ماذا حققت زيارة وزير خارجية تركيا لشرق ليبيا وغربها؟

بعد لقاء أطراف الأزمة السياسية

الدبيبة ووزير الخارجية التركي في لقاء بالعاصمة الليبية الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية التركي في لقاء بالعاصمة الليبية الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
TT

ماذا حققت زيارة وزير خارجية تركيا لشرق ليبيا وغربها؟

الدبيبة ووزير الخارجية التركي في لقاء بالعاصمة الليبية الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية التركي في لقاء بالعاصمة الليبية الثلاثاء (مكتب الدبيبة)

حملت زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى ليبيا، على مدى يومين، «رسائل إيجابية» عكست انفتاح أنقرة على مختلف الأطراف، من خلال لقاءات مع قادة سياسيين وعسكريين وأمنيين في طرابلس وبنغازي.

ويرى محللون ودبلوماسيون أن التحرك يعكس «براغماتية تركية» في التعامل مع تعقيدات المشهد الليبي، وإن ظلت نتائجه مرهونة بتوافقات ليبية وإقليمية ودولية أوسع.

وبدا الجانب التركي أكثر تفاؤلاً، خصوصاً في ملف توحيد شرق ليبيا وغربها، في بلد يعاني انقساما سياسياً وعسكرياً منذ سنوات، فيما بات أمام «مبادرة أميركية» للدفع نحو إنهاء الانقسام، يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية.

زيارة «مثمرة للغاية»

فيدان الذي وصف زيارته لطرابلس وبنغازي بأنها «مثمرة للغاية»، أكد أيضاً تطلع أنقرة إلى الاضطلاع بدور في تنسيق الجهود الدولية، و«دعم المبادرة الأميركية الرامية إلى إنهاء الانقسام المؤسسي في ليبيا». كما أشار إلى مواصلة «دورها البنَّاء» بصفتها وسيطاً بين الأطراف، وتحدث في تصريحات أعقبت الزيارة عن «دعم كبير من جانب حكومة الوحدة الوطنية في غرب البلاد والجيش الوطني الليبي في شرقها لاندماج ليبيا وتوحيدها».

عقيلة صالح رئيس النواب الليبي خلال لقائه وزير الخارجية التركي فيدان (المركز الإعلامي لصالح)

ومن منظور الدبلوماسي الليبي، السفير عادل عيسى، فإن تفاؤل فيدان «واقعي إذا كان يقصد أن فرص الحوار أفضل من السابق»، لكنه يرى أن الأمر «لا يزال صعباً إذا كان الوزير التركي يقصد أن التوحيد السياسي أصبح قريباً». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تركيا «لديها مصلحة واضحة في نجاح هذا المسار»؛ ولذلك ينبغي قراءة تصريحات فيدان «كتقييم دبلوماسي ورسالة سياسية، بقدر ما هي وصف دقيق لما يحدث على الأرض».

وأضاف عيسى موضحاً أن فيدان تحدث «من موقع أصبح فيه لتركيا خط اتصال مع الطرفين، وليس من موقع الوسيط لطرف واحد»، عادَّاً أن لقاءاته في طرابلس وبنغازي تؤكد هذا الاتجاه.

وجاء التحرك التركي وسط تطورات أمنية متلاحقة في ليبيا، أبرزها احتجاجات في الغرب على انقطاع الكهرباء وتدهور الأوضاع المعيشية، وهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مرافق حيوية ومنشآت نفطية في الزاوية، بالتزامن مع اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في بنغازي فوزي المنصوري. ويعكس هذا الوضع حجم التحديات الأمنية التي تواجه أي مسار لتوحيد المؤسسات.

ويرى السفير إبراهيم قرادة، المدير التنفيذي للمعهد الدولي للدراسات والبحوث الليبي، أن الوساطة التركية يمكن أن تكتسب «زخماً سياسياً مهماً» إذا توسعت المشاركة لتشمل دول الجوار، خصوصاً مصر والجزائر وتونس، بما يساعد على «المحافظة على الاستقرار الهش»، وتوجيه رسائل إلى الأطراف الليبية.

