محافظ «المركزي» الليبي يتمسك بثلاثة شروط للعدول عن استقالته

وسط انتقادات من بطء تنفيذ اتفاق «الإنفاق الموحد»

ناجي عيسى في اجتماع مع لجنة المالية بالبرلمان الليبي الأربعاء الماضي (صفحة المصرف المركزي)
ناجي عيسى في اجتماع مع لجنة المالية بالبرلمان الليبي الأربعاء الماضي (صفحة المصرف المركزي)
TT

محافظ «المركزي» الليبي يتمسك بثلاثة شروط للعدول عن استقالته

ناجي عيسى في اجتماع مع لجنة المالية بالبرلمان الليبي الأربعاء الماضي (صفحة المصرف المركزي)
ناجي عيسى في اجتماع مع لجنة المالية بالبرلمان الليبي الأربعاء الماضي (صفحة المصرف المركزي)

قال مصدر مسؤول في مصرف ليبيا المركزي، السبت، إن محافظ المصرف ناجي عيسى يتمسك بثلاثة شروط رئيسية للعدول عن استقالته، التي قدمها إلى مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» في 10 أغسطس (آب) الحالي، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على الاقتصاد الليبي، مع تراجع سعر صرف الدينار وشح السيولة.

محافظ المصرف المركزي خلال لقاء رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في طرابلس الأربعاء الماضي (الصفحة الرسمية للمصرف)

وكان عيسى قد أعلن الاثنين الماضي عن استقالته من منصبه، من دون أن يكشف عن الأسباب التي دفعته إلى طلب الإعفاء، مكتفياً بالإشارة في رسالة وجهها إلى مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» إلى «حساسية» تلك الأسباب، وتداولت وسائل إعلام ومنصات محلية نص الرسالة.

وأوضح المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن الشرط الأول لعدول محافظ المصرف المركزي عن الاستقالة يتمثل في تسريع تنفيذ اتفاق «الإنفاق الموحد»، الذي وقعه ممثلون عن مجلسي «النواب» و«الدولة» في أبريل (نيسان) الماضي، مشيراً إلى أن «تنفيذ بنوده شهد تباطؤاً ملحوظاً خلال الأشهر الماضية».

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

ويهدف الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه برعاية أميركية، إلى وضع إطار موحد لإدارة الإنفاق العام وتوزيع الموارد، بما يحد من ازدواجية الإنفاق، التي عمقت الانقسام المالي في البلاد. ويشمل الاتفاق أبواب الإنفاق الرئيسية، بما فيها الرواتب والتسيير والتنمية والدعم، إلى جانب مخصصات المؤسسة الوطنية للنفط، في مسعى لإرساء قدر أكبر من الانضباط والشفافية المالية.

ناجي عيسى خلال لقاء سابق مع مديري مصارف تجارية ليبية في طرابلس (صفحة المصرف)

أما الشرط الثاني، وفق المصدر، فيتعلق بوقف الزيادات في الرواتب التي أقرتها جهات حكومية، والتي يرى المحافظ أنها «لا تتناسب مع حجم الإيرادات العامة، وتزيد من أعباء الإنفاق، وتفاقم الضغوط على المالية العامة». فيما يتمثل الشرط الثالث في إقرار إجراءات ضمن السياسة التجارية لحماية موارد الدولة واحتياطياتها، والحد من تهريب السلع والمحروقات، بما يسهم في حماية الاقتصاد، وتقليص الضغوط على النقد الأجنبي.

وأعاد المصدر التذكير بتحذيرات سابقة أطلقها عيسى بشأن تصاعد المخاطر الاقتصادية والمالية، في ظل اتساع الإنفاق العام، وتزايد الالتزامات المالية للدولة، مشيراً إلى أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب إجراءات أكثر سرعة وحسماً.

وتأتي شروط المحافظ في وقت تتزايد فيه الدعوات السياسية إلى بقائه في منصبه. وقد أعلن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، الأسبوع الماضي، رفضه استقالة عيسى، مؤكداً «دعمه استقلال مصرف ليبيا المركزي واستقراره، وضرورة استمرار المحافظ في أداء مهامه». كما دعا إلى تفعيل «اللجنة العليا المشتركة لتنسيق إدارة الموارد والإنفاق العام»، وتعزيز الشفافية والإفصاح في عقود تسويق النفط، ومراجعة سياسات وترتيبات المؤسسة الوطنية للنفط منذ عام 2023.

