترمب يلقي كلمة خلال فعالية أقيمت في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض(إ.ب.أ)

ترقب للرد الإيراني على شروط ترمب لوقف إطلاق النار

ساد، الجمعة، ترقب بشأن الرد الإيراني عبر الوسطاء على مقترح أميركي لإنهاء الحرب، في وقت تحدث فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تقدم في محادثات وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)

واشنطن ترسل مزيداً من القوات إلى المنطقة

عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)
عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)
TT

واشنطن ترسل مزيداً من القوات إلى المنطقة

عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)
عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)

تشهد الولايات المتحدة توسعاً سريعاً في وجودها العسكري بالشرق الأوسط، في وقت يدرس فيه الرئيس دونالد ترمب خطواته المقبلة في المواجهة مع إيران.

وقالت صحيفة «وول ستريت» الأميركية إن عدد الجنود الأميركيين المُرسلين إلى المنطقة قد يصل إلى 17 ألفاً. وبحسب مسؤولين أميركيين نقلت عنهم تقارير عدة، يدرس البنتاغون إرسال 10 آلاف جندي إضافي إلى المنطقة، وإذا تمت الموافقة على ذلك، فستنضم هذه التعزيزات إلى نحو 5 آلاف من مشاة البحرية (المارينز) ونحو ألفي مظلي من الفرقة 82 المحمولة جواً، الذين سبق أن صدرت أوامر بنشرهم.

ويرى مخططون عسكريون أن هذا الحجم من القوات لا يكفي لشن غزو شامل لإيران، لكنه قد يتيح تنفيذ عمليات محدودة ذات أهمية استراتيجية، مثل السيطرة على مواقع حيوية، أو تأمين مخزونات اليورانيوم، أو استهداف مواقع إيرانية على جزر قريبة من الممرات البحرية الحساسة.

ورغم هذا الحشد، لم يصدر ترمب حتى الآن توجيهاً بإدخال قوات أميركية إلى داخل الأراضي الإيرانية، كما سعى مسؤولون كبار إلى التقليل من احتمالات حدوث غزو بري.

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو إنه لا يتوقع نشر «قوات برية» داخل إيران، في وقت لا تزال فيه الخيارات الدبلوماسية، بما في ذلك احتمال إجراء محادثات مع طهران، مطروحة على الطاولة.

«الوحدة الاستكشافية 31 للمارينز»

قوة من «المارينز» الأميركية (أ.ب)

في المقابل، يمنح وصول وحدة من مشاة البحرية الأميركية إلى المنطقة القادة العسكريين نطاقاً أوسع من الخيارات. فقد وصلت «الوحدة الاستكشافية 31 للمارينز» إلى الشرق الأوسط على متن السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس تريبولي»، حاملةً نحو 3500 بحار وجندي، وفق ما ذكرت قناة «سي إن إن» الأميركية.

وتُعد هذه الوحدة، التي تتمركز عادة في أوكيناوا باليابان، قوة عالية الجاهزية والتدريب، قادرة على تنفيذ مهام سريعة تشمل الهجمات البرمائية، والإنزالات، والعمليات الخاصة، والإخلاء، واعتراض السفن. ويتيح وجودها تنفيذ عمليات معقدة من البحر إلى البر، تجمع بين قوات المشاة والدعم الجوي واللوجيستي ضمن تشكيل متكامل.

كما تتجه وحدة أخرى من المارينز، تضم نحو 2200 جندي وعدداً من السفن الحربية، نحو الشرق الأوسط بعد مغادرتها كاليفورنيا، إلا أن وصولها قد يستغرق عدة أسابيع.

ويأتي هذا الانتشار في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز ومحيطه، وهو ممر حيوي لتجارة النفط العالمية، تأثر جزئياً بهجمات تنسب إلى القوات الإيرانية.

