تسارع إعادة التسلح الألماني يُثير مخاوف أوروبية

فرنسا وبولندا وإيطاليا تنظر بقلق إلى زيادة إنفاقها الدفاعي ورغبتها في المضي منفردة بمشروعاتها العسكرية

المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
TT

تسارع إعادة التسلح الألماني يُثير مخاوف أوروبية

المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)

أنْ تخصص مجلة «ماريان» الفرنسية غلاف عددها الأخير، الصادر يوم الخميس الماضي، للحديث عن تسلح ألمانيا، وأن تضمنه ملفاً خاصاً عنوانه «حذار... ألمانيا تُعيد التسلح»، وأن تتساءل عن تبعاته على أمن فرنسا؛ فذلك يعني صراحة أن باريس تنظر بعين الشك إلى ما يجري على الجانب الآخر من نهر الراين، وأن هناك مشكلة حقيقية بين دولتين تشكلان محرك الاتحاد الأوروبي؛ حيث كانت باريس تُمثل القوة العسكرية، بينما تمثل ألمانيا قوته الاقتصادية.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً في مؤتمر صحافي في برلين يوم 29 يوليو (د.ب.أ)

ولا يتوقف القلق عند فرنسا؛ إذ إن دولتين إضافيتين تستشعران الخطر، وهما بولندا من جهة، وإيطاليا من جهة أخرى. ورغم مرور ما يزيد على 80 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية التي شهدت احتلالاً ألمانياً للدول الثلاث؛ فمن الواضح اليوم أن نزوع برلين إلى تسريع إعادة تسلحها يُثير مخاوف أوروبية، أقله في الدول الثلاث، كما أنه ينشر ظلالاً من الشك حول الخطط الأوروبية للتسلُّح الجماعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه لوران نونيز وزير الداخلية خلال مؤتمر صحافي في مدينة بوردو في 27 يوليو متحدثاً عن الحرائق في جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

نقطة البداية كانت عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022؛ إذ قررت حكومة المستشار السابق، أولاف شولتز، إنشاء صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو لإعادة تسليح الجيش الألماني وتحديثه، بهدف جعله «أول قوة مسلحة تقليدية في أوروبا».

قادة الدول الأوروبية المشاركون في «قمة الراغبين» التي عُقدت الاثنين في قصر الأنفاليد بباريس في صورة جماعية يظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في وسطها (إ.ب.أ)

وقبيل بدء ولاية فريدريش ميرتس، المستشار الألماني الجديد، أقرّ البرلمان، في 18 مارس (آذار) من العام الماضي، تعديلاً دستورياً يتيح رفع سقف العجز في الميزانية، بهدف توفير التمويل اللازم للنفقات الدفاعية، وتسريع إعادة التسلح، وتحديث الجيش الألماني.

وبفضل القانون الجديد، فإن برلين تُخطط لرفع إنفاقها الدفاعي ليصل إلى 3.5 في المائة من ناتجها الداخلي الخام (مقابل 2.3 في المائة في 2025) مع حلول عام 2029. وبذلك، ستكرس ألمانيا 152 مليار يورو للدفاع، ما يُشكل أعلى ميزانية عسكرية في أوروبا.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

اختلال الميزانيات

وتُبيّن المقارنة مع ميزانية الدفاع الفرنسية فروقاً شاسعة؛ فللعام الحالي تبلغ الميزانية الدفاعية الفرنسية 57.1 مليار يورو، مقابل 108.2 مليار لألمانيا. وتظهر الأرقام تفاقم الفروق بين الدولتين الجارتين مع مرور السنوات. وفيما يخص عام 2029. ستصل الميزانية الألمانية إلى 176 مليار يورو، مقابل 72.8 مليار لفرنسا، ما يعني أن الفارق سيزيد على 100 مليار يورو.

ويمكن عزو الفروق إلى المسافة الشاسعة التي تفصل حجم الاقتصاد الألماني عن نظيره الفرنسي. وتبيّن المقارنة مع الميزانيتين الإيطالية والبولندية أن الميزانية الألمانية تتخطى الأخيرتين بنحو 20 مليار يورو، وأن الفارق بين الدول الثلاث سيصل إلى 100 مليار يورو في عام 2029.

دونالد ترمب برفقة كير ستارمر وإيمانويل ماكرون خلال حضورهم اجتماع دول «مجموعة السبع» في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)

ولخّص ميرتس هدف بلاده بالقول، بمناسبة زيارة قام بها إلى فيلنيوس في 22 مايو (أيار) الماضي، إن الغرض هو «تزويد الجيش الألماني بكل الموارد المالية التي يحتاج إليها لكي يصبح أقوى جيش تقليدي في أوروبا».

