بوتين يطلق مبادرة لـ«إنقاذ» نظام ضبط التسلح في العالم

أكد التزام بلاده بمعاهدة «ستارت» لمدة عام ودعا واشنطن إلى بدء حوار استراتيجي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يترأس مجلس الأمن القومي بالكرملين الاثنين (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يترأس مجلس الأمن القومي بالكرملين الاثنين (أ.ب)
TT

بوتين يطلق مبادرة لـ«إنقاذ» نظام ضبط التسلح في العالم

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يترأس مجلس الأمن القومي بالكرملين الاثنين (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يترأس مجلس الأمن القومي بالكرملين الاثنين (أ.ب)

أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مبادرة تهدف لإحياء الحوار مع الولايات المتحدة حول ملفات التسلح، ونشر الأسلحة النووية، وضمان الأمن الاستراتيجي في العالم.

وأعلن بوتين خلال اجتماع مجلس الأمن القومي الروسي، الاثنين، عن استعداد بلاده لمواصلة العمل باتفاقية «ستارت» التي تنظم عملية تقليص الأسلحة النووية، وتضع ضوابط على الانتشار، بعد انتهاء مدة صلاحية المعاهدة في فبراير (شباط) من العام المقبل، رابطاً تحرك موسكو على هذا الصعيد بالتزام مقابل من جانب الولايات المتحدة، وبوقف عمليات نشر الأسلحة الأميركية في أوروبا وفي الفضاء.

أنظمة صواريخ باليستية عابرة للقارات تسير على طول الساحة الحمراء خلال عرض عسكري في موسكو 9 مايو 2021 (رويترز)

وأثار توقيت إطلاق المبادرة تكهنات عدة، وعدته تعليقات محاولة للفت الأنظار عن تفاقم الوضع على الحدود مع أوروبا، وازدياد معدلات الانتهاكات العابرة للحدود مع كل من بولندا ولاتفيا وإستونيا، فضلاً عن وصول جهود تسوية الصراع في أوكرانيا، التي أطلقتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مرحلة من الجمود، لكن وسائل إعلام حكومية روسية رأت في التحرك الروسي خطوة تهدف لـ«إنقاذ» ما تبقى من ضوابط على انتشار السلاح في العالم، ومحاولة للمحافظة على الركن الأساسي الوحيد الضامن للاستقرار الاستراتيجي.

وجاء طرح الموضوع مفاجئاً لكثير من الأوساط داخل روسيا وخارجها، وأعلن الكرملين، صباح الاثنين، أن بوتين سوف يدلي بتصريحات مهمة خلال اجتماع مجلس الأمن؛ ما دفع إلى انتشار تكهنات بأن لدى القيادة الروسية رؤية لدفع مسار التسوية في أوكرانيا، لكن حديث بوتين في مستهل الاجتماع تجاهل بشكل كامل الوضع حول أوكرانيا، وركز على ملفات الأمن الاستراتيجي وقضايا التسلح.

ورأى الرئيس الروسي أن «الاستقرار الاستراتيجي في العالم يواصل التدهور بسبب تصرفات الغرب». وأكد أن «المنظومة التي كانت تضبط التسلح وفقاً للاتفاقات بين روسيا والولايات المتحدة تعرضت للتدمير»، مؤكداً أن لدى بلاده «القدرة على مواجهة الموقف والدفاع عن مصالحها» أمام كل التطورات.

وزير الخارجية سيرغي لافروف وإلى يساره مدير الاستخبارات الخارجية سيرغي ناريشكين خلال اجتماع مجلس الأمن القومي الاثنين (أ.ب)

وقال: «روسيا قادرة على الرد على أي تهديد، وهي واثقة من موثوقية قواتها الرادعة الوطنية»، وشدد على أن بلاده «تقوم بوضع خطط لتعزيز القدرة الدفاعية مع مراعاة الوضع العالمي، ويجري تنفيذها بالكامل وفي الوقت المناسب».

لكنه أكد في الوقت نفسه أنه «يُفضِّل دائماً الحل السياسي والدبلوماسي». ولفت إلى أن «الرفض التام لإرث معاهدة (ستارت) الجديدة سيكون خطأً فادحاً»، ويلقي بظلال على الأمن الاستراتيجي في العالم كله.

لذلك قال بوتين إن «روسيا مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود المفروضة بموجب معاهدة (ستارت) الجديدة لمدة عام واحد بعد انتهاء مدة المعاهدة في 5 فبراير 2026».

وحمَّل بوتين الغرب مسؤولية الوضع الحالي على صعيد الأمن الاستراتيجي، وقال إنه «نتيجةً للخطوات التخريبية التي اتخذها الغرب، تقوّضت أسس الحوار بين الدول النووية بشكل كبير»، ورأى أن «التحديات الأمنية الاستراتيجية تنبع من سعي الغرب إلى تحقيق التفوق».

جانب من التجارب الروسية على إطلاق صواريخ لمحاكاة رد نووي هائل (أرشيفية - رويترز)

وأضاف أن بلاده «كثيراً ما أكدت خطورة تفكيك نظام ضبط التسلح. وطرحت مبادرات عدة في وقت سابق، لكن أفكار روسيا بشأن الأمن الاستراتيجي لم تتلقَّ رداً واضحاً».

وشدد بوتين على أن «استعداد روسيا للالتزام بالقيود المفروضة بموجب معاهدة (ستارت) الجديدة، لن يكون فعالاً إلا إذا استجابت الولايات المتحدة. وفي هذه الحالة، يمكن تطبيق أحكام المعاهدة مدة عام واحد بعد انتهاء صلاحيتها»، معرباً عن قناعة بأن «تنفيذ مبادرة روسيا يمكن أن يُسهم إسهاماً كبيراً في تهيئة مناخ مواتٍ لحوار استراتيجي جوهري مع الولايات المتحدة».

وحتى لا تظهر المبادرة الروسية كأنها إشارة إلى ضعف أو تراجع من جانب موسكو، شدد بوتين على أنه «لا ينبغي لأحد أن يشكك في أن روسيا قادرة على الرد على أي تهديدات قائمة أو ناشئة».

في الوقت نفسه، أكد بوتين أن بلاده لا تسعى لتأجيج سباق تسلح جديد، ورأى أن الخطوات الأميركية في الرد على مبادرته هي التي سوف تحدد مسار هذه العملية، ملوحاً بأن روسيا سوف تعيد تقييم الموقف بعد مرور العام المحدد للالتزام ببنود اتفاقية «ستارت». وأوضح الرئيس الروسي أن «نشر مكونات نظام الدفاع الصاروخي الأميركي في الفضاء قد يقوض جهود روسيا للحفاظ على الوضع الحالي».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال اجتماع مجلس الأمن القومي بالكرملين الاثنين (أ.ب)

وقال: «ننطلق من أن التنفيذ العملي لمثل هذه الإجراءات المزعزعة للاستقرار قد يقوض جهود بلادنا للحفاظ على الوضع الحالي في مجال معاهدة (ستارت)».

ولاحظ بوتين أن هذه المعاهدة باتت الركن الأخير الذي ما زال قائماً بعد تقويض كل المعاهدات والاتفاقات المتعلقة بضبط التسلح ونشر الأسلحة، خصوصاً بعد انهيار معاهدة نشر الصواريخ القصيرة والمتوسطة في أوروبا، وهي المعاهدة التي انسحبت منها موسكو وواشنطن في وقت سابق.

وأضاف الرئيس الروسي أن قرار بلاده التخلي عن القيود المفروضة على نشر الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى كان «قسرياً ومدفوعاً بضرورة الاستجابة المناسبة لخطط الغرب لنشر الأسلحة في أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ»، مؤكداً أن مثل تلك الخطوات شكلت «تهديداً مباشراً لأمن روسيا، ولم يكن من الممكن أن تمر من دون خطوات روسية مقابلة».

وكانت موسكو جمدت، العام الماضي، العمل بمعاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة، بعد خطوة مماثلة من جانب واشنطن، لكنها أكدت مواصلة الالتزام ببنودها بشكل أحادي على أمل عودة واشنطن للالتزام بها.

وفي مطلع أغسطس (آب) الماضي أعلنت «(الخارجية الروسية) الانسحاب رسمياً من المعاهدة، ورأت أن الاتحاد الروسي أقرّ بزوال شروط الحفاظ على الوقف الأحادي الجانب لنشر الصواريخ البرية متوسطة وقصيرة المدى، ولم يعد يعتبر نفسه ملزماً بالقيود الذاتية التي سبق اعتمادها».

وأشار الرئيس الروسي خلال الاجتماع إلى «ظهور مخاطر استراتيجية جديدة في العالم وتفاقم المخاطر القائمة».

وحذر من أن العالم يواجه تحديات جديدة «نتيجةً للتأثير المشترك لعدد من العوامل، بما في ذلك العوامل السلبية، التي تُفاقم المخاطر الاستراتيجية القائمة، وتُولّد مخاطر جديدة».

وجدد الحاجة إلى التعامل مع مبادرة روسيا بشأن معاهدة الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (ستارت) في إطار أنها «يمكن أن تُسهم في تهيئة مناخ موات لحوار استراتيجي جوهري مع الولايات المتحدة حول الاستقرار الاستراتيجي»، عاداً أنه «بطبيعة الحال، سيتطلب ذلك تهيئة الظروف لاستئنافه (الحوار) بشكلٍ كاملٍ ومراعاة جميع الجهود المبذولة لتطبيع العلاقات الثنائية».


مقالات ذات صلة

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

أوروبا صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

تُجري السويد تحقيقاً بشأن ناقلة يُشتبه في انتمائها إلى «الأسطول الروسي غير الرسمي» الخاضع للعقوبات، وفقاً لوزير الدفاع المدني السويدي.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
أوروبا حريق في مركبات مدمَّرة بموقع غارة جوية روسية على مدينة كراماتورسك الواقعة على خط المواجهة بمنطقة دونيتسك بأوكرانيا 5 مايو 2026 (رويترز)

زيلينسكي: روسيا اختارت مواصلة الحرب

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، إن روسيا قرّرت رفض الجهود الرامية لوضع حد للقتال وإنقاذ الأرواح عبر شنّ هجمات جديدة على أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود روس يقفون على أهبة الاستعداد للمشاركة ببروفة العرض العسكري بمناسبة يوم النصر في موسكو (أ.ب)

روسيا تقيّد الإنترنت عبر الهاتف قبل العرض العسكري في «يوم النصر»

قطعت روسيا خدمات الإنترنت عبر الهاتف الجوال عن كثير من المشتركين في موسكو، اليوم (الثلاثاء)، قبل العرض العسكري السنوي المقرَّر في التاسع من مايو (أيار).

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا سفارة روسيا في فيينا 4 مايو 2026 (أ.ف.ب)

النمسا تطرد 3 دبلوماسيين روس بسبب «هوائيات» قد تستخدم للتجسس

أعلنت حكومة النمسا، الاثنين، ثلاثة دبلوماسيين روس أشخاصاً غير مرغوب فيهم على خلفية وجود «غابة من الهوائيات» على أسطح مبانٍ دبلوماسية يمكن استخدامها للتجسس.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أوروبا الناقلة «جين هوي» (رويترز) p-circle

السويد توقف قبطاناً صينياً لسفينة من «أسطول الظل» الروسي

أعلنت النيابة العامة السويدية إلقاء القبض على قبطان صيني لسفينة اعترضتها السويد نهاية الأسبوع الماضي؛ للاشتباه في انتمائها إلى أسطول السفن الروسي غير القانوني.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
TT

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )

تُجري السويد تحقيقاً بشأن ناقلة يُشتبه في انتمائها إلى «الأسطول الروسي غير الرسمي» الخاضع للعقوبات، وفقاً لوزير الدفاع المدني السويدي.

أعلن خفر السواحل السويدي أنه صعد على متن ناقلة النفط «جين هوي» واحتجزها يوم الأحد للاشتباه في رفعها علماً مزيفاً أثناء عبورها المياه السويدية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وأوضح خفر السواحل في بيان له، أن السفينة كانت تبحر في بحر البلطيق رافعة العلم السوري. كما تُثار مخاوف بشأن صلاحية السفينة للإبحار.

وكتب وزير الدفاع المدني السويدي، كارل أوسكار بولين، على منصة «إكس» أن «جين هوي» مدرجة حالياً على قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وأوكرانيا.

وأفاد المدعون العامون السويديون يوم الاثنين أنه تم القبض على قبطان السفينة، وهو مواطن صيني، للاشتباه في استخدامه وثيقة مزورة وارتكابه جرائم أخرى.

وهذه هي خامس عملية احتجاز سفينة يقوم بها خفر السواحل السويدي في الأسابيع الأخيرة.

قال دانيال ستينلينغ، نائب رئيس العمليات في خفر السواحل: «لا تزال السفن التي يُشتبه في وجود خلل في صلاحيتها للإبحار تبحر في المياه السويدية. هذا أمر غير مقبول. لقد تدخلنا سابقاً، وها نحن نتدخل مجدداً».

ولم ترد السفارة الروسية في السويد على طلب للتعليق يوم الأربعاء.

وكانت السويد قد أعلنت العام الماضي أنها ستكثف عمليات فحص التأمين على السفن الأجنبية، في خطوة تهدف إلى تشديد الرقابة على السفن الروسية المشتبه في نقلها النفط والغاز أو الحبوب الأوكرانية المسروقة.


«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
TT

«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر الكثير من وصول المستشار الألماني فريدريتش ميرتس إلى منصب المستشارية في برلين يوم 6 مايو (أيار) من العام الماضي لإعادة إطلاق العربة الفرنسية - الألمانية التي تُعدّ، منذ عقود عدة، بمثابة القاطرة الأوروبية التي من دونها سيراوح الاتحاد الأوروبي مكانه. وجاء حجم الآمال المعلقة على ميرتس مساوياً لحجم الخيبة الفرنسية من سلفه المستشار الاشتراكي أولاف شولتس الذي كان يشبه بـ«مكعب الجليد».

ماكرون وميرتس على هامش قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (أ.ف.ب)

وطيلة ثلاث سنوات من حكمه، لم ينجح ماكرون في نسج علاقة خاصة مع شخصية منطوية وكتومة. وأمل الرئيس الفرنسي أن يكون ميرتس، القادم من الحزب الديموقراطي المسيحي، أكثر تجاوباً من سلفه لجهة التجاوب مع رغبة باريس في تعزيز العلاقات الفرنسية - الألمانية من أجل حراك دبلوماسي متسق والسير بالمشاريع الصناعية والدفاعية المشتركة، ومنها تصنيع الطائرة القتالية المشتركة من الجيل السادس ودبابة المستقبل.

كذلك، كان ماكرون يمنّي النفس بالعثور على شريك ألماني يرافقه باتجاه «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا التي يدعو إليها منذ وصوله إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2017 بما تعنيه من تعزيز الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي. وأخيراً، كان ماكرون يراهن على خبرته في مجال السياسة الدولية بعد السنوات الثماني التي أمضاها في القصر الرئاسي لإقناع المستشار الجديد بخططه حيث إن الأخير لم يسبق له مطلقاً أن شغل منصباً وزارياً أو حكومياً آخر.

خيبة فرنسية من أداء ميرتس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان خلال الاستقبال الرسمي 5 مايو بمناسبة زيارة ماكرون لأرمينيا (رويترز)

بعد مرور عام كامل، لا تبدو محصلة التعاون بين المسؤولين بمستوى الآمال التي كانت معقودة عليه رغم وعود البداية. فالمستشار ميرتس قال، بمناسبة زيارته الأولى لفرنسا، في اليوم التالي لتسلمه السلطة ما حرفيته: «لن نستطيع مواجهة التحديات (المفروضة علينا) إلا إذا وقفت فرنسا وألمانيا معاً بشكل أوثق وأكثر تماسكاً».

ويفهم مما سبق أن الطرفين يعيان أهمية قيام علاقات ثقة وتعاون بينهما لمصلحتهما ومصلحة أوروبا. ومن جانبه، استغل ماكرون كل مناسبة للتأكيد على أهمية العلاقة بين باريس وبرلين. ففي زيارة له لبرلين، قال في مؤتمر صحافي مشترك مع ميرتس، يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إن «واجبنا أن ننجح معاً» في مهمتنا وأن «مصلحتنا المشتركة تكمن في تحقيق ما نصبو إليه من مشاريع؛ لأن ذلك يعد معيار مصداقيتنا».

قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا عقب اختتام قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (إ.ب.أ)

وسبق له أن أكد، بمناسبة الاجتماع الوزاري المشترك الفرنسي - الألماني في قصر الإليزيه، أن العلاقة الثنائية «تطلق دينامية جديدة» على الصعيد الأوروبي. وفي أوقات سابقة، نجحت قيادة الثنائي الفرنسي - الألماني في إقامة علاقات شخصية وسياسة استثنائية كالتي قامت بين الجنرال شارل ديغول والمستشار كونراد أديناور، وبين الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هلموت شميت، وأيضاً بين الرئيس فرنسوا ميتران والمستشار هلموت كول.

جانب من جلسات قمة «المجموعة الأوروبية السياسية» في يريفان الاثنين (إ.ب.أ)

لم يبق لماكرون سوى عام واحد يمضيه في قصر الإليزيه. وبالمقابل، فإن ميرتس أمضى عامه الأول في قصر المستشارية. وما يجمع بين المغادر والوافد أن كليهما يعاني تراجع شعبيته، كل في بلده. ففي فرنسا، اظهر آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «أودوكسا» لشهر أبريل (نيسان) أن 25 في المائة من العينة المستطلعة أجابوا بـ«نعم» على السؤال التالي: «هل ترى أن إيمانويل ماكرون رئيس جيد؟». أما بالنسبة لميرتس، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» أن 10 في المائة فقط من العيّنة المستطلعة ترى أن حكومته «تؤدي عملها بشكل جيد» في حين 69 في المائة ترى أن أداءها «سيئ أو سيئ جداً».

وما يجمع الاثنين فشلهما في وقف تقدم اليمين المتطرف: «التجمع الوطني» في فرنسا وحزب «البديل» في ألمانيا. ومرة أخرى تبين استطلاعات الرأي أن مرشح أو مرشحة «التجمع الوطني» (جوردان بارديلا ومارين لوبن) يتمتعان بحظوظ جدية بالفوز في الانتخابات الرئاسية ربيع العام المقبل. أما في ألمانيا، فإن حزب «البديل» في طريقه لأن يتحول للحزب الأكثر شعبية في البلاد، متقدماً على حزب المحافظين أي الديموقراطي المسيحي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء أرمينيا عقب محادثاتهما في يريفان 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)

الملفات الخلافية بين باريس وبرلين

خلال العام الماضي، تواجه ميرتس وماكرون في ملفين رئيسيين: الأول، قرض الـ90 مليار يورو لدعم أوكرانيا عسكرياً واقتصادياً. الأول مارس ضغوطاً قوية على بلجيكا لاستخدام الأموال الروسية المودعة لدى مؤسسة «يوروكلير» في بروكسل والبالغة 125 مليار دولار. والآخر لم يبدِ حماسة للسير في خطة كان من شأنها أن تنسف الثقة بالسوق المالية الأوروبية أو أن تهدد الأموال الروسية المودعة في البنوك الفرنسية. وكانت النتيجة أن جهود ميرتس فشلت واضطر الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد خطة بديلة تقوم على استدانة الـ90 مليار يورو من الأسواق المالية بكفالة المفوضية الأوروبية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب رئيس وزراء بولندا دونالد تاسك خلال زيارة مشتركة لمدينة غدانسك الاثنين (رويترز)

وتواجه الاثنان لاحقاً بشأن التصديق على معاهدة التجارة الحرة مع دول «الميركوسور» (البرازيل، بوليفيا، الأرجنتين، باراغواي وأورغواي) التي وُقّعت في الأول من العام الحالي ودخلت حيز التنفيذ في بداية مايو. وسبب الخلاف بين المسؤولين أن كلاً منهما تمسك بالدفاع عن مصالح بلاده: ماكرون عارضه سعياً منه لحماية المزارعين الفرنسيين من منافسة «غير متكافئة» بينما ميرتس دفع باتجاه إبرامه سعياً منه لتغليب مصالح صناعة السيارات الألمانية. أما المفوضية الأوروبية، فقد عدَّته، بلسان رئيستها الألمانية أورسولا فون دير لاين «رافعة اقتصادية وجيوسياسية» في حين العلاقات الأوروبية - الأميركية تجتاز مرحلة من المطبات الهوائية الخطيرة.

دول قمة قبرص (أ.ف.ب)

لا يتوقف افتراق الآراء عند هذين الملفين. ذلك أن برلين تأخذ على فرنسا سياستها الاقتصادية المتساهلة في مسألة مديونية الدولة التي تتخطى بأشواط المسموح به على المستوى الأوروبي. وتبين الأرقام الرسمية أن ديون فرنسا بلغت نهاية العام الماضي 3500 مليار يورو؛ ما يشكل 116 في المائة من الناتج المحلي العام. وهذه النسبة من بين الأسوأ في أوروبا بينما نسبة المديونية الألمانية تتراوح ما بين 60 و65 في المائة من الناتج المحلي الألماني. وترى برلين أن ضعف الاقتصاد الفرنسي يؤثر سلباً على الاقتصاد الأوروبي وموقعه على الصعيد العالمي، فضلاً عن انعكاسه على قيمة العملة الأوروبية.

طائرة القتال المستقبلية

طائرة «رافال» الفرنسية المقاتلة مطلية بألوان العَلم الفرنسي بمناسبة معرض الطيران في قاعدة نانسي - أوشي 4 مايو (أ.ف.ب)

بيد أن الخلاف الجدي والملموس بين البلدين يدور حول مشروع تصنيع طائرة القتال المستقبلية من الجيل السادس الذي أطلق في عام 2017، وحتى اليوم ما زال يراوح مكانه. وباختصار شديد، ثمة خلافات تتناول تحديد الحاجات العسكرية (المهمات المطلوبة من الطائرة) والصناعية (توزيع العمل بين شركة «داسو للطيران» التي تصنع طائرة «رافال» والتي تريد أن تكون رائدة المشروع وشركة «إيرباص للصناعات الفضائية العسكرية» التي تتمسك بها ألمانيا والتي تتشارك فيها مع فرنسا وإسبانيا).

كذلك، ثمة خلافات على كيفية إدارة المشروع. كذلك، تختلف مقاربة البلدين حول بناء دبابة المستقبل، والخلاف قائم حول دور الذي تريده شركة «رينميتال» الألمانية التي تصنع دبابة «ليوبارد» المعروفة وشركة «نيكستر» الفرنسية التي تنتج دبابة «لوكلير». وكانت المقاربة الفرنسية تقوم على إبراز دور «داسو» في القطاع الجوي مقابل تفضيل «رينميتال» أرضياً. وما زالت المساومات قائمة؛ ما سيعني تأخر الإنتاج العسكري الموعود والمشترك.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه الرئاسي في باريس 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