حاملة طائرات أميركية ثالثة

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (موقع البحرية الأميركية)

ولا يقتصر التعزيز العسكري على القوات البرمائية، إذ تتجه حاملة طائرات أميركية ثالثة، هي «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش»، نحو الشرق الأوسط بعد مغادرتها نورفولك في ولاية فيرجينيا، لتنضم إلى حاملتين أخريين تعملان بالفعل في المنطقة.

وتنفذ حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» حالياً طلعات قتالية فوق إيران من شمال بحر العرب، في حين تخضع «يو إس إس جيرالد آر فورد» لأعمال إصلاح في جزيرة كريت عقب حريق وقع على متنها، بعدما تم تمديد فترة انتشارها إلى نحو 11 شهراً. ولم يتضح بعد ما إذا كانت ستعود إلى المنطقة بعد انتهاء الإصلاحات أم ستبقى في شرق المتوسط.

ومن شأن انضمام مجموعة حاملة الطائرات «بوش»، التي ترافقها مدمرات مزودة بصواريخ موجهة، أن يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية المخصصة للعمليات المرتبطة بإيران إلى ثلاث، ما يعزز بشكل كبير القدرة الجوية والمرونة العملياتية للولايات المتحدة.

وتشكل هذه التحركات مجتمعة — من نشر قوات برية ووحدات مارينز ومجموعات حاملات طائرات — وضعاً عسكرياً متعدد الطبقات يهدف إلى منح البيت الأبيض مجموعة واسعة من الخيارات، تتراوح بين الردع وتنفيذ ضربات محدودة، وصولاً إلى عمليات أوسع إذا اقتضت الحاجة.

ومع ذلك، تبدو الإدارة الأميركية حريصة على الموازنة بين الضغط العسكري والإشارات الدبلوماسية. فبينما يعكس هذا الحشد استعداد واشنطن للتصعيد عند الضرورة، يؤكد المسؤولون أن حرباً برية واسعة مع إيران ليست وشيكة ولا حتمية.

ويشير الموقف الأميركي الراهن إلى اعتماد استراتيجية تقوم على المرونة: تموضع القوات بشكل يتيح التحرك السريع والحاسم، مع الإبقاء في الوقت ذاته على نافذة مفتوحة لخفض التصعيد عبر التفاوض.

وتشير تقديرات أميركية إلى أن إيران عدّلت تكتيكاتها بعد الضربات الجوية الأخيرة، فانتقلت من استخدام السفن الكبيرة إلى الزوارق السريعة القادرة على زرع الألغام وتفادي الرصد.

وغالباً ما تنطلق هذه الزوارق من جزر قريبة من المضيق، ما يعقّد جهود تأمين الممر. ويرى خبراء عسكريون أن القوات الأميركية قد تلجأ إلى تنفيذ غارات محددة للسيطرة على هذه الجزر أو تحييدها، إلا أنهم يحذرون من أن تطهير عدد كبير من الجزر سيكون عملية معقدة تستغرق وقتاً طويلاً.

معاهدة حظر الانتشار النووي

السفير الإيراني سعيد إيرواني متحدثاً خلال اجتماع لمجلس الأمن حول حظر الانتشار النووي وإيران (د.ب.أ)

على صعيد آخر، أفاد النائب عن طهران مالك شريعتي بأن البرلمان الإيراني يدرس مشروعاً مستعجلاً بدرجة قصوى تحت عنوان «دعم الحقوق النووية للشعب الإيراني»، يتضمن مقترحات جوهرية تتعلق بالسياسة النووية.

وأوضح أن المشروع يشمل ثلاثة محاور رئيسية: إعلان الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وإلغاء قانون الإجراءات المتبادلة المرتبط بتنفيذ الاتفاق النووي، إضافة إلى دعم إبرام إطار دولي جديد مع دول متقاربة، بينها تكتلات مثل «شنغهاي» و«بريكس»، لتطوير التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.

