وأد اجتماع جمع حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، وقائد تشكيل مسلح، فتنة الاقتتال مؤقتاً في مدينة الزاوية، لكنه كشف في المقابل عن بقاء مناطق غرب البلاد رهينة لتوافقات هؤلاء المسلحين أو اختلافاتهم، ولمعادلات نفوذهم ورغبتهم في توسيعها.
وتعاني مدن عدة في غرب ليبيا، من بينها الزاوية، من تغول التشكيلات المسلحة، التي طالت اشتباكاتها الأسبوع الماضي مصفاة النفط بالمدينة، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وسط تحول لافت في معادلة الاقتتال، تمثل في دخول الطائرات المسيّرة على خط المواجهات.

وانشغلت أوساط ليبية بلقاء عُقد مساء الخميس، جمع إبراهيم الدبيبة مستشار الأمن القومي لحكومة «الوحدة»، ورئيس «جهاز مكافحة التهديدات الأمنية» آمر كتيبة «الإسناد الأولى» محمد بحرون، الشهير بـ«الفأر»، بالإضافة إلى السفير الليبي سفيان الشيباني، مهّد لتهدئة الأوضاع في الزاوية، بعد توتر أمني وتحشيد مسلح، كما جنّبها ويلات الاشتباكات.
والتزمت الحكومة التي يترأسها عبد الحميد الدبيبة، الصمت حيال الاجتماع، الذي نقلت صفحات مقربة من «الفأر» وإبراهيم الدبيبة صوراً لهما وهما مبتسمان، دون توضيح رسمي لما نتج عنه، رغم الدماء التي سالت في الزاوية، والطائرات المسيرة التي أتت إحداها على خزان للوقود، كان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين، حسب وزارة النفط بغرب ليبيا.
ويُظهر اقتتال الميليشيات المسلحة المتكرر في غرب ليبيا تحولاً جذرياً في بنيتها الداخلية، ويكشف عن نزوع دائم نحو العنف، ويطرح أسئلة تتعلق بأسباب تشبثها بوضعها الراهن، الرافض للسلم والراغب في الحرب.

واستهدفت خمس طائرات مسيّرة مجهولة، وفقاً للمؤسسة الوطنية للنفط، خزانات الوقود التابعة لشركة الزاوية لتكرير النفط (مصفاة الزاوية)، في حوادث منفصلة، ما تسبب في اندلاع حرائق وتضرر المنشأة.
ويعد «الفأر» من أبرز قادة التشكيلات المسلحة، التي تلعب دوراً أساسياً على مسرح الاقتتال المتكرر بالزاوية، وتتبع قوته «الإسناد الأولى» مديرية أمن مدينة الزاوية، التابعة لوزارة الداخلية بحكومة «الوحدة». وقد تعددت نشاطاته في أعقاب «ثورة» 17 فبراير (شباط) عام 2011، وبات واحداً من المؤثرين في غرب ليبيا، بل ومقرباً من الدبيبة.
وعقب اجتماع إبراهيم الدبيبة و«الفأر»، عُقد لقاء آخر في منزل معمر الضاوي، آمر «الكتيبة 55 مشاة» في ورشفانة، مساء الخميس، ضم أيضاً بجانب «الفأر» رئيس «جهاز الأمن العام» عبد الله الطرابلسي، شقيق وزير الداخلية بـ«الوحدة» عماد الطرابلسي.
وأفاد مقربون من الاجتماع، بأسلوب لم يخلُ من انتقادات، بأنه استهدف «مناقشة الأوضاع الأخيرة في المنطقة الغربية، وبحث سبل التنسيق والتعاون المشترك للتعامل مع التطورات الراهنة، بما يضمن حفظ الأمن».
والميليشيات في غرب ليبيا لم تُعد - وفق مسؤول أمني سابق - تتشكل من «عناصر مسلحة يتم استدعاؤها أو استئجارها للقتال فقط؛ لكنها تحولت إلى شريك في السلطة، ومدافع عنها بقدر انتفاعها منها؛ لذا لم يعد عتادها بندقية أو مدفع (14.5)، بل باتت تمتلك مدافع ثقيلة وطائرات مسيّرة».
وتبلغ الطاقة التكريرية لمصفاة الزاوية، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً غربي طرابلس، 120 ألف برميل يومياً، وترتبط المصفاة بحقل الشرارة النفطي، الذي يبلغ إنتاجه نحو 300 ألف برميل يومياً.

وأمضت الزاوية كنموذج لتغول التشكيلات المسلحة، في السابق، ليالي تحت قصف النار وعلى وقع دوي الرصاص والقذائف، لكن بعد أيام من سقوط قتلى وجرحى يُطوى ملف تلك الاشتباكات دون محاسبة، لتتجدد في يوم لاحق بالنظر إلى «حسابات الميليشيات وتقاطع نفوذها» في مدن غرب ليبيا.
ويضيف المسؤول الأمني في حديث إلى «الشرق الأوسط» أنه رغم تعهد الدبيبة العام الماضي بـ«تفكيك الميليشيات؛ فإنه يضطر إلى التعاون معها لتفادي الاضطرابات التي تحدثها»، لكنه يعتقد أن «اللحظة الحاسمة التي ينتظرها رئيس الحكومة للقضاء على التشكيلات المسلحة لم تأتِ بعد».
وسبق أن قال الدبيبة إن «زمن الميليشيات انتهى»، مضيفاً أن «عصر الشيخ والحاج انتهى في أجهزتنا الأمنية والعسكرية، فالجميع أذعن لمشروع الدولة»، في إشارة إلى عبد الغني الككلي الشهير بـ«غنيوة»، رئيس جهاز «دعم الاستقرار» الذي اغتيل في مايو (أيار) 2025، وعبد الرؤوف كارة آمر «جهاز الردع».
ودعا الدبيبة عدداً من أمراء التشكيلات المسلحة إلى مائدة إفطار في رمضان الماضي تغيب عنها «الفأر»، وكان لافتاً حرص الدبيبة على توجيه دعوة مباشرة له، بقوله: «كلموا البحرون وقولوا له تعال؛ والله لا أحد يقدر أن يحرك شعرة منك... أنت ولدنا».
وتختبر الزاوية حالة من الهدوء المُهَدد، لا سيما بعد الإعلان عن العثور على المواطن محمد عمران الملقب بـ«التنقو» مقتولاً، وهو من المقربين من بلقاسم الككلي نجل غنيوة.