ويزور فيدان مصر الخميس؛ لإجراء مباحثات تتناول ملفات إقليمية ودولية، من بينها ليبيا. ويقول قرادة لـ«الشرق الأوسط» إن «الدور التركي لا يستطيع المضي قدماً في تحقيق أهدافه دون شراكة حقيقية، وتنسيق قوي مع دول الجوار الليبي».

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

تحقيق «أهداف سياسية مهمة»

يتزامن التحرك التركي مع ما جرى تداوله عن ملامح «المبادرة الأميركية»، التي تتضمن إعادة ترتيب السلطة التنفيذية، مع إسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، والإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، في صيغة تستهدف جمع مراكز القوى الرئيسية في شرق البلاد وغربها.

وهنا يرى الباحث السياسي محمد مطيريد أن زيارة فيدان إلى طرابلس وبنغازي «حققت أهدافاً سياسية مهمة»، في ظل تحركات إقليمية سبقتها لتقريب مواقف دول كانت تتحفظ على «المبادرة الأميركية». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا أجرت تفاهمات مع هذه الدول لتسوية الخلافات المحيطة بالمبادرة، وتهيئة الظروف لقبولها.

وأوضح مطيريد أن أنقرة «أصبحت طرفاً رئيسياً في مسار التسوية الليبية»، ليس فقط بحكم حضورها المباشر، وإنما أيضاً لدورها في معالجة التباينات الإقليمية. وأبرز أن أنقرة «تلقت رسائل إيجابية» من القيادة العامة في الشرق وحكومة الدبيبة في طرابلس، عادَّاً أن ذلك يعزز فرص التحرك السياسي خلال المرحلة المقبلة، وأن المبادرة الأميركية «ستقطع أشواطاً مهمة».

وكما كان متوقعاً، حضر ملفا الأمن والدفاع بقوة في الزيارة. ووصف فيدان التعاون في المجالين بأنه «أحد العناصر الاستراتيجية»، التي توفر فائدة ملموسة لاستقرار ليبيا والأمن الإقليمي، وزار قيادة مجموعة المهام التابعة للقوات المسلحة التركية في طرابلس، وأكد أن أنقرة لا تنظر إلى استقرار ليبيا بصفته منفصلاً عن استقرارها.

صدام حفتر ووزير الخارجية التركي لدى وصوله بنغازي الأربعاء (إعلام الجيش الوطني)

في هذا السياق، يرى القيادي في «حزب ليبيا النماء»، حسام فنيش، أن تركيا تحاول من خلال الزيارة «تعزيز وتثبيت صورة ذهنية لدى الجانب الأميركي بأنها لاعب رئيسي في المشهد الأمني في غرب ليبيا»، خصوصاً في ظل تدهور الوضع الأمني في الزاوية والهجمات على منشآت حيوية.

ويعتقد، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط»، أن التحرك التركي يعيد التذكير بدور أنقرة في تفاهمات أمنية، أسهمت في تهدئة طرابلس عقب اشتباكات دامية.

اقتصادياً أيضاً، سجل نشاط شركات المقاولات التركية في طرابلس وبنغازي حضوره في حديث فيدان، الذي دعا إلى زيادة حضورها في ليبيا والاستفادة من موارد الطاقة وفرص الاستثمار.

ويرجّح المحلل الاقتصادي، وجدي الجبو، أن ملف التعويضات عن الشركات التركية التي انسحبت من ليبيا عام 2011 يمكن أن يكون حاضراً في المفاوضات، خصوصاً شركات البناء والتشييد، إلى جانب مستحقات ومعدات تركتها تلك الشركات.

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى تطلع شركات تركية إلى دخول مجال الاستكشاف، خصوصاً بعد حصول شركة تركية على امتياز استكشاف نفطي، فضلاً عن استمرار حضور السلع التركية، خصوصاً الأدوية والمواد الغذائية والأساسية، في السوق الليبية.