في السياق ذاته، أبدت «لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة» بمجلس النواب رفضها طلب استقالة عيسى، وحثته على الاستمرار في أداء مهامه، مؤكدة دعمها له في مواجهة الصعوبات والتحديات، والعمل على إعداد خطة اقتصادية شاملة للإصلاح.

كما عبّر رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ونائباه ناجي مختار وعمر بوشاح عن رفضهم استقالة المحافظ، مؤكدين «ضرورة انتظام عمل مصرف ليبيا المركزي، وصون استقلاله المهني والمؤسسي، بعيداً عن التجاذبات السياسية التي قد تمس استقرار السياسة النقدية».

مسؤولو المجلس الأعلى للدولة شددوا على أهمية تحقيق الانسجام بين السياسات المالية والاقتصادية (المجلس)

وشدد مسؤولو المجلس الأعلى للدولة على أهمية تحقيق الانسجام بين السياسات المالية والاقتصادية، وترشيد الإنفاق العام، وسد منافذ الهدر والفساد، وحماية المال العام وموارد الدولة، وتعزيز الشفافية والمساءلة.

واتفقوا كذلك على أهمية تشكيل لجنة فنية مشتركة بين مجلسي «النواب» و«الدولة»، بالتنسيق مع مصرف ليبيا المركزي والجهات المعنية، لإعداد حزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، ومتابعة تنفيذها، بما يضمن معالجة الاختلالات القائمة على أسس مؤسسية وعلمية.

وتعيش ليبيا منذ أكثر من عقد انقساماً بين سلطات ومؤسسات متنافسة في شرق البلاد وغربها، في ظل تداعيات الفوضى التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011.

وتولى عيسى منصبه عام 2024، عقب اتفاق مجلسي «النواب» و«الدولة» على تعيينه في محاولة لإنهاء أزمة السيطرة على مصرف ليبيا المركزي، التي انتهت بإطاحة المحافظ السابق الصديق الكبير.


مقالات ذات صلة

رواتب «المرتزقة» تثقل كاهل الليبيين وتفاقم الأزمات

شمال افريقيا «مرتزقة سوريون» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)

رواتب «المرتزقة» تثقل كاهل الليبيين وتفاقم الأزمات

لم يعد وجود المقاتلين السوريين في ليبيا يقتصر على تداعيات الصراع العسكري الذي استُقدموا خلاله في «حرب العاصمة طرابلس» قبل 7 سنوات، بل تحول إلى عبء أمني ومالي.

علاء حموده (القاهرة )
يوميات الشرق صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

قصة الراكب العربي الوحيد في لوكربي، طالب العمارة اللبناني خالد جعفر الذي سحقته المؤامرات وبرأه الحطام، ليعود اسمه للواجهة مجدداً في دراما نتفليكس.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

تتباين الآراء في ليبيا بشأن تأثير الأحداث التي شهدتها الزاوية وبنغازي، الأسبوع الماضي، على «المبادرة الأميركية» بشأن العمل على إنهاء الانقسام السياسي والعسكري.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا طلاب ليبيون في اليوم الأخير لامتحانات الثانوية العامة 16 يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)

ارتفاع نتائج «الثانوية العامة» في ليبيا يثير شبهات «الغش»

عبّر مدوّنون ليبيون عن انزعاجهم من ارتفاع نسبة النجاح في الشهادة الثانوية العامة، وأرجعوا الأمر إلى ظاهرة «الغش»، وقالوا إن النسبة بعيدة عن «مستوى التحصيل».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الضاوي و«الفأر» وعبد الله الطرابلسي في منزل الأول بمدينة ورشفانة 13 أغسطس (صفحات موالية للضاوي على مواقع التواصل)

غرب ليبيا رهين «اتفاق أو اختلاف» التشكيلات المسلحة

احتوت حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة الأوضاع المتوترة في مدينة الزاوية، من بوابة التوافق بين تشكيلات مسلحة، لكن الأوضاع تبقى رهينة لنفوذ هذه الميليشيات.