وميدانياً، أعلن «الحرس الثوري»، يوم السبت، تنفيذ موجات إضافية من الهجمات الصاروخية والمسيّرات، مستهدفاً ما قال إنها مواقع صناعية وعسكرية إسرائيل و«مرتبطة بالولايات المتحدة».

وذكر في بيان أن الهجمات نفذت باستخدام صواريخ بعيدة ومتوسطة المدى وطائرات مسيّرة، مشيراً إلى أنها أصابت «أهدافاً محددة» في «أراضٍ خاضعة لسيطرة إسرائيل ومناطق أخرى»، من دون تقديم تفاصيل مستقلة عن حجم الأضرار.

وأضاف البيان أن الدفاعات الجوية الإيرانية أسقطت طائرة مسيّرة أميركية من طراز«إم كيو-9» في أجواء شيراز، كما تحدث عن إصابة مقاتلة «إف-16» قال إنها أميركية فوق جنوب محافظة فارس. ولم يصدر تأكيد مستقل من الولايات المتحدة بشأن هذه المزاعم.

وفي وقت سابق، قال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية إن بلاده نفذت عملية صاروخية استهدفت ما وصفه بـ«مخابئ لعناصر أميركية» في دبي، بالتوازي مع «ضرب مستودع يستخدم لتخزين أنظمة مضادة للطائرات المسيّرة تعود إلى أوكرانيا»، مضیفاً أن الموقع المستهدف كان يضم 21 عنصراً أوكرانياً.

موجة من الضربات على إيران

آثار الدمار بعد غارة على طهران (أ.ف.ب)

وأفادت معطيات أوردتها تقارير محلية ورسائل ميدانية، لم يتسن التحقق من كثير منها بشكل مستقل، بأن موجة واسعة من الضربات الجوية داخل إيران امتدت من ليل الجمعة إلى نهار السبت، في واحدة من أكثر جولات التصعيد اتساعاً منذ بدء الحرب، مع شمولها طيفاً واسعاً من المدن والمراكز الحضرية.

وبحسب هذه المعطيات، طالت الضربات العاصمة طهران ومدناً رئيسية في محيطها، إضافة إلى مدن وسط البلاد، أبرزها أصفهان وكاشان ويزد وشيراز وتبريز وزنجان وبروجرد وقم، مستهدفة مواقع عسكرية وصاروخية وبنى صناعية، إلى جانب أضرار لحقت بمبانٍ سكنية في بعض المناطق.

في طهران، أفادت روايات متقاطعة بسلسلة ضربات متلاحقة منذ فجر السبت، في الأحياء الشمالية والشرقية والغربية للعاصمة. وذكرت التقارير أن القصف استهدف، منشآت عسكرية وصناعات دفاعية ومنصات إطلاق.

أما في محافظة البرز والمناطق الغربية للعاصمة، فقد تجددت الضربات على ضواحي مدينة كرج و بلدة ملارد التي تضم أكبر مصانع إنتاج ومواقع لوجيستية لتخزين الصواريخ والذخائر في البلاد.

وفي أصفهان، تحدثت التقارير عن واحدة من أعنف الليالي منذ اندلاع النزاع، مع عشرات الانفجارات خلال فترة قصيرة، تركزت في جنوب المدينة وشمالها ووسطها. كما أُبلغ عن ضربات إضافية على منشآت عسكرية في مدينة شهرضا القريبة. وفي كاشان، استهدفت غارات لليوم الثاني على التوالي مواقع صناعية، بعضها يرتبط بقطاع المعادن، وسط انقطاع للكهرباء في بعض المناطق.

وفي يزد، أفادت تقارير بوقوع ضربات فجراً، على مواقع مرتبطة بالبرنامج الصاروخي. وفي شيراز، وردت تقارير عن انفجارات قرب المطار ومناطق عسكرية في جنوب المدينة.

