هجوم سيبراني يطال مئات المتاجر بفرنسا... ويتلف أغذية بملايين اليوروات

مشهد لممر الأغذية المجمدة المغلق في متجر كبير بالقرب من نانت وذلك عقب هجوم سيبراني استهدف أنظمة التبريد في سلاسل متاجر فرنسية مما تسبب في تلف الأغذية واندلاع حرائق في عدة متاجر (رويترز)
مشهد لممر الأغذية المجمدة المغلق في متجر كبير بالقرب من نانت وذلك عقب هجوم سيبراني استهدف أنظمة التبريد في سلاسل متاجر فرنسية مما تسبب في تلف الأغذية واندلاع حرائق في عدة متاجر (رويترز)
TT

هجوم سيبراني يطال مئات المتاجر بفرنسا... ويتلف أغذية بملايين اليوروات

مشهد لممر الأغذية المجمدة المغلق في متجر كبير بالقرب من نانت وذلك عقب هجوم سيبراني استهدف أنظمة التبريد في سلاسل متاجر فرنسية مما تسبب في تلف الأغذية واندلاع حرائق في عدة متاجر (رويترز)
مشهد لممر الأغذية المجمدة المغلق في متجر كبير بالقرب من نانت وذلك عقب هجوم سيبراني استهدف أنظمة التبريد في سلاسل متاجر فرنسية مما تسبب في تلف الأغذية واندلاع حرائق في عدة متاجر (رويترز)

تعرّضت مئات المتاجر الكبرى (سوبر ماركت) في فرنسا لهجوم سيبراني أدى إلى ارتفاع درجات حرارة الثلاجات، وأجهزة التجميد، ما تسبب في تلف أغذية طازجة ومجمدة تُقدر قيمتها بملايين اليوروات.

وتمكّن قراصنة من السيطرة على البرمجيات التي تتحكم في درجات حرارة وحدات التبريد، مما أدى إلى ارتفاع حرارة بعضها لتصل إلى 50 درجة مئوية (120 درجة فهرنهايت) خلال الليل، وذلك وفقاً لما ذكرته إحدى سلاسل المتاجر المتضررة.

وصرّح الرئيس التنفيذي لشركة «Coopérative U» بأن العديد من متاجر السلسلة قد تعرضت لهذا الهجوم الذي وصفه بأنه «خطير للغاية، وغير مسبوق»، حسبما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

موظف يعبّئ صناديق بأغذية تالفة خارج متجر «إنترمارشيه» في باريس يوم 13 أكتوبر 2026 بعد هجوم سيبراني استهدف أنظمة التبريد بسلاسل متاجر فرنسية (رويترز)

علامات تجارية كبرى

وقد استهدف الهجوم أكثر من 100 متجر تابع لهذه السلسلة، كما طال 180 متجراً من متاجر «Intermarché» وعلامتها التجارية «نيتو»؛ حيث أفاد متحدث رسمي بأنه تم فصل 100 متجر آخر عن شبكة الإنترنت بشكل عاجل لمنع تعرّضها للأمر نفسه.

كما طال الهجوم كبرى شركات بيع المواد الغذائية بالتجزئة الأخرى، بما في ذلك «Carrefour»، و«Monoprix»، و«E. Leclerc»، حيث استهدف برمجيات توفرها شركة الهندسة الدنماركية «Danfoss». وتتيح هذه البرمجيات لتجار التجزئة إدارة وحدات التبريد لديهم عن بُعد.

في المعتاد، تمر مجمدات (فريزرات) المتاجر بفترة وجيزة من إذابة الجليد أثناء الليل، ترتفع خلالها درجات الحرارة قليلاً. إلا أن القراصنة أصدروا أوامر للوحدات برفع حرارتها، والبقاء ساخنة، رغم أن شركة «Danfoss» لم تؤكد أي تقارير حول مدى ارتفاع درجات الحرارة التي قد تصل إليها الثلاجات والمجمدات جراء هذه العملية.

وأوضحت «Danfoss» أن وحدات التبريد المتضررة كانت من الطرازات القديمة التي تعذر تحديث برمجياتها الأمنية لدرء خطر كانت الشركة قد رصدته مسبقاً.

وأضافت الشركة في بيان لها أنها «لطالما نصحت» الشركات بضرورة تحديث الأنظمة المدعومة لديها باستمرار. وأفادت: «تُعد أنظمة التبريد الموثوقة أمراً بالغ الأهمية لعمليات عملائنا، ونحن نجدد التزامنا بدعمهم، ومساعدتهم في الحفاظ على الأنظمة الآمنة، والموثوقة التي اعتادوا عليها».

امرأة تمر أمام ثلاجات أغذية فارغة في متجر «إنترمارشيه» بنيفيز غرب فرنسا يوم 12 أكتوبر 2026 عقب هجوم سيبراني تسبب في إذابة الجليد بأنظمة التبريد (أ.ف.ب)

تضرر 400 متجر

صرّح وزير المالية الفرنسي، اليوم الثلاثاء، بأن الهجوم السيبراني الذي استهدف أنظمة التبريد قد طال نحو 700 متجر كبير في أنحاء فرنسا، وذلك بالتزامن مع فتح الادعاء العام تحقيقاً في الحادث.

وأبلغ وزير المالية، رولان ليسكور، البرلمان بأن الهجوم «لا يشكل خطراً على الإمدادات الغذائية في فرنسا»، لكنه حذّر من أنه يمثّل «جرس إنذار للجميع»، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

ومن جانبه، أعلن مكتب المدعي العام في باريس يوم الثلاثاء عن فتح تحقيق في الواقعة.

وأشارت في وقت سابق أرقام صادرة عن سلاسل تجارية محددة إلى تضرر نحو 400 متجر من أصل قرابة 15 ألف متجر في عموم فرنسا، قبل إعلان وزير المالية الفرنسية إلى تضرر نحو 700 متجر بأنحاء البلاد.

وأعلنت مجموعة «كارفور» (Carrefour) عن تعرّض أنظمة التبريد في 80 متجراً من أصل 6 آلاف متجر تابعة لها للاختراق، بينما أفادت مجموعة «مونوبري» (Monoprix) بتضرر 5 في المائة من متاجرها التي يزيد عددها على 400 متجر، مشيرة إلى سحب المنتجات الغذائية من البيع في حال تعذر ضمان سلامتها، وجودتها.

وفي بيان وجّهته إلى «هيئة الإذاعة البريطانية»، ذكرت مجموعة «موسكيتير» (Mousquetaires) - المالكة لسلسلتي «إنترمارشيه» (Intermarché) و«نيتو» (Netto) - أن بعض وحدات عرض الأغذية الطازجة والمجمدة ظلت خارج الخدمة حتى بعد ظهر أمس (الاثنين).

وأوضحت المجموعة أن المتاجر «اتخذت التدابير اللازمة كافة لإزالة المنتجات من هذه الوحدات»، مضيفة أن الموظفين يعملون على إعادة ملء الأرفف بالبضائع «في أقرب وقت ممكن».

وذكرت وكالة «رويترز» للأنباء أن سلسلة «إنترمارشيه» أفادت بأن درجات الحرارة في وحدات التبريد لديها ارتفعت لتصل إلى 50 درجة مئوية لمدة ست ساعات خلال الليل وحتى صباح أمس (الاثنين)، مما دفع الشركة للتخلص من جميع المواد الغذائية المتضررة تجنباً لأي مخاطر صحية.

صناديق أغذية تالفة خارج متجر «إنترمارشيه» في باريس يوم 13 أكتوبر 2026 غداة هجوم سيبراني استهدف أنظمة التبريد بسلاسل متاجر فرنسية (رويترز)

هواء ساخن وحرائق

ونتيجة لهذا الهجوم، واجه مديرو الفروع في العديد من سلاسل المتاجر الكبرى - عند وصولهم صباح الاثنين - موجة من الهواء الساخن المنبعث من وحدات التجميد، بل واندلعت حرائق صغيرة في بعض المواقع.

نشرت قناة «BFMTV» الفرنسية صورة تُظهر وحدة تبريد في قسم المثلجات تشير شاشتها إلى درجة حرارة تبلغ 26.5 درجة مئوية. وأضافت القناة أن متجرين كبيرين في منطقة الألزاس أبلغا عن خسائر إجمالية بلغت 270 ألف يورو (228 ألف جنيه إسترليني)، مما يعني أن إجمالي الخسائر على مستوى البلاد قد يصل إلى ملايين اليوروات.

وقد فتحت السلطات القضائية الفرنسية تحقيقاً خاصاً في جرائم الإنترنت بشأن هذه الحادثة التي وصفها مكتب المدعي العام في باريس بأنها «هجوم سيبراني واسع النطاق استهدف أنظمة التبريد في العديد من سلاسل متاجر بيع المواد الغذائية الكبرى في جميع أنحاء فرنسا».

وفي هذا السياق، أدان المفوض الأوروبي لشؤون الغذاء، كريستوف هانسن، عملية الاختراق في منشور على منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، قائلاً: «يتطلب الأمن الغذائي مزيداً من الاهتمام على جميع المستويات؛ إذ أصبح تحويل الغذاء إلى سلاح أمراً واقعاً».

كما صرّح دومينيك شيلشر، الرئيس التنفيذي للتعاونية، في منشور على منصة «إكس» بأن الموظفين «في حالة استنفار تام، وبالتنسيق مع خبراء في أنظمة التبريد، لإعادة الأمور إلى طبيعتها في أسرع وقت ممكن».


مقالات ذات صلة

بحارة مصريون يعانون الاستغلال وسط حروب مشتعلة

خاص البحارة المصريون في أوكرانيا عقب إعلان الخارجية المصرية تأمين خروجهم إلى مولدوفا الثلاثاء (الخارجية المصرية)

بحارة مصريون يعانون الاستغلال وسط حروب مشتعلة

سلّطت حوادث مقتل بحارة مصريين واختطاف آخرين في مناطق التوتر البحري، الضوء على المخاطر المتزايدة التي تواجه العاملين على السفن التجارية.