جمال جوهر (القاهرة)

مصر والصين تعززان تعاونهما العسكري بمناورات جوية جديدة

محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

مصر والصين تعززان تعاونهما العسكري بمناورات جوية جديدة

محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

تعزز مصر والصين تعاونهما العسكري بمناورات جوية جديدة. ووفق إفادة لوزارة الدفاع الصينية، فإن «القوات الجوية الصينية والمصرية ستجري تدريبات مشتركة بعنوان (نسور الحضارة 2026) في مصر، خلال الفترة من منتصف أغسطس (آب) الحالي إلى أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل».

وفي مايو (أيار) الماضي، احتفلت مصر والصين بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، التي انطلقت في 30 مايو (أيار) 1956، حين بادرت مصر لتكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين، فاتحة بذلك صفحة جديدة في تاريخ التعاون الدولي بين دول العالم النامي.

وقال متحدث وزارة الدفاع الصينية تشن شي، إن «التدريبات الصينية - المصرية ستركز على موضوعات مثل تكتيكات القتال الجوي، وعمليات التفوق الجوي، وعمليات البحث والإنقاذ القتالية، وتدريبات على استخدام القوات».

وأكد خلال تصريحات، الجمعة، أن هذه التدريبات المشتركة، التي تُعد النسخة الثانية من نوعها، «ستعزز الثقة المتبادلة والصداقة التاريخية، وتعمق التعاون الجوهري بين الجيشين الصيني والمصري، وتسهم في تحقيق السلام والاستقرار الإقليميين».

وأجرت مصر والصين في أبريل (نيسان) 2025، أول تدريبات جوية مشتركة تحت اسم «نسور الحضارة 2025»، على مدار أيام بإحدى القواعد الجوية المصرية، وبمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة المتعددة المهام من مختلف الطرازات.

جانب من تدريب «نسور الحضارة 2025» في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات بمصر)

وبحسب إفادة لـ«الهيئة العامة للاستعلامات» بمصر، حينها تم «تنفيذ عدد من المحاضرات النظرية لتوحيد المفاهيم وصقل المهارات والتنسيق على إدارة العمليات المشتركة بمختلف أساليب القتال الجوي الحديث». كما «قامت المقاتلات المتعددة المهام من الجانبين بتنفيذ العديد من الطلعات الجوية المشتركة للتدريب على مهاجمة الأهداف المعادية والدفاع عن الأهداف الحيوية بكفاءة واقتدار».

وشمل التدريب المصري - الصيني وقتها الذي اختتم في مايو 2025 «التزود بالوقود في الجو، كما نفذت مجموعة من المقاتلات المشاركة بالتدريب تشكيلاً جوياً فوق (الأهرامات) أبرز الدقة والكفاءة اللتين يتمتع بهما الطيارون من كلا الجانبين».

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينغ، في بكين، في مايو 2024 تدشين عام «الشراكة المصرية – الصينية» بمناسبة مرور 10 سنوات على إطلاق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».

وشهد الرئيسان حينها مراسم التوقيع على عدد من اتفاقيات ومذكرات التعاون المشترك في كثير من المجالات، ومن بينها خطة «التطوير المشترك لمبادرة (الحزام والطريق)»، وتعزيز التعاون في مجال الابتكار التكنولوجي وتكنولوجيا الاتصالات.

كما شهدت العاصمة الصينية بكين نهاية 2024 عقد الجولة الرابعة من «آلية الحوار الاستراتيجي بين مصر والصين» على مستوى وزراء الخارجية.


رواتب «المرتزقة» تثقل كاهل الليبيين وتفاقم الأزمات

«مرتزقة سوريون» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)
«مرتزقة سوريون» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)
TT

رواتب «المرتزقة» تثقل كاهل الليبيين وتفاقم الأزمات

«مرتزقة سوريون» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)
«مرتزقة سوريون» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)

لم يعد وجود المقاتلين السوريين في ليبيا يقتصر على تداعيات الصراع العسكري، الذي استُقدموا خلاله في «حرب العاصمة طرابلس» قبل 7 سنوات، بل تحول إلى عبء أمني ومالي متزايد، بعدما أعاد احتجاجهم الأخير ملف «المرتزقة» إلى الواجهة، وفق سياسيين واقتصاديين، وسط تساؤلات عن استمرار تمويلهم ومصيرهم.