كثيرة الملفات الخلافية بين الطرفين، ومنها ما يرتبط بالعلاقة مع الحلف الأطلسي. فألمانيا تُعدّ، بسبب الإرث التاريخي، أكثر التصاقاً به بينما باريس تسعى للحفاظ على نوع من الاستقلالية داخله وهي تدفع الأوروبيين باتجاه تعزيز دفاعهم المشترك. إلا أن التباعد المستجد بين ميرتس والرئيس ترمب يدفع باتجاه التقارب بين باريس وبرلين بشأن «الأطلسي». وتجدر الإشارة إلى انطلاق حوار بينهما، بعيداً عن الأضواء، بشأن إفادة ألمانيا من المظلة النووية الفرنسية في إطار «البعد الأوروبي للمصالح القومية الفرنسية». لكن باريس لم تستسغ سابقاً قرار برلين إطلاق «مبادرة الدرع الأوروبي»، الذي انضمت إليه ما بين 2022 و2024 ما لا يقل عن 20 دولة أوروبية في حين فرنسا وإيطاليا وبولندا بقيت خارجه.

زعيم اليسار الراديكالي في فرنسا جان - لوك ميلانشون (أ.ب)

وما أغاظ باريس أن برلين قررت التوجه إلى الصناعات الجوية الأميركية والإسرائيلية بدل اللجوء إلى الصناعات الأوروبية والفرنسية بوجه خاص. وفي مجال التباعد، تمكن الإشارة إلى تضارب الرؤى بين العاصمتين بالنسبة لمستقبل الطاقة، حيث تركز باريس على الطاقة النووية في حين تريد برلين تعظيم الاعتماد على الطاقة المتجددة. كذلك، تنظر باريس بنوع من الشك إلى نزوع ميرتس نحو تعزيز التعاون مع روما على حساب باريس؛ ما من شأنه إضعاف القاطرة الثنائية. إلا أن ما سبق، لا يعني الطلاق بين البلدين المتفقين بشأن الحرب في أوكرانيا والتمسك بدعم كييف والعلاقة مع روسيا وتعزيز البناء الأوروبي وتعظيم حضوره في العالم.


فرنسا تدعو إيران وأميركا لحلّ قضية هرمز بمعزل عن الملفات الأخرى

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

فرنسا تدعو إيران وأميركا لحلّ قضية هرمز بمعزل عن الملفات الأخرى

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

دعت فرنسا الولايات المتحدة وإيران إلى «معالجة مسألة هرمز بشكل منفصل» عن باقي ملفات النزاع، مشددةً على أنها ذات «اهتمام مشترك»، وعرضت «مطالبها» من أجل تنفيذ مهمة متعددة الجنسيات لضمان أمن الملاحة في الممر المائي الحيوي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الرئاسة الفرنسية للصحافيين: «يمكننا أن نعرض على إيران العبور مجدداً من مضيق هرمز، يمكننا السماح بمرور ناقلاتها من مضيق هرمز بشرط، وهو أن تقبل إيران بالانخراط في المفاوضات التي يدعوها الأميركيون إليها حول المسائل الجوهرية».

وأضافت: «ما نقوله للأميركيين هو أن عليهم فك الحصار عن (هرمز) واغتنام استعداد إيران للتفاوض حول القضايا الجوهرية».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران قد تنتهي ويعاد فتح مضيق ‌هرمز ‌إذا ​التزمت ‌طهران ⁠بما ​تم الاتفاق ⁠عليه، مهدداً: «إذا لم توافق، سيبدأ القصف، وسيكون للأسف على مستوى وكثافة أعلى بكثير مما كان عليه من ​قبل».

وأكدت باكستان، الأربعاء، وجود «زخم» قد يُفضي إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، في وقت نقل موقع «أكسيوس» الإخباري عن مسؤولين أميركيين تفاؤلهم بقرب التوصل إلى اتفاق مع طهران، غداة إعلان الرئيس دونالد ترمب تعليق عملية عسكرية لمرافقة السفن في مضيق هرمز، وحديثه عن «إحراز تقدم كبير نحو اتفاق كامل ونهائي» مع طهران.

وأفاد موقع «أكسيوس» ومصدر باكستاني بأن الولايات المتحدة وإيران «تقتربان من الاتفاق على مذكرة من صفحة واحدة لإنهاء الحرب». ويشمل الاتفاق التزام إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم وموافقة أميركا على رفع عقوباتها والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع كلا الجانبين القيود المفروضة على العبور عبر مضيق هرمز.