علاء حموده (القاهرة)
الولايات المتحدة​ عناصر من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (أ.ف.ب) p-circle

صديق للمشتبه به في سرقة بيانات مكتب التحقيقات الأميركي: حذرت «المجنون» من ذلك

قال صديق المشتبه به في سرقة كمية هائلة من البيانات الشخصية من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) إنه توسل إلى صديقه الشاب لكيلا يفعل ذلك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم ذكرت تقارير أن الصور جاءت من هجمات قرصنة استهدفت حسابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى حالات من الاستدراج الإلكتروني (رويترز)

فرنسا وأميركا تغلقان موقعاً إلكترونياً يبيع صوراً عارية لآلاف النساء

أعلن الادعاء العام الفرنسي، اليوم الأربعاء، أن عملية مشتركة بين السلطات الفرنسية والأميركية أدت إلى إغلاق منصة إلكترونية كانت توزع صوراً عارية لآلاف النساء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا صورة تعبيرية لقراصنة ينفذون هجوماً إلكترونياً (رويترز)

قراصنة يحصلون على بيانات شخصية لـ8.8 مليون شخص في الدنمارك

اخترق قراصنة السجل الوطني في الدنمارك وتمكنوا من الوصول إلى بيانات شخصية لملايين الأشخاص، وفق ما أعلنت وزارة الشؤون الرقمية، الاثنين.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
أوروبا قرصنة إلكترونية (رويترز)

الشرطة الإسبانية توقف قائداً لمجموعة قرصنة إلكترونية عمره 16 عاماً

قالت الشرطة الإسبانية اليوم الخميس إنها ألقت القبض على مراهق يبلغ من العمر 16 عاماً يشتبه في أنه المشغل الرئيسي لمجموعة من المتسللين الإلكترونيين.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

الحراك الطلابي يتواصل في فرنسا... والأنظار تتجه إلى «سبت الغضب»

جانب من الاشتباكات بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)
جانب من الاشتباكات بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)
TT

الحراك الطلابي يتواصل في فرنسا... والأنظار تتجه إلى «سبت الغضب»

جانب من الاشتباكات بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)
جانب من الاشتباكات بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)

شهدت فرنسا، الثلاثاء، خامس يوم من التعبئة الطلابية، مصحوباً بعدد من المظاهرات في باريس ومرسيليا وليون ورين وبوردو ونانت وستراسبورغ وكليرمون فيران.

وقال بيان صادر عن اتحاد نقابات التلامذة والطلاب إن 480 ألف شخص شاركوا في المظاهرات التي عمت المدن الفرنسية، أي أن أعدادهم زادت عما عرفته فرنسا، الثلاثاء، الماضي. وتدحض هذه الأرقام، رغم اختلافها عن تقديرات وزارة الداخلية، نظرية تراجع التعبئة الطلابية بنظر المتظاهرين.

وكما في الأيام السابقة، لم يغب العنف عن هذه المظاهرات، وما يشوبها من عمليات كر وفر بين المحتجين ورجال الأمن وإطلاق الغاز المسيل للدموع، بكثافة كما حصل في باريس وستراسبورغ ونانت وليون وفيل أوربان.

وشهدت العاصمة باريس مناوشات بين الشرطة وعناصر ممن يسمون «بلاك بلوكس» المنتمين إلى اليسار الأكثر تطرفاً، والذين يرتدون الثياب السوداء، ويستغلون كل أنواع المظاهرات والتجمعات للاشتباك مع الشرطة. وحصلت الاشتباكات في حي سان ميشال (الحي اللاتيني)، كما شهد حي الأنفاليد عمليات كر وفر واشتباكات.

القوى الأمنية تستخدم خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين في باريس يوم 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

وكانت وزارة الداخلية قد منعت اللجوء إلى القنابل الصوتية بعد أن تسببت في بتر اليد اليسرى لمراهق، مُفضّلةً استخدام خراطيم المياه. وتريد الحكومة أن ترى تراجعاً في التعبئة، وفق ما ذكر وزير التربية إدوار جيفراي، في حديث صباحي لإذاعة «فرانس أنتير»، مستنداً إلى أن تناقص عدد الثانويات التي لم تستأنف فيها الدراسة أو بقيت مغلقة. وجاء في بيان صادر عن وزارته أن 214 ثانوية فقط بقيت مغلقة، مقارنة بـ880 مدرسة، الثلاثاء الماضي، وبالعدد الإجمالي للثانويات الذي يناهز 3600 ثانوية.

وليس سراً أن الحكومة تراهن على انطلاق العطلة المدرسية، مساء الجمعة، لمدة أسبوعين، لتراجع الحراك المدرسي وربما انطفائه. لكن ما جاء على لسان ممثلي التلامذة يدل على عكس ذلك، بل تمددت المظاهرات بقوة في الوسط الطلابي؛ إذ أفاد بيان لـ«الاتحاد الطلابي»، الثلاثاء، بأن 90 في المائة من الكليات الجامعية أصبح اليوم مغلقاً أو محظوراً الدخول إليها، إلا أن وزارة التعليم العالي أفادت من جانبها بأن الاضطرابات طالت «فقط» 35 في المائة من مؤسسات التعليم العالي.

ترقّب لحراك السبت

بيد أن اختلاف الأرقام الخاصة بأعداد المتظاهرين والمدارس والكليات المعطلة لا يكشف حالة عامة من الرغبة في دمج الحراك الطلابي مع المطالب الاجتماعية الأخرى التي ترفعها العديد من النقابات.

الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة لطلاب المدارس الثانوية في باريس يوم 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

ومن المرتقب أن يتّضح يبرز ذلك يوم السبت 17 أكتوبر (تشرين الأول)، وهو اليوم الذي حُدّد للإضراب العام وللنزول بقوة إلى الشوارع، والذي دعت إليه العديد من النقابات للتعبير عن الاحتجاج على تدهور القوة الشرائية وغلاء المعيشة؛ وعلى رأسها الغاز المنزلي والمشتقات النفطية.

وسيشهد، السبت، عودة «السترات الصفراء» الى مستديرات الطرق وإلى الشوارع. ويستذكر الفرنسيون حراكهم في عاميْ 2018 و2019، والعنف الذي رافقه، ولم يتراجع إلا بعد أن لبّت السلطات العديد من مطالبهم.

وإلى جانبهم، ستنزل نقابات التعليم ونقابات الوظائف العمومية، وستليهم في التظاهر نقابات الطيارين يوم 21 من الشهر الحالي. وتحظى هذه النقابات بدعم سياسي، خصوصاً من أحزاب اليسار والنقابات المرتبطة بها؛ وأوّلها النقابة العامة للشغل التي تترأسها صوفي بينيت.

خلاصة ما سبق هي أن «سبتاً أسود» قد ينتظر الفرنسيين، نهاية الأسبوع. وفي بادرة غرضها طمأنة تلامذة التعليم الثانوي، قرر وزير التربية استقبال ممثلين عنهم، يوم الخميس.

وزير الداخلية لوران نونيز (وسط) وإلى يمينه وزير التربية إدوار جيفراي خلال جلسة استماع الثلاثاء في مجلس الشيوخ يوم 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

وبحسب إدوار جيفراي، فإن وزارته نجحت في «العثور» على 3000 أستاذ بديل لسد الفراغ المتأتي عن غياب الأساتذة الأصيلين. وكانت المطالبة بإيجاد بدلاء عن غياب الأساتذة على رأس لائحة مطالب التلامذة الثانويين؛ خصوصاً في مدارس ضواحي المدن الفقيرة التي تعاني من اكتظاظ الصفوف وتهالك المباني المدرسية.

ويركز التلامذة اليوم على مطلب إلغاء آلية تعيين الاختصاصات الجامعية المفتوحة أمامهم، ويرون فيها عائقاً غير منصف. وثمة تساؤلات عن كيفية تمكن وزارة التربية من تعبئة 3 آلاف أستاذ ثانوي بسرعة فائقة لمعالجة مشكلة مزمنة لم تتحرك من قبل لمواجهتها.

كذلك، يشكو الطلاب والتلامذة من ضعف زيادة ميزانية وزارة التربية للعام 2027 المتوقفة عند حاجز 1.5 مليار يورو، بينما يصرون على زيادة لا تقل عن 10 مليارات يورو لدعم التعليم الثانوي وليس لأغراض تربوية أخرى.

دور اليسار

شهدت باريس، الثلاثاء، مظاهرتين اثنيتين؛ الأولى كانت حاشدة، وانطلقت من «ساحة إيطاليا» الواقعة في دائرة باريس 13 متجهة إلى ساحة الأنفاليد، قريباً من مبنى المجلس النواب ومقر رئاسة الحكومة. وشارك فيها شخصياً جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي وزعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، وإلى جانبه نواب آخرون من حزبه وقادة نقابيون. ويُتّهم ميلونشون بـ«تسييس» الحراك الطلابي و«استغلاله» في الجدل السياسي وفي معركة الرئاسة المقبلة. أما المظاهرة الثانية فانطلقت من ساحة بلدية باريس، وصولاً إلى حي مونبارناس.

شرطة مكافحة الشغب تطلق الغاز المسيل للدموع في مواجهة المتظاهرين في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)

وبات واضحاً اليوم أن حراك التلامذة الثانويين والطلاب يحظى بدعم جميع أحزاب اليسار والنقابات اليسارية، بينما أحزاب اليمين تركز على ضرورة المحافظة على الأمن، والتنديد بالعنف والمشاغبين، وتقف إلى جانب قوى الأمن.

ولعلّ أبز دليل على «قسوة» تعامل الشرطة مع التلامذة والطلاب أنها ألقت القبض على 6877 شخصاً، بينهم 86 في المائة من القاصرين. وهذا الوضع يدفع بعدد متزايد من الأهالي لمرافقة أبنائهم إلى المظاهرات لغرض «حمايتهم»، بينما تؤكد وزارة الداخلية أن القوى الأمنية لا تمارس العنف على المتظاهرين بل على المشاغبين.

وأعلنت وزارة التربية الوطنية، الثلاثاء، أن عدد الجرحى من العاملين فيها إلى اليوم جرّاء الاحتجاجات بلغ 147، بعد تسجيل إصابة 20 شخصاً جديداً، الاثنين، بينهم خمسة من مديري المؤسسات التعليمية. كذلك أصيب بجروح، في أيام التظاهر الماضية، ما لا يقل عن 700 رجل أمن. بالمقابل، فتحت الشرطة تحقيقات داخلية في 36 ادعاءً باستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين.


بريطانيا: تهديدات موسكو وطهران تضاعفت 4 مرات خلال عقد

الجنرال كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)
الجنرال كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)
TT

بريطانيا: تهديدات موسكو وطهران تضاعفت 4 مرات خلال عقد

الجنرال كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)
الجنرال كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)

قال رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5)، كين ماكالوم، الثلاثاء، إن إيران تكثّف محاولاتها لاستهداف مواقع محصّنة؛ مثل المنشآت العسكرية، فيما تُصعّد روسيا حربها الهجينة ضد حلفاء أوكرانيا. وأشار إلى أن طهران تسعى إلى توسيع نطاق عملياتها في بريطانيا، لتتجاوز أهدافها التقليدية من المعارضين الإيرانيين، بعدما اتهمتها السلطات البريطانية بالوقوف، عبر وكلاء لها، وراء هجمات حرق متعمّد وتخريب استهدفت مواقع يهودية، وفق ما نقلت وكالة «أسوشييتد برس».

وفي خطابه السنوي الذي تناول فيه مجموعة واسعة من التهديدات التي تواجه بريطانيا، حذّر ماكالوم من أن أكثر ما يثير القلق بشأن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي هو احتمال تمكّن الإرهابيين من تطوير أسلحة بيولوجية، أو حتى استحداث مسبّبات أمراض جديدة. وعدّ أن بريطانيا تواجه «حقبة جديدة من الأمن القومي»، تشهد تحوّلاً بحجم التغيير الذي أحدثته هجمات 11 سبتمبر (أيلول) قبل ربع قرن. وقال إن التهديدات باتت تتراوح بين «الحرق المتعمّد والتخريب والهجمات السيبرانية والإكراه والعنف»، وصولاً إلى «ما تغذّي به الخوارزميات الإلكترونية المراهقين داخل غرف نومهم».

تضاعف التهديدات

أوضح ماكالوم أن التهديدات المرتبطة بدول أجنبية تضاعفت أربع مرات خلال العقد الماضي، مشيراً إلى أن جهود جهازه لمواجهة هذه التهديدات، وفي مقدمتها تلك المرتبطة بروسيا وإيران والصين. وقال إن جهازه يُخصّص حالياً موارد للتصدي لهذه التهديدات تفوق ما كان يخصّصه خلال الحرب الباردة. وكان رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام قال، الاثنين، إنه من «المرجّح للغاية» أن تكون طهران وراء مخطط يُشتبه في أنه استهدف قاعدة «فيرفورد» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، التي تستخدمها القاذفات الأميركية لتنفيذ ضربات ضد إيران. وأثار الحادث استنفاراً أمنياً، ودفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سحب طائرات من القاعدة.

حذّر رئيس جهاز «إم آي 5» للاستخبارات الداخلية من تضاعف التهديدات الإيرانية والروسية في مؤتمر صحافي يوم 13 أكتوبر (رويترز)

وذكر بيرنهام أن المخطط كان «بشكل شبه مؤكد» بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني، في إشارة إلى الحادثة التي وقعت في 27 سبتمبر، عندما أُجلي عشرات السكان من منازلهم قرب القاعدة الواقعة في غرب إنجلترا، وانتشرت قوات من الشرطة المسلحة مع خبراء تفكيك متفجرات تابعين للجيش في المنطقة. وأعلنت الشرطة لاحقاً العثور على كمية من البنزين داخل ثلاث شاحنات صغيرة في الموقع، من دون العثور على متفجرات. وأُوقف سبعة رجال في العشرينات من أعمارهم، قبل الإفراج عنهم بكفالة مع استمرار التحقيقات.

وذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أن إدارة ترمب «تعتقد أن القاعدة واجهت تهديدات إيرانية تستهدف قتل أكبر عدد ممكن من العسكريين الأميركيين، وتدمير أكبر عدد من الطائرات الأميركية»، لكنّ المسؤولين البريطانيين لم يؤكدوا هذه التقديرات.

ونفت طهران الاتهامات بتورّطها في حادثة «فيرفورد»، كما رفضت اتهامات أخرى بممارسة أنشطة عدائية في بريطانيا، حيث تتهمها السلطات منذ سنوات بالضلوع في مخططات ومحاولات اغتيال تستهدف معارضين إيرانيين، فضلاً عن أهداف إسرائيلية ويهودية. وكانت إيران قد أعلنت سابقاً أنها تعد أي قاعدة عسكرية تُستخدم لشن هجمات على أراضيها هدفاً مشروعاً. وتنفي روسيا بدورها ضلوعها في أعمال عدائية داخل بريطانيا ودول غربية أخرى، لكن ماكالوم وصفها بأنها لا تزال «المعتدي الأول».

عشرات الاعتقالات المرتبطة بإيران

قال ماكالوم إنه لا يستطيع التعليق على حادثة «فيرفورد» بسبب التحقيقات الجارية، لكنه أشار إلى تحوّل كبير شهدته السنة الحالية في «طموحات إيران لاستهداف مواقع أكثر صعوبة، مثل المنشآت العسكرية». وأضاف: «حادثة قاعدة فيرفورد ليست فريدة من نوعها... فقد شهدنا أمثلة أخرى، ليس في المملكة المتحدة فحسب، بل في أنحاء العالم».

شرطيان بريطانيان في محيط قاعدة «فيرفورد» الجوية (رويترز)

وكشف أن العمليات المرتبطة بإيران أدت إلى اعتقال أكثر من 50 شخصاً خلال العام الماضي. ورداً على سؤال عمّا إذا كانت إيران تمتلك القدرة على تنفيذ هجمات معقّدة، ربما باستخدام طائرات مسيّرة محمّلة بالمتفجرات، قال ماكالوم إن قدراتها في هذا المجال مقيّدة بمستوى تطوّر المجرمين والوكلاء الذين تعتمد عليهم لتنفيذ عملياتها داخل بريطانيا. وأوضح أنه «استناداً إلى ما شهدناه فعلياً في المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة، فإن مستوى قدراتهم لم يقترب إطلاقاً من هذا المستوى». واستدرك: «مع ذلك، من الواضح أن (الحرس الثوري) الإيراني يمتلك خبرة واسعة نسبياً في استخدام التقنيات التقليدية والهجينة بأساليب أكثر عدوانية وتطوّراً في البلدان الأقرب إلى الأراضي الإيرانية».

هجمات روسيا «الهجينة»

ردّد ماكالوم تحذيرات أطلقتها أجهزة استخبارات أوروبية أخرى من لجوء روسيا إلى تكتيكات تبقى دون عتبة النزاع العسكري التقليدي، مستشهداً بمحاولة استهداف طائرة شحن بمسيّرة محمّلة بالمتفجرات، في مطار لايبزيغ الألماني، وهجوم سيبراني على البنية التحتية للطاقة في بولندا. وقال إن روسيا تستخدم تكتيكات «تبقى دون مستوى النزاع التقليدي، وإن كانت تقترب منه أحياناً إلى حد كبير». وقال إنه «ليس من قبيل المصادفة أن يسعى المعتدون الروس إلى زعزعة الاستقرار في دول أوروبية أخرى، في وقت يظل فيه تقدّمهم العسكري في أوكرانيا محدوداً ومكلفاً بصورة مروّعة». وكانت روسيا قد رفضت الاتهامات الألمانية بشأن الحادثة التي شهدها مطار لايبزيغ في أغسطس (آب)، ووصفتها بأنها «مختلقة بالكامل».

الذكاء الاصطناعي يفاقم التهديدات

فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، حذّر ماكالوم من أن هذه التكنولوجيا «تزيد بصورة هائلة من حدّة التنافس في مجال الأمن السيبراني بين المهاجمين والمدافعين»، مشيراً إلى أن الجماعات الإرهابية تستغلها لتحسين أساليب الاستطلاع والتخطيط للهجمات وتنفيذها، بما في ذلك استخدام طائرات مسيّرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وأضاف: «أما الخطر الذي لم يتحقق بعد، والذي أعدّه الأكثر إثارة للقلق بين سيناريوهات إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، فيتمثل في قدرته على تغيير طبيعة المخاطر المرتبطة بالأسلحة البيولوجية القائمة، أو حتى تطوير أسلحة بيولوجية جديدة». وأوضح أن هذا المجال يحظى «باهتمام خاص» منه ومن زملائه، مؤكداً أن «هذه المخاطر حقيقية».

جانب من المؤتمر الصحافي السنوي لرئيس جهاز «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (أ.ب)

وفي تصريحات للصحافيين عقب خطابه في مقر الجهاز بلندن، قال ماكالوم إن الجماعات الإرهابية «تتوق بشدة» إلى امتلاك أسلحة كيميائية أو بيولوجية أو إشعاعية، لكنها تواجه صعوبات كبيرة في الحصول عليها. وحذّر من خطرين رئيسيين مرتبطين بالذكاء الاصطناعي، موضحاً أن «الخطر الأول يتمثل في احتمال أن يتيح الذكاء الاصطناعي وصول معرفة خطيرة إلى أيدي أشخاص نفضّل جميعاً ألا يمتلكوا هذه المعرفة». وأضاف أن «خطراً ثانياً ومختلفاً يتمثل في احتمال أن يتمكّن الذكاء الاصطناعي من استحداث مسبّبات أمراض جديدة لم تُعرف من قبل»، وفق «أسوشييتد برس». وكشف ماكالوم أن جهاز الاستخبارات الداخلية أنشأ «مركزاً جديداً لتقييم تهديدات الذكاء الاصطناعي»، بهدف استباق المخاطر الناشئة عن التطوّر السريع لهذه التكنولوجيا. وقال إنه «لم يسبق للبشرية في تاريخها أن واجهت كياناً أكثر ذكاءً منها، قادراً على التفوّق عليها في التفكير. هذا أمر غير مسبوق بالفعل، ويستحق الاهتمام الجاد الذي يحظى به، بما في ذلك داخل جهاز الاستخبارات الداخلية».


«ديزل بوتين» يربك الجمهوريين... وترمب يضغط على كييف لإنقاذ رهانه الانتخابي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة محاطاً بعدد من المرشحين الجمهوريين خلال تجمع انتخابي في ولاية تينيسي يوم 10 أكتوبر 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة محاطاً بعدد من المرشحين الجمهوريين خلال تجمع انتخابي في ولاية تينيسي يوم 10 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«ديزل بوتين» يربك الجمهوريين... وترمب يضغط على كييف لإنقاذ رهانه الانتخابي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة محاطاً بعدد من المرشحين الجمهوريين خلال تجمع انتخابي في ولاية تينيسي يوم 10 أكتوبر 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة محاطاً بعدد من المرشحين الجمهوريين خلال تجمع انتخابي في ولاية تينيسي يوم 10 أكتوبر 2026 (رويترز)

تحول اتفاق الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع موسكو لتوفير الديزل إلى أزمة تتجاوز أسعار الوقود، وتجمع بين حسابات انتخابات التجديد النصفي ومستقبل الحرب الروسية على أوكرانيا.

فبينما يدافع البيت الأبيض عن تخفيف العقوبات بعدّه استجابة لمعاناة الأميركيين، تتصاعد اعتراضات ديمقراطية وجمهورية ترى فيه إنقاذاً للاقتصاد الحربي الروسي، مقابل مكاسب سعرية محدودة. ويتعمق الخلاف مع ضغط واشنطن لوقف الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية، فيما تستمر ضربات موسكو للبنية التحتية الأوكرانية، كاشفة هشاشة «هدنة الطاقة» التي أعلنتها ترمب من دون تأكيد اتفاق الطرفين عليها.

وقبل ثلاثة أسابيع من انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، يجد الجمهوريون أنفسهم أمام مفارقة: الإجراء الذي يُفترض أن يخفف أعباءهم الانتخابية يفتح مواجهة داخلية بشأن روسيا، ويضع صدقية السياسة الأميركية تجاه حلفائها موضع اختبار.

النائب الديمقراطي آل غرين يدعو لعزل ترمب أمام الكونغرس في 14 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

تمرد على «ديزل بوتين»

لم تعد الاعتراضات محصورة بالديمقراطيين، فقد طالب سبعة أعضاء في مجلس الشيوخ، بينهم أربعة جمهوريين، الإدارة بالتراجع، معتبرين أن السماح بواردات الطاقة الروسية يتعارض مع حظر أقرّه الكونغرس عام 2022 لمنع تمويل حرب موسكو. واعترضوا أيضاً على عدم التشاور مع المشرعين وتقديم التفسير المطلوب للقرار. في المقابل، أكد وزير الخزانة سكوت بيسنت أن الإدارة تملك الصلاحيات القانونية لتنفيذه، ما يجعل قانونية الاتفاق موضع نزاع سياسي وتشريعي، لا مسألة محسومة قضائياً.

واتسعت جبهة الانتقاد لتشمل السيناتور الجمهوري جيري موران، الذي دعا إلى تشديد العقوبات، والنائب دون بيكون، الذي اتهم ترمب بالضعف تجاه بوتين، فيما تعهد النائب برايان فيتزباتريك بطرح تشريع يمنع مشتريات النفط الروسي. ووصف نائب الرئيس السابق مايك بنس رفع العقوبات بأنه طوق نجاة لآلة الحرب الروسية.

لكن الحزب لم يتوحد ضد الرئيس، إذ دافع السيناتور جون بارسو عن موازنته بين خفض تكاليف الطاقة وإنهاء الحرب، وأيدت النائبة آنا بولينا لونا الاتفاق. أما ترمب، فرفض انتقادات الجمهوريين وشدد على منفعة المزارعين ومربي الماشية.

وتكمن المعضلة الانتخابية في أن هؤلاء يشكلون جزءاً مهماً من القاعدة الجمهورية، بينما تنتقل كلفة الديزل عبر النقل والزراعة إلى أسعار الغذاء والسلع. وبحسب «وول ستريت جورنال»، بلغ متوسط سعر الغالون نحو 6.27 دولار الاثنين، بزيادة 71 في المائة على أساس سنوي. غير أن محللين نقلت عنهم الصحيفة، شككوا في قدرة الكميات المعلنة على إحداث انخفاض ملموس. وهنا يكمن الخطر على مرشحي الحزب، فالدفاع عن تقارب مثير للجدل مع بوتين، لا يضمن وصول منفعة اقتصادية إلى الناخبين قبل الاقتراع. ولا يعني ذلك أن الاتفاق سيحسم الانتخابات، لكنه يضيف عبئاً إلى الدفاع عن تداعيات حرب إيران، ويمنح الديمقراطيين مادة تربط الغلاء بتناقضات السياسة الخارجية.

هدنة بلا ضمانات

في صلب الأزمة خلاف على أسباب ارتفاع الأسعار وعلى توزيع كلفة معالجتها. فترمب يحمّل ضربات المصافي الروسية مسؤولية كبيرة، بينما تشير التقارير الاقتصادية إلى أن حرب إيران واضطراب إمدادات الشرق الأوسط وملاحة مضيق هرمز، يمثلان العامل الأساسي، مع مساهمة الهجمات الأوكرانية في تقليص المعروض.

وأعلن ترمب الأحد بدء «هدنة للطاقة» فوراً، لكن موسكو وكييف لم تؤكدا التوصل إلى اتفاق. وتبادل الجانبان الاتهامات عن خرق الاتفاق غير المؤكد. لذلك فإن وصف ما حدث بأنه انهيار لاتفاق مكتمل، يتجاوز الوقائع المتاحة. ويتضاعف الإشكال مع تقارير تفيد بأن المقصود أميركياً ربما وقف ضرب المصافي تحديداً، بينما تطالب كييف بحماية منظومتها الأوسع للطاقة والبنية التحتية. وهذا الفارق أثار انتقادات عَبّرت عنها صحف أميركية، متهمة ترمب بأنه «يضغط على الطرف الخطأ» بحسب «واشنطن بوست»، عبر مطالبة أوكرانيا بتعطيل أداة ردع، بينما تحصل روسيا على تخفيف للعقوبات. وزادت دعوة ترمب إلى تغيير الرئيس الأوكراني التوتر، حيث رد زيلينسكي بأن اختيار الرئيس شأن أوكراني، وعرض تنظيم انتخابات إذا وافقت روسيا على وقف شامل للنار لمدة 60 يوماً.

ترمب يتحدث خلال تجمع انتخابي في مركز كوفيلي في أوهايو (أ.ف.ب)

ردع موسكو وتقييد كييف

وتظهر ازدواجية الرسالة الأميركية في موقف القائد الأعلى لقوات حلف الناتو في أوروبا، الجنرال الأميركي أليكس غرينكويتش. ففي خطاب بوارسو، تعهد بإحباط أي هجوم روسي على دول «الناتو»، مستعرضاً تصوراً يقوم على صد الهجوم وإضعاف اندفاعه، ثم تحطيم القوات المهاجمة إذا واصلت عدوانها. لكنه نقل أيضاً مطالب أميركية إلى كييف بوقف ضرب المصافي.

ووفق مصادر أوكرانية وغربية، اقترنت الرسائل بتذكير بأهمية السلاح والمعلومات الاستخباراتية الأميركية. وفيما نفى مسؤول أميركي رواية «نيويورك تايمز» عن التلويح بحجب المساعدة الاستخباراتية، أكدت مصادر أوكرانية وقف تلقيها خلال هجمات على كييف أخيراً.

وبحسب تقرير لصحيفة «فاينانشال تايمز»، هددت إدارة ترمب منذ ذلك الحين بتعليق برنامج يتيح للأوروبيين شراء الأسلحة ثم نقلها إلى أوكرانيا. وفي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» على هامش منتدى وارسو للأمن الاثنين، قال السفير الأميركي لدى حلف شمال الأطلسي ماثيو ويتاكر إنه لا يريد التعليق على «تقارير غير مؤكدة». لكنه أضاف: «لا أعتقد أن ذلك يتوافق مع ما أعرفه اليوم، وهو أن الولايات المتحدة تواصل بيع معداتنا وذخائرنا إلى حلفائنا الأوروبيين والكنديين الذين يقدمونها بدورهم إلى أوكرانيا». وتابع: «لا علم لي بأي تغيير في هذا البرنامج».

في المقابل، أكد «الناتو» استمرار تدفق السلاح عبر البرنامج الذي تموله الدول الأوروبية.

إقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعفاءً مؤقتاً لصادرات مشتقات نفطية روسية يثير قلقاً عميقاً في أوروبا (د.ب.أ)

وتوضح «نيويورك تايمز» أن هذا يظهر تناقضاً سياسياً واستراتيجياً. فواشنطن تستعد لردع موسكو عن مهاجمة الحلف، لكنها تضغط لتقييد وسيلة تستخدمها أوكرانيا لرفع كلفة الحرب على روسيا. فاستهداف المصافي اكتسب أهمية مع تحول النزاع إلى حرب استنزاف اقتصادي. وبذلك، قد تتجاوز قيمة وقف الهجمات بالنسبة إلى الكرملين عائدات شحنات الديزل نفسها. وهذه هي حجة المنتقدين: الجمع بين تخفيف العقوبات وحماية المصافي يمنح بوتين أفضلية في حرب الاقتصاد، من دون انتزاع تنازل روسي مقابل يمكن التحقق منه.

تسوية أم استنزاف؟

ومع ذلك، لا يعني التصعيد أن المسار الدبلوماسي انتهى. فقد كشفت «واشنطن بوست»، نقلاً عن مسؤول أميركي، عن بحث حزمة أميركية أوروبية أوسع خلال اجتماعات فلوريدا بين ستيف ويتكون وجاريد كوشنر مع ممثلين أوكرانيين وأوروبيين. وتشمل الأفكار إعادة إعمار أوكرانيا، وضمانات أمنية أميركية وأوروبية، وترتيبات للطاقة وإعادة دمج روسيا اقتصادياً مقابل تسوية، وصولاً إلى وقف للنار على خطوط السيطرة. لكنها تظل مقترحات منقولة عن مسؤول، وليست اتفاقاً أقرّه الأطراف، خصوصاً في قضايا الأراضي والضمانات ورفع العقوبات.

وبحسب الصحيفة، منطق المبادرة هو توسيع مكاسب السلام لتعويض تنازلات مؤلمة للطرفين. لكن منح موسكو فوائد مسبقة قد يضعف الحافز الذي يُفترض أن يدفعها إلى التسوية، فيما يصعب إقناع كييف بالتخلي عن ورقة المصافي إذا بقيت مدنها واقتصادها عرضة للقصف.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية لدى نزوله من الطائرة «مارين 1» في عودته للبيت الأبيض السبت الماضي (أ.ب)

وتشير المعطيات إلى ثلاثة مسارات: هدنة متبادلة قابلة للمراقبة تمهد لمفاوضات أوسع؛ أو استمرار استنزاف البنى الاقتصادية خلال الشتاء؛ أو اتساع الخلاف الأميركي الأوكراني بما يضعف موقف كييف. ويتوقف الترجيح بينها على استعداد موسكو لتقديم التزامات فعلية، وقدرة واشنطن وأوروبا على ربط الحوافز بتنفيذها. أما انتخابياً، فالوقت أضيق من تعقيدات التسوية، وإذا لم تنخفض الأسعار ولم تتوقف الهجمات الروسية، فقد يجد الجمهوريون أنفسهم أمام اتفاق لم يمنح ناخبيهم الإغاثة الموعودة، لكنه منح خصومهم ورقة ضغط أكبر.