وفي بلد يعيش تحت وطأة أزمات سياسية واقتصادية متفاقمة، أثارت مظاهرة محدودة في العاصمة، الجمعة، حالة من الاستياء، بعدما تجمع عشرات المقاتلين أمام مقر كلية ضباط الشرطة في منطقة صلاح الدين جنوب طرابلس، وفق وسائل إعلام وشهود عيان.

عدد من «المرتزقة» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)

وما لبث المحتجون أن انفضوا طوعاً بعد وقت قصير، من دون صدور تعليق رسمي من حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، أو المؤسسات الأمنية والعسكرية التابعة لها، لتبقى هذه الواقعة محاطة بالغموض، خصوصاً ما يتعلق بمطالبهم المالية، ومصير وجودهم في البلاد.

واعتبر عضو «لجنة الأمن القومي» في البرلمان الليبي، علي التكبالي، أن هذا الاحتجاج «أحد أعراض مشكلة متفاقمة لليبيين منذ 2011»، مشيراً إلى أن بعض هؤلاء المقاتلين ارتبط بمجموعات كانت تنقل مقاتلين ليبيين إلى سوريا للقتال ضد نظام بشار الأسد، قبل أن ينخرط بعضهم لاحقاً في الصراعات داخل ليبيا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن أعداد هؤلاء المقاتلين زادت بعد حرب طرابلس عام 2019، وحصلوا على أموال بالعملة الصعبة مقابل القتال، ولا يزال هذا الوضع قائماً، محذراً من «خروجهم إلى الشوارع للمطالبة بمستحقاتهم».

وتأتي تظاهرة المرتزقة في طرابلس بعد 5 أعوام من احتجاج مماثل في أغسطس (آب) 2021، عندما تظاهر عشرات المقاتلين السوريين بسبب تأخر رواتبهم وتقليصها، وسط حديث آنذاك عن توقف صرفها منذ فبراير (شباط) من العام نفسه.

وبدأ استقدام مقاتلين سوريين إلى ليبيا عام 2019 بدعم تركي لحكومة «الوفاق الوطني» السابقة، خلال هجوم قوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر على طرابلس، وانضم مقاتلون من فصائل سورية معارضة، بينها «فرقة السلطان مراد»، إلى القتال.

ومع توقف معارك حرب العاصمة طرابلس في 2020، لم يغادر جميع هؤلاء البلاد، وسط تقديرات حقوقية بأن أعدادهم وصلت إلى 3 آلاف مقاتل. وأفاد أحدث تقرير لخبراء الأمم المتحدة، صدر في وقت سابق هذا العام، باستمرار وجود مقاتلين سوريين في مواقع عدة بطرابلس، بينها صلاح الدين وأبو سليم، وقاعدة اليرموك العسكرية، إضافة إلى وجودهم في مصراتة.

ووثق تقرير حديث لفريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، إلى مشاركة مقاتلين سوريين في المواجهات التي شهدتها طرابلس في مايو (أيار) 2025، ما يعكس استمرار حضورهم بعد سنوات من انتهاء الحرب التي استُقدموا للمشاركة فيها.

ويقول التكبالي إن ليبيا «تواجه مشكلة صنعها ليبيون، وأصبحت فاتورة مثقلة وعبئاً على البلاد»، مضيفاً أن «الذين بيدهم الأموال والسلاح في غرب البلاد يتصرفون في رزق الشعب»، محذراً من أن الأزمة «تتفاقم كل يوم»، وأن ليبيا تمضي «نحو السقوط الذريع»، بحسب تعبيره.

ولا توجد أرقام رسمية معلنة بشأن رواتب المقاتلين السوريين الموجودين في ليبيا، أو أوجه الصرف عليهم من الميزانية الليبية. لكن تحدثت تقارير محلية في مراحل سابقة عن تقاضي المقاتل نحو 2000 دولار شهرياً، وهو ما يقابل بالصمت من جانب السلطات في طرابلس.

عبد الحميد الدبيبة ومحمد المنفي خلال احتفالية بالذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي الأسبوع الماضي (مكتب الدبيبة)

الخبير الاقتصادي الليبي، يوسف يخلف مسعود، يرى أن دفع رواتب للمرتزقة يمثل «عبثاً بمقدرات البلد»، لأنها، بحسب رأيه، نفقات جارية «من دون أي قيمة مضافة للاقتصاد الليبي»، فضلاً عن استنزاف موارد البلاد من العملات الأجنبية.

وقال مسعود لـ«الشرق الأوسط» إن حجم العملات الأجنبية التي تنفق على المجموعات المسلحة الأجنبية «يكتنفه الغموض وانعدام الشفافية»، موضحاً أنه لا توجد بيانات واضحة بشأن إجمالي المرتبات، أو أسس تحديدها، أو المصروفات المرتبطة ببقائها.

وأضاف مسعود أن هذه المصروفات تشمل الإعاشة والملابس والوقود، والسيارات وصيانتها والأسلحة والذخائر والرعاية الصحية والتأمين، مؤكداً أن «كل هذا يستنزف موارد البلد في الظل»، في وقت يعاني فيه الليبيون من التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية.

وبحسب بيانات مصرف ليبيا المركزي، بلغ إجمالي الإنفاق على وزارة الدفاع والجهات التابعة لها خلال سنة 2025 نحو 4.8 مليار دينار ليبي. وشكلت الرواتب نحو 4.31 مليار دينار، مقابل نحو 129.1 مليون دينار للنفقات التسييرية، ونحو 362.2 مليون دينار للتنمية.

بلغ إجمالي الإنفاق على وزارة الدفاع والجهات التابعة لها خلال سنة 2025 نحو 4.8 مليار دينار ليبي (أ.ف.ب)

ويرى مسعود أن حصول هؤلاء المرتزقة على دخل بالعملة الصعبة، في ظل تراجع قيمة الدينار، يضع هؤلاء في مستوى معيشي أفضل من كثير من الليبيين، الذين يواجهون التضخم وتآكل مدخراتهم، وتراجع القوة الشرائية، معتبراً أن المقاتلين «يمارسون دور ابتزاز للدولة» رغم تقاضي أفرادهم مرتبات بالدولار.

وينتهي الخبير الاقتصادي الليبي إلى أن ظهور هذه المجموعات المسلحة في مظاهرات علنية «أمام الليبيين والعالم» يمثل «إدانة لصناع القرار المحليين»، داعياً إلى محاسبة هؤلاء المقاتلين قضائياً.


البرهان يفتح باب الحوار ويتمسك بحسم «الدعم السريع»

البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)
TT

البرهان يفتح باب الحوار ويتمسك بحسم «الدعم السريع»

البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)

أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، موافقته رسمياً على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لإطلاق حوار سوداني خالص داخل البلاد، يستوعب جميع القوى السياسية والمدنية، متعهداً، في الوقت نفسه، بمواصلة القتال حتى دحر تمرد «قوات الدعم السريع» من جميع أنحاء البلاد.

وقال البرهان، في كلمة ألقاها مساء الجمعة بمناسبة مرور 72 عاماً على سودنة الجيش: «في ظل هذا الواقع السياسي المأزوم، بادرت مجموعة من السودانيين بطرح رؤيتها للعمل بوصفها آلية وطنية مستقلة تهيئ لحوار سوداني شامل، بهدف الوصول إلى توافق وطني جامع يضع البلاد على طريق الاستقرار». وأضاف أنه وافق على طلبهم توفير الضمانات الضرورية لانعقاد الحوار، وتيسير مشاركة أطرافه، وحماية سلامتهم.

وأكد البرهان استعداد الدولة لتوفير الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية اللازمة، من دون أن تكون هي الجهة المنظمة للحوار. وأشار إلى أن توفير هذه الضمانات لا يعني أن الدولة تهيمن على الحوار، أو تحدد أطرافه، أو ترسم أجندته، أو تتحكم في مخرجاته، أو توفر له رعاية سياسية.

وأوضح البرهان أن «الإجراء الذي تتخذه الدولة في مواجهة أي من المشاركين في الحوار لا يُعدّ عفواً، وإنما يعني وقف الإجراءات الجنائية التي سبق أن اتخذتها الدولة في مواجهته».

