موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا

النقاشات حولها تتزايد مع دخول حرب أوكرانيا عامها الخامس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته بداية الشهر الحالي إلى القاعدة البحرية في جزيرة إيل لونغ التي تؤوي الغواصات الحاملة للرؤوس النووية (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته بداية الشهر الحالي إلى القاعدة البحرية في جزيرة إيل لونغ التي تؤوي الغواصات الحاملة للرؤوس النووية (رويترز)
TT

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته بداية الشهر الحالي إلى القاعدة البحرية في جزيرة إيل لونغ التي تؤوي الغواصات الحاملة للرؤوس النووية (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته بداية الشهر الحالي إلى القاعدة البحرية في جزيرة إيل لونغ التي تؤوي الغواصات الحاملة للرؤوس النووية (رويترز)

حذر الكرملين الجمعة مما وصفه بـ«تهديد جدي» بعد إعلان فنلندا عزمها نشر أسلحة نووية لتعزيز «القدرات الدفاعية» للجمهورية الجارة لروسيا. ولوح الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف باتخاذ «تدابير مناسبة» للتعامل مع التهديد الجديد. فيما بدا أن النقاشات حول الردع النووي أخذت منحى تصاعدياً ملموساً في الفترة الأخيرة، مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس في ظل استعصاء سياسي كامل.

وعلى خلفية المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط، قال بيسكوف إن بلاده تعد «نشر الأسلحة النووية في فنلندا تهديداً أمنياً مباشراً». وأضاف: «إذا هددتنا فنلندا، فسنتخذ الإجراءات المناسبة».

طائرتا «رافال» فرنسيتان ترافقان طائرة «إيرباص» لتزويد الوقود قبل لحظات من هبوطها في القاعدة البحرية النووية في إيل لونغ شمال غربي فرنسا في 2 مارس (أ.ف.ب)

في اليوم السابق، أعلن وزير الدفاع الفنلندي، أنتي هاكانين، أن الحكومة تقترح السماح باستيراد ونشر الأسلحة النووية في إطار تعزيز القدرات الدفاعية في الجمهورية التي حافظت على حياد سياسي وعسكري لعقود، قبل أن تنضم بعد اندلاع الحرب الأوكرانية إلى حلف شمال الأطلسي. وتقول الحكومة الفنلندية إن هذه الخطط «دفاعية» فقط، و«في جميع الحالات الأخرى، سيُحظر توريد وتخزين أسلحة الدمار الشامل».

لكن بيسكوف نبه إلى أن هذه الخطط تشكل تهديداً جدياً، وقال إن «نية هلسنكي تُؤدي أيضاً إلى تفاقم التوترات في أوروبا بشكل كبير». وأضاف: «يزيد هذا التصريح من هشاشة وضع فنلندا، وهي هشاشة ناجمة عن تصرفات السلطات المحلية».

A U.S. experimental nuclear detonation in the Nevada desert (A.P.)

وقد كثفت الدول الأوروبية مؤخراً من لهجتها في هذا الشأن. وعلى سبيل المثال، أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قبل أيام، أن بلاده تدخل مرحلة «الردع النووي المتقدم». وفي إطار العقيدة الجديدة، ستزيد باريس عدد رؤوسها الحربية، وسيتمكن الحلفاء من المشاركة في مناورات الردع المشتركة. ويُقال إن هذه المناورات تشمل بريطانيا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك.

وفي حين أن التصريح الفرنسي ارتبط بالحرب الجارية في إيران، فإن التلويح الفنلندي جاء على خلفية تزايد المخاوف في أوروبا الشرقية بسبب الحرب الأوكرانية المستمرة التي دخلت عامها الخامس أخيراً.

وانتقدت أحزاب المعارضة في فنلندا قرار الحكومة تعديل التشريعات التي تسمح باستيراد وتخزين الأسلحة النووية على الأراضي الفنلندية. ونقل عن رئيس «الحزب الاشتراكي الديمقراطي»، أنتي ليندمان، قوله، بحسب ما نقلته عنه «هيئة الإذاعة الفنلندية»: «لا يمكن لــ(الحزب الاشتراكي الديمقراطي) أن يدعم هذا التوجه».

ووفقاً لأنتي ليندمان، إذا طُبقت هذه التغييرات، فستصبح فنلندا الدولة الاسكندنافية الوحيدة التي لا تفرض قيوداً واضحة على الأسلحة النووية.

كما انتقد «حزب الخضر» المعارض وتحالف اليسار خطط الحكومة. وعلى وجه الخصوص، صرحت زعيمة حزب اليسار، مينجا كوسكيلا، بأن رفع القيود المفروضة على الأسلحة النووية سيمثل تغييراً جذرياً في السياسة الخارجية والأمنية لفنلندا.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

وقالت كوسكيلا، وفقاً لبيان صحافي صادر عن الحزب: «إن رفع القيود لن يُحسّن أمن أي جهة. كما أن هناك خطراً من إضعاف مسار نزع السلاح النووي عالمياً». وأعرب أوراس تينكينن، زعيم الكتلة البرلمانية لـ«حزب الخضر»، عن صدمته من اتخاذ الحكومة قراراً بشأن هذه القضية الهامة من دون طرح الموضوع للنقاش داخلياً مع المعارضة. ونقل عن تينكينن قوله: «الأسلحة النووية ليست ألعاباً، ويجب اتخاذ مثل هذه القرارات الجوهرية بعد دراسة متأنية».

وأقرّ القادة الفنلنديون بأن موسكو ستقوم بخطوات مضادة، لمواجهة الوضع الجديد بعد رفع الحظر المزمع على نشر الأسلحة النووية في البلاد، حسبما صرّح وزير الدفاع الفنلندي أنتي هاكانين. وقال الوزير: «نحن على أتمّ الاستعداد لذلك». مجدداً التأكيد بأن «تغيير القانون يُقلّل من خطر استهداف فنلندا بنشاط عسكري من جانب موسكو».

وكان موضوع نشر السلاح النووي اتخذ أبعاداً جديدة أكثر تعقيداً الأسبوع الماضي، عندما أعلنت موسكو امتلاكها معطيات تؤكد توجه بريطانيا وفرنسا لتزويد أوكرانيا بقدرات نووية لمساعدتها على مواجهة التقدم الروسي المتواصل على الأرض وتعزيز أوراقها التفاوضية مع موسكو.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

وحمل تقرير أصدره جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي اتهامات مباشرة لباريس ولندن بالعمل على نقل أسلحة نووية إلى أوكرانيا. ووصف الناطق باسم الكرملين هذه المعطيات بأنها «بالغة الخطورة» وأكد أنه «سيتم أخذها في الاعتبار خلال جولات التفاوض». ووصف بيسكوف خطط لندن وباريس بأنها «انتهاك صارخ لجميع قواعد ومبادئ القانون الدولي».

وكان الجهاز الأمني الروسي قد أفاد في تقريره بأن «فرنسا وبريطانيا تدركان أن النصر على روسيا على يد القوات الأوكرانية أمر لا يمكن تحقيقه، ولهذا تستعدان لتزويد أوكرانيا بقنبلة نووية».

وأكد المكتب الإعلامي للجهاز في بيان أن «بريطانيا وفرنسا، وفقاً لمعلومات وردت إلينا، تدركان أن التطورات الحالية في أوكرانيا لا تتيح لهما أي فرصة لتحقيق النصر على روسيا على يد القوات الأوكرانية. ومع ذلك، فإن النخب البريطانية والفرنسية غير مستعدة للقبول بالهزيمة. وهناك قناعة بأن أوكرانيا بحاجة إلى امتلاك «أسلحة خارقة». وستتمكن كييف من الحصول على شروط أفضل لإنهاء القتال في حال امتلكت قنبلة نووية، أو على الأقل ما تسمى «القنبلة القذرة». وزاد البيان أن «برلين رفضت بحكمة المشاركة في هذه المغامرة الخطيرة».

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ 8 أبريل 2010 (أ.ب)

ووفقاً لمعلومات جهاز المخابرات الخارجية الروسية، تعمل لندن وباريس حالياً بنشاط على تزويد كييف بمثل هذه الأسلحة والمعدات. ويدور الحديث حول النقل السري للمكونات والمعدات والتقنيات الأوروبية في هذا المجال إلى أوكرانيا. ويجري النظر في استخدام الرأس الحربي الفرنسي (TN75) صغير الحجم، المستخدم في الصواريخ الباليستية M51.1 التي تطلق من الغواصات، كخيار مطروح.

وفي إشارة إلى مستوى جدية موسكو في التعاطي مع المعلومات التي وردت في التقرير، لم يقتصر التحرك الروسي على إعلان طرح هذا الملف خلال جولات التفاوض، بل بدا أن موسكو تسعى إلى تحريك نشاط سياسي ودبلوماسي وحقوقي على المستوى البرلماني وضمن أطر مراقبة التسلح والحد من انتشار السلاح النووي.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال أحد الاجتماعات اليومية في الكرملين الثلاثاء (أ.ف.ب)

وحذر «مجلس الاتحاد» (الشيوخ) الروسي من أن «تنفيذ خطط لندن وباريس سيُعد هجوماً مشتركاً على موسكو». ودعا إلى «إجراء تحقيقات على المستوى البرلماني، ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومؤتمر الامتثال لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية». ورأى المجلس أن «التواطؤ غير المسؤول بين حكومتي البلدين، متجاوزاً المؤسسات الديمقراطية، قد يُفضي إلى كارثة».

وعلى الصعيد البرلماني، وجَّه «مجلس الاتحاد» نداءً مباشراً إلى نظرائه في مجلسي العموم واللوردات البريطانيين، وفي الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ الفرنسيين، داعياً إياهم إلى «الإسراع بفتح تحقيقات برلمانية» في هذا الملف.

بدوره، هدد نائب سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي دميتري ميدفيديف، بتبعات ميدانية مباشرة، ولوَّح باستخدام أسلحة نووية لمهاجمة أهداف داخل أوكرانيا وعواصم أوروبية.

وقال في بيان نشره على منصة «تلغرام» إن «معلومات جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية حول نية فرنسا والمملكة المتحدة نقل التكنولوجيا النووية إلى نظام كييف النازي تُغير الوضع جذرياً.

ولا يتعلق الأمر هنا بتدمير معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو أي قانون دولي آخر، بل هو نقل مباشر للأسلحة النووية إلى دولة في حالة حرب». وأكد السياسي الروسي الذي يعد من معسكر الصقور الذين طالبوا مراراً بحسم عسكري صارم للحرب، بما في ذلك عبر استخدام أسلحة غير تقليدية، أنه «لا ينبغي أن يكون هناك مجال للشك في أنه في مثل هذا السيناريو، ستُجبر روسيا على استخدام أي سلاح، بما في ذلك الأسلحة النووية غير الاستراتيجية، ضد أهداف في أوكرانيا تُشكل تهديداً لبلادنا. وإذا لزم الأمر، ضد الدول الموردة التي تتواطأ في نزاع نووي مع روسيا. هذا هو الرد المتكافئ الذي يحق للاتحاد الروسي القيام به».

من جانب آخر ذكرت مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسع مارتا كوس أن العالم غير المستقر يتطلب قواعد جديدة لتسريع مساعي أوكرانيا للانضمام إلى التكتل. وأضافت كوس لوكالة «بلومبرغ» للأنباء الجمعة أن «المنهجية التي نستخدمها لا تتناسب مع الأوقات الصعبة التي نعيشها».

غروسي خلال مؤتمر صحافي في فيينا الاثنين (أ.ف.ب)

وأصبحت الجهود المبذولة لمراجعة عملية العضوية في الاتحاد الأوروبي التي تستغرق سنوات قضية بارزة في الأسابيع الأخيرة، بعد أن قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، وهي أعلى مسؤول تنفيذي في التكتل، لأوكرانيا إنها لا تستطيع الالتزام بانضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2027. وبدلاً من ذلك، تستعد المفوضية لسيناريوهات لمنح أوكرانيا حقوق العضوية بشكل تدريجي، لكن هناك معارضة شديدة من قبل المجر التي تربطها علاقات وثيقة بموسكو.

واتهم وزير الخارجية الأوكراني أندري سبيغا المجر الجمعة باحتجاز سبعة موظفين في مصرف أوكراني «رهائن». وقال سبيغا على منصة «إكس»: «اليوم في بودابست، احتجزت السلطات المجرية سبعة مواطنين أوكرانيين رهائن». وأضاف: «هؤلاء الأوكرانيون السبعة هم موظفون في بنك (أوشادبانك) التابع للدولة، وكانوا في سيارتين مصرفيتين تعبران بين النمسا وأوكرانيا وتحملان النقود كجزء من الخدمات المنتظمة بين البنوك الحكومية». وتابع سبيغا: «نحن نتحدث عن قيام المجر باحتجاز رهائن وسرقة أموال. هذا إرهاب دولة وابتزاز».

وأوضح بنك «أوشادبانك» أن موظفي المصرف كانوا ينقلون 40 مليون دولار وتسعة كيلوغرامات من الذهب بين بنكَي «رايفايزن» النمساوي و«أوشادبانك» الأوكراني في مركبتين الخميس. وأضاف المصرف في بيان الجمعة: «بحسب بيانات إشارة نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، فإن مركبتَي (أوشادبانك) المحتجزتَين بشكل غير قانوني موجودتان حالياً في وسط بودابست، قرب إحدى وكالات إنفاذ القانون في المجر».


مقالات ذات صلة

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

الخلاف بين ترمب وزيلينسكي يهدد الدعم الحيوي لكييف... المحلل كليمنس فيشر: أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها» في الحرب بعد وقف الدعم الأمريكي

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برلين - كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (السبت)، أن الولايات المتحدة سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا، غداة تعليق الرئيس دونالد ترمب العمل ببعضها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وسط أزمة مع كييف... ترمب يعلّق عقوبات تستهدف عائدات النفط الروسي

أعفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب روسيا الجمعة من عقوبات أقرها الكونغرس مؤخراً، وتستهدف عائداتها النفطية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

البابا ليو الرابع عشر يغادر المستشفى بعد العملية الجراحية

البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)
TT

البابا ليو الرابع عشر يغادر المستشفى بعد العملية الجراحية

البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)

غادر البابا ليو الرابع عشر المستشفى، السبت، عائداً إلى الفاتيكان بعد خمسة أيام من خضوعه لعملية استئصال ورم سرطاني في الرئة.

وخرج البابا البالغ 71 عاماً سيراً من مستشفى جيميلي في روما، ولوّح مبتسماً لعدد من المتجمعين عند المدخل، الذين هتفوا ترحيباً به.

وفي وقت سابق، كتب الطبيبان لويجي كاربوني وستيفانو مارغاريتورا في مذكرة نشرها الفاتيكان: «استناداً إلى نتائج فحوص الدم، وصورة الأشعة السينية للصدر التي أُجريت هذا الصباح، وتقييماً للحالة السريرية، تبيّن أن الأب الأقدس بات مؤهلاً لمغادرة المستشفى»، الأمر الذي أكده الفاتيكان، لافتاً إلى أنه «سيتلو غداً (الأحد) صلاة التبشير الملائكي من نافذة الشقة البابوية».

البابا ليو الرابع عشر في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين في طريقه إلى كاتدرائية القديس إتيان (أ.ب)

وتعوّد الحبر الأعظم إقامة صلاة «التبشير الملائكي» كل يوم أحد من نافذة القصر الرسولي المطلة على ساحة القديس بطرس، أمام حشود من المؤمنين.

وكان الحبر الأعظم البالغ 71 عاماً، أقام قداساً الجمعة في المستشفى حيث يتلقى العلاج، وفق ما أظهرت صور له هي الأولى التي ينشرها الفاتيكان بعد إجراء العملية، الثلاثاء.

وذكر المكتب الإعلامي للفاتيكان أن البابا أقام القداس بحضور الطاقم الطبي والتمريضي في مستشفى جيميلي، إلى جانب أشخاص كانوا موجودين في المكان خارج أوقات دوامهم، كما انضم إليهم عناصر من الشرطة.

أدخل البابا ليو، الثلاثاء، إلى مستشفى جيميلي في روما والواقع شمال الفاتيكان، حيث خضع لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في رئته اليمنى.

وأفاد أطباؤه، الجمعة، بأن الفحوص أظهرت «تحسناً مستمراً في حالته العامة»، وأنه بات يمارس «أنشطته اليومية المعتادة بشكل مستقل تماماً».


موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»... وزيلينسكي يصف «المكافأة» بالأمر المؤسف

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أثناء وصوله إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أثناء وصوله إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (أ.ب)
TT

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»... وزيلينسكي يصف «المكافأة» بالأمر المؤسف

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أثناء وصوله إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أثناء وصوله إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (أ.ب)

رحبت موسكو، السبت، بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق»، بينما رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، السبت، أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعفاء روسيا من عقوبات فرضها الكونغرس الأميركي، هو مكافأة لنظيره الروسي فلاديمير بوتين في وقت تكثّف فيه موسكو هجماتها على قطاع الطاقة.

وقال كيريل دميترييف مبعوث الرئيس فلاديمير بوتين على وسائل التواصل الاجتماعي إن «تعليق إدارة ترمب قانون غراهام هو لحظة مهمة وتاريخية بحق». وقال في منشور على منصة «إكس» إن هذا التشريع كان من الممكن أن يؤدي فعلياً إلى وقف جميع أوجه التعاون الاقتصادي بين روسيا والولايات المتحدة.

وقال زيلينسكي عبر منصات التواصل الاجتماعي: «حجب العقوبات الأميركية، وتخفيف الضغط على المعتدي، ومنح مكافآت مالية لبوتين، كل ذلك لا يؤدي إلا إلى تشجيعه على مواصلة الهجمات».

لقاء بين ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل ديميترييف قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)

وجاءت هذه الخطوة في خضم خلاف مع الرئيس الأوكراني أثار تكهّنات بأن الرئيس الأميركي يميل بشكل متزايد إلى جانب موسكو، بعد أكثر من 4 سنوات ونصف السنة على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا.

حث الرئيس زيلينسكي أنصاره، السبت، على الإعراب بشكل علني عن الدفاع عن فرض عقوبات أميركية جديدة ضد روسيا، بعد ساعات من توقيع ترمب على أمر تنفيذي يوقف حزمة واسعة من القيود التي تستهدف الاقتصاد الروسي.

تجاهل قانون ليندسي غراهام

وأثار قرار البيت الأبيض مزيداً من المخاوف بأن أوكرانيا يمكن أن تكون عرضة لهجمات موسكو المتصاعدة مع اقتراب فصل الشتاء. ووصف زيلينسكي الخطوة بأنها أمر مؤسف، لكنه لم ينتقد بشكل مباشر الرئيس الأميركي على الرغم من تصاعد التوترات بين أوكرانيا وواشنطن في الأيام الأخيرة. وكتب زيلينسكي: «للأسف تم اتخاذ قرار في أميركا بتجاهل قانون (ليندسي غراهام) تماماً، الذي كان من المفترض أن يفرض ضغطاً حقاً على روسيا لإنهاء هذه الحرب». ويحمل القانون اسم المروّج الرئيسي له السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي توفي في يوليو (تموز) الماضي، وكان من كبار المدافعين عن أوكرانيا ومن أشد منتقدي روسيا.

ورأى دميترييف أن هذا القانون كان سيلحق «أضراراً جسيمة في المقام الأول بالاقتصاد الأميركي والأسواق العالمية». وقال كيريل دميترييف، ممثل الكرملين للتعاون الاقتصادي الدولي، في منشور له على تطبيق «تلغرام»، السبت، إن هذه الخطوة تعزز الحوار والتعاون المتبادل للمنفعة.

زيلينسكي في طريقه للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وجاء قرار الرئيس ترمب بتعليق الرسوم الجمركية المنصوص عليها في حزمة العقوبات ضد روسيا قبيل دخولها حيز التنفيذ بقليل، وذلك بعد أقل من شهر من توقيعه تلك الحزمة.

وبرر ترمب قراره بقوله إن «مثل هذا الإعفاء في الوقت الراهن يصب في المصلحة الوطنية للولايات المتحدة».

ورأى دميترييف أن التعاون الاقتصادي بين روسيا والولايات المتحدة يشكل أساساً لتعزيز الثقة وتحقيق السلام الدائم. وبصفته مفاوضاً للكرملين، يجري دميترييف محادثات مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بشأن إنهاء الحرب الروسية ضد أوكرانيا. نقلت وكالة الإعلام الروسية عن الكرملين، السبت، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصدر تعليمات للحكومة بالموافقة على برنامج لإصلاح البنية التحتية التجارية واللوجستية التي تضررت جراء الهجمات الأوكرانية.

وقبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي يخوض فيها الحزب الجمهوري المنتمي إليه ترمب معركة للحفاظ على أغلبيته الضئيلة في مجلسي الكونغرس، قال محللون إن الإجراءات الجديدة كان يمكن أن تزيد أسعار النفط المرتفعة بالفعل، في وقت يواجه فيه الأميركيون حالياً ارتفاعاً في التكاليف يُعزى بدرجة كبيرة إلى الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

استياء في الكونغرس

وانتقد النائب الأميركي دون باير، وهو ديمقراطي عن فرجينيا، ترمب بسبب الإعفاء قائلاً إنه يرضخ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقال باير في بيان: «استسلام ترمب الأخير لبوتين يخون مجدداً شركاءنا الأوكرانيين، ويتحدى بوضوح نية الكونغرس من تشريع صمم لمعاقبة روسيا على حربها العدوانية غير القانونية».

وواجه ترمب أيضاً انتقادات من أعضاء عدة بمجلس الشيوخ، بينهم جمهوريون، بسبب اتفاق حديث بشأن الديزل مع روسيا وافق بموجبه على رفع العقوبات عن الصادرات الروسية، مقابل موافقة روسيا على توريد الديزل إلى الأسواق العالمية في محاولة لخفض أسعار الوقود. وقال المشرعون الذين انتقدوا الاتفاق إنه سيساعد في تمويل حرب موسكو بأوكرانيا.

إضافة إلى ذلك، اتهم زيلينسكي روسيا بمحاولة إغراق بلاده في الظلام قبل حلول فصل الشتاء، وقال: «تحاول روسيا التسبب بانقطاع للتيار الكهربائي في أوكرانيا، وذلك مباشرة قبل فصل الشتاء. وتحاول روسيا ترك ملايين من شعبنا من دون كهرباء أو تدفئة»، داعياً الحلفاء إلى «ممارسة الضغط» على موسكو لوضع حد لذلك. وقال، السبت، إن روسيا هاجمت خلال الليل أكثر من 15 منشأة طاقة في المناطق الغربية والوسطى.

وقال زيلينسكي في منشور على تطبيق «تلغرام»، كما نقلت عنه «رويترز»: «وسعت روسيا نطاق حملتها ضد شبكة الطاقة، وتحاول استنزاف احتياطيات أوكرانيا وقدرتها على الإصلاح إلى أقصى حد ممكن».

وتعوّل أوكرانيا على الاستخبارات العسكرية الغربية، لا سيما الأميركية، لاستباق الهجمات الروسية والتصدي لها، لا سيما مع تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى قواتها.

زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

ترمب ينفي مسؤوليته عن «ستارلينك»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه ليس مسؤولاً عن التباطؤ المؤقت لخدمة «ستارلينك»، لتوفير الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية الأميركية التي يستخدمها الجيش الأوكراني. وقال، يوم الجمعة، عندما سأله صحافيون في واشنطن عن سبب بطء النظام: «لم نفعل ذلك على الإطلاق». وتتناقض تصريحات ترمب مع تصريحات قطب التكنولوجيا إيلون ماسك، الذي يمتلك شركة «سبيس إكس» التي تدير «ستارلينك».

وأعلن زيلينسكي للقادة الأوروبيين خلال القمة أن «تكلفة الحرب ستبلغ 155 مليار يورو العام المقبل. ونحن في حاجة إلى 70 مليار يورو (79 مليار دولار) إضافية على الأقل منكم».

وصرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن «أوكرانيا قدمت طلبها، ولا يزال الوقت مبكراً لتحديد رقم»، مؤكداً في الوقت نفسه أن الأوروبيين «لن يتخلوا» عن كييف.

وأكد قادة الاتحاد الأوروبي لزيلينسكي دعمهم، وأقروا خلال قمة الجمعة في بروكسل بضرورة سد العجز التمويلي لأوكرانيا، العام المقبل، رغم الحساسية السياسية لهذا الموضوع

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، الجمعة، أن أوكرانيا ستحتاج إلى 70 مليار يورو إضافية في عام 2027، وهو عجز «ينبغي تغطيته». وشددت المسؤولة الأوروبية في ختام قمة للتكتل في بروكسل على أن الاتحاد الأوروبي، كما نقلت عنها «وكالة الصحة الفرنسية» «سيواصل أداء دور ريادي» في دعم كييف مالياً في مواجهة موسكو، مضيفة: «لكننا نحتاج أيضاً، وبشكل عاجل، إلى أن يتحمل شركاء آخرون المسؤولية».

إنشاء «منطقة أمنية»

وفي سياق متصل، قال الرئيس الروسي، الجمعة، إن روسيا تعمل على إنشاء «منطقة أمنية» داخل أوكرانيا وعلى امتداد الحدود بينهما، وهي مسألة لن تكون قابلة للتفاوض في أي محادثات مستقبلية مع كييف. وأضاف بوتين، بينما يرتدي الزي العسكري خلال زيارة إلى أحد مراكز القيادة، أن هذه العملية جاءت رداً على توغل أوكرانيا في منطقة كورسك بغرب روسيا خلال 2024 - 2025.

وقال في تصريحات أذاعها التلفزيون: «جرى تكليف القوات المسلحة الروسية ليس فقط بطرد العدو من أرضنا، بل أيضاً بإقامة منطقة أمنية في الأراضي المجاورة. ويجري تنفيذ هذه المهمة بنجاح». وأضاف: «هدفنا هو ضمان الأمن الكامل للمناطق الحدودية الروسية مستقبلاً، ولا نعتزم جعل ذلك موضوعاً لمفاوضات سلام محتملة مع أوكرانيا». وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن المنطقة الأمنية المخطط لها تمتد مسافة 660 كيلومتراً، وإن روسيا تسيطر حالياً على 70 في المائة منها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

مبادرات استثمار مشتركة

قال كيريل دميترييف مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لشؤون الاستثمار إن موسكو وواشنطن ستعلنان قريباً عن مبادرات مشتركة جديدة بما في ذلك مراكز بيانات تعمل بالطاقة النووية، وذلك في أعقاب الاتفاق الخاص بالديزل الذي تم التوصل إليه في الأسبوع الماضي.

ومضى قائلاً: «نناقش أيضاً مشاريع مشتركة في مجال مراكز البيانات الروسية والأميركية، بما في ذلك استخدام محطات طاقة نووية صغيرة الحجم»، دون أن يقدم تفاصيل.

ودأب دميترييف، وهو شخصية بارزة في المحادثات الروسية - الأميركية حول إنهاء الحرب في أوكرانيا، منذ مدة طويلة على الدفع باتجاه إبرام مجموعة من الصفقات المحتملة الطموحة، بما في ذلك في مجالي المعادن والطاقة.

ويعبر الكرملين عن استيائه من أن الولايات المتحدة تربط حتى الآن أي اتفاقات من هذا القبيل باتفاق سلام، وهو أمر ما زال بعيد المنال. لكن دميترييف عبّر عن تفاؤله بأن هذا الوضع آخذ في التغير.

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

وقال في مؤتمر أسبوع الطاقة الروسي في موسكو: «بطبيعة الحال، فإن إحراز تقدم أمر صعب للغاية. هناك مقاومةـ بل مقاومة واسعة النطاق، في الحقيقة، من جهات مختلفة. ومع ذلك، وكما يوضح المثال المتعلق بالديزل، أعتقد أننا سنعلن قريباً عن مبادرات مهمة عدة أخرى. فقد بدأ الجليد يذوب، في واقع الأمر».

وأضاف: «ننفذ فعلياً مشاريع مع الولايات المتحدة الأميركية في هذه اللحظة تحديدًا، وسنواصل القيام بذلك حتى تنتهي العملية العسكرية الخاصة»، مستخدماً المصطلح الذي يستخدمه الكرملين للإشارة إلى الحرب في أوكرانيا.

وقال دميترييف إن وزارة الخزانة الأميركية طلبت من صندوق الثروة السيادي الروسي، الذي يرأسه، المساعدة في تسوية مشكلات معقدة تتعلق بمدفوعات صفقة الديزل. وتتضمن الصفقة التي أعلن عنها ترمب قبل أسبوع توريد الديزل الروسي إلى الأسواق الأميركية والعالمية من أجل خفض سعره، وهو أولوية كبرى للرئيس الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة، الشهر المقبل.

استهدافات متبادلة

ميدانياً، قالت وزارة الدفاع الروسية، السبت، إنها شنت هجوماً كبيراً خلال الليل على أهداف للبنية التحتية الأوكرانية، منها أكبر مصنع للصلب في البلاد بمدينة كريفي ريه. والمصنع مملوك لشركة الصلب العملاقة «أرسيلور ميتال» التي أوقفت العمليات به في سبتمبر (أيلول) بعد سلسلة من الضربات بصواريخ باليستية نفذتها روسيا. وقالت الوزارة في بيان إن المصنع زود المجمع الصناعي العسكري الأوكراني بمنتجات الصلب.

وأضافت أن القوات الروسية استهدفت أيضاً محطة كهرباء فرعية في مدينة جيتومير شمال غربي البلاد، ومصنعاً آخر للصلب في زابوريجيا بالقرب من خط الجبهة. وذكرت أن سفينة شحن في البحر الأسود تعرضت للقصف أيضاً، قائلة إنها كانت تنقل شحنة عسكرية إلى ميناء أوديسا الأوكراني، لكن يتعذر التأكد من هذه الادعاءات بشكل مستقل.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما بالبيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

وردت كييف بتصعيد ضرباتها البعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، وأفادت السلطات الروسية بإسقاط عشرات المسيرات المتوجهة إلى موسكو.

قال وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف، الجمعة، إن القوات الروسية استولت على بلدة دوبروبيليا في منطقة دونيتسك بشرق أوكرانيا. وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية، السبت، إن قواتها لا تزال تسيطر على بلدة دوبروبيليا الشرقية، ووصفت ما قالته موسكو حول السيطرة عليها بأنه غير صحيح. وفي بيان عبر البريد الإلكتروني، قال المتحدث باسم هيئة الأركان العامة أندري كوفاليوف إن أوكرانيا تنفي أيضاً ما قالته روسيا حول استيلاء قواتها على أكثر من 1800 كيلومتر مربع من الأراضي الأوكرانية و92 قرية منذ أول سبتمبر.


إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
TT

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

من التهديدات الأميركية بوقف دعم أوكرانيا بالمعلومات المخابراتية، إلى اتفاق للديزل قد يساعد روسيا على تمويل حربها، كان الأسبوع الماضي سيئاً للعلاقات بين كييف وواشنطن، أهم حلفائها. ووسط استياء الرئيس الأميركي دونالد ترمب من ارتفاع تكاليف الطاقة، الذي يلقي باللوم جزئياً فيه على الضربات الأوكرانية لمصافي النفط الروسية، وجَّه انتقادات متكرِّرة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وأثار تعطُّل خدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية التي توفِّرها الولايات المتحدة مخاوف من أن تصبح أوكرانيا أكثر عرضةً للخطر، في وقت تستعد فيه لفصل شتاء جديد من الهجمات الروسية على بنيتها التحتية للطاقة.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما بالبيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

وردَّ زيلينسكي على انتقادات ترمب بسلسلة غير معتادة من التصريحات العلنية الحادة، ملمحاً إلى أن الولايات المتحدة باتت تميل إلى جانب روسيا. وقال إن أوكرانيا ستتجاهل مطلب ترمب بوقف استهداف منشآت الطاقة الروسية، مشيراً إلى استمرار الهجمات الروسية.

وأثار اتساع هوة الخلافات، كما قدَّمته «رويترز» في تحليلها هنا، مخاوف من أن تؤدي العلاقة المتقلبة بين ترمب وزيلينسكي إلى نتائج أسوأ بالنسبة لكييف. فما زال بإمكان ترمب تقييد إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا أو تنفيذ تهديداته بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بساحة المعركة أو إبرام مزيد من الاتفاقات الاقتصادية مع موسكو.

وقال مسؤولان أوكرانيان مطلعان على المحادثات، طلبا عدم كشف هويتيهما، إنه رغم تصريحات زيلينسكي فإن كييف تريد مواصلة الحوار مع مبعوثَي ترمب، وهما صديقه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر.

وقال دينيس سينيك، القائم بالأعمال في السفارة الأوكرانية بواشنطن، لقناة «نيوز ماكس»، الجمعة، إن كييف ممتنة لترمب وفريقه على جهودهما الرامية لإنهاء الحرب، وإنها مستعدة للدخول في محادثات مع روسيا. وقال ترمب للصحافيين، الجمعة، إنه سيواصل التعامل مع كل من زيلينسكي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأضاف: «أريد أن تنتهي تلك الحرب».

«فرصة ضائعة»

قال دانييل فرايد، المسؤول الكبير بوزارة الخارجية الأميركية لشؤون أوروبا بين عامَي 2005 و2009، إنه ليس من الواضح ما إذا كانت واشنطن تتجه نحو تغيير دائم في موقفها تجاه أوكرانيا، لكن التداعيات تضر بفرص إنهاء الحرب التي بدأت بالغزو الروسي الشامل في 2022. وأضاف فرايد، الذي يعمل حالياً في «مركز أبحاث المجلس الأطلسي» في واشنطن: «ليست مجرد فرصة ضائعة، بل إنها تتسبب في معاناة حقيقية في أوكرانيا، وتشجِّع بوتين على مواصلة الحرب، وبالتالي فهي ليست بلا تكلفة».

وظلت العلاقة بين ترمب وزيلينسكي متوترة منذ فترة طويلة. ووجَّه ترمب ونائبه جي دي فانس انتقادات علنية لزيلينسكي خلال اجتماع في المكتب البيضاوي في فبراير (شباط) 2025.

وأوقفت واشنطن، أو أبطأت، تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا في عهد ترمب، بينما سمحت للحلفاء الأوروبيِّين بشراء أسلحة أميركية لصالح كييف. واستقرَّت العلاقة إلى أن بدأت الضربات الأوكرانية هذا العام على مواقع الطاقة في روسيا تسهم في ارتفاع أسعار الوقود.

بوتين مستقبلاً مبعوثَي ترمب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في الكرملين يوم 5 سبتمبر 2026 (رويترز)

وقال محللون إن ارتفاع أسعار البنزين والديزل يمثِّل صداعاً سياسياً لترمب قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، التي قد يفقد فيها الحزب الجمهوري أغلبيته في الكونغرس الأميركي.

ويقول خبراء، حسب تحليل «رويترز»، إن القفزة في تكاليف الطاقة ترجع أساساً إلى الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران، التي أدت إلى هجمات إيرانية على منشآت طاقة وتسببت إلى حدٍّ كبير في إغلاق مضيق «هرمز» الحيوي. لكن شخصاً مطلعاً على المناقشات الداخلية، طلب عدم الكشف عن هويته، قال إن ترمب، المحبط من زيلينسكي، اتجه إلى روسيا لزيادة إمدادات الوقود واحتواء الأسعار. وقال ترمب في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) إنه توصَّل إلى اتفاق مع بوتين لرفع العقوبات مؤقتاً عن الوقود الروسي واستيراد الديزل الروسي.

مخاطر كبيرة بالنسبة لأوكرانيا

بالنسبة لكييف، فإن المخاطر كبيرة وفورية. وقال زيلينسكي، الثلاثاء، إن أوكرانيا لم تتلقَّ أي تحذير من الشركاء الغربيِّين قبل هجوم روسي دامٍ على العاصمة. ومن دون المعلومات المخابراتية الأميركية، قد تواجه أوكرانيا صعوبةً أكبر في رصد الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيَّرة والتصدي لها، لا سيما تلك التي تستهدف البنية التحتية للطاقة التي دأبت موسكو على مهاجمتها خلال فصول الشتاء السابقة.

وقال ترمب إن الولايات المتحدة لا تزال تقدِّم المعلومات المخابراتية إلى أوكرانيا. لكن زيلينسكي قال لإذاعة «إن بي آر» إن مسؤولين أميركيين أبلغوا قادة عسكريين أوكرانيين بأن تبادل المعلومات المخابراتية قد يُخفَّض أو يوقف. وأفادت «رويترز»، الخميس، بأن نظام «ستارشيلد» الأوكراني، وهو النسخة العسكرية من خدمة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبايس إكس»، تعطَّل بعد ما قال مسؤولان أميركيان ومسؤول غربي مطلع إنه نتيجة أمر صدر من البيت الأبيض.

زيلينسكي في طريقه للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وأُعيدت الخدمة جزئياً، لكن الواقعة سلطت الضوء على مكامن الضعف الناتجة عن اعتماد أوكرانيا على تكنولوجيا تسيطر عليها شركات أميركية وتخضع لقرارات إدارة ترمب. ويمنح هذا الاعتماد ترمب أداة ضغط محتملة، بينما يدفع كييف نحو إجراء مفاوضات مع موسكو.

وقد يواجه ترمب مقاومة إذا رأى الجمهوريون في الكونغرس أن نهجه يضعف أوكرانيا بينما يفيد روسيا. وما زالت أوكرانيا تحظى بدعم بين بعض الجمهوريين، الذين يرى بعضهم أن واشنطن يجب ألا تضغط على كييف للقبول بتسوية بشروط تصبُّ في مصلحة موسكو.

وقال بريت بروين، المستشار السابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما ورئيس شركة «غلوبال سيتيويشن روم» للاستشارات، إن ردود زيلينسكي القوية على ترمب تنطوي على مخاطر، لكنه ربما يعول على تحول في موازين القوى في الكونغرس بعد انتخابات التجديد النصفي، بما يجعل من الصعب على ترمب تخفيف العقوبات على روسيا أو تقليص المساعدات العسكرية لكييف بصورة أكبر. وتابع «زيلينسكي يعرف جيداً مع مَن يتعامل. تهديدات ترمب لا تحدث الأثر نفسه الذي أحدثته عندما حاول جي دي فانس إحراجه في المكتب البيضاوي».

أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها»

يرى الخبير الجيوسياسي الألماني، كليمنس فيشر، أن أوكرانيا تواجه وضعاً يائساً، بعد أن أوقف الرئيس الأميركي حزمة العقوبات الأميركية الجديدة ضد روسيا. وقال أستاذ العلاقات الدولية والجيوسياسية بجامعة كولونيا الألمانية في تصريحات لإذاعة «دويتشلاند فونك» الألمانية: «هذه بالتأكيد أحلك لحظة يمر بها الأوكرانيون في هذه الحرب حتى الآن». وذكر الخبير أن ترمب لم يقدِّم منذ البداية لأوكرانيا الدعمَ الذي كانت الدول الغربية تأمل فيه، بل ويتصرَّف الآن بصورة أكثر تشدداً.

وفي إشارة إلى انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر المقبل وارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة حرب إيران التي بدأها ترمب بالتعاون مع إسرائيل، قال فيشر: «يريد الآن محاولة قلب نتائج انتخابات التجديد النصفي سريعاً لصالحه، ويحتاج إلى عدو إذا ارتفعت أسعار الديزل والبنزين في محطات الوقود الأميركية... لقد حدَّد أخيراً العدو الذي يعتقد أنه يستطيع تسويقه، ولذلك انقلب الوضع برمته».

زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

وأوضح فيشر، كما نقلت عنه «الوكالة الألمانية»، أن ترمب لم يكن ينظر بود إلى زيلينسكي منذ فترة طويلة، بعدما رفض الأخير في عام 2019 تقديم أدلة لترمب بشأن صفقات مشبوهة مزعومة لهانتر بايدن، نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، في أوكرانيا. وقال فيشر إن ذلك كان «الخلية الأولى لهذا النفور».

وحذَّر فيشر من أن الأسابيع المقبلة قد تلحق أضراراً طويلة الأمد بأوكرانيا، حتى لو عاد ترمب إلى دعمها بعد انتخابات التجديد النصفي، موضحاً أن أوكرانيا تعتمد على الولايات المتحدة بنسبة تقارب 100 في المائة في مجال الدفاع الجوي، وقال: «حتى في مجال الهجمات على عمق الأراضي الروسية، لا يمكنهم الاستغناء عن البيانات الأميركية».

وبحسب بيانات أوكرانية، أدى خفض مؤقت وغير معلن لخدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية الأميركية «ستارلينك»، المستخدمة عسكرياً والمعروفة باسم «ستارشيلد»، ليلة الثلاثاء - الأربعاء الماضية إلى فقدان أجسام طائرة اتصالها عندما تجاوزت سرعتها 160 كيلومتراً في الساعة.

ويُعتقد أن ذلك أدى إلى فشل عمليات أوكرانية بطائرات مسيّرة، وعدم التصدي لطائرات مسيّرة روسية. وحذَّر فيشر قائلاً: «إذا أوقف الأميركيون بالفعل خدمة ستارشيلد خلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة، وأصبحت أوكرانيا أقل قدرة على الدفاع عن نفسها نتيجة لذلك، فقد يلحق ذلك أضراراً بالدفاعات الأوكرانية لا يمكن تعويضها بسهولة». وشبه فيشر الأمر بالمرض، قائلاً: «عندما يتعافى المرء ويستعيد استقراره، يكون ذلك عند مستوى منخفض».