موسكو تحذر أوروبا من استخدام لغة «الإنذارات» معها

تصعيد ميداني واسع في أوكرانيا يسابق إحياء جهود التسوية

رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق اندلع جراء هجوم روسي على مدينة خاركيف الاثنين (إ.ب.أ)
رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق اندلع جراء هجوم روسي على مدينة خاركيف الاثنين (إ.ب.أ)
TT

موسكو تحذر أوروبا من استخدام لغة «الإنذارات» معها

رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق اندلع جراء هجوم روسي على مدينة خاركيف الاثنين (إ.ب.أ)
رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق اندلع جراء هجوم روسي على مدينة خاركيف الاثنين (إ.ب.أ)

صعدت موسكو لهجتها تجاه الأوروبيين وحذرت من التعامل معها بلغة «الإنذارات النهائية» في وقت استعد الاتحاد الأوروبي لفرض الرزمة الـ21 من العقوبات على روسيا وحذر قادته من أن على موسكو أن تختار طريق السلام.

وبالتزامن مع إعلان موسكو استعدادها لاستقبال مبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في مهمة جديدة لإحياء جهود السلام، صعد الطرفان الروسي والأوكراني هجماتهما في عمق أراضي البلدين.

وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الاثنين، أن «الحكومات الأوروبية مخطئة في اعتقادها أنها تستطيع توجيه إنذارات نهائية إلى روسيا».

وقال لافروف لوسائل الإعلام عقب لقائه الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو: «في ظل الوضع الراهن، يستنتج الأوروبيون استنتاجاً خاطئاً مفاده أن روسيا تخسر حالياً وأوكرانيا تنتصر، ما يسمح لهم بتوجيه إنذارات نهائية على أمل أن تقبلها روسيا. وقد تحدث الرئيس فلاديمير بوتين عن هذا الأمر في خطاباته الأخيرة في مناسبات مختلفة. هذه الحسابات خاطئة تماماً ووهمية».

رجال إنقاذ يعملون في مبنى يضم متحفاً أصيب بهجوم روسي في كييف الاثنين (إ.ب.أ)

أضاف لافروف: «كانت الأزمة الأوكرانية في مركز الاهتمام (خلال المحادثات مع لوكاشينكو)، كما هو الحال عادة خلال اجتماعات قادتنا. الحرب التي شنها الغرب، عبر النظام الأوكراني، ضد روسيا بعد الانقلاب... حرب هجينة في البداية، ثم حرب مباشرة لا تزال مستمرة. يجب علينا بذل كل ما في وسعنا لضمان إحقاق العدالة».

وتطرق لافروف إلى رسالة سلمها سفراء بلدان الاتحاد الأوروبي أخيراً إلى الخارجية الروسية، وقال إنهم «لم يُقدموا أي جديد، لكنهم يواصلون محاولاتهم لعرض خدماتهم، ومن الواضح أنهم لا يريدون أن يستبعدوا من العملية».

وكان لافتاً خلال زيارة لافروف إلى مينسك تصاعد لهجة الطرفين الروسي والبيلاروسي في التحذير من استعداد الاتحاد الأوروبي لتوسيع «نشاط عدواني» ضد بيلاروسيا باستخدام الأراضي الأوكرانية وفقا لنفس السيناريو الذي تابعه سابقا مع روسيا».

المثير هنا أن الاتحاد الأوروبي حذر أكثر من مرة من تحضيرات تقوم بها موسكو ومينسك، لتوسيع رقعة المواجهة العسكرية في تهديد مباشر لبعض البلدان الأوروبية.

على صعيد متصل، أصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانا شديد اللهجة اتهمت فيه دولاً غربية بـ«تصعيد المواجهة وزيادة الضغط على الدول ذات السيادة في مختلف أنحاء العالم، مما يخلق بؤرا للصراع ومحاولة لفرض قوانينها الخاصة».

ورأى البيان أن سياسات بعض البلدان الغربية «لا تقتصر على تصعيد المواجهة والضغط فحسب، بل تمتد لتشمل التدخل العسكري المباشر في الشؤون الداخلية لهذه الدول ذات السيادة».

رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق اندلع جراء هجوم روسي في مدينة خاركيف الاثنين (إ.ب.أ)

وشدد على أن «المجتمع الدولي يراقب هذه الأساليب المفضوحة في مناطق عديدة من العالم، بما في ذلك أوكرانيا والشرق الأوسط بشقيه (منطقة الخليج ومضيق هرمز)، وآسيا الوسطى وجنوب القوقاز والشرق الأقصى ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ وأميركا اللاتينية والبحر الكاريبي».

في المقابل، أكدت موسكو مجدداً انفتاحها على الوساطة الأميركية لتسوية الصراع حول أوكرانيا، وأعلن يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس بوتين، أن بلاده «تتوقع زيارة أخرى من السيد ويتكوف والسيد كوشنر في المستقبل القريب. وسنتوقع بالطبع أن يقدما تقريراً عن كيفية تخطيط الأميركيين لتنفيذ الاتفاقات القائمة بالكامل على أساس اقتراحهم السابق».

وكان الرئيس الروسي تحدث هاتفياً الأحد مع نظيره الأميركي دونالد ترمب. وأبلغه الأخير بقرب التوصل إلى اتفاق إطار مع إيران. وتطرق الطرفان إلى ملف التسوية الأوكرانية. وكشف أوشاكوف أن الرئيس الأميركي ذكّر نظيره الروسي خلال المحادثة بتحالف البلدين خلال الحرب العالمية الثانية.

وقال أوشاكوف للصحافيين: «ذكّر دونالد ترمب بالتحالف بين بلدينا خلال الحرب العالمية الثانية، مؤكداً على ضرورة عدم نسيان هذا الأمر».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي أصيبت بهجوم روسي في كييف الاثنين (أ.ف.ب)

اللافت أن بوتين أرسل بعد مرور أقل من يوم على مكالمته مع ترمب، برقية تهنئة إلى نظيره الصيني شي جينبينغ بمناسبة عيد ميلاده أكد فيها أن موسكو وبكين ستواصلان العمل بشكل وثيق لبناء نظام عالمي عادل ومتعدد الأقطاب.

وجاء في برقية التهنئة: «أرجو أن تتقبل مني أحر التهاني بمناسبة عيد ميلادك... أتمنى لك من صميم قلبي، يا صديقي العزيز، الصحة الجيدة والسعادة والازدهار والنجاحات الجديدة في أنشطتك الحكومية».

وزاد أن موسكو وبكين «تواصلان بلا شك الحوار البناء والعمل المشترك الوثيق لما فيه مصلحة شعوبنا الصديقة، وذلك من أجل بناء نظام عالمي عادل وديمقراطي بشكل حقيقي ومتعدد الأقطاب».

تصعيد ميداني

ميدانياً، أعلنت وزارة الدفاع الروسية صباح الاثنين أن قواتها شنت ضربات مكثفة لمنشآت المجمع الصناعي الدفاعي في عدة مدن أوكرانية كبرى كما استهدفت مطارات عسكرية ومراكز تجنيد إقليمية في البلاد.

وقالت في بيان: «ردا على الهجمات الإرهابية التي ينفذها نظام كييف، شنت القوات المسلحة الروسية ضربة مكثفة.. استهدفت منشآت الصناعات الدفاعية في كييف وخاركيف ودنيبروبيتروفسك، فضلاً عن مطارات عسكرية ومراكز تجنيد إقليمية».

أوكراني يدخن سيجارة أمام منزله الذي أصيب بهجوم روسي في كييف الاثنين (رويترز)

وأوضح البيان أن الضربة تم تنفيذها باستخدام أسلحة عالية الدقة بعيدة المدى تطلق من الجو والبر والبحر إضافة إلى طائرات مسيرة هجومية، وأكد أن الضربة حققت أهدافها وتمت إصابة جميع المواقع المستهدفة.

وكشفت الدفاع الروسية أنه كانت بين الأهداف التي تمت إصابتها جراء الهجوم الأخير في كييف شركات لتطوير مسيرات من طرازات مختلفة، فضلا عن مصنع «بوريفستنيك» الحكومي الذي ينتج طائرات مسيرة بعيدة ومتوسطة المدى، إضافة إلى معدات رادار للقوات المسلحة الأوكرانية. وشركة «أوكر أرمو تيخ» التي تقوم بتجميع رؤوس حربية للطائرات المسيرة وأنواع مختلفة من الصواريخ. ومنشآت صناعية أخرى.

وذكر البيان أن النيران الروسية أصابت أيضا المطارات العسكرية في فاسيلكوف وأومان وتشيركاسي وكراسنايا سلوبيدكا، فضلاً عن مراكز تجنيد إقليمية في كييف.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن أوكرانيا هاجمت في المقابل مواقع روسية بـ 123 طائرة مسيرة أوكرانية تم اعتراض الجزء الأكبر منها.

في المقابل، أعلنت السلطات في أوكرانيا ‌عن اندلاع حريق في «دير كييف بيشيرسك لافرا»، وهو رمز روحي وثقافي أثري وتاريخي في البلاد، في أعنف هجوم جوي روسي على العاصمة الأوكرانية منذ أسبوعين. وقال تيمور تكاتشينكو، رئيس الإدارة العسكرية بالعاصمة، في منشور على «تلغرام» إن دير كييف بيشيرسك لافرا، المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، تضرر بشدة جراء تعرضه لهجوم مباشر.

وكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على «إكس» عن الأمر: «ضربة روسية على (دير كييف بيشيرسك لافرا) أشعلت النيران في كاتدرائية الرقاد، كنيسة يعود تاريخها للقرن الحادي عشر. هذه هي واحدة من أخطر جرائم روسيا بحق الثقافة المسيحية حتى الآن».

وقال سلاح الجو الأوكراني إن موسكو أطلقت 70 صاروخاً و611 طائرة مسيرة، استهدفت العاصمة بشكل رئيسي، مضيفاً أن وحدات الدفاع الجوي الأوكرانية أسقطت منها 50 صاروخاً و582 طائرة مسيرة.


مقالات ذات صلة

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

الخلاف بين ترمب وزيلينسكي يهدد الدعم الحيوي لكييف... المحلل كليمنس فيشر: أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها» في الحرب بعد وقف الدعم الأمريكي

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برلين - كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (السبت)، أن الولايات المتحدة سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا، غداة تعليق الرئيس دونالد ترمب العمل ببعضها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وسط أزمة مع كييف... ترمب يعلّق عقوبات تستهدف عائدات النفط الروسي

أعفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب روسيا الجمعة من عقوبات أقرها الكونغرس مؤخراً، وتستهدف عائداتها النفطية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

البابا ليو الرابع عشر يغادر المستشفى بعد العملية الجراحية

البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)
TT

البابا ليو الرابع عشر يغادر المستشفى بعد العملية الجراحية

البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)

غادر البابا ليو الرابع عشر المستشفى، السبت، عائداً إلى الفاتيكان بعد خمسة أيام من خضوعه لعملية استئصال ورم سرطاني في الرئة.

وخرج البابا البالغ 71 عاماً سيراً من مستشفى جيميلي في روما، ولوّح مبتسماً لعدد من المتجمعين عند المدخل، الذين هتفوا ترحيباً به.

وفي وقت سابق، كتب الطبيبان لويجي كاربوني وستيفانو مارغاريتورا في مذكرة نشرها الفاتيكان: «استناداً إلى نتائج فحوص الدم، وصورة الأشعة السينية للصدر التي أُجريت هذا الصباح، وتقييماً للحالة السريرية، تبيّن أن الأب الأقدس بات مؤهلاً لمغادرة المستشفى»، الأمر الذي أكده الفاتيكان، لافتاً إلى أنه «سيتلو غداً (الأحد) صلاة التبشير الملائكي من نافذة الشقة البابوية».

البابا ليو الرابع عشر في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين في طريقه إلى كاتدرائية القديس إتيان (أ.ب)

وتعوّد الحبر الأعظم إقامة صلاة «التبشير الملائكي» كل يوم أحد من نافذة القصر الرسولي المطلة على ساحة القديس بطرس، أمام حشود من المؤمنين.

وكان الحبر الأعظم البالغ 71 عاماً، أقام قداساً الجمعة في المستشفى حيث يتلقى العلاج، وفق ما أظهرت صور له هي الأولى التي ينشرها الفاتيكان بعد إجراء العملية، الثلاثاء.

وذكر المكتب الإعلامي للفاتيكان أن البابا أقام القداس بحضور الطاقم الطبي والتمريضي في مستشفى جيميلي، إلى جانب أشخاص كانوا موجودين في المكان خارج أوقات دوامهم، كما انضم إليهم عناصر من الشرطة.

أدخل البابا ليو، الثلاثاء، إلى مستشفى جيميلي في روما والواقع شمال الفاتيكان، حيث خضع لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في رئته اليمنى.

وأفاد أطباؤه، الجمعة، بأن الفحوص أظهرت «تحسناً مستمراً في حالته العامة»، وأنه بات يمارس «أنشطته اليومية المعتادة بشكل مستقل تماماً».


موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»... وزيلينسكي يصف «المكافأة» بالأمر المؤسف

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أثناء وصوله إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أثناء وصوله إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (أ.ب)
TT

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»... وزيلينسكي يصف «المكافأة» بالأمر المؤسف

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أثناء وصوله إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أثناء وصوله إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (أ.ب)

رحبت موسكو، السبت، بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق»، بينما رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، السبت، أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعفاء روسيا من عقوبات فرضها الكونغرس الأميركي، هو مكافأة لنظيره الروسي فلاديمير بوتين في وقت تكثّف فيه موسكو هجماتها على قطاع الطاقة.

وقال كيريل دميترييف مبعوث الرئيس فلاديمير بوتين على وسائل التواصل الاجتماعي إن «تعليق إدارة ترمب قانون غراهام هو لحظة مهمة وتاريخية بحق». وقال في منشور على منصة «إكس» إن هذا التشريع كان من الممكن أن يؤدي فعلياً إلى وقف جميع أوجه التعاون الاقتصادي بين روسيا والولايات المتحدة.

وقال زيلينسكي عبر منصات التواصل الاجتماعي: «حجب العقوبات الأميركية، وتخفيف الضغط على المعتدي، ومنح مكافآت مالية لبوتين، كل ذلك لا يؤدي إلا إلى تشجيعه على مواصلة الهجمات».

لقاء بين ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل ديميترييف قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)

وجاءت هذه الخطوة في خضم خلاف مع الرئيس الأوكراني أثار تكهّنات بأن الرئيس الأميركي يميل بشكل متزايد إلى جانب موسكو، بعد أكثر من 4 سنوات ونصف السنة على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا.

حث الرئيس زيلينسكي أنصاره، السبت، على الإعراب بشكل علني عن الدفاع عن فرض عقوبات أميركية جديدة ضد روسيا، بعد ساعات من توقيع ترمب على أمر تنفيذي يوقف حزمة واسعة من القيود التي تستهدف الاقتصاد الروسي.

تجاهل قانون ليندسي غراهام

وأثار قرار البيت الأبيض مزيداً من المخاوف بأن أوكرانيا يمكن أن تكون عرضة لهجمات موسكو المتصاعدة مع اقتراب فصل الشتاء. ووصف زيلينسكي الخطوة بأنها أمر مؤسف، لكنه لم ينتقد بشكل مباشر الرئيس الأميركي على الرغم من تصاعد التوترات بين أوكرانيا وواشنطن في الأيام الأخيرة. وكتب زيلينسكي: «للأسف تم اتخاذ قرار في أميركا بتجاهل قانون (ليندسي غراهام) تماماً، الذي كان من المفترض أن يفرض ضغطاً حقاً على روسيا لإنهاء هذه الحرب». ويحمل القانون اسم المروّج الرئيسي له السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي توفي في يوليو (تموز) الماضي، وكان من كبار المدافعين عن أوكرانيا ومن أشد منتقدي روسيا.

ورأى دميترييف أن هذا القانون كان سيلحق «أضراراً جسيمة في المقام الأول بالاقتصاد الأميركي والأسواق العالمية». وقال كيريل دميترييف، ممثل الكرملين للتعاون الاقتصادي الدولي، في منشور له على تطبيق «تلغرام»، السبت، إن هذه الخطوة تعزز الحوار والتعاون المتبادل للمنفعة.

زيلينسكي في طريقه للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وجاء قرار الرئيس ترمب بتعليق الرسوم الجمركية المنصوص عليها في حزمة العقوبات ضد روسيا قبيل دخولها حيز التنفيذ بقليل، وذلك بعد أقل من شهر من توقيعه تلك الحزمة.

وبرر ترمب قراره بقوله إن «مثل هذا الإعفاء في الوقت الراهن يصب في المصلحة الوطنية للولايات المتحدة».

ورأى دميترييف أن التعاون الاقتصادي بين روسيا والولايات المتحدة يشكل أساساً لتعزيز الثقة وتحقيق السلام الدائم. وبصفته مفاوضاً للكرملين، يجري دميترييف محادثات مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بشأن إنهاء الحرب الروسية ضد أوكرانيا. نقلت وكالة الإعلام الروسية عن الكرملين، السبت، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصدر تعليمات للحكومة بالموافقة على برنامج لإصلاح البنية التحتية التجارية واللوجستية التي تضررت جراء الهجمات الأوكرانية.

وقبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي يخوض فيها الحزب الجمهوري المنتمي إليه ترمب معركة للحفاظ على أغلبيته الضئيلة في مجلسي الكونغرس، قال محللون إن الإجراءات الجديدة كان يمكن أن تزيد أسعار النفط المرتفعة بالفعل، في وقت يواجه فيه الأميركيون حالياً ارتفاعاً في التكاليف يُعزى بدرجة كبيرة إلى الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

استياء في الكونغرس

وانتقد النائب الأميركي دون باير، وهو ديمقراطي عن فرجينيا، ترمب بسبب الإعفاء قائلاً إنه يرضخ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقال باير في بيان: «استسلام ترمب الأخير لبوتين يخون مجدداً شركاءنا الأوكرانيين، ويتحدى بوضوح نية الكونغرس من تشريع صمم لمعاقبة روسيا على حربها العدوانية غير القانونية».

وواجه ترمب أيضاً انتقادات من أعضاء عدة بمجلس الشيوخ، بينهم جمهوريون، بسبب اتفاق حديث بشأن الديزل مع روسيا وافق بموجبه على رفع العقوبات عن الصادرات الروسية، مقابل موافقة روسيا على توريد الديزل إلى الأسواق العالمية في محاولة لخفض أسعار الوقود. وقال المشرعون الذين انتقدوا الاتفاق إنه سيساعد في تمويل حرب موسكو بأوكرانيا.

إضافة إلى ذلك، اتهم زيلينسكي روسيا بمحاولة إغراق بلاده في الظلام قبل حلول فصل الشتاء، وقال: «تحاول روسيا التسبب بانقطاع للتيار الكهربائي في أوكرانيا، وذلك مباشرة قبل فصل الشتاء. وتحاول روسيا ترك ملايين من شعبنا من دون كهرباء أو تدفئة»، داعياً الحلفاء إلى «ممارسة الضغط» على موسكو لوضع حد لذلك. وقال، السبت، إن روسيا هاجمت خلال الليل أكثر من 15 منشأة طاقة في المناطق الغربية والوسطى.

وقال زيلينسكي في منشور على تطبيق «تلغرام»، كما نقلت عنه «رويترز»: «وسعت روسيا نطاق حملتها ضد شبكة الطاقة، وتحاول استنزاف احتياطيات أوكرانيا وقدرتها على الإصلاح إلى أقصى حد ممكن».

وتعوّل أوكرانيا على الاستخبارات العسكرية الغربية، لا سيما الأميركية، لاستباق الهجمات الروسية والتصدي لها، لا سيما مع تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى قواتها.

زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

ترمب ينفي مسؤوليته عن «ستارلينك»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه ليس مسؤولاً عن التباطؤ المؤقت لخدمة «ستارلينك»، لتوفير الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية الأميركية التي يستخدمها الجيش الأوكراني. وقال، يوم الجمعة، عندما سأله صحافيون في واشنطن عن سبب بطء النظام: «لم نفعل ذلك على الإطلاق». وتتناقض تصريحات ترمب مع تصريحات قطب التكنولوجيا إيلون ماسك، الذي يمتلك شركة «سبيس إكس» التي تدير «ستارلينك».

وأعلن زيلينسكي للقادة الأوروبيين خلال القمة أن «تكلفة الحرب ستبلغ 155 مليار يورو العام المقبل. ونحن في حاجة إلى 70 مليار يورو (79 مليار دولار) إضافية على الأقل منكم».

وصرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن «أوكرانيا قدمت طلبها، ولا يزال الوقت مبكراً لتحديد رقم»، مؤكداً في الوقت نفسه أن الأوروبيين «لن يتخلوا» عن كييف.

وأكد قادة الاتحاد الأوروبي لزيلينسكي دعمهم، وأقروا خلال قمة الجمعة في بروكسل بضرورة سد العجز التمويلي لأوكرانيا، العام المقبل، رغم الحساسية السياسية لهذا الموضوع

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، الجمعة، أن أوكرانيا ستحتاج إلى 70 مليار يورو إضافية في عام 2027، وهو عجز «ينبغي تغطيته». وشددت المسؤولة الأوروبية في ختام قمة للتكتل في بروكسل على أن الاتحاد الأوروبي، كما نقلت عنها «وكالة الصحة الفرنسية» «سيواصل أداء دور ريادي» في دعم كييف مالياً في مواجهة موسكو، مضيفة: «لكننا نحتاج أيضاً، وبشكل عاجل، إلى أن يتحمل شركاء آخرون المسؤولية».

إنشاء «منطقة أمنية»

وفي سياق متصل، قال الرئيس الروسي، الجمعة، إن روسيا تعمل على إنشاء «منطقة أمنية» داخل أوكرانيا وعلى امتداد الحدود بينهما، وهي مسألة لن تكون قابلة للتفاوض في أي محادثات مستقبلية مع كييف. وأضاف بوتين، بينما يرتدي الزي العسكري خلال زيارة إلى أحد مراكز القيادة، أن هذه العملية جاءت رداً على توغل أوكرانيا في منطقة كورسك بغرب روسيا خلال 2024 - 2025.

وقال في تصريحات أذاعها التلفزيون: «جرى تكليف القوات المسلحة الروسية ليس فقط بطرد العدو من أرضنا، بل أيضاً بإقامة منطقة أمنية في الأراضي المجاورة. ويجري تنفيذ هذه المهمة بنجاح». وأضاف: «هدفنا هو ضمان الأمن الكامل للمناطق الحدودية الروسية مستقبلاً، ولا نعتزم جعل ذلك موضوعاً لمفاوضات سلام محتملة مع أوكرانيا». وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن المنطقة الأمنية المخطط لها تمتد مسافة 660 كيلومتراً، وإن روسيا تسيطر حالياً على 70 في المائة منها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

مبادرات استثمار مشتركة

قال كيريل دميترييف مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لشؤون الاستثمار إن موسكو وواشنطن ستعلنان قريباً عن مبادرات مشتركة جديدة بما في ذلك مراكز بيانات تعمل بالطاقة النووية، وذلك في أعقاب الاتفاق الخاص بالديزل الذي تم التوصل إليه في الأسبوع الماضي.

ومضى قائلاً: «نناقش أيضاً مشاريع مشتركة في مجال مراكز البيانات الروسية والأميركية، بما في ذلك استخدام محطات طاقة نووية صغيرة الحجم»، دون أن يقدم تفاصيل.

ودأب دميترييف، وهو شخصية بارزة في المحادثات الروسية - الأميركية حول إنهاء الحرب في أوكرانيا، منذ مدة طويلة على الدفع باتجاه إبرام مجموعة من الصفقات المحتملة الطموحة، بما في ذلك في مجالي المعادن والطاقة.

ويعبر الكرملين عن استيائه من أن الولايات المتحدة تربط حتى الآن أي اتفاقات من هذا القبيل باتفاق سلام، وهو أمر ما زال بعيد المنال. لكن دميترييف عبّر عن تفاؤله بأن هذا الوضع آخذ في التغير.

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

وقال في مؤتمر أسبوع الطاقة الروسي في موسكو: «بطبيعة الحال، فإن إحراز تقدم أمر صعب للغاية. هناك مقاومةـ بل مقاومة واسعة النطاق، في الحقيقة، من جهات مختلفة. ومع ذلك، وكما يوضح المثال المتعلق بالديزل، أعتقد أننا سنعلن قريباً عن مبادرات مهمة عدة أخرى. فقد بدأ الجليد يذوب، في واقع الأمر».

وأضاف: «ننفذ فعلياً مشاريع مع الولايات المتحدة الأميركية في هذه اللحظة تحديدًا، وسنواصل القيام بذلك حتى تنتهي العملية العسكرية الخاصة»، مستخدماً المصطلح الذي يستخدمه الكرملين للإشارة إلى الحرب في أوكرانيا.

وقال دميترييف إن وزارة الخزانة الأميركية طلبت من صندوق الثروة السيادي الروسي، الذي يرأسه، المساعدة في تسوية مشكلات معقدة تتعلق بمدفوعات صفقة الديزل. وتتضمن الصفقة التي أعلن عنها ترمب قبل أسبوع توريد الديزل الروسي إلى الأسواق الأميركية والعالمية من أجل خفض سعره، وهو أولوية كبرى للرئيس الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة، الشهر المقبل.

استهدافات متبادلة

ميدانياً، قالت وزارة الدفاع الروسية، السبت، إنها شنت هجوماً كبيراً خلال الليل على أهداف للبنية التحتية الأوكرانية، منها أكبر مصنع للصلب في البلاد بمدينة كريفي ريه. والمصنع مملوك لشركة الصلب العملاقة «أرسيلور ميتال» التي أوقفت العمليات به في سبتمبر (أيلول) بعد سلسلة من الضربات بصواريخ باليستية نفذتها روسيا. وقالت الوزارة في بيان إن المصنع زود المجمع الصناعي العسكري الأوكراني بمنتجات الصلب.

وأضافت أن القوات الروسية استهدفت أيضاً محطة كهرباء فرعية في مدينة جيتومير شمال غربي البلاد، ومصنعاً آخر للصلب في زابوريجيا بالقرب من خط الجبهة. وذكرت أن سفينة شحن في البحر الأسود تعرضت للقصف أيضاً، قائلة إنها كانت تنقل شحنة عسكرية إلى ميناء أوديسا الأوكراني، لكن يتعذر التأكد من هذه الادعاءات بشكل مستقل.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما بالبيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

وردت كييف بتصعيد ضرباتها البعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، وأفادت السلطات الروسية بإسقاط عشرات المسيرات المتوجهة إلى موسكو.

قال وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف، الجمعة، إن القوات الروسية استولت على بلدة دوبروبيليا في منطقة دونيتسك بشرق أوكرانيا. وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية، السبت، إن قواتها لا تزال تسيطر على بلدة دوبروبيليا الشرقية، ووصفت ما قالته موسكو حول السيطرة عليها بأنه غير صحيح. وفي بيان عبر البريد الإلكتروني، قال المتحدث باسم هيئة الأركان العامة أندري كوفاليوف إن أوكرانيا تنفي أيضاً ما قالته روسيا حول استيلاء قواتها على أكثر من 1800 كيلومتر مربع من الأراضي الأوكرانية و92 قرية منذ أول سبتمبر.


إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
TT

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

من التهديدات الأميركية بوقف دعم أوكرانيا بالمعلومات المخابراتية، إلى اتفاق للديزل قد يساعد روسيا على تمويل حربها، كان الأسبوع الماضي سيئاً للعلاقات بين كييف وواشنطن، أهم حلفائها. ووسط استياء الرئيس الأميركي دونالد ترمب من ارتفاع تكاليف الطاقة، الذي يلقي باللوم جزئياً فيه على الضربات الأوكرانية لمصافي النفط الروسية، وجَّه انتقادات متكرِّرة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وأثار تعطُّل خدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية التي توفِّرها الولايات المتحدة مخاوف من أن تصبح أوكرانيا أكثر عرضةً للخطر، في وقت تستعد فيه لفصل شتاء جديد من الهجمات الروسية على بنيتها التحتية للطاقة.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما بالبيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

وردَّ زيلينسكي على انتقادات ترمب بسلسلة غير معتادة من التصريحات العلنية الحادة، ملمحاً إلى أن الولايات المتحدة باتت تميل إلى جانب روسيا. وقال إن أوكرانيا ستتجاهل مطلب ترمب بوقف استهداف منشآت الطاقة الروسية، مشيراً إلى استمرار الهجمات الروسية.

وأثار اتساع هوة الخلافات، كما قدَّمته «رويترز» في تحليلها هنا، مخاوف من أن تؤدي العلاقة المتقلبة بين ترمب وزيلينسكي إلى نتائج أسوأ بالنسبة لكييف. فما زال بإمكان ترمب تقييد إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا أو تنفيذ تهديداته بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بساحة المعركة أو إبرام مزيد من الاتفاقات الاقتصادية مع موسكو.

وقال مسؤولان أوكرانيان مطلعان على المحادثات، طلبا عدم كشف هويتيهما، إنه رغم تصريحات زيلينسكي فإن كييف تريد مواصلة الحوار مع مبعوثَي ترمب، وهما صديقه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر.

وقال دينيس سينيك، القائم بالأعمال في السفارة الأوكرانية بواشنطن، لقناة «نيوز ماكس»، الجمعة، إن كييف ممتنة لترمب وفريقه على جهودهما الرامية لإنهاء الحرب، وإنها مستعدة للدخول في محادثات مع روسيا. وقال ترمب للصحافيين، الجمعة، إنه سيواصل التعامل مع كل من زيلينسكي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأضاف: «أريد أن تنتهي تلك الحرب».

«فرصة ضائعة»

قال دانييل فرايد، المسؤول الكبير بوزارة الخارجية الأميركية لشؤون أوروبا بين عامَي 2005 و2009، إنه ليس من الواضح ما إذا كانت واشنطن تتجه نحو تغيير دائم في موقفها تجاه أوكرانيا، لكن التداعيات تضر بفرص إنهاء الحرب التي بدأت بالغزو الروسي الشامل في 2022. وأضاف فرايد، الذي يعمل حالياً في «مركز أبحاث المجلس الأطلسي» في واشنطن: «ليست مجرد فرصة ضائعة، بل إنها تتسبب في معاناة حقيقية في أوكرانيا، وتشجِّع بوتين على مواصلة الحرب، وبالتالي فهي ليست بلا تكلفة».

وظلت العلاقة بين ترمب وزيلينسكي متوترة منذ فترة طويلة. ووجَّه ترمب ونائبه جي دي فانس انتقادات علنية لزيلينسكي خلال اجتماع في المكتب البيضاوي في فبراير (شباط) 2025.

وأوقفت واشنطن، أو أبطأت، تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا في عهد ترمب، بينما سمحت للحلفاء الأوروبيِّين بشراء أسلحة أميركية لصالح كييف. واستقرَّت العلاقة إلى أن بدأت الضربات الأوكرانية هذا العام على مواقع الطاقة في روسيا تسهم في ارتفاع أسعار الوقود.

بوتين مستقبلاً مبعوثَي ترمب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في الكرملين يوم 5 سبتمبر 2026 (رويترز)

وقال محللون إن ارتفاع أسعار البنزين والديزل يمثِّل صداعاً سياسياً لترمب قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، التي قد يفقد فيها الحزب الجمهوري أغلبيته في الكونغرس الأميركي.

ويقول خبراء، حسب تحليل «رويترز»، إن القفزة في تكاليف الطاقة ترجع أساساً إلى الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران، التي أدت إلى هجمات إيرانية على منشآت طاقة وتسببت إلى حدٍّ كبير في إغلاق مضيق «هرمز» الحيوي. لكن شخصاً مطلعاً على المناقشات الداخلية، طلب عدم الكشف عن هويته، قال إن ترمب، المحبط من زيلينسكي، اتجه إلى روسيا لزيادة إمدادات الوقود واحتواء الأسعار. وقال ترمب في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) إنه توصَّل إلى اتفاق مع بوتين لرفع العقوبات مؤقتاً عن الوقود الروسي واستيراد الديزل الروسي.

مخاطر كبيرة بالنسبة لأوكرانيا

بالنسبة لكييف، فإن المخاطر كبيرة وفورية. وقال زيلينسكي، الثلاثاء، إن أوكرانيا لم تتلقَّ أي تحذير من الشركاء الغربيِّين قبل هجوم روسي دامٍ على العاصمة. ومن دون المعلومات المخابراتية الأميركية، قد تواجه أوكرانيا صعوبةً أكبر في رصد الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيَّرة والتصدي لها، لا سيما تلك التي تستهدف البنية التحتية للطاقة التي دأبت موسكو على مهاجمتها خلال فصول الشتاء السابقة.

وقال ترمب إن الولايات المتحدة لا تزال تقدِّم المعلومات المخابراتية إلى أوكرانيا. لكن زيلينسكي قال لإذاعة «إن بي آر» إن مسؤولين أميركيين أبلغوا قادة عسكريين أوكرانيين بأن تبادل المعلومات المخابراتية قد يُخفَّض أو يوقف. وأفادت «رويترز»، الخميس، بأن نظام «ستارشيلد» الأوكراني، وهو النسخة العسكرية من خدمة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبايس إكس»، تعطَّل بعد ما قال مسؤولان أميركيان ومسؤول غربي مطلع إنه نتيجة أمر صدر من البيت الأبيض.

زيلينسكي في طريقه للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وأُعيدت الخدمة جزئياً، لكن الواقعة سلطت الضوء على مكامن الضعف الناتجة عن اعتماد أوكرانيا على تكنولوجيا تسيطر عليها شركات أميركية وتخضع لقرارات إدارة ترمب. ويمنح هذا الاعتماد ترمب أداة ضغط محتملة، بينما يدفع كييف نحو إجراء مفاوضات مع موسكو.

وقد يواجه ترمب مقاومة إذا رأى الجمهوريون في الكونغرس أن نهجه يضعف أوكرانيا بينما يفيد روسيا. وما زالت أوكرانيا تحظى بدعم بين بعض الجمهوريين، الذين يرى بعضهم أن واشنطن يجب ألا تضغط على كييف للقبول بتسوية بشروط تصبُّ في مصلحة موسكو.

وقال بريت بروين، المستشار السابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما ورئيس شركة «غلوبال سيتيويشن روم» للاستشارات، إن ردود زيلينسكي القوية على ترمب تنطوي على مخاطر، لكنه ربما يعول على تحول في موازين القوى في الكونغرس بعد انتخابات التجديد النصفي، بما يجعل من الصعب على ترمب تخفيف العقوبات على روسيا أو تقليص المساعدات العسكرية لكييف بصورة أكبر. وتابع «زيلينسكي يعرف جيداً مع مَن يتعامل. تهديدات ترمب لا تحدث الأثر نفسه الذي أحدثته عندما حاول جي دي فانس إحراجه في المكتب البيضاوي».

أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها»

يرى الخبير الجيوسياسي الألماني، كليمنس فيشر، أن أوكرانيا تواجه وضعاً يائساً، بعد أن أوقف الرئيس الأميركي حزمة العقوبات الأميركية الجديدة ضد روسيا. وقال أستاذ العلاقات الدولية والجيوسياسية بجامعة كولونيا الألمانية في تصريحات لإذاعة «دويتشلاند فونك» الألمانية: «هذه بالتأكيد أحلك لحظة يمر بها الأوكرانيون في هذه الحرب حتى الآن». وذكر الخبير أن ترمب لم يقدِّم منذ البداية لأوكرانيا الدعمَ الذي كانت الدول الغربية تأمل فيه، بل ويتصرَّف الآن بصورة أكثر تشدداً.

وفي إشارة إلى انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر المقبل وارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة حرب إيران التي بدأها ترمب بالتعاون مع إسرائيل، قال فيشر: «يريد الآن محاولة قلب نتائج انتخابات التجديد النصفي سريعاً لصالحه، ويحتاج إلى عدو إذا ارتفعت أسعار الديزل والبنزين في محطات الوقود الأميركية... لقد حدَّد أخيراً العدو الذي يعتقد أنه يستطيع تسويقه، ولذلك انقلب الوضع برمته».

زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

وأوضح فيشر، كما نقلت عنه «الوكالة الألمانية»، أن ترمب لم يكن ينظر بود إلى زيلينسكي منذ فترة طويلة، بعدما رفض الأخير في عام 2019 تقديم أدلة لترمب بشأن صفقات مشبوهة مزعومة لهانتر بايدن، نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، في أوكرانيا. وقال فيشر إن ذلك كان «الخلية الأولى لهذا النفور».

وحذَّر فيشر من أن الأسابيع المقبلة قد تلحق أضراراً طويلة الأمد بأوكرانيا، حتى لو عاد ترمب إلى دعمها بعد انتخابات التجديد النصفي، موضحاً أن أوكرانيا تعتمد على الولايات المتحدة بنسبة تقارب 100 في المائة في مجال الدفاع الجوي، وقال: «حتى في مجال الهجمات على عمق الأراضي الروسية، لا يمكنهم الاستغناء عن البيانات الأميركية».

وبحسب بيانات أوكرانية، أدى خفض مؤقت وغير معلن لخدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية الأميركية «ستارلينك»، المستخدمة عسكرياً والمعروفة باسم «ستارشيلد»، ليلة الثلاثاء - الأربعاء الماضية إلى فقدان أجسام طائرة اتصالها عندما تجاوزت سرعتها 160 كيلومتراً في الساعة.

ويُعتقد أن ذلك أدى إلى فشل عمليات أوكرانية بطائرات مسيّرة، وعدم التصدي لطائرات مسيّرة روسية. وحذَّر فيشر قائلاً: «إذا أوقف الأميركيون بالفعل خدمة ستارشيلد خلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة، وأصبحت أوكرانيا أقل قدرة على الدفاع عن نفسها نتيجة لذلك، فقد يلحق ذلك أضراراً بالدفاعات الأوكرانية لا يمكن تعويضها بسهولة». وشبه فيشر الأمر بالمرض، قائلاً: «عندما يتعافى المرء ويستعيد استقراره، يكون ذلك عند مستوى منخفض».