كما أبلغ عن انفجارات في تبريز شمال غربي البلاد، وذلك غداة ضرب منشآت بحثية يعتقد ارتباطها ببرامج متقدمة لمحركات الصواريخ، فيما أشارت تقارير أخرى إلى ضربة استهدفت مبنى سكنياً في زنجان فيما بدا هجوماً دقيقاً، وأفيد لاحقاً بأنها استهدفت مقر إقامة ميثم مطيعي، المنشد الديني في مكتب المرشد الإيراني، ولم يتم تأكيده رسمياً. وفي بروجرد، تحدثت روايات عن استهداف مبنى سكني مع ترجيحات بارتباطه بعملية اغتيال.


تركيا تُحذّر من اتّساع حرب إيران وتدعو للدبلوماسية والتعاون الإقليمي

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حذّر من اتساع نطاق حرب إيران يوم 28 مارس (الخارجية التركية - إكس)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حذّر من اتساع نطاق حرب إيران يوم 28 مارس (الخارجية التركية - إكس)
TT

تركيا تُحذّر من اتّساع حرب إيران وتدعو للدبلوماسية والتعاون الإقليمي

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حذّر من اتساع نطاق حرب إيران يوم 28 مارس (الخارجية التركية - إكس)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حذّر من اتساع نطاق حرب إيران يوم 28 مارس (الخارجية التركية - إكس)

حذّرت تركيا من اتساع نطاق حرب إيران، معتبرة أنها «بدأت بشكل مخالف للقانون الدولي» وأن السبيل الوحيد لإنهائها هو الدبلوماسية والتعاون الإقليمي.

وأجرى وزير الدفاع التركي، يشار غولر، اتصالاً هاتفياً السبت، مع القائم بأعمال وزير الدفاع الإيراني، سيد مجيد ابن الرضا، تم خلاله بحث آخر مستجدات الحرب والتطورات في المنطقة، وتبادل وجهات النظر حول قضايا الدفاع والأمن على المستويين الثنائي والإقليمي، حسبما ذكرت وزارة الدفاع التركية في حسابها على «إكس».

كما أجرى وزير الخارجية، هاكان فيدان، اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني عباس عراقجي لبحث آخر التطورات.

دعوة للتعاون الإقليمي

وقال فيدان إن «الهجمات على إيران دفعت المنطقة إلى حافة حرب واسعة النطاق»، وإن «الحل يكمن في الدبلوماسية والتعاون الإقليمي». وانتقد فيدان، في كلمة، السبت، خلال «قمة الاتصالات الاستراتيجية الدولية (ستراتكوم 26)» بإسطنبول، النظام العالمي الحالي ووصفه بأنه «مختل وظيفياً، ومشلول، وغير قابل للاستمرار».

وأضاف أن الهجمات «غير المشروعة على إيران، التي أشعل فتيلها التصعيد الإسرائيلي المتواصل، دفعت المنطقة إلى حافة حرب أوسع»، لافتاً إلى أن «هذه الحرب قد تكون حرباً اختارتها إسرائيل، لكن العالم بأسره يدفع ثمنها، حيث تتزايد التكاليف الجيوسياسية والاقتصادية بسرعة».

فيدان متحدثاً خلال قمة «ستراتكوم» في إسطنبول يوم 28 مارس (الخارجية التركية - إكس)

وجدّد دعوة بلاده إلى «أقصى درجات ضبط النفس؛ لأن هذا الصراع لديه القدرة على إلحاق جراح عميقة بالشعوب التي تتشابك مصائرها في منطقتنا». ولفت فيدان إلى أن التطورات الأخيرة عزّزت التضامن الإقليمي، وكشفت عن مواطن الضعف في الترتيبات الأمنية القائمة، قائلاً: «يجب علينا ضمان أمن منطقتنا. عندما يسود السلام، ننتصر معاً؛ وعندما يندلع الصراع، نخسر معاً».