حتى اليوم، يحاذر المسؤولون الأوروبيون المعنيون الخوض مباشرة في هذه المسألة الحساسة، لكن ثمة استثناءات. فرئيس الأركان الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، لم يتردد، بمناسبة جلسة استماع في مجلس الشيوخ يوم 13 مايو الماضي، في إطلاق ناقوس الخطر؛ فقد قال ما حرفيته: «إن خطر التخلُّف عن الركب قائم؛ فإذا واصلت ألمانيا هذا الإيقاع، فبعد 5 سنوات لن تعود الحجة القائلة إننا نتمتع بخبرة عملياتية وبثقافة عسكرية معينة ذات قيمة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في أثناء مراسم توقيع اتفاقية خلال قمة فرنسية - إيطالية في أنتيب جنوب فرنسا يوم 25 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وبالنسبة إلى الأميركيين، أصبحت ألمانيا تدريجياً المرجعية الأوروبية، فالألمان يعتزمون إنفاق 3 أضعاف ما تنفقه فرنسا كل عام. وبعد 5 سنوات، سيكون الفارق لافتاً للغاية.

ونقلت صحيفة «لو موند» عن صامويل فور، الباحث في معهد البحوث الاستراتيجية التابع للكلية العسكرية الفرنسية قوله إن «هناك نزعة ألمانية نحو العمل بشكل منفرد، لكن هذا يُعيد إلى الأذهان ما كانت فرنسا تفعله قبل وقت ليس ببعيد». وكان الباحث يشير إلى إخفاق البرنامج الفرنسي - الألماني لتصنيع مشترك لطائرة المستقبل القتالية التي أطلق مشروعها قبل 10 سنوات.

وأبلغ ميرتس، رسمياً، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في يونيو (حزيران) الماضي، بأن برلين تخلّت عن المشروع. كذلك يبدو أن مشروع تصنيع الدبابة القتالية المشتركة يعاني صعوبات. وفي الحالتين لم يتوصل الصناعيون من الجانبين من الاتفاق على توزيع المهام والمسؤوليات.

ميرتس وزيلينسكي وماكرون وستارمر (أ.ب)

قلق فرنسي

ما يقلق فرنسا هو شعورها المتزايد بأن ألمانيا تريد السير وحدها في مشروعاتها الدفاعية. فإضافة إلى طائرة المستقبل ودبابة الجيل الجديد، تخلّت برلين عن مشروع تطوير المروحية «تايغر» وعن سفينة الرقابة البحرية، كما تخلّت عن مشروع تصنيع فرقاطة مشتركة مع هولندا، فيما يبدو أنها تسعى لنشر مجموعة من الأقمار الاصطناعية المخصصة للاتصالات، ما من شأنه أن ينسف المشروع الأوروبي «إيريس».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على مدخل قصر الإليزيه في 22 يوليو (أ.ف.ب)

وما سبق دفع بول موريس، الباحث في المعهد الفرنسي للدراسات الدولية والمتخصص في العلاقات الفرنسية - الألمانية، إلى القول إنه منذ اندلاع الحرب الأوكرانية سقطت نظرية «فرنسا القوة العسكرية والاستراتيجية وألمانيا القوة الاقتصادية»، وأن ألمانيا «تنفق دوماً المزيد وهي بصدد تخطي فرنسا».

هناك واقع لا ينفيه الاختصاصيون الفرنسيون المتابعون للشأن الألماني، الذين يفسرون عجلة برلين في التسلح بأمرين رئيسيين: الأول، استشعار الخطر الروسي واعتقادهم أن الرئيس بوتين قد لا يتردد في مهاجمة الجناح الشرقي للحلف الأطلسي بحلول عام 2029.

وقال لارس كلينكبيل، نائب المستشار ميرتس، بمناسبة مناقشة ميزانية عام 2026، ما حرفيته: «تعتقد الأوساط الأمنية الألمانية أن بوتين سيكون قادراً في عام 2029، على أبعد تقدير، على مهاجمة أراضي الحلف الأطلسي. وهذا لا يعني أنه سيقوم بذلك، بل يعني أنه سيكون قادراً على ذلك». وتذهب التوقعات الفرنسية في الاتجاه نفسه.

المستشار الألماني ميرتس مع زيلينسكي (إ.ب.أ)

والأمر الثاني، تخوّف ألمانيا من خسارة المظلة الأميركية - الأطلسية بسبب المواقف المتأرجحة للرئيس ترمب، واستشعارها الحاجة إلى تكوين قوى ذاتية قادرة على الدفاع عن مصالح البلاد. من هنا، تحوَّلت ألمانيا إلى أول داعم لأوكرانيا مالياً وعسكرياً، إذ تعدّ أن أوكرانيا هي خط الدفاع الأول عن أوروبا في مواجهة أي مطامع أو نيات عدوانية روسية.

ميرتس مع ترمب في البيت الأبيض في مارس الماضي (أ.ب)

حزب «البديل»

يراقب الأوروبيون ما يجري داخل اللعبة السياسية الألمانية وتبعاتها الخارجية، واهتمامهم مُنصبّ على صعود حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، والنجاحات التي يحققها، والدور المتصاعد الذي يعتزم لعبه في المستقبل، وهم يتساءلون عما قد يقوم به في حال وصوله إلى السلطة، وبتصرفه آلة عسكرية استثنائية.

وثمة مَن يستحضر ما حصل في ألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي، ووصول أدولف هتلر وحزبه النازي إلى السلطة عبر الانتخابات.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في قاعة المرايا بقصر فرساي (رويترز)

ولذا، فإن إعادة التسلح الألماني تذكّر بما حصل في الفترة السابقة المشار إليها. ومن الواضح أن الدول الثلاث المتخوفة غير قادرة على منع ألمانيا من التسلح، لكن ما تريده هو أن يندرج ذلك في إطار أوروبي جماعي، علماً بأن الأوروبيين أخذوا يعون حاجتهم إلى دفاع أوروبي قوي داخل الحلف الأطلسي، وهو ما تدعو إليه واشنطن.

وإزاء المتخوفين، أخذت تُسمع أصوات فرنسية تدعو إلى عدم القلق، باعتبار أن فرنسا تمتلك أوراقاً مهمة تجعل منها القوة الرئيسية داخل الاتحاد الأوروبي، وأولاها امتلاكها القوة النووية التي توفر لها قدرة ردع مستقلة موضوعة بين يدي رئيس الجمهورية، وهو ما لا تمتلكه ألمانيا.

طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «ناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة «لييلفارد» الجوية في لاتفيا 14 أبريل الماضي (إ.ب.أ)

وثانية الأوراق أنها تحتل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي، ما يسمح لها بالدفاع عن مصالحها بفضل حق النقض (الفيتو). وثالثها إمكانية قواتها على الانتشار في أي مسرح قتالي بفضل حاملة الطائرات «شارل ديغول» العاملة بالدفع النووي وغواصاتها النووية.

ومن أوراق القوة أن فرنسا تمتلك خبرات قتالية متراكمة منذ عشرات السنين، وهو ليس حال ألمانيا. وباختصار، فلا سبب يدعو باريس للقلق، لكن ما يقلقها هو أن تصاعد قوة ألمانيا سيترك أثره في اتخاذ القرارات داخل الاتحاد الأوروبي لجهة تحديد الخيارات والمسارات الاستراتيجية، ما يعني أن «وزن» فرنسا سيتضاءل، فيما سيزداد موقع ألمانيا قوة. لكن ما يمكن أن يثلج صدور الفرنسيين هو أن برلين استدارت باتجاه باريس للنظر في إمكانية استفادتها من المظلة النووية الفرنسية في حال خسرت المظلة النووية الأميركية، وأن محادثات تُجرى بين الطرفين بهذا الخصوص.


مقالات ذات صلة

بوتين يأمر بوقف قصف كييف 3 أيام بالتزامن مع زيارة موفدَي ترمب

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

بوتين يأمر بوقف قصف كييف 3 أيام بالتزامن مع زيارة موفدَي ترمب

الرئيس الروسي ‌فلاديمير ⁠بوتين أمر بوقف ⁠شن الضربات على كييف لمدة 3 أيام، ⁠بدءاً من اليوم (السبت)، في ‌إطار ‌الاستعدادات لزيارة وفد أميركي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية  الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن الخميس (رويترز)

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس» في إيران

لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، بضرب موقع «جبل الفأس» شديد التحصين قرب منشأة نطنز النووية، إذا رصدت واشنطن تطورات تثير قلقها.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
بيئة ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)

ترمب يعتزم رفع غطاء الحماية عن الذئاب

أعلنت الإدارة الأميركية أنها تعتزم إنهاء الحماية الممنوحة للذئاب كأحد الأنواع المهددة بالانقراض، مما أثار غضباً واسعاً لدى المنظمات البيئية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» (رويترز)

تحقيق «غير مسبوق»... كبار العسكريين الأميركيين يخضعون لاختبار كشف الكذب

نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية عن مصادر قولها إن نحو 50 ضابطاً وموظفاً في هيئة الأركان المشتركة الأميركية أُخضعوا لاختبار كشف الكذب على خلفية تسريبات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ) p-circle

«لن يفعلها أحد بعد رحيلي»... ترمب يكشف صراحةً عن النُّصُب التذكارية التي يبنيها لنفسه

في خضم المشاريع المعمارية التي يدفع بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن العاصمة خلال ولايته الثانية، برز حديثه عن الإرث الذي يريