موسكو تحذر من انفلات «نووي» محتمل في المنطقة

بوتين عرض وساطة مع إيران لتخفيف مخاوف بلدان الخليج

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال أحد الاجتماعات اليومية في الكرملين الثلاثاء (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال أحد الاجتماعات اليومية في الكرملين الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

موسكو تحذر من انفلات «نووي» محتمل في المنطقة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال أحد الاجتماعات اليومية في الكرملين الثلاثاء (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال أحد الاجتماعات اليومية في الكرملين الثلاثاء (أ.ف.ب)

حذرت موسكو من تداعيات خطرة محتملة للهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران. ومع تأكيد الموقف الروسي بشأن رفض ذرائع الحرب، التي وصفها الوزير سيرغي لافروف بأنها «واهية»، بدا أن موسكو تتحرك دبلوماسياً على محورين: أولهما السعي إلى طمأنة بلدان الخليج العربي، وعرض وساطة مع الجانب الإيراني لوقف الهجمات عليها، والثاني التنبيه لمخاطر نزوع إيران وبلدان أخرى في المنطقة إلى تسريع وتائر امتلاك أسلحة نووية في المستقبل.

وفي إشارة إلى مخاوف روسية من امتداد التصعيد العسكري إلى مناطق أخرى، قال الناطق الرئاسي الروسي، ديمتري بيسكوف، إن بلاده «تدعو بقوة إلى دعم القانون الدول، وتلتزم بمبادئ احترام سيادة الدول».

جاء هذا التصريح عندما طلب من الناطق الروسي التعليق على تهديد السيناتور الأميركي الجمهوري، ليندسي غراهام، (المدرج على القائمة الروسية للإرهابيين، والمتطرفين) كوبا بأنها ستكون الهدف التالي لواشنطن بعد انتهاء العملية العسكرية في إيران. وكان غراهام قد قال عن كوبا إن «أيامها معدودة».

وقال بيسكوف للصحافيين: «بصراحة، نفضل عدم مناقشة هذا الأمر؛ فنحن ندعم القانون الدولي. وتلتزم وزارة الخارجية بمبادئ احترام سيادة الدول، ومبدأ عدم التدخل في شؤونها باعتبارها شأناً داخلياً. هذا هو جوهر موقفنا، ونفضل التمسك به. ونعتبر أي شيء آخر يتعارض مع مبادئ القانون الدولي».

وأضاف الناطق أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «يبذل قصارى جهده للمساعدة في تخفيف حدة التوترات في الشرق الأوسط... نعمل لتخفيف حدة التوترات ولو بشكل طفيف».

وأجرى بوتين، الاثنين، محادثات مع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة.

صورة وزعتها طهران لجانب من التدريبات العسكرية المشتركة مع روسيا بالمحيط الهندي في 17 فبراير 2026 (أ.ب)

وأوضح الناطق باسم الرئاسة الروسية أن بوتين أشار، خلال محادثاته مع قادة الشرق الأوسط، إلى «ضرورة إبلاغ إيران بمخاوفهم إزاء الضربات التي استهدفت البنى التحتية للبلدان العربية من جانب إيران».

وأجاب بيسكوف، رداً على سؤال حول ما إذا كان يمكن اعتبار بوتين وسيطاً بين طهران ودول الخليج العربي: «ناقشنا أمس، مع جميع محاورينا تقريباً، ضرورة إبلاغ بوتين زملاءنا في إيران بقلقه البالغ إزاء الضربات التي استهدفت بنيتهم التحتية، مستفيدين من قنوات الحوار الذي نجريه مع القيادة الإيرانية».

وتطرق بيسكوف إلى التأثيرات المحتملة للصراع الدائر حالياً في الشرق الأوسط على وتيرة المفاوضات بشأن أوكرانيا، مشيراً إلى صعوبات إضافية برزت أمام جهود التسوية وقال: «أمام الأميركيين حالياً المزيد من العمل».

لافروف يحذر

وفي سياق التحذيرات الروسية من التداعيات المحتملة، رأى وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن تحركات الولايات المتحدة في إيران قد تُؤدي إلى ظهور قوى نافذة تُدافع عن فكرة امتلاك أسلحة نووية.

وقال لافروف خلال مؤتمر صحافي عقب محادثات مع نظيره من بروناي: «اندلعت هذه الحرب لأن إيران رفضت أي مخططات تحرمها من حقها غير القابل للتصرف في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، وهو حق تتمتع به جميع دول العالم، وإذا ما تم الترويج لهذا المنطق الآن، فأنا أضمن لكم ظهور قوى في إيران، وحركات نافذة، ستفعل بالضبط ما يُريد الأميركيون تجنبه، وهو امتلاك قنبلة نووية. لأن الولايات المتحدة لا تُهاجم من يمتلكون قنابل نووية».

