جديد «نتفليكس»... حقائق الملكة السمراء وأمراض زوجها النفسية

«شارلوت» يتفوّق على «بريدجرتون» في طرح المسائل الشائكة

«الملكة شارلوت: من حكايات بريدجرتون» مسلسل جديد من إنتاج شوندا رايمز (نتفليكس)
«الملكة شارلوت: من حكايات بريدجرتون» مسلسل جديد من إنتاج شوندا رايمز (نتفليكس)
TT

جديد «نتفليكس»... حقائق الملكة السمراء وأمراض زوجها النفسية

«الملكة شارلوت: من حكايات بريدجرتون» مسلسل جديد من إنتاج شوندا رايمز (نتفليكس)
«الملكة شارلوت: من حكايات بريدجرتون» مسلسل جديد من إنتاج شوندا رايمز (نتفليكس)

في مسلسل «بريدجرتون» الذي عرضت منصة «نتفليكس» جزأيه الأوّل والثاني بين عامَي 2020 و2022، تفرّدت من بين الشخصيات شخصية «الملكة شارلوت». صحيح أنها لم تطلّ بالكثافة ذاتها التي أُتيحت لسِواها من أبطال العمل، إلا أنها لفتت الأنظار وشكّلت حالة متميّزة بتسريحتها الغريبة، وبسلوكياتها غير التقليدية، وببشرتها السمراء.

تساءل المشاهدون كيف أن امرأةً تجسّد دور ملكة إنجلترا في القرن الثامن عشر، تكون من أصحاب البشرة الداكنة. تساءلوا كذلك عن ملكٍ غائب، لم يطلّ في المسلسل سوى مرة واحدة في حالةٍ هستيرية استدعت إخفاءه عن الأنظار.

الملكة شارلوت والملك جورج الثالث... الشخصيتان الأساسيتان في المسلسل (نتفليكس)

بين كاريزما الملكة شارلوت وغموض الملك جورج الثالث، كان لا بدّ من تتمّةٍ تجيب عن تلك التساؤلات وتغوص عميقاً في الشخصية الآسرة التي عُرفت بتسريحتها الغريبة وبتدبيرها أهمّ زيجات المجتمع الإنجليزي.

جاءت تلك التتمّة من خلال مسلسل جديد منبثق عن «بريدجرتون»، ويحمل عنوان «الملكة شارلوت: من حكايات بريدجرتون». تقول منتجتُه وكاتبته الأميركية شوندا رايمز، إنها لو كان باستطاعتها أن تمضي حياتها مع شارلوت وجورج لفعلت.

ليس مستغرباً إذن أن تخصص رايمز مسلسلاً من 6 حلقات لقصة الملكة والملك. ومن غير المستبعَد أن تكون منتجة «Bridgerton»، و«Inventing Anna»، و«Grey’s Anatomy» و«Scandal» وغيرها من أنجح مسلسلات الشاشة الصغيرة، في طور كتابة موسم ثانٍ من «Queen Charlotte: A Bridgerton Story».

ما الحقيقي وما المتخيّل؟

تسير أحداث «الملكة شارلوت» على خطّين متوازيَين: الحاضر حيث الملكة القوية التي تَعرّف إليها الجمهور في «بريدجرتون»، والماضي حيث الأميرة شارلوت القادمة من ألمانيا في الـ17 من عمرها للزواج من ملك إنجلترا الشاب جورج الثالث.

من الطبيعي أن تحتلّ الرجعات الزمنية مساحةً أكبر في المسلسل، غير أن القفزات بين الماضي والحاضر تزيد على حدّها في بعض الأحيان، ما قد يُتعب المُشاهد. ينقذ الموقف سردُ أجزاء من الحكاية بصوت الفنانة جولي أندروز (شخصية «لايدي ويسلداون» التي رافقت المشاهدين في «بريدجرتون»). كما تزيّن المَشاهد الموسيقى التصويرية الكلاسيكية المقتبسة من أغاني بوب معاصرة، بدءاً بأعمال لويتني هيوستن، وصولاً إلى بيونسيه وأليشيا كيز.