وفي هذا الصدد، قال البرهان إن هذه الإجراءات تمثّل «حصانة مؤقتة» تقتضيها ضرورة تهيئة الظروف الملائمة لضمان مشاركة الأطراف من دون ملاحقة قانونية، لكنها لا تسقط الحق الخاص المترتب على أي من المشاركين في الحوار. لكنه أكد أيضاً منح حصانة قانونية كاملة ودائمة للآراء والمواقف التي يطرحها المشاركون خلال الحوار، بما يحول دون اتخاذ أي إجراءات جنائية أو مدنية أو إدارية ضد أي مشارك، بموجب أي قانون، بسبب ما يطرحه من آراء ومواقف داخل جلسات الحوار.

البرهان والعطا والكباشي وجابر خلال احتفالات «عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)

وقال رئيس مجلس السيادة إن نجاح الحوار الوطني يقتضي تهيئة مناخ من الحريات، يتيح للمواطنين والقوى السياسية والمجتمعية التعبير بحرية تامة عن آرائهم ومواقفهم إزاء القضايا المطروحة للنقاش، ونقدها أو تأييدها، من دون خوف أو تضييق. وشدد البرهان على عدم القبول بسلام منقوص يعيد «قوات الدعم السريع» ومسانديها إلى السلطة، أو يسمح لهم بالمشاركة فيها. وقال إن الطريق إلى السلام يبدأ بإلقاء هذه القوات السلاح، وتجميع عناصرها في مناطق محددة، على أن يُنظر، بعد ذلك، في أوضاع المقاتلين الذين لم يرتكبوا جرائم.

وجدّد البرهان تأكيده أن الجيش سيظل يؤدي واجبه الدستوري في حماية الأمة السودانية، من دون موالاة أي جهة أو الخضوع لأي إرادة سوى إرادة الشعب. وأشار، خلال كلمته، إلى أنه بدأ إجراء مشاورات مع القوى الوطنية والفئوية التي ساندت الجيش في الحرب الدائرة حالياً في البلاد، بهدف إشراكها في مؤسسات الحكم.

الكتلة الديمقراطية ترحب

وفي السياق نفسه، رحّب المتحدث الرسمي باسم «الكتلة الديمقراطية»، محمد زكريا، بدعم رئيس مجلس السيادة لإطلاق حوار سوداني شامل وتهيئة المناخ الملائم لانعقاده، لافتاً إلى أن ذلك يمثّل خطوة مهمة لمعالجة الأزمة عبر مسار سياسي وطني.

وقال زكريا، في بيان صحافي السبت: «ندعو جميع القوى السياسية والمدنية إلى الانخراط الجاد في الحوار الوطني، على أن تكون إدارة العملية سودانية خالصة، وأن يقتصر الدور الدولي والإقليمي على التيسير والدعم، من دون التدخل في تحديد المشاركين أو فرض أجندة أو مخرجات على الحوار». وأضاف أن نجاح الحوار يتطلّب إرادة سياسية حقيقية، إلى جانب توسيع قاعدة المشاركة، وصولاً إلى توافق وطني يؤسس لمرحلة انتقالية مستقرة.

ويضم تحالف «الكتلة الديمقراطية» الموالي للجيش عدداً من الكيانات السياسية، أبرزها «الحزب الاتحادي الديمقراطي»، بقيادة جناح جعفر الميرغني، إلى جانب حركات دارفورية مسلحة، من بينها «حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«حركة العدل والمساواة» بزعامة جبريل إبراهيم، فضلاً عن قوى مدنية وسياسية أخرى.

وفي وقت سابق، تحدثت تقارير إعلامية عن أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، بصدد إجراء مشاورات مع تحالف «صمود» بشأن الترتيب لإطلاق حوار سوداني-سوداني داخل البلاد، تشارك فيه مختلف القوى السياسية، باستثناء حزب «المؤتمر الوطني» المحلول و«تحالف تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع». غير أن «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة - صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، استبق المبادرة بإعلانه رفضاً قاطعاً للمشاركة في أي حوار يُعقد تحت دوي المدافع. وشدد التحالف على أن أي عملية سياسية ينبغي أن تكون مستقلة عن هيمنة أي من طرفي الحرب، في إشارة إلى الجيش و«قوات الدعم السريع».

Your Premium trial has ended