وحسب الأرقام الرسمية التركية المتاحة، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 4.4 مليار دولار في 2025، مقابل 3.7 مليار دولار في 2024، في حين تستهدف أنقرة تجاوز 5 مليارات دولار في 2026.


مقالات ذات صلة

«الوحدة» الليبية تتوعد بـ«رد رادع» على مطلقي المسيّرات

شمال افريقيا محمد بن غلبون خلال زيارته الميدانية إلى الزاوية (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)

«الوحدة» الليبية تتوعد بـ«رد رادع» على مطلقي المسيّرات

تشهد مدينة الزاوية الليبية عملية استنفار واسعة من قبل تشكيلات مسلحة بعد أيام من استهداف مسيّرات مجهولة مصفاة النفط بالمدينة التي تعاني من تغول واسع للميليشيات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)

«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

لم تكد تمر ساعات على تحذيرات رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في ليبيا من هجمات الميليشيات، حتى تعرضت محطة كهرباء جنوب الزاوية لهجوم جديد.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)

انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

تسلط تحويلات وإيداعات مصرفية مشبوهة تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار ليبي الضوء مجدداً على اتساع مخاطر غسل الأموال في ليبيا.

علاء حموده (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)

الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

تهيمن التطورات بالمنطقة وتعزيز التعاون الثنائي، على زيارة وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الخميس، إلى مصر، والتي تشمل لقاءات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر يعزي عائلة رئيس الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني فوزي المنصوري الذي اغتيل في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

سلطات شرق ليبيا تعلن إحباط «مخطط إرهابي» في بنغازي

باشرت السلطات في شرق ليبيا تحقيقات مكثفة مع أفراد خلية إرهابية أُلقي القبض عليها في مدينة بنغازي، للاشتباه في تخطيطها لتنفيذ أعمال تهدد أمن المواطنين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

جدل في مصر حول استيراد الإنسولين

مصر تتوسع في تصنيع الإنسولين محلياً (هيئة الدواء المصرية)
مصر تتوسع في تصنيع الإنسولين محلياً (هيئة الدواء المصرية)
TT

جدل في مصر حول استيراد الإنسولين

مصر تتوسع في تصنيع الإنسولين محلياً (هيئة الدواء المصرية)
مصر تتوسع في تصنيع الإنسولين محلياً (هيئة الدواء المصرية)

قبل أيام ناشد عمرو أسامة الرئيس عبد الفتاح السيسي توفير دواء ابنته المريضة بداء السُّكري داخل مستشفى «التأمين الصحي» (حكومي)، في تعليق على صفحة وزارة الصحة والسكان المصرية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إثر تصريحات للوزير خالد عبد الغفار أكد فيها أن الدولة لن تستورد الإنسولين مع تصنيعه محلياً، داعياً «المرضى الذين يرغبون في الحصول على مستحضر مستورد بعينه إلى شرائه على نفقتهم الخاصة».

وفاقمت تصريحات وزير الصحة، التي قالها خلال مداخلة على إحدى القنوات الفضائية، حالة الجدل المثارة في مصر حول نقص الإنسولين، والذي يحتاجه ملايين المرضى، وسط تباين لتوصيف الأزمة، فبينما يراها بعض المرضى نقصاً عاماً، يقول المسؤولون إن السبب في الشكاوى تمسك المرضى بالأدوية المستوردة رغم توفر البدائل المحلية ذات الفاعلية نفسها.

يقول أسامة لـ«الشرق الأوسط» إن دواء ابنته من النوع الذي لا يتوفر له بديل محلي، وعدم توفيره في مستشفى «التأمين الصحي» (يحصل المواطن على العلاج مقابل اشتراكات ورسوم رمزية) يعني تحملهم 8 آلاف جنيه (الدولار يساوي 50 جنيهاً تقريباً) شهرياً للعلاج، وهو ما لا يستطيع تحمله، مناشداً هيئة التأمين الصحي أيضاً توفير جهاز قياس السكر للأطفال لدى الهيئة في ظل ارتفاع سعره.