وأكّد ضرورة أن تستفيد دول المنطقة من دروس الماضي، وأن تتخلى «عن هيكلية منفتحة على التدخلات الخارجية»، مُوضّحاً أنه «بالإمكان كسر حلقة الصراع المفرغة من خلال رؤية مشتركة وتعاون مثمر يهدف إلى تجاوز التوترات وتعزيز التعاون الذي يخدم المصالح المشتركة لشعوب المنطقة».

مسار المفاوضات

وعشية مشاركته في اجتماع تشاوري في إسلام آباد مع وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان لبحث التطورات الإقليمية، قال فيدان إن «هدفنا الأول هو وقف الحرب. وأثناء قيامنا بذلك، من المهم بالنسبة لنا ألا (يتّسع الصراع) أكثر، وألا ينتقل إلى دول أخرى، وألا تنشأ عداوات دائمة أو حالات عدم استقرار في المنطقة، ونأمل أن تنتهي بطريقة أو بأخرى».

فيدان متحدثاً خلال مقابلة تلفزيونية يوم 27 مارس (الخارجية التركية)

ولفت فيدان، خلال مقابلة تلفزيونية ليل الجمعة إلى السبت، إلى أن الجهات الفاعلة الأخرى أيضاً بدأت ترى التهديدات الناجمة عن الحرب. وقال: «يبدو أنه تم الوصول إلى مرحلة المفاوضات (...) وهناك تبادل رسائل عبر باكستان. الأميركيون ينسقون هذا الأمر معنا أيضاً، ونحن نتحدث معهم، كما نقوم بتزويد الإيرانيين بالمعلومات في هذا الصدد». ولفت إلى أن «المواقف التفاوضية الحالية للطرفين تختلف عن مواقفهما قبل الحرب».

وتابع كبير الدبلوماسيين الأتراك أن «الحرب وصلت إلى مرحلة متقدمة، ووقع قدر من الدمار في إيران. لذلك، فإن المطالب المطروحة في المفاوضات ستكون بطبيعة الحال مختلفة، وهذا يجعل مهمة الوسطاء أكثر صعوبة، لكننا سنواصل العمل دون أن نفقد الأمل». وأكد فيدان أن «العالم بأسره يتطلع إلى إنهاء هذه الحرب في أقرب وقت، وزوال آثارها السلبية، ومن الضروري أن تُترجم بعض الدول المحورية هذا إلى واقع ملموس».


الجيش الإسرائيلي سيضرب جميع مواقع الصناعات العسكرية الإيرانية

آثار الدمار بعد غارة على طهران (أ.ف.ب)
آثار الدمار بعد غارة على طهران (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي سيضرب جميع مواقع الصناعات العسكرية الإيرانية

آثار الدمار بعد غارة على طهران (أ.ف.ب)
آثار الدمار بعد غارة على طهران (أ.ف.ب)

يُقدّر الجيش الإسرائيلي أنه سيُنهي استهداف جميع مواقع الصناعات العسكرية الإيرانية الرئيسية تقريباً خلال الأيام المقبلة، وفق ما ذكرته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».

وتُعدّ الصناعات الدفاعية الإيرانية واسعة النطاق، إذ تضمّ العديد من الهيئات العسكرية والشركات الخاصة التي تُصنّع أنظمة أسلحة - أو مكوناتها - تشمل الصواريخ الباليستية، والدفاعات الجوية، والأسلحة البحرية، والقدرات السيبرانية، وحتى أقمار التجسس.

وقد استهدف سلاح الجو الإسرائيلي حتى الآن آلافاً من مواقع الصناعات العسكرية الإيرانية خلال الحرب، بما يُقارب الـ70 في المائة من هذه المواقع، وفق «تايمز أوف إسرائيل».

ويقول الجيش الإسرائيلي إنه بات قريباً من استهداف نحو 90 في المائة من المواقع الرئيسية «المُستخدمة لتطوير أسلحة تُهدّد إسرائيل».