وأكد لافروف أن خطر خروج قضية عدم انتشار الأسلحة النووية عن السيطرة «يتزايد الآن».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي في موسكو الثلاثاء (إ.ب.أ)

وزاد أن «الحرب التي شُنّت ضد إيران قد تُحفّز حركةً نحو تطوير أسلحة نووية، ليس فقط في طهران، بل أيضاً في دول الجوار». لافتاً إلى أن هذا التطور محتمل «ليس فقط في إيران. بل ستظهر هذه الحركة فوراً في الدول العربية المجاورة للجمهورية الإسلامية الإيرانية».

وشدد لافروف على أنه «لم يرَ أحدٌ دليلاً على أن طهران كانت تُطوّر قنبلة نووية، وهو ما كان المبرر الرئيس، إن لم يكن الوحيد، للحرب».

وبحسب الوزير الروسي، فإن المعطيات المتوفرة من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية والاستخبارات الأميركية «تؤكد أن طهران لم تنتج أو تحاول إنتاج أسلحة نووية».

وأكد أن روسيا «تشكك في الذريعة التي تقول إن تردد إيران في التخلي عن تخصيب اليورانيوم شكل مبرراً للعملية الأميركية الحالية ضد هذا البلد».

وأشار إلى تصريح بهذا الشأن أطلقه المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص، ستيفن ويتكوف، ووصفه بأنه «تصريح مؤسف، وإذا كان هذا هو سبب العدوان، فإنه يثير تساؤلات عديدة».

وأكد لافروف أن إيران، بصفتها طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لها حق غير قابل للتصرف في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية.

أضاف أن ويتكوف كان قد أوضح أن سبب استحالة التوصل إلى اتفاق مع إيران خلال جولات المفاوضات كان بسبب إصرار الوفد الإيراني على حقه غير القابل للتصرف في تخصيب اليورانيوم. وتابع: «لم يجادل أحد قط في الحق غير القابل للتصرف في تخصيب اليورانيوم كمبدأ ينطبق على جميع الدول من دون استثناء الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية... لقد انطلقنا دائماً من حقيقة أنه يجب السعي إلى تسوية بالطرق السياسية والدبلوماسية، بدءاً من الحقوق المشروعة غير القابلة للتصرف وفقاً للقانون الدولي لكل دولة، بما في ذلك إيران».

وأكد أنه لا بديل عن السعي لوقف القتال في الشرق الأوسط، الذي يُسفر عن سقوط ضحايا مدنيين؛ مشدداً في الوقت ذاته على أن لإيران الحق في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية؛ وأنه لا يُمكن حل النزاع إلا عبر المفاوضات.

وقال لافروف: «من غير الواقعي مطالبة بلد واحد هو إيران بالتخلي عن حقه في تخصيب اليورانيوم... القول إن إيران يجب أن تكون الدولة الوحيدة في العالم التي تتخلى عن هذا الحق، الذي هو حق مكفول لجميع الدول الأخرى، ليس واقعياً على الأرجح».

ورأى أنه لا يزال من غير الواضح ما الذي تسعى إليه الولايات المتحدة تحديداً في إيران.

وأضاف الوزير الروسي: «للتوسط بفعالية، نحتاج بالطبع إلى فهم واضح لتوجهات الأطراف. ولا نرى حتى الآن وضوحاً كافياً بشأن أهداف زملائنا الأميركيين».

برغم ذلك أكد لافروف أن بلاده «ستستخدم قدراتها وعلاقاتها مع إيران لمنع تصاعد المشكلات في الشرق الأوسط». وحذر من أن «خطط الولايات المتحدة قد لا تقتصر على السيطرة على دول أخرى بعد إيران وفنزويلا وكوبا». ورأى أن فرنسا وبريطانيا تحاولان النأي بنفسيهما عن تحركات الولايات المتحدة على الساحة الدولية.


مقالات ذات صلة

الدوريان الإنجليزي والاسكوتلندي يتحركان لوقف البث غير القانوني للمباريات في روسيا

رياضة عالمية الدوري الإنجليزي لكرة القدم (البريميرليغ)

الدوريان الإنجليزي والاسكوتلندي يتحركان لوقف البث غير القانوني للمباريات في روسيا

بدأت رابطة دوري كرة القدم الإنجليزية ورابطة الدوري الاسكوتلندي للمحترفين تحقيقات، وتدرسان اتخاذ إجراءات قانونية، بعد اكتشاف بث مباريات من مسابقاتهما في روسيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا مقاتلا «فاغنر» السابقان المفرج عنهما (وسائل إعلام ليبية)

«الوطني الليبي» يُشارك في تحرير مقاتلين سابقين بـ«فاغنر» في مالي

أفادت مصادر روسية وليبية متطابقة بأن نجل القائد العام للجيش الوطني الليبي ونائبه الفريق صدام حفتر اضطلع بدور في الإفراج عن اثنين من المقاتلين الروس السابقين

خالد محمود (القاهرة)
أوروبا ​الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في طريقه لزيارة كاتدرائية الكرملين في موسكو (الكرملين) p-circle

بوتين: أوكرانيا «فتحت على نفسها أبواب الجحيم» بقصف أهداف اقتصادية

قال ​الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ‌في تصريحات ‌نشرت ​اليوم ‌السبت، إن ​أوكرانيا «فتحت على نفسها أبواب الجحيم» بغاراتها ‌على ‌أهداف ​اقتصادية ‌روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شمال افريقيا إطلاق سراح سائح روسي واجه تهمة التحرش في شرم الشيخ (الشرق الأوسط)

مصر: الإفراج عن روسي اتهم بالتحرش في شرم الشيخ

أخلت السلطات المصرية سبيل السائح الروسي سيرغي ميرونوف بعد توقيفه بتهمة التحرش بسيدة مصرية في منتجع شرم الشيخ بمحافظة جنوب سيناء (شمال شرق).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا مواطنون يسيرون في موقع تعرض لضربة روسية في زابوريجيا الأوكرانية اليوم (رويترز)

مقتل 4 أشخاص بضربة روسية على حافلة في خيرسون

قُتل 4 أشخاص وأُصيب 5 آخرون في ضربة روسية بطائرة مسيّرة استهدفت حافلة في مدينة خيرسون بجنوب أوكرانيا صباح الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)

باشينيان: أرمينيا قد تبدأ قريباً إجراءات الانضمام إلى «الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان (رويترز)
رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان (رويترز)
TT

باشينيان: أرمينيا قد تبدأ قريباً إجراءات الانضمام إلى «الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان (رويترز)
رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، الاثنين، أنّ بلاده قد ترسل قريباً طلبها الرسمي للانضمام إلى «الاتحاد الأوروبي»، وذلك في وقت تتقرّب فيه يريفان من الغرب وتبتعد فيه من موسكو.

ورغم أن أرمينيا حليفة لروسيا، ولها تاريخ مشترك معها على مدى قرون، فإن يريفان شرعت خلال الأشهر الأخيرة في الالتفات إلى الغرب، بدفع من باشينيان الذي فاز حزبه في الانتخابات التشريعية خلال يونيو (حزيران) الماضي.

وكان لهذا التحول ولرغبة رئيس الحكومة الأرمينية ضم بلاده إلى «الاتحاد الأوروبي» وقعٌ سلبي على العلاقات بين يريفان وموسكو، وردّ الكرملين بفرض عقوبات على أرمينيا، من أبرزها حظر روسيا استيراد المنتجات الزراعية الأرمينية، علماً بأنها تشكّل سوقاً رئيسية لها، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتصرّ روسيا على أن تنظم أرمينيا استفتاء على انضمامها إلى «الاتحاد الأوروبي»، عادّةً في الوقت ذاته أنّ هذا التوجه لا يتوافق مع استمرار عضويتها في تحالفهما الاقتصادي المشترك، أي «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي».

استياء من تقاعس روسي

وقال باشينيان أمام البرلمان، الاثنين، إنّ الاستفتاء لن يكون منطقياً إلا عندما يكون ممكناً «تقييم مدى واقعية» الانضمام إلى «الاتحاد الأوروبي». وأوضح أنّه لتحقيق ذلك؛ فإن «على أرمينيا أولاً تقديم طلبها للانضمام».

وأضاف: «يمكننا بدء هذه العملية في المستقبل القريب، خصوصاً بالنظر إلى المطالب الملحّة لشركائنا في (الاتحاد الاقتصادي الأوراسي)»، من دون أن يحدد موعداً لذلك.

وكان رؤساء روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزستان، قد طالبوا في مايو (أيار) الماضي بأن تقرر أرمينيا عبر استفتاء ما إذا كانت ستنضم إلى «الاتحاد الأوروبي» أم ستبقى في اتحادهم الإقليمي.

وتُعدّ يريفان حليفاً رسمياً لموسكو، لكنها تُعزز علاقاتها بـ«الاتحاد الأوروبي» في ضوء استيائها من تقاعس روسيا عن حمايتها خلال نزاعاتها المتكررة مع أذربيجان المجاورة.

وعلّقت أرمينيا عضويتها في اتفاقية أمنية إقليمية مع روسيا عام 2024. وقال باشينيان إنّه سيكون «راضياً» إذا تم استبعاد بلاده نهائياً من هذا الاتفاق، بِعَدّ ذلك سيحرّره من «معضلة الانسحاب منه أو البقاء فيه».


زيلينسكي يعلن الإفراج عن 10 أسرى أوكرانيين كانوا في عداد المفقودين

أسرى حرب أوكرانيون كانت السلطات تعدهم مفقودين عقب الإفراج عنهم (الرئيس الأوكراني زيلينسكي)
أسرى حرب أوكرانيون كانت السلطات تعدهم مفقودين عقب الإفراج عنهم (الرئيس الأوكراني زيلينسكي)
TT

زيلينسكي يعلن الإفراج عن 10 أسرى أوكرانيين كانوا في عداد المفقودين

أسرى حرب أوكرانيون كانت السلطات تعدهم مفقودين عقب الإفراج عنهم (الرئيس الأوكراني زيلينسكي)
أسرى حرب أوكرانيون كانت السلطات تعدهم مفقودين عقب الإفراج عنهم (الرئيس الأوكراني زيلينسكي)

أفاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الاثنين، بأن عشرة من أسرى الحرب الأوكرانيين، كانت السلطات تعدهم مفقودين، أفرج عنهم في إطار عملية تبادل مع روسيا.

وتجري كييف وموسكو عمليات تبادل للأسرى بشكل متكرر، في سياق نادر من التعاون بين طرفي النزاع.

ولم يذكر زيلينسكي روسيا في بيانه، مكتفياً بالقول إن الأسرى أُفرج عنهم عبر بيلاروسيا، أحد أقرب حلفاء موسكو، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب، في منشور على منصة «إكس»: «نستعيد عشرة من مقاتلينا عبر بيلاروسيا. إنهم من عناصر القوات المسلحة والحرس الوطني لأوكرانيا. لقد دافعوا عن البلاد في قطاع دونيتسك». وأضاف: «كانوا جميعاً في عداد المفقودين»، من دون أن يذكر مزيداً من التفاصيل.

ولم تعلن روسيا حتى الآن ما إذا كانت كييف قد استعادت جنوداً في إطار عملية تبادل.

وتعد أوكرانيا عشرات الآلاف من الجنود والمدنيين في عداد المفقودين، إذ لم تتمكن السلطات من تأكيد مقتلهم أو أسرهم بأيدي الروس. وتبادلت الدولتان آلاف الأسرى منذ الغزو الروسي في فبراير (شباط) 2022.


من ألعاب الفيديو إلى التجسس... ألمانيا تستقطب المواهب الرقمية

صورة تعبيرية لقراصنة ينفذون هجوماً إلكترونياً (رويترز)
صورة تعبيرية لقراصنة ينفذون هجوماً إلكترونياً (رويترز)
TT

من ألعاب الفيديو إلى التجسس... ألمانيا تستقطب المواهب الرقمية

صورة تعبيرية لقراصنة ينفذون هجوماً إلكترونياً (رويترز)
صورة تعبيرية لقراصنة ينفذون هجوماً إلكترونياً (رويترز)

تتجه الاستخبارات الخارجية الألمانية إلى ملاعب ألعاب الفيديو بحثاً عن جيل جديد من المواهب القادرة على خوض معارك القرصنة الإلكترونية، في وقت تستعد فيه برلين لتعزيز قدراتها في مواجهة ما تعدّه تهديداً روسياً متصاعداً.

وتعتزم وكالة الاستخبارات الخارجية الألمانية (BND)، إرسال مسؤولين إلى معرض «غيمزكوم 2026» في مدينة كولونيا، الذي يعد أكبر تجمع لألعاب الفيديو في العالم، بحثاً عن لاعبين يتمتعون بالمهارات التقنية التي قد تؤهلهم للعمل في عالم الاستخبارات.

وترى الوكالة أن هناك «تداخلاً كبيراً» بين المهارات التي يكتسبها بعض لاعبي الألعاب الإلكترونية وبين تلك التي تحتاج إليها أجهزة الاستخبارات لمواجهة الهجمات السيبرانية، خصوصاً الهجمات الروسية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية في ألمانيا، وفقاً لصحيفة «التليغراف».

وسيخضع بعض المتقدمين لاختبار من خمس مراحل لقياس قدراتهم في الأمن السيبراني والقرصنة، فيما سيتيح الجهاز لزوار المعرض تجربة لعبة «BND Legends»، التي طوّرها خصيصاً للتعريف بعمله، وتدور فكرتها حول التخفي والاختراق وتنفيذ المهام.

وقالت جوليا لينر، المتحدثة باسم «BND»، لصحيفة «التليغراف»: «نرى تداخلاً كبيراً بين اللاعبين والمواهب التي نبحث عنها؛ فهم متمرسون في التكنولوجيا، ويستمتعون بتقمص أدوار مختلفة، وإنجاز المهام، والمثابرة حتى النجاح».

«جيمس بوند»... ولكن أمام شاشة الكمبيوتر

تأتي حملة التجنيد في وقت تشهد فيه أجهزة الاستخبارات الألمانية عملية إصلاح واسعة أقرتها حكومة المستشار فريدريش ميرتس، بهدف تعزيز قدراتها في مواجهة ما تعده برلين خطراً روسياً متزايداً.

وتمنح الإصلاحات عناصر الاستخبارات صلاحيات جديدة، من بينها تنفيذ عمليات تخريب في الخارج واستخدام أسلحتهم الرسمية. لكن أكثر البنود إثارةً للجدل يتمثل فيما تعرف بـ«القرصنة المضادة»، التي تتيح للجهاز الرد على الهجمات الإلكترونية التي تستهدف ألمانيا.

ومنذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، تعرضت ألمانيا لسلسلة من الهجمات السيبرانية. وكان من أبرزها حادثة وقعت في مارس (آذار) 2024، عندما تمكنت روسيا من اعتراض تسجيل لمحادثة سرية بين كبار ضباط القوات الجوية الألمانية، تناولت الاستراتيجية العسكرية المتعلقة بالحرب في أوكرانيا.

ولا تقتصر المخاوف الألمانية على الهجمات الإلكترونية. فقد اشتبهت أجهزة الأمن في محاولات روسية لاستهداف مسؤولين في شركات دفاعية، وإحراق مصانع تزوِّد أوكرانيا بمعدات عسكرية، بل وضع متفجرات في مطارات ألمانية.

وفي هذا العالم الجديد من التجسس، قد يجد العملاء الشباب أنفسهم أمام مهام لا تشبه الصورة التقليدية للجاسوس الذي يتنقل في الظلام بجواز سفر مزيف. فقد تتضمن مهامهم اختراق قواعد بيانات أجهزة الاستخبارات الروسية أو التسلل إلى شبكات مرتبطة بصناعة الأسلحة في روسيا، في إطار ما تصفها برلين بـ«الحرب الهجينة».

لجأ مطورو الألعاب إلى الذكاء الاصطناعي للتعامل مع التحديات التي تواجه الصناعة بأكملها (أرشيفية - أ.ف.ب)

جواسيس من جيل «غيمزكوم»

وتأسس «BND» عام 1956، بعد سنوات قليلة من الحرب العالمية الثانية، في محاولة لبناء جهاز استخبارات جديد بعيداً عن إرث أجهزة النظام النازي، مثل «الغستابو» وجهاز الأمن التابع لقوات «إس إس». لكنّ مسؤولين ألماناً يرون أن القيود التي فُرضت على الجهاز في تلك المرحلة لم تعد ملائمة لطبيعة التهديدات الحالية.

وقال وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت، إن الإصلاحات ستمنح ألمانيا «أجهزة استخبارات حقيقية».

غير أن توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات يواجه انتقادات من اليمين واليسار على حد سواء. وحذّر حزب «دي لينكه» اليساري من أن توسيع صلاحيات التجسس قد يدفع ألمانيا نحو نموذج «دولة المراقبة»، في حين أثار حزب «البديل من أجل ألمانيا» مخاوف تتعلق بحماية الخصوصية.

ومع ذلك، يبدو أن ألمانيا تريد أن تواكب طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد ساحات المعارك تقتصر على الخنادق والطائرات والصواريخ، بل انتقلت أيضاً إلى لوحات المفاتيح والخوادم والشبكات الرقمية.

ورغم كل هذه الإصلاحات، سيظل أمام عملاء «BND» بعض الوقت قبل أن يصبحوا نسخة ألمانية كاملة من «جيمس بوند». فالجهاز، على سبيل المثال، لم يحصل على أهم ما اشتهر به العميل البريطاني الشهير: «رخصة للقتل».