وانتشرت تعليقات وجهت انتقادات لوزير الصحة لاعتقاد البعض أن الدواء المحلي ليس بنفس الفاعلية، وأخرى لعدم وجود بدائل محلية لأنواع معينة من الإنسولين خاصة بمرضى الحساسية، أو الحوامل، أو الأطفال، ما دفع الهيئة العامة للدواء إلى إصدار بيان، الخميس، تنفي فيه التوقف عن استيراد الإنسولين المستورد، سواء في السوق الحرة، أو بعض الأنواع للتأمين الصحي.

إنفوغراف عن تصريحات وزير الصحة في أزمة الإنسولين (رئاسة مجلس الوزراء)

وقالت الهيئة إن «ما جرى تداوله بشأن تقليص توريد بعض أصناف الإنسولين المستوردة يتعلق بسياسات الشراء الحكومي فقط، ولا يمتد إلى السوق الحرة، أو عمليات الاستيراد بشكل عام، وذلك وفق توجهات ترشيد الإنفاق الحكومي، مع إعطاء الأولوية للبدائل المحلية التي أثبتت كفاءتها، وقدرتها على تلبية احتياجات القطاع الحكومي».

وأكدت الهيئة «استمرار إتاحة الإنسولين المستورد، بما في ذلك الأنواع طويلة وسريعة المفعول، في الصيدليات والجهات الحكومية وفق الاحتياجات الفعلية، مع استمرار الاستيراد إلى جانب دعم التصنيع المحلي».

ولخص «رئيس شعبة الدواء في غرفة القاهرة الصناعية»، علي عوف، لـ«الشرق الأوسط»، أزمة الإنسولين الحالية في «تمسك المرضى بالأنواع المستوردة رغم فاعلية الدواء المصري، وتصديره إلى 10 دول»، مرجعاً ذلك إلى «تمسك الأطباء بكتابة الأنواع المستوردة رغم عدم تلقي أي شكاوى بشأن فاعلية الدواء المحلي بعد استخدامه».

وأضاف عوف أن لدى مصر أربعة مصانع حالياً لتصنيع أدوية السُّكري، وتستورد المادة الفعالة من شركتين عالميتين تشرفان على التصنيع، ولا توجد أي اختلاف في الفاعلية، لافتاً إلى أن إنتاج هذه الشركات يكفي السوق المحلية، والتصدير، وأنها «تنتج الأدوية التي يحتاجها 95 في المائة من مرضى السُّكري، والـ5 في المائة الأخرى نعمل على تطوير الصناعة لإنتاجها قريباً»، موضحاً أن المرضى حين تصرف لهم الأنواع المصرية يرفضون تسلمها، ويشيعون أن الإنسولين غير موجود، وذلك ليس صحيحاً.

ويوجد في مصر أكثر من 13 مليون مريض مصابين بالسكري، في الفئة العمرية بين 20 إلى 79 عاماً، وفق إحصاء للاتحاد الدولي للسكري عام 2024.

وكان وزير الصحة الدكتور خالد عبد الغفار قال في تصريحاته الصحافية إبان الأزمة إن «عدد مرضى السكري الذين يتم التعامل معهم من خلال منظومتي التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة يبلغ نحو مليونين و450 ألف مريض من البالغين، بالإضافة إلى نحو 60 ألف طفل، فيما تبلغ التكلفة الإجمالية لتوفير علاج السكري من الإنسولين والأقراص نحو 4.2 مليار جنيه سنوياً.

جدل توفر الإنسولين يتصاعد في مصر (سكرين شوت من فيديو لهيئة الدواء)

وكان أستاذ الباطنة والسكري في جامعة هارفارد، العالم والطبيب المصري، أسامة حمدي، علق على الجدل الدائر حول الإنسولين المصري والمستورد، مؤكداً أن أدوية «الإنسولين» في مصر بنفس ذات الفاعلية إن لم تكن أفضل من المستورد الذي قد يفقد جزءاً من كفاءته مع عمليتي النقل والتخزين.

وأشار في تدوينة له عبر صفحته على «فيسبوك» إلى أن «بعض أنواع الإنسولين ما زالت غير مُصنعة في مصر، ولن يتوقف استيرادها، مثل تريسيبا Tresiba، وتوچيو Toujeo، وبعض الأنواع القليلة الأخرى، حيث ترفض الشركات الكبرى تصنيعها خارج دولها، وأتمنى أن يأتي اليوم لتصنيعها محلياً».

وطمأن المرضى قائلاً: «الإنسولين المصنع محلياً هو نفس الإنسولين المماثل له علمياً في الخارج مع تغيير الاسم. ومرحباً بتصنيع جميع الأدوية في مصر، فليست الهند أفضل منا».

ولا ينكر رئيس جمعية «الحق في الدواء»، محمود فؤاد، أن شكوك المرضى في المنتج المصري -أو الإيحاء الذي قد يكون لدى بعضهم بأنه غير فعال- جزء رئيس في الأزمة الحالية، لكنه يرى أن «شركات الأدوية المصرية لا تعمل الجهد اللازم لإقناع المريض بأن الدواء المصري والمستورد بنفس الفاعلية»، منتقداً تصريحات وزير الصحة التي تبدو أنها «صدامية»، مشدداً على ضرورة تفهّم مخاوف المرضى، وتوعيتهم.

وتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تصوير الأزمة على أنها تفضيل بين المنتج المصري والمحلي مجتزأ، مضيفاً: «يوجد نقص في النوعين داخل بعض مستشفيات التأمين الصحي، والأكثر داخل مشاريع العلاج على نفقة الدولة»، لافتاً إلى أنهم يتلقون شكاوى بذلك، وتوفر الأدوية وعدمه يختلفان من مكان لآخر، مطالباً الدولة بتوفير المنتج محلياً قبل الحديث عن التصدير.


«الوحدة» الليبية تتوعد بـ«رد رادع» على مطلقي المسيّرات

محمد بن غلبون خلال زيارته الميدانية إلى الزاوية (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
محمد بن غلبون خلال زيارته الميدانية إلى الزاوية (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
TT

«الوحدة» الليبية تتوعد بـ«رد رادع» على مطلقي المسيّرات

محمد بن غلبون خلال زيارته الميدانية إلى الزاوية (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
محمد بن غلبون خلال زيارته الميدانية إلى الزاوية (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)

فتحت حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة باب التكهنات حول طبيعة ردها على استهداف مصفاة الزاوية النفطية بطائرات مسيّرة؛ بعد أن تكتّمت على تفاصيل تحركها في مقبل الأيام، مكتفية بالوعيد بـ«رد رادع»، وسط دعوات أميركية لفتح تحقيق في هذه الحوادث.

وشوهدت عملية استنفار واسعة لعناصر موالية لتشكيلات مسلحة في مدينة الزاوية غرب ليبيا، بعد أيام من استهداف مسيّرات مجهولة مصفاة النفط بالمدينة، التي تعاني من تغول واسع للميليشيات المسلحة.

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

وقالت وزارة الدفاع التابعة لـ«الوحدة» إن «استهداف المنشآت النفطية والحيوية في الزاوية عمل عدائي ممنهج، تقف وراءه أطراف تدفع بدعم وتحريض من جهات خارجية نحو زعزعة أمن البلاد واستقرارها، والتضييق على المواطن، وتضر بالاقتصاد الوطني، وتجر ليبيا إلى مستنقع من الفوضى والصراع».

وعلاوة على مصفاة الزاوية، تعرضت محطة تحويل الكهرباء جنوب مدينة الزاوية لهجوم بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى احتراقها بالكامل وخروجها عن الخدمة، وفقدان التغذية الكهربائية عن مناطق واسعة جنوب المدينة.

وفي ردها الأول على الهجوم الذي استهدف المصفاة، أكدت وزارة الدفاع أنها «لن تتهاون مع الاعتداءات والأعمال الإجرامية، التي استهدفت المنشآت النفطية والحيوية ومقدرات الدولة الليبية في الزاوية»، وقالت إنها «تتعامل مع هذه الأعمال بوصفها اعتداءً مباشراً على أمن الوطن، وتهديداً خطيراً للاستقرار والسلم الاجتماعي».

مدخل مدينة الزاوية التي تعاني من تغول التشكيلات المسلحة (من صفحات معبرة عن الزاوية)

وقالت الحكومة التي يترأسها عبد الحميد الدبيبة، على لسان وزارة دفاعها، إنها «مارست أقصى درجات ضبط النفس، لكن مرحلة التحذير والتنبيه لن تستمر أمام تكرار هذه الاعتداءات»، مشددة على أنها «ستتخذ بالتنسيق مع الجهات المختصة الإجراءات الرادعة والحاسمة، التي يكفلها القانون بحق كل من يثبت تورطه في هذه الأعمال».

واستهدفت خمس طائرات مسيّرة مجهولة، وفقاً للمؤسسة الوطنية للنفط، خزانات للوقود التابعة لشركة الزاوية لتكرير النفط (مصفاة الزاوية)، في حوادث منفصلة ما تسبب في اندلاع حرائق وتضرر المنشأة.

ووسط ترقب لما قد تسفر عنه الساعات المقبلة من رد قوات «الوحدة» على ما يجري في الزاوية، لا تزال عمليات إطلاق المسيّرات نفسها محل لغط واسع بين الليبيين، الذين تتباين آراؤهم حول ما إذا كانت هذه العمليات من داخل ليبيا أم من خارجها.

الميليشياوي محمد بحرون الملقب بـ«الفأر» إلى اليمين يجاوره عبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع بـ«الوحدة» (حسابات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي موثوقة)

ويرى متابعون ليبيون أن «الوحدة» مقبلة على حرب في الزاوية لـ«تطهيرها» من الميليشيات الخارجة عن سيطرتها، التي يُعتقد أن من بينها ميليشيا محمد بحرون، الملقب بـ«الفأر»، آمر كتيبة «الإسناد الأولى»، فيما ذهب آخرون إلى أن هذه المواجهات المتوقعة «لن تكون سهلة»، بالنظر إلى ما تمتلكه مثل هذه التشكيلات من عتاد، فضلاً عن الصعوبة المتمثلة في أن المدينة مأهولة بالسكان.

وقال مصدر عسكري سابق بغرب ليبيا إن الدبيبة «مضطر إلى خوض حرب خلال الأيام المقبلة لإعادة رسم خريطة النفوذ في غرب البلاد؛ لكنه يظل أمام عقبة تحييد معمر الضاوي، آمر (الكتيبة 55 مشاة) عن دخول المعركة دفاعاً عن (الفأر)».

غير أن المصدر العسكري أشار في تصريح لـ «الشرق الأوسط» إلى الأوضاع المضطربة، ورأى أن «الوحدة» تسارع لمنع تكرار نموذج عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة» في الزاوية، وذلك بتفكيك العلاقة بين الضاوي و«الفأر».

وقُتل «غنيوة» العام الماضي في عملية وصفتها الوحدة بأنها «أمنية معقدة».

من جهته، يرى السفير الليبي السابق لدى سوريا، محمد شعبان المرداس، أن «الدبيبة يحاول خداع الليبيين بأن الطائرات المسيّرة، التي ضربت مصفاة الزاوية وغيرها من المسيّرات، قد تكون أتت من البحر»، وقال في تصريحات نقلتها قناة «ليبيا الحدث» إن الصور تظهر أن هذه المسيّرات لا يمكن أن يتجاوز مداها الـ10 كيلومترات، أي أنها خرجت من مناطق سيطرته.

عنصران من «اللواء 51 مشاة» في دورية بشوارع طرابلس (أرشيفية من المكتب الإعلامي للواء)

في سياق ذلك، يرى مسؤول عسكري ليبي سابق أن حكومة الدبيبة «لا تملك الإرادة الكافية لفرض سيطرتها على مناطق غرب ليبيا»، معتقداً أنها «متهمة بدعم طرف ضد آخر في هذه الأزمة».

وقال المسؤول، الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول له الحديث إلى وسائل الإعلام، إن حكومة الدبيبة «تسعى إلى استدامة هذا الصراع حتى تتمكن من البقاء في السلطة لأطول مدة ممكنة». وسعت «الشرق الأوسط» للتواصل مع الحكومة بشأن هذه الاتهامات لكن دون جدوى.

وعبّرت الولايات المتحدة عن قلقها إزاء أعمال العنف الأخيرة في مدينتي الزاوية وبنغازي، وأدانت الهجمات التي استهدفت مصفاة الزاوية، ومقتل مدير الاستخبارات العسكرية في الجيش الوطني الليبي، فوزي المنصوري، في بنغازي.

ودعا كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في تدوينة نشرها عبر حسابه على منصة «إكس» مساء الأربعاء، إلى إجراء «تحقيقات شاملة في هذه الهجمات ومحاسبة المسؤولين عنها». وقال إن هذه الهجمات «تبرز الحاجة إلى مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومهنية، قادرة على توفير الأمن للشعب الليبي. ونحث الأطراف الليبية المعنية على مضاعفة جهودها لتجاوز الانقسامات، والمضي قدماً في توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية في ليبيا».

ودخل المجلس الاجتماعي لقبائل أولاد صقر في الزاوية على خط الأزمة، وقال في بيان الخميس إن المنشآت النفطية ومرافق الدولة «ملك لجميع الليبيين؛ وتعريضها للخطر أمر مرفوض ومدان، ولا يخدم إلا من يسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار وإثارة الفتنة».

وزير الدولة لشؤون رئيس حكومة «الوحدة» في زيارة ميدانية إلى الزاوية (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)

وأجرى وزير الدولة لشؤون رئيس حكومة «الوحدة» ومجلس الوزراء، محمد بن غلبون، زيارة ميدانية إلى مدينة الزاوية، للوقوف على الأضرار التي لحقت بالمجمع النفطي ومحطة تحويل الكهرباء، في أعقاب الاعتداءات التي استهدفت المنطقة والمنشآت الحيوية بها.


التحولات الاجتماعية تهدد تونس والمغرب والجزائر بالشيخوخة

تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات بسبب العزوف عن الإنجاب (أ.ف.ب)
تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات بسبب العزوف عن الإنجاب (أ.ف.ب)
TT

التحولات الاجتماعية تهدد تونس والمغرب والجزائر بالشيخوخة

تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات بسبب العزوف عن الإنجاب (أ.ف.ب)
تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات بسبب العزوف عن الإنجاب (أ.ف.ب)

تشهد بلدان المغرب والجزائر وتونس انخفاضاً غير مسبوق في معدلات الإنجاب، تحت تأثير عوامل اقتصادية وتحولات اجتماعية، حيث يفضل كثيرون الحفاظ على «راحة البال».

وتسير البلدان الثلاثة «تقريباً على المنحى نفسه» في اتجاه تحوّل ديموغرافي عميق، كما يؤكد الباحث التونسي في الديموغرافيا علي بن زينة. ويُتوقع أن يستمر هذا الانخفاض، الذي حصل بسرعة كبيرة، «على المدى الطويل»، وفق ما أوضحته دراسة للمعهد الفرنسي للدراسات الديموغرافية أواخر مايو (أيار) الماضي، الذي يذكّر بتحول مماثل حصل في العديد من مناطق العالم.

ويعزى هذا التطور بحسب خبراء تحدثت إليهم «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى مزيج من العوامل، تشمل زيادة مدة الدراسة، وتأخر سن الزواج وارتفاع نسب الطلاق، وازدياد الطموحات المهنية لدى النساء، وتأجيل مشاريع الإنجاب، إلى جانب الضغوط الاقتصادية.

ومن الذين أعرضوا عن الإنجاب، التونسية نادية الجوادي (42 عاماً)، التي تقول إنها غير نادمة على هذا القرار الذي اتخذته مع زوجها قبل عشرة أعوام.

وتضيف هذه الموظفة في إدارة حكومية: «لا شيء يشجع على إنجاب ولو طفلاً واحداً».

