زيلينسكي مستعد للقاء بوتين خلال قمة «العشرين»... ويدعو ترمب لفرض عقوبات «صارمة» ضده

موسكو تُحذّر مجدداً من أن نشر قوات أوروبية في أوكرانيا «يعني حرباً ضد روسيا»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)
TT

زيلينسكي مستعد للقاء بوتين خلال قمة «العشرين»... ويدعو ترمب لفرض عقوبات «صارمة» ضده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)

أبدى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداده للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين إذا تمت دعوة الزعيمين لحضور قمة مجموعة «العشرين»، المقررة نهاية هذه العام، وتستضيفها الولايات المتحدة.

وقال لصحيفة «دويتشه فيله»، في مقابلة نشرت السبت، إنه سيلتقي الرئيس الروسي، إذا تم توجيه دعوة للزعيمين لحضور قمة الدول الغنية والنامية في ديسمبر (كانون الأول) في ميامي الأميركية. وردّاً على سؤال عما إذا كان سيلتقي بوتين خلال القمة في حال وُجهت الدعوة إلى الرئيسين لحضورها، أجاب زيلينسكي: «نعم، بالطبع. علينا أن نحضر. علينا أن نلتقي ونتحدث ونتخذ قرارات». وأضاف: «الأمر لا يتعلق بالكلمات. ما سأقوله له أو ما يريد أن يقوله لي لا يهم. ما يهم النتيجة فقط».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في كييف 6 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

ورد يوري أوشاكوف، مستشار السياسة الخارجية لبوتين السبت، قائلاً إنه لم يتم بعد مناقشة احتمال حضور بوتين القمة. وقال الكرملين في السابق إن زيلينسكي يمكن أن يأتي إلى موسكو إذا كان يرغب في الاجتماع مع بوتين، وهو اقتراح رفضته كييف.

وسعت واشنطن مؤخراً إلى إعادة تحريك الجهود المُتعثرة منذ فترة طويلة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت النصف الثاني من عامها الخامس، من خلال إرسال المفاوضين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو وكييف في نهاية الأسبوع الماضي. وبحث بوتين وترمب أوضاع الحرب الأسبوع الماضي خلال اتصال هاتفي استمر ساعة كاملة، وصف بأنه «صريح للغاية» وبنّاء.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

وقال زيلينسكي في المقابلة مع الصحيفة الألمانية، التي أُجريت الجمعة، إن زيارة ويتكوف وكوشنر كانت «إشارة جيدة»، مؤكداً، كما نقلت عنه عدة وكالات أنباء دولية، أن زيارتهما لكييف وموسكو على حد سواء كانت أمراً مهماً. وأضاف: «هذا احترام لشعبنا».

وتتولى الولايات المتحدة هذا العام رئاسة مجموعة «العشرين»، التي تضم 19 دولة إلى جانب الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

وفي مطلع سبتمبر (أيلول)، شارك وزير المال الروسي أنطون سيلوانوف في اجتماع لمجموعة «العشرين» في ولاية كارولاينا الشمالية بدعوة من واشنطن، في خطوة أثارت استياء حلفاء أوكرانيا الأوروبيين.

وقال دبلوماسي روسي، السبت، إن موسكو سترسل مسؤولين من وزارات الطاقة والخارجية والموارد الطبيعية إلى اجتماع لوزراء الطاقة في مجموعة «العشرين» يُعقد الأسبوع المقبل في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأميركية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتحدث مع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ قبل قمة «منظمة شنغهاي للتعاون 2025» في تيانجين الصينية 1 سبتمبر 2025 (رويترز)

من جانب آخر، دعا الرئيس الأوكراني نظيره الأميركي إلى فرض عقوبات «صارمة» على روسيا بشكل فوري، للحدّ من قدرتها على إنتاج الصواريخ، في ظل كثافة الضربات المتبادلة في الحرب. وقال زيلينسكي خلال منتدى «استراتيجية يالطا الأوروبية» في كييف: «يجب فرض العقوبات من الآن. هذه العقوبات يجب أن تكون صارمة (...) أحياناً لا أفهم لماذا لا يمكن اتخاذ القرارات بسرعة».

وتخشى أوكرانيا، التي تفتقر إلى الوسائل الكفيلة بالتصدي للصواريخ الروسية، أيضاً حلول فصل الشتاء، وهي فترة حرجة قد تتمكن خلالها موسكو من إلحاق أضرار جسيمة ببناها التحتية في مجال الطاقة، كما حدث عام 2025.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في ختام مؤتمر صحافي مشترك بكييف يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)

وشدّد زيلينسكي، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»، على أن «الإجراءات الهادفة إلى تقييد إنتاج الصواريخ الباليستية والأسلحة المرتبطة بها يجب أن تُتَّخذ دون إبطاء»، معتبراً أنه «من المهم أن تتخذ الإدارة الأميركية قرارات حازمة وشخصية من الرئيس ترمب». وكان زيلينسكي قد ألمح خلال زيارة إلى كندا هذا الأسبوع إلى أنه يتوقع لقاء ترمب في نيويورك في أواخر سبتمبر.

وتكثّف روسيا وأوكرانيا منذ أشهر الضربات بعيدة المدى، مستهدفتين مواقع مدنية مثل المصانع والمصافي والمستودعات والبنى التحتية في قطاعي الطاقة والمرافئ، إضافة إلى السفن.

ونفّذت روسيا غارة جوية كبيرة على مدينة أوديسا الساحلية الأوكرانية والمنطقة المحيطة، فيما لا تزال حركة السفن في البحر الأسود مضطربة للبلدين، ما يؤثر على تصدير السلع، بما في ذلك الحبوب.

شرطي يقف حارساً أمام لوحة إعلانية تحمل صورة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي معروضة خارج فندق قبل انعقاد قمة «بريكس» في نيودلهي 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية عبر تطبيق «تلغرام» إن القوات الروسية أطلقت صواريخ «كروز» من البحر وصواريخ باليستية و129 طائرة مسيرة عبر أوكرانيا. وأظهرت البيانات الأولية أن الدفاعات الجوية الأوكرانية أسقطت أو صدت 110 أهداف جوية، حسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

وأصيب 17 شخصاً على الأقل، طبقاً لما ذكرته الإدارة العسكرية المحلية في أوديسا. وأظهرت صور نشرتها السلطات مبنى سكنياً مكوناً من عدة طوابق لحقت به أضرار.

ونقلت وكالة «إنترفاكس» للأنباء، السبت، عن وزارة الدفاع الروسية قولها إن قواتها قصفت خلال الليل سفينتي شحن في ميناء تشورنومورسك الأوكراني على البحر الأسود. وذكرت الوزارة أيضاً أن القوات الروسية قصفت مصنع زابوريجستال للصلب في مدينة زابوريجيا ومجمع إنتربايب ستيل في دنيبرو وعدة مصانع في كريفي ريه. ولم تعلق أوكرانيا ولم يتسنَّ التحقق من المزاعم من مصادر مستقلة.

وحذّر الرئيس بوتين، الجمعة، من أن نشر قوات أوروبية في أوكرانيا «يعني حرباً ضد روسيا»، معتبراً أن موسكو «لا تُشكّل تهديداً» للدول الأوروبية. ونقلت وكالات الأنباء الروسية عن بوتين قوله من نيودلهي؛ حيث تُعقد قمة لمجموعة «بريكس»: «يقولون (القادة الأوروبيون) حالياً إنهم يبحثون في سبل إرسال قوات إلى الأراضي الأوكرانية، وهذا يعني حرباً ضد روسيا».

وأضاف: «نحن لا نهدد الدول الأوروبية، ولا نعتزم تهديدها. لماذا نفعل ذلك أصلاً؟ لا سبب لدينا للدخول في صراع مع أوروبا». ورأى بوتين أن القادة الأوروبيين «يُخيفون شعوبهم بتهديد وهمي من روسيا»، مضيفاً أن «هذا التهديد غير موجود، ولم يكن موجوداً يوماً».

الرئيس الأوكراني زيلينسكي مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مدينة كالغاري (أ.ف.ب)

لطالما اعتبرت روسيا أنّ نشر قوات غربية على الأراضي الأوكرانية خط أحمر ينبغي عدم تجاوزه. وكانت هذه الفكرة موضع نقاش بين القادة الأوروبيين لسنوات من دون أن يتم تنفيذها. وتستند روسيا في تبرير حربها على أوكرانيا إلى ما تعتبره تهديداً ناجماً عن توسع حلف شمال الأطلسي (ناتو) باتجاه حدودها، في وقت تسعى كييف للانضمام إلى هذا التحالف العسكري.


مقالات ذات صلة

موسكو تعتبر وقف إمدادات السلاح لأوكرانيا عبر البحر الأسود أولوية قصوى

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي كلمة خلال الجلسة الافتتاحية لمجلس «الدوما» المنتخب حديثاً في موسكو الخميس (أ.ف.ب) p-circle

موسكو تعتبر وقف إمدادات السلاح لأوكرانيا عبر البحر الأسود أولوية قصوى

حذر فلاديمير بوتين من أن جولات التصعيد في الصراعات الدولية قد تؤدي بسرعة إلى سيناريوهات خطيرة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا سيارات عالقة في زحمة سير قرب أحد جسور العاصمة الأوكرانية كييف عقب ضربات ليلية روسية 2 أكتوبر الحالي (رويترز)

ضربات روسية تعلّق حركة المرور على جسر في كييف

تسببت ضربات روسية جديدة على جسر رئيسي في كييف بتعليق حركة المرور وفرض قيود على جسور أخرى، وسط ازدحام خانق وتصعيد للهجمات على البنية التحتية الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
آسيا رئيس كوريا الجنوبية لي جيه - ميونغ يلقي خطاباً خلال يوم القوات المسلحة في قاعدة عسكرية في غيونجغ بكوريا الجنوبية يوم 1 أكتوبر 2026 (أ.ب)

رئيس كوريا الجنوبية يهدد بإجراءات ضد أوكرانيا على خلفية أسيرَيْن كوريَيْن شماليَيْن

هدد الرئيس الكوري الجنوبي باتخاذ إجراءات ضد أوكرانيا ما لم تعترف باتفاق سري بشأن نقل أسيرَيْن كوريَيْن شماليَيْن وتقدّم اعتذاراً.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لدى وصوله إلى موقع غير معلَن على الجبهة قرب ليمان حيث استقبله وزير الدفاع يفغيني خمارا في شرق أوكرانيا 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

زيلينسكي: أوكرانيا أدخلت صاروخاً باليستياً تكتيكياً جديداً في عملياتها العسكرية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الخميس، إن كييف أدخلت صاروخها الباليستي التكتيكي من طراز «إف بي-7» في العمليات القتالية، للمرة الأولى.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي كلمة خلال الجلسة العامة للاجتماع السنوي الـ23 لمنتدى «فالداي» للحوار بموسكو 1 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

بوتين يرفض وقفا متبادلا للضربات بعيدة المدى مع أوكرانيا

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه لا يمكن ضمان عدم استخدام أسلحة الدمار الشامل، ودعا إلى إبقاء هذا الاحتمال في الحسبان والعمل على منعه.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

بوتين يتابع مناورات عسكرية للتصدي لـ«عدوان» على البر وبحر قزوين

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بين ضباط خلال المناورات في منطقة تشيليابينسك (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بين ضباط خلال المناورات في منطقة تشيليابينسك (إ.ب.أ)
TT

بوتين يتابع مناورات عسكرية للتصدي لـ«عدوان» على البر وبحر قزوين

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بين ضباط خلال المناورات في منطقة تشيليابينسك (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بين ضباط خلال المناورات في منطقة تشيليابينسك (إ.ب.أ)

تابع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مناورات عسكرية شارك فيها آلاف الجنود تحت مظلة منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا.

وقال الرئيس الروسي، في تصريحات بثّها التلفزيون الرسمي، الجمعة، إن أكثر من 47 ألف جندي شاركوا في مناورات استراتيجية أُجريت في 11 ميداناً وبحر قزوين؛ بهدف تعزيز مهارات القيادة والتصدي لعدوان خارجي، وفق وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

وأوضح الرئيس الروسي، من منطقة تشيليابينسك، أن المشاركين استخدموا مُعدات عسكرية جديدة، واستفادوا من الخبرات المكتسبة خلال القتال في أوكرانيا.

ونقلت وكالة «تاس» الروسية الرسمية عن المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، قوله إن المناورات كان مخططاً لها مسبقاً، وليست رداً على تهديدات حالية عبر الحدود.

ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي تحالف تقوده روسيا، وتضم أيضاً بيلاروس وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان بصفتهم أعضاء فاعلين.

وبدأت المناورات في 28 سبتمبر (أيلول) الماضي، ومن المقرر أن تنتهي السبت، وفقاً لـ«الكرملين».

وكانت الصين من بين الدول الأجنبية التي أرسلت قوات عسكرية للمشاركة في المناورات، وفقاً لما أوردته وكالة «إنترفاكس».


بريطانيا تدرس خفض دعم تحسين كفاءة الطاقة في المنازل لتمويل الإنفاق العسكري

جنود مارينز بريطانيون خلال تدريبات ضمن حلف الناتو (البحرية البريطانية عبر منصة إكس)
جنود مارينز بريطانيون خلال تدريبات ضمن حلف الناتو (البحرية البريطانية عبر منصة إكس)
TT

بريطانيا تدرس خفض دعم تحسين كفاءة الطاقة في المنازل لتمويل الإنفاق العسكري

جنود مارينز بريطانيون خلال تدريبات ضمن حلف الناتو (البحرية البريطانية عبر منصة إكس)
جنود مارينز بريطانيون خلال تدريبات ضمن حلف الناتو (البحرية البريطانية عبر منصة إكس)

تدرس الحكومة البريطانية خفض مخصصات برنامجها المهم لتحديث ملايين المنازل بهدف تحسين كفاءة استهلاك الطاقة فيها، بهدف توفير نحو ملياري جنيه إسترليني (2.6 مليار دولار) من مخصصات وزارة الطاقة لتمويل الزيادة في الإنفاق العسكري.

ونقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مصدر مطلع طلب عدم الكشف عن هويته القول إن برنامج «المنازل الدافئة» المقدرة مخصصاته بنحو 15 مليار جنيه إسترليني، من بين البرامج التي تدرس الحكومة تخفيض نفقاتها. كما تدرس خفض مخصصات برنامج حجز وتخزين الانبعاثات الكربونية، مع تدقيق مخصصات الإنفاق على مشروعات إنتاج الهيدروجين كمصدر للطاقة النظيفة.

وقال المصدر إن الحكومة لم تتخذ أي قرارات نهائية بشأن هذه الأفكار حتى الآن، وقد يتم تغييرها، في الوقت الذي يدرس فيه المسؤولون الخيارات المتاحة قبل إعلان ميزانية الحكومة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية.

ولم تعلن الحكومة عن خطة تحسين كفاءة استهلاك الطاقة لما يصل إلى 5 ملايين منزل بحلول عام 2030 إلا في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، ومع ذلك يتعين على جميع الإدارات الحكومية تخصيص 1 في المائة من ميزانيات إنفاقها الرأسمالي لتمويل الاستثمارات الدفاعية نتيجة تداعيات الحرب الأميركية ضد إيران.

في الوقت نفسه طالبت الحكومة وزارة أمن الطاقة والحياد الصفري البريطانية، بخفض إنفاقها بقيمة ملياري جنيه إسترليني إضافية بنهاية العقد الحالي. وتُعد هذه الوزارة صاحبة واحدة من أكبر الوزارات من حيث الميزانية، مما يعكس المبالغ الضخمة المخصصة لعملية التحول في قطاع الطاقة في بريطانيا. ونظراً لأن العديد من خطط الإنفاق في الوزارة تمتد لعدة سنوات، فإن ذلك يتيح للمسؤولين مجالاً لخفض الإنفاق المستقبلي أو تأجيله بدلاً من إلغاء المشاريع.


حراك الطلاب يهزّ فرنسا... والحكومة تسابق اتساع الغضب

كرّ وفرّ خلال مظاهرة الجمعة في باريس بين الشرطة والمتظاهرين وإطلاق غاز مسيل للدموع (أ.ب)
كرّ وفرّ خلال مظاهرة الجمعة في باريس بين الشرطة والمتظاهرين وإطلاق غاز مسيل للدموع (أ.ب)
TT

حراك الطلاب يهزّ فرنسا... والحكومة تسابق اتساع الغضب

كرّ وفرّ خلال مظاهرة الجمعة في باريس بين الشرطة والمتظاهرين وإطلاق غاز مسيل للدموع (أ.ب)
كرّ وفرّ خلال مظاهرة الجمعة في باريس بين الشرطة والمتظاهرين وإطلاق غاز مسيل للدموع (أ.ب)

من المبكر رصد محصلة نهائية للحراك الطلابي في فرنسا. فرغم التدابير الجذرية التي أقرتها السلطات، ومنها إغلاق 500 مدرسة وجامعة ومنع التجمهر أو التظاهر قريباً منها وتوقيف نحو 2000 شخص يوم الخميس وحده، ودعوة وزير الداخلية جيرالد دارمانان المدعين العامين في البلاد إلى التشدد في التعامل مع مرتكبي أعمال الشغب المتنوعة، وتحميل الأهل مسؤولية ما يقوم به أبناؤهم، فإن الحراك متواصل. بل إنه قد يبلغ الثلاثاء 6 أكتوبر (تشرين الأول) ذروته بسبب الدعوة إلى التعبئة العامة وإلى يوم حراك على كامل الأراضي الفرنسية. واللافت في ما تشهده فرنسا راهناً السرعة التي توسعت فيها الحركة المطلبية، التي انطلقت متواضعة بداية الأسبوع الماضي من ثانوية في ضاحية باريس اشتكى تلامذتها من نقص في الجسم التعليمي ومن تدهور الظروف المدرسية.

التجاذب السياسي

ومنذ بدايتها، لم تعر السلطات المعنية هذه التحركات أي اهتمام، قبل أن تنتشر بسرعة فائقة وسط أجواء سياسية ملبدة بسبب الاستحقاق الرئاسي في الربيع القادم، وعلى خلفية أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية عنوانها الارتفاع الهائل لأسعار المشتقات النفطية والغاز.

والنتيجة أنه بعد أسبوع واحد، فإن 1027 ثانوية رسمية، من أصل 3700 في عموم البلاد، تأثرت بالحركة الاحتجاجية. وعرف العديد منها العنف المزدوج: عنف المتظاهرين ومثيري أعمال الشغب من جهة، وعنف الشرطة ورجال الأمن من الجهة المقابلة. كذلك، انضمّت ثلاثون جامعة إلى الحراك دعماً لطلاب المرحلة الثانوية.

تلامذة يرفعون لافتة كُتب عليها «المدرسة الثانوية محاصرة» خلال مظاهرة احتجاجية على نقص الموارد في المدارس بمدينة ليون يوم 2 أكتوبر (أ.ب)

واعتبر إدوار جيفراي، وزير التربية، الجمعة، أن «هناك بوضوح حملة تستهدف مهاجمة وتدمير مرفق التعليم العام»، وأن «أكثر من مائة مدرسة ثانوية تعرضت لأضرار جسيمة». وذكر الوزير المعني أن 67 مسؤولاً تربوياً، بينهم 40 مديراً، أصيبوا خلال الأيام الأخيرة، إضافة إلى 140 طالباً. وبالنظر إلى تدهور الوضع، فقد طلب مساعدة أولياء التلامذة والطلاب لكبح اندفاعة الحركة الاحتجاجية. وكتدبير إضافي، دعا لوران نونيز، وزير الداخلية، المحافظين والمسؤولين الأمنيين إلى التشدد ومنع المظاهرات، واصفاً ما يجري بأنه «عنف متفلّت» استهدف الشرطة والدرك، وأوقع 300 إصابة في صفوفهم.

قراءتان للحراك

ثمة قراءتان لما يجري في فرنسا. الأولى: قراءة السلطات ومعها اليمين (التقليدي والمتطرف)، وما يسمى الكتلة الوسطية الداعمة للرئيس إيمانويل ماكرون. وتقوم هذه القراءة على التنديد بعنف المتظاهرين وتأجيج الاحتجاجات والاستغلال السياسي للحراك والدفع باتجاه الفوضى. ويحمّل هذا المعسكر المسؤولية، بالدرجة الأولى، لحزب «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه المرشح الرئاسي جان لوك ميلونشون. وبالمقابل، ثمة قراءة مختلفة لليسار بغالبية تشكيلاته تندد بتجاهل الدولة لمطالب المتظاهرين وللجوئها إلى العنف، وتنفي علاقتها المباشرة بما هو حاصل.

جانب من المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في ليون يوم 2 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي لقاء صحافي الخميس، رد ميلوشون على الاتهامات الموجهة له ولحزبه، نافياً أي علاقة بما يجري وبتأجيج الحراك والعنف. ودعا المتظاهرين إلى «الانضباط»، قائلاً: «لا فائدة من إشعال الحرائق. نحن مقاتلون، ونحن منضبطون. لا نقوم بأي عمل يتعارض مع الهدف الذي حددناه لأنفسنا. ونحن ندعو إلى أساليب نضال سلمية وغير عنيفة».

وحذّر ميلونشون من الأعمال غير المنضبطة ومن استغلالها كحجة لاستهداف المتظاهرين، متوجهاً إلى الشباب قائلاً: «أدعوكم، أيها الشباب، أينما كنتم، إلى الانضباط في النضال. يجب ألا تستخدموا أي أسلوب آخر سوى أساليب النضال غير العنيفة». ويؤكد حزب ميلونشون أن الاتهامات المسوقة بحقه غرضها «حرف الأنظار» عن المطالب المشروعة التي يرفعها التلامذة ومعهم الطلاب.

ولم يتأخر الرد على ميلونشون وجاء صباح الاثنين، في مقابلة مع إذاعة «آر تي إل» لوزير الداخلية دارمانان، الذي اعتبر أنه «عندما يتم الاعتداء على الأساتذة، وعلى المرافق العامة، فمن الطبيعي أن تكون العدالة حاضرة. هناك أقلية نشطة وعنيفة. ويجب توقيف هؤلاء الأشخاص وإحالتهم أمام القضاء».

ووصف وزير الداخلية، الذي رأس اجتماعاً طارئاً ضمّ المحافظين ومديري الشرطة والدرك ومسؤولي أجهزة الاستخبارات، ما يجري بأنه «لم يعد له أي علاقة بالتعبير المشروع عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، بل بات يحمل الآن جميع سمات حالة من أعمال العنف في المناطق الحضرية»، أي المدن وضواحيها.

انتشار آلاف رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات ومكافحة أعمال الشغب في باريس يوم 2 أكتوبر (أ.ف.ب)

بدوره، رأى وزير التربية جيفراي أن ما جرى يوم الخميس يشكّل «تحولاً» من مساعٍ لإغلاق المدارس الثانوية إلى أعمال عنف واسعة، مؤكداً أنه أصبح «مشروعاً لتدمير نظام التعليم العام» في البلاد، وأن حركة طلاب المدارس الثانوية باتت رهينة لـ«مجموعات هامشية شديدة العنف».

وكان برونو روتايو، رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي والمرشح الرئاسي، قد ندّد بـ«تسييس الحراك» وبالدور الذي يلعبه ميلونشون وحزبه، وذهب إلى حد الدعوة إلى منعه من الوجود. وفي السياق عينه، قال نائبه فرانسوا كزافيه بيلامي، الجمعة، إن «ما يحصل ليس حراكاً أو تعبئة لتلامذة التعليم الثانوي. إنه لفوضى»، لا بل إنه «تحضير للفوضى العامة التي يهيئ لها حزب (فرنسا الأبية)، ولذا فإن مسألة حله أصبحت اليوم مطروحة».

تقرير مخابراتي

يبدو سيباستيان لو كورنو، رئيس الحكومة، مقتنعاً بأن ميلونشون وحزبه يلعبان دوراً في الحراك الجاري، مستنداً في ذلك إلى تقرير أعدّته المخابرات الداخلية واطّلعت عليه صحيفة «لو فيغارو» اليمينية.

جانب من تداعيات المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في باريس يوم 2 أكتوبر (إ.ب.أ)

وحسب أجهزته، في تقرير يعود ليوم الثلاثاء الماضي، فإن ما لا يقل عن عشرين منتخباً ومسؤولاً في حزب «فرنسا الأبية» كانوا «منخرطين في الحركة الاحتجاجية» في مدن مثل ليل ورين وتولوز وألبي وروان وأفينيون. وجاء في التقرير المخابراتي أنه «من الواضح أن طلاب المدارس الثانوية يُدفَعون إلى القيام بهذه التحركات من قبل عناصر من اليسار المتطرف، تم رصدهم سواء داخل هياكل نقابية طلابية في جامعة (باريس الثامنة) أو في جامعة (باريس نانتير)، وكذلك داخل تنظيمات سياسية مثل (الشيوعيون الثوريون) أو (الثورة الدائمة) أو حزب (فرنسا الأبية)».

ووفق التقرير المذكور، فإن ما يميز الحراك الحالي «رغبة واضحة في إحداث الفوضى، ولا سيما من خلال ارتكاب أعمال عنف حضرية، من دون وجود مطالب اجتماعية محددة». وردّ منسق حزب «فرنسا الأبية» على لوكورنو متهماً إياه بـ«الانغماس في نظرية المؤامرة»، وأعاد الحراك إلى الصعوبات التي تواجه الثانويات وأيضاً الجسم التعليمي الذي يدعم بعض الحراك.

أولوية الحكومة

ما يهم السلطات بالدرجة الأولى احتواء الحراك وعدم تمدده أكثر. لذا، فقد عمدت الحكومة، بدايةً، إلى التراجع عن فرض رسوم تسجيل على طلاب «شهادة التقنية العالية» أو على طلاب الأقسام التحضيرية للجامعات، وهي خطوة كانت مدرجة في مشروع موازنة عام 2027.

كذلك، عجّل وزير التربية في الدعوة إلى مشاورات موسعة مع ممثلي التلامذة الثانويين وأولياء الأمر والمدرسين، بالإضافة إلى إطلاق «منصة» إلكترونية يستطيع التلامذة استخدامها للتعبير عن مطالبهم.

وحاول المسؤولون، من خلال تصريحاتهم، التمييز بين التلامذة وبين مرتكبي أعمال الشغب، بمعنى التعبير عن التفهم للأوائل واللجوء إلى الحزم بالنسبة للآخرين. وتواصل الحراك الجمعة، وإن خفت حدته بسبب تدابير منع التجمع والتظاهر أمام 400 مدرسة ثانوية، وتوقيف ما لا يقل عن ألفي شخص.