شارلوت هي محور الاهتمام، فالفتاة الآتية من بلادها البعيدة للارتباط بملك بناءً على صفقة مصالح أتمّها شقيقها، سرعان ما تكتشف أن زوجها مصابٌ باختلالٍ عصبيّ يؤثّر بشدّة على سلوكياته وعلى علاقتهما الزوجية. لتعويضها عمّا هي فيه ولفرضِ واقع أن الملكة سمراء البشرة، تتدخّل الملكة الأم المتحكّمة بتفاصيل العرش فتستحدث ما يُعرف بـ«التجربة الكبرى» (The Great Experiment)، والتي يُمنَح بموجبها أبناء العرق الأسود في المجتمع الإنجليزي ألقاباً وامتيازات.

لكن هل حدث كل ذلك فعلاً أم أن شوندا رايمز أضافت كثيراً من العناصر المتخيّلة؟ وفق الوقائع التاريخية، فإنّ شارلوت وجورج شخصيتان حقيقيتان تولّيا عرش إنجلترا بين 1760 و1820. لكن ما ليس مؤكداً هو ما إذا كانت الملكة سمراء البشرة فعلاً، أم لا، إذ إن علامات الاستفهام ما زالت تُطرح حتى الآن حول الموضوع، خصوصاً أن اللوحات تجسّدها على أنها بيضاء.

الملكة شارلوت... بين شخصية المسلسل والوقائع التاريخية

وفيما يتعلق بحالة الملك الصحية، فهو فعلاً كان مصاباً بأمراض عصبية ونفسية منها الفصام والهوَس. كما أنه كان شديد الاهتمام بالعلوم والفلك والزراعة. أما «التجربة الكبرى» فهي من بنات أفكار رايمز ولم تحدث إطلاقاً في تاريخ بريطانيا. فخلال فترة حكم جورج الثالث وما بعدها، لم تكن المستعمرات البريطانية قد تخلصت من نظام العبوديّة، وكانت العنصرية سيدة الموقف في مجتمعٍ لم يدمج إطلاقاً أصحاب البشرة السمراء.

كان الملك جورج الثالث مولعاً في العلوم والفلك والزراعة (نتفليكس)

ورود وأشواك

إلى جانب مسائل الأعراق والعنصرية والطبقية، يقارب مسلسل «الملكة شارلوت» قضايا حساسة أخرى كالصحة النفسية. ففي حقبةٍ كانت العوارض العصبية تُصنّف على أنها مَسّ وجنون يستدعيان تدخّل أطبّاء هم أقرب إلى الجلّادين، وقفت شارلوت إلى جانب زوجها الملك لتحتضن مُصابَه وتدافع عنه. تعاملت معه بعطفٍ كبير وقَوّته على ضعفه، من دون أن يُغرق هذا الأمر المسلسل في فائضٍ من الدراما، بل يحافظ العمل على خفّته وأجوائه المرحة.

مقابل الأشواك التي أدمَت علاقتهما، كان الحب بين جورج وشارلوت عميقاً، فقد استمر زواجهما 57 عاماً وأزهر 15 ولداً. بقي منهم 13 على قيد الحياة، ولم يستطع واحد من بينهم أن يُنجب وريثاً للعرش، وهذا ما تنشغل والدتهم بإرغامهم على فعله، خصوصاً أن والدهم الملك الذي تفاقم وضعه العصبي مع تقدّم السن، شارف على الموت.

الممثلة البريطانية غولدا روشفيل في دور الملكة شارلوت (نتفليكس)

من المواضيع الحساسة التي يتطرق إليها المسلسل كذلك العلاقات الإنسانية بين الأسياد والخدَم، والحب بعد سن الخمسين في حياة النساء، خصوصاً الأرامل من بينهنّ. وتبرز في هذا السياق شخصيتا «فيوليت بريدجرتون» و«أغاثا دانبوري»، اللتان تعرّف إليهما المشاهدون في جزأي «بريدجرتون». تجمع بينهما حوارات عميقة حول هذا الموضوع، لتتظهّر حقائق عالقة من المسلسل السابق.

لا يمكن اعتبار «الملكة شارلوت» موسماً ثالثاً من «بريدجرتون»، رغم التشابه الكبير بين العملين شكلاً ومضموناً وضخامةً إنتاجية. لكن المسلسل الجديد هو أكثر تحرّراً وجرأةً، ليس لناحية الفائض المُبالَغ فيه من المشاهد الجنسية فحسب، بل لطرحه مواضيع شائكة طالعة من القرن الثامن عشر، وما زال النقاش حولها دائراً حتى اليوم.

ومن عناصر القوة في المسلسل، اختيار الممثلين الذين جسدوا الشخصيات الرئيسية في مراحل صِباها. لا يكمن التميّز في التَشابه الجسدي فحسب، بل في الأداء الذي كاد يتفوّق على الممثلين القدامى. ومن الأسماء التي لمعت في «الملكة شارلوت» إنديا أمارتيفو في دور «شارلوت»، وأرسيما توماس في شخصية «أغاثا دانبوري».


مقالات ذات صلة

غالتييه مدرب نيوم: الفتح منتعش... والبريك سيلعب أمام الشباب

رياضة سعودية كريستوف غالتييه (الشرق الأوسط)

غالتييه مدرب نيوم: الفتح منتعش... والبريك سيلعب أمام الشباب

أكد الفرنسي كريستوف غالتييه، مدرب فريق نيوم، خلال المؤتمر الصحافي الذي يسبق مواجهة الفتح الجمعة، أن الجهاز الفني أعدّ للمباراة بصورة مميزة.

حامد القرني (تبوك)
رياضة سعودية 5 استوديوهات سعودية للألعاب الإلكترونية تنطلق نحو العالمية (نيوم)

بدعم نيوم... 5 استوديوهات سعودية للألعاب الإلكترونية تنطلق نحو العالمية

أعلنت نيوم، اليوم (الأربعاء)، اختيار 5 استوديوهات سعودية للحصول على تمويل ضمن برنامجها السنوي لمسرعة الأعمال «ليفل أب».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة سعودية رائد أزيبي (نادي نيوم)

حارس نيوم يتعرض لقطع في الرباط الصليبي

تعرض حارس نادي نيوم رائد أزيبي لقطعٍ في الرباط الصليبي الأمامي لركبته اليمنى.

حامد القرني (تبوك)
رياضة سعودية كريستوف غالتييه (الشرق الأوسط)

غالتييه: لن ننظر إلى ترتيب «النجمة» في «الدوري السعودي»

أبدى كريستوف غالتييه، مدرب فريق نيوم، سعادته لاستئناف بطولة «الدوري»، وقال: كانت فترة التوقف طويلة ولم تلعب مباريات رسمية وقمنا بتنظيم معسكر مصغر.

حامد القرني (تبوك)
رياضة سعودية من المواجهة الودية التي جمعت الهلال ونيوم (نادي الهلال)

الهلال يخسر ودية نيوم قبل مواجهة الشارقة «آسيوياً»

خسر الهلال ثاني لقاءاته الودية خلال فترة التوقف وذلك أمام فريق نيوم بنتيجة 1-2، في ختام تحضيرات أزرق العاصمة لاستكمال منافسات الموسم الكروي.

هيثم الزاحم (الرياض )

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر
TT

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

بمناسبة الذكرى الـ66 لرحيل ألبير كامو، حاورت «الشرق الأوسط» ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، «المؤتمنة الأولى» على أرشيفه. عن علاقتها بوالدها تقول: «كان الشخصَ الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي».

وحول العزلة التي فرضتها النخبة الباريسية على والدها، خاصة بعد قطيعته مع جان بول سارتر، روت: «أتذكّر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كانَ والدي جالساً بمفرده (...) أتذكر أنّني سألته: (بابا، هل أنت حزين؟)، فرفع رأسه وأجابني: (أنا وحيد)».

ورفضت انتقادات بعضِ المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، لوالدها لـ«تغييبه» العربَ في سردياته، وتقول إنَّ سعيد تناسى أنَّه «كتب (بؤس منطقة القبائل)، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة (ألجي روبليكان) حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية». وتضيف: «لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني».


ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو
TT

ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو

بمناسبة الذكرى السادسة والستين على رحيل الكاتب والفيلسوف ألبير كامو، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مع ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، التي تتجاوز علاقتها بوالدها الرابطة العائلية، إذ أصبحت «المؤتمنة الأولى» على واحد من أهم الأرشيفات الأدبية في القرن العشرين. وهي تتولى منذ عقود، إدارة حقوق أعماله والإشراف على نشر المخطوطات التي لم ترَ النور في حياته. وكانت وراء النشر التاريخي لروايته غير المكتملة «الرجل الأول» في التسعينات، وهو العمل الذي غيّر الكثير من القراءات النقدية حول سيرة والدها. ورغم إطلالتها الصحافية القليلة فإن السيدة كاترين قبلت حصرياً الإجابة عن أسئلة «الشرق الأوسط» بمناسبة الذكرى السادسة والستين لوالدها. هنا نص الحوار:

> بصفتك المسؤولة عن التركة الأدبية لوالدك ألبير كامو منذ عقود، ما المبادئ التوجيهية التي تعتمدينها عند الترخيص بنشر أي عمل أو فتح أرشيفه للباحثين؟

- لقد كتب والدي الرواية والمسرح والمقال، لذا فإن تعداد المبادئ التي أطبقها عند اتخاذ أي قرار يتطلب وقتاً طويلاً. وبشكل عام، فإني أعتمد في قراراتي على «الحدس» والشعور الداخلي الذي ينتابني في ذلك الوقت. وفي كل الأحوال، فإنني أعدّ أن النتاج الأدبي لوالدي ملك لقرائه أكثر مما هو ملك لي، لذا نادراً ما أجبت بالرفض أو المعارضة.

كاترين كامو

> هل لا تزال هناك في الأرشيف الذي تحتفظين به، شذرات أو مفكرات أو رسائل تعدينها شديدة الخصوصية بحيث لا يمكن عرضها على الجمهور، أو أنك ترين أن كل ما يخص كامو بات ملكاً للتاريخ؟

- لا أرى أن كل ما يخصّ ألبير كامو صار ملكاً للتاريخ بالضرورة. علينا أن نستحضر رؤية والدي للتاريخ، حيث كان يرى أن الكائن البشري أسمى وأهم من التاريخ. وأنا أشاطره هذا الرأي تماماً.

> بعد عقود من القراءة المتأنية لكل ملاحظات والدك، هل لديك شعور بأن ما تعرفينه اليوم أكثر مما كنت تعرفين وقت وفاته، أو أن جانباً منه لا يزال مستعصياً على الإدراك؟

- أعتقد أن المرء لا يمكنه معرفة أي شخص معرفة كاملة، ولا حتى معرفة نفسه... لذا، فإن رؤيتي لوالدي تظل جزئية ونسبية، وهي رؤية قابلة للنقاش والجدل بكل تأكيد.

> كيف تصفين علاقتك بوالدك؟ وما الذكريات الشخصية التي تحبين استحضارها عند تقديم أعماله للجمهور؟

- أكتفي بالقول إن والدي كان الشخص الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي.

> في معظم مداخلاتك وكتاباتك غالباً ما تقدمين ألبير كامو بصفته أباً في المقام الأول. ما السّمة في شخصيته الإنسانية التي لا تزال في نظرك مجهولة لدى الجمهور أو لدى كُتّاب السيرة الذين يحللون حياته باستمرار؟

- أقول إن الجانب الذي يجهله الكثير عن والدي هو أنه كان يتمتع بروح الدعابة. هو نفسه صرح ذات مرة بأن عنصر الفكاهة في أعماله لم يحظَ بالدراسة والاهتمام الحقيقيين.

> سيدة كامو، كثيراً ما تقولين بإن والدك ظّل طوال حياته ذلك «الطفل الفقير» القادم من الجزائر العاصمة. كيف أثرت هذه الأصول المتواضعة، في تقديرك على علاقته بالآخرين؟

- والدي كان بطبعه، إنساناً يهتم بالآخرين ويستمع إليهم وأنا لا أعتقد بأن لأصوله المتواضعة صّلة بهذا الجانب من شخصيته.

> كان لنشر الرسائل التي تبادلها والدك مع عشيقته ماريا كازاريس وقع الصدمة في الأوساط الأدبية. كيف تم حسم الصراع بين احترام الخصوصية العائلية والأهمية التاريخية لإظهار كامو بوصفه رجلاً تملأه العاطفة؟

- لن أذهب للقول إنني «حسمت صراعات»، بل إنني عملت بجهد دؤوب كالثور في حرثه؛ وكلما كنت أنتهي من مراجعة جزء من هذه النصوص، بدأت في مراجعة الجزء الآخر. فبعد إصدار «الدفاتر» أو كارني (الجزء 7 و8 و9 دار نشر غاليمار) التي جمعنا فيها كل نصوص والدي التي لم تكن قد نشرت، أشرفت على نشر رواية «الرجل الأول» عام 1994. وقد اشتغلتُ على نسخ مصورة من المخطوطة، حيث كانت الصعوبة الكبرى تكمن في فك رموز خط يد والدي التي غالباً ما كانت غير مفهومة، وهو ما نجحتُ فيه في نهاية المطاف، بعدها قامت الزميلة الكاتبة بياتريس فايان بجمع الرسائل التي تبادلها والدي مع ماريا كازاريس، وفي عام 2016 بدأت أشعر بأن ذكرى ماريا قد طواها النسيان فاقترحت على أنطوان غاليمار نشر تلك المراسلات.

كان والدي الشخص الوحيد في العائلة الذي يبدو سعيداً بوجودي

كاترين كامو

> يُقال إن ألبير كامو عانى في فترة من حياته من عزلة شديدة، فرضتها عليه الدوائر النخبوية الباريسية، خاصة بعد قطيعته مع المفكر جان بول سارتر. هل شعرت بصفتك ابنته بذلك؟

- نعم، لقد استشعرتُ وحدته. أتذكر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كان والدي جالساً بمفرده على مقعد منخفض جداً، فكنتُ أبدو أطول منه. أتذكر أنني سألته: «بابا، هل أنت حزين؟»، فرفع رأسه وأجابني: «أنا وحيد»، وقد روت ليي فلورانس مالرو (ابنة الكاتب أندريه مالرو)، التي كانت تعمل مع أبي في تلك الفترة، بأنها التقت مجموعة من الأصدقاء عند خروجهم من دار «غاليمار»، اقترحوا عليها الذهاب لتناول مشروب في مكان ما، فأجابتهم: «لا أستطيع، لدي موعد مع كامو»، فقالوا لها مندهشين: «ماذا؟ ألبير كامو، هل جننتِ؟».

> تذكرين دائماً أن منزل «لورماران» الواقع في جنوب فرنسا كان مهماً في حياة والدك فكيف ذلك؟

- بالفعل، لطالما راودته الرغبة في امتلاك منزل في جنوب فرنسا، لكن إمكانياته المادية لم تكن تسمح بذلك. وقد مكنته جائزة نوبل التي حازها في 1957من تجسيد هذا الحلم، فمنطقة «لورماران» تشبه إلى حد كبير إقليم «توسكانا» الإيطالي (كما ورد في كتابه «الوجه والقفا»).

> انتقد بعض المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، «غياب» العرب في سرديات ألبير كامو. كيف تتلقين هذه الانتقادات القائمة على فكر «ما بعد الاستعمار»؟

- بالنسبة لإدوارد سعيد، فقد كتب قبل سنوات في صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» أن والدي كان «استعمارياً»، متناسياً أنه كتب «بؤس منطقة القبائل»، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة «ألجي روبليكان» حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية وهذا قبل رواية «الغريب» بفترة طويلة. ومع ذلك، لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني.

> كيف يتم الاستعداد لتسليم مشعل هذه الذاكرة للأجيال القادمة من عائلة كامو؟

كما يقال: «من بعدي الطوفان...» أو إذا شئتم «مكتوب»! (قالتها بالعربية).


إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً
TT

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم، ومركز ثقله، ممتداً من مكان السرد إلى زمنه، وشخصياته المركزية.

ففي الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» للنشر بالقاهرة، لا تُطل مدينة الإسكندرية الساحلية بحلّتها الكوزموبوليتية مركزاً للسرد، بل تزيحها الكاتبة إلى الخلفية، فيما تنقل منطقة «غيط العنب» المهمشة إلى مركز الحكي، لتخلق بين المدينة وغيط العنب حالةً تكشف عن «عملقة» الإسكندرية في مقابل «تقزّم» غيط العنب؛ تلك المنطقة «الهجينة» التي تصفها الراوِية: «لم تكن شعبية ككرموز، ولا ريفية كالقرى التي أتينا منها، كانت بين البينين».

تختار الكاتبة أن تمنح بطلتها المركزية «ناصرة» هامشاً من التخفي في مستهل السرد، فلا تُفصح مبكراً عن تعقيد علاقتها بذاتها، وبمدينتها، وبأسرتها دفعةً واحدة، وبدلاً من ذلك، تجعلها تتوارى خلف حكايتها عن جدتها «أسما» وجدها «رجب»، اللذين كانا أول من أدخلاها إلى «غيط العنب»، وفي تتبّعها لحكاية الجدة، يبدو استدعاء الذاكرة العائلية شرطاً أصيلاً لعودة البطلة إلى ذاتها.

فصل عائلي

خلال تتبّع خُطى الجدة، ينحو السرد استرجاعاً عكسياً لا يخلو من منطق جمالي، إذ يستعيد الماضي، ويعيد تدويره داخل سيرة بطلة الرواية، فهي تستدعي ذاتها على خُطى رحلة جدتها، فتقول: «مؤكد أن شبشبها علق في التربة عدة مرات. وأنا أيضاً شبشبي علق في البوص»، يتماهى صوت البطلة مع سيرة جدتها «أسما» التي رحلت تقتفي أثر زوجها بعد أن هجرها خمس سنوات كاملة، ويبدو هذا التماهي مشحوناً بتعاطف واضح مع انكسار جدتها وتيهها، وهي تُقدم وحيدة على رحلة مجهولة: «كانت تخاف القطر، تراه دودة كبيرة وضخمة، وهي لا تريد أن تصبح لقمة في أحشائه، كيف فعلتها وحدها؟».

غير أن هذا التعاطف لا يبلغ حدّ الإعفاء من الذنب، فالبطلة تُحمّل الجدة «أسما» الثمن الذي ترتّب على هذا الرحيل: «كرهت أسما لأنها السبب في وجودي داخل غيط العنب».

لا يبدو «التمرّد» على المكان «المهمّش» الذي انتمت إليه البطلة مبكراً تمرّداً اجتماعياً أو طبقياً فحسب، بل يتبدّى، في جوهره، بوصفه انعكاساً كثيفاً لعالمها الداخلي المترع بمشاعر النقص والاغتراب، ذلك العالم الذي يجعلها تشعر بأنها «فائضة عن الحاجة»، كما تصف نفسها بلغة لا تخلو من مواجهات قاسية مع الذات. وهو توصيف لا يرد عابراً، بل يلازم استدعاءها لمواقف يومية متفرقة، سواء داخل بيت الأسرة، أو في خروجها إلى العالم، كاشفاً عن إحساس متراكم بالهشاشة، وعدم الانتماء.

ويبدو السرد، الذي يدور على لسان البطلة، أقرب إلى متاهة وعي تدخلها بعد أن بلغت الخمسين من عمرها، في لحظة قدرية ارتبطت بقرار «تطوير» غيط العنب، وتسليم شقق جديدة لسكانه، وهي لحظة لا تُستعاد فيها الذاكرة بدافع الحنين، بل بدافع السؤال المؤلم عن جدوى الاسترجاع ذاته، حين تتساءل: «لماذا أدرك كل ذلك الآن، وأنا في الخمسين من عمري وعلى مشارف ترك بيتي؟ ما الذي سأستفيده من إعادة تذكّر ما حصل لي بعد كل هذا العمر؟».

لا يبدو فعل التذكّر هنا مجرد استدعاء متتابع لفصول من حياة متفرقة، إذ تتبدى حياة البطلة كلها كأنها فصل واحد ممتد، يعاد داخله تدوير مشاعر قديمة مُختزنة داخل ألوان، وروائح، ومشحونة بحيرة مستمرة إزاء هُوية ظلت مهمَّشة، سواء على مستوى المكان، أو في علاقتها بجسدها، أو في محاولتها تعريف الأنوثة خارج شروط النقص، والوصم.

هنا تتجاور البنية المكانية للنص مع البنية النفسية، والعائلية للبطلة بوصفهما منظومة مرايا مزدوجة، تعكس الذات بقدر ما تنفّرها من صورتها، فالمكان لا يعمل خلفية محايدة، بل إنه وسيط كاشف، يضع البطلة في مواجهة مباشرة مع تاريخها الشخصي والطبقي معاً. أما الزمن الذي تتساءل عن جدواه، فليس زمناً مفقوداً فحسب، بل حياة كاملة لم يعد ممكناً استعادتها، أو إعادة ترتيبها، وهو ما يتكثف في تساؤلاتها الموجعة: «لماذا تأخر ردم الترعة حتى كبرت؟ لماذا لم يحدث وأنا أصغر، أو قبل أن أولد؟ الترعة التي طاردتني كلما حاولت الصعود لمصادقة أحد من الإسكندرانية. ما إحنا لسنا إسكندرانية لأننا نعيش جانب الترعة».

في هذا المقطع، لا تُقدَّم «الترعة» على أنها عنصر مكاني صامت، بل باعتبار أنها حدّ فاصل يُبرر الإقصاء الاجتماعي، ويحوّل الانتماء إلى معادلة مشروطة بمعادلات الجغرافيا والسُلطة، فتنحت الأزمة الطبقية لغة السرد بشيء من الغضب المكتوم، حيث تتحول اللغة إلى أثر مباشر للإهمال، والتفاوت. وهو ما يفتح سؤالاً روائياً أعمق عن «التطوير» و«الإهمال» لا بوصفهما سياسات عمرانية فحسب، بل باعتبارهما آليتين لإعادة توزيع القيمة الإنسانية، وتحديد من يُسمَح له بالانتماء، ومن يُترك عالقاً على الهامش.

لا يظلّ المكان الهجين في الرواية مجرّد خلفية اجتماعية أو معطى مكاني محايد، بل يتقدّم بوصفه انعكاساً لذاتٍ هجينة بدورها، تتأرجح بين تعريفات غير مستقرة للجسد والهوية. فكما يقع «غيط العنب» في منطقة لا هي مدينة مكتملة ولا ريف خالص، تعيش البطلة حالة مماثلة من الالتباس النفسي والجندري، تفقد تدريجياً قدرتها على تعريف ذاتها داخل ثنائية المرأة/ الرجل، لتظل عالقة في بحثٍ قَلِق عن تفسير طبي لتشوّه مُحتمل أصاب جسدها، غير أن هذا التشوّه يتجاور في البنية الفنية للرواية مع تشوّهات إنسانية أعمق.

ويبدو الهروب من الواقع، عبر استعانة البطلة بالكثير من الخيال، محاولةً لمقاومة واقعها الوجودي المثير للغثيان؛ فتُعيد، على سبيل المثال، تخيّل الأب الذي تمرّس على القسوة، لا كما كان، بل في صورة فانتازية هشّة: «أحب أن أتخيّل بابا طاير بالفيزبا... ويبكي»، وبهذا المنطق، تتجاوز «غيط العنب» حدود الهامش، لتصبح فضاءً تتشكّل داخله الخسارات والخيالات معاً.