* تحولات اجتماعية

تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات. واليوم تسجل تونس أدنى مستوى له بين البلدان الثلاثة بـ 1.58 طفل لكل امرأة في عام 2023، ومن المتوقع أن تكون النسبة بلغت 1.53 في 2024. أما في المغرب، فإن معدل الخصوبة 1.97، وفي الجزائر 2.61.

ويرى الباحث التونسي حسن كسار، المتخصص في الديموغرافيا، أن هذه الأرقام في بلده تشير إلى تحولات اجتماعية عميقة، ولا سيما الحداثة ونمط الحياة المدني.

تونس تسجل أدنى مستوى لها بـ1.58 طفل لكل امرأة في عام 2023 (أ.ف.ب)

في الجزائر يقول سعيد (66 عاماً)، وهو موظف سابق في مجال المالية: «قررت ألا أتجاوز طفلين، فالمهم أن يشبعا ويرتديا ملابس لائقة، وأن يعيشا في ظروف جيدة».

وتوضح الباحثة في المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي بالرباط، شيماء دريوي، أن انخفاض الخصوبة يمكن فهمه بوصفه «قراراً عقلانياً تتخذه الأسر في مواجهة واقع اقتصادي واجتماعي جديد».

ففي الثقافة الشعبية، كان إنجاب الأطفال يُنظر إليه طويلاً على أنه استثمار للمستقبل، بهدف دعم الأسرة، خاصة في الأوساط الفقيرة. لكن هذا المنطق «انقلب، فالطفل يكلف اليوم أكثر مما يمكن أن يدره من مردود اقتصادي مباشر».

ومع ذلك لا تفسر الصعوبات الاقتصادية كل شيء، ففي مجتمعات آخذة في التحول، تبرز أيضاً فكرة التهيب من الثقل المعنوي والمسؤولية. وفي هذا السياق تقول زينة، وهي جزائرية تبلغ 42 عاماً، إنها أنجبت ابنتها وهي في الثامنة والثلاثين ولن تنجب بعدها، «فبعد الولادة أدركت إلى أي حد تُعد الأمومة تحدياً صحياً نفسياً وجسدياً».

أما في الرباط فقد حسمت كوثر، البالغة 38 عاماً وتعمل في القطاع العام، قرارها بعدم الإنجاب، بقولها: «اخترت أن أعيش حياة هادئة، بعيداً عن القلق والتوتر الملازمين لتربية طفل».

بحسب السيدة دريوي، فقد أدى توسع التعليم و«استقلالية» النساء إلى تغير عميق في نموذج الأسرة.

يد عاملة أجنبية

عملياً، يؤدي تراجع معدلات الخصوبة في البلدان الثلاثة إلى شيخوخة السكان.

ففي تونس بات كبار السن يمثلون 17في المائة من السكان، أي نحو مليوني نسمة، مقابل 253 ألفاً فقط في عام 1966. وهذه الظاهرة أقل حدّة في الجزائر والمغرب، حيث شكل الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً 10.5في المائة في الجزائر عام 2023، و13.8في المائة في المغرب عام 2024.

انخفاض الخصوبة يمكن فهمه بوصفه «قراراً عقلانياً تتخذه الأسر في مواجهة واقع اقتصادي واجتماعي جديد» (أ.ف.ب)

لكن هذا المنحى يرتقب أن يتزايد في الأعوام المقبلة، وفق المعهد الفرنسي للدراسات الديموغرافية، وهو ما من شأنه إضعاف التوازن الديموغرافي، وزيادة الضغوط على أنظمة التقاعد.

على المدى البعيد، إن أصبح عدد الوفيات يتجاوز عدد الولادات، فلن يكون هناك ما يدعم النمو الديموغرافي سوى الهجرة، وفق المصدر نفسه، علماً أن الهجرة تثير توترات في عدة بلدان مغاربية، لكن تراجع السكان النشيطين سيطرح تدريجياً الحاجة إلى يد عاملة أجنبية، حيث تلوح في الأفق فرضية «الحاجة إلى مهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء»، وفق لحسن كسار.

Your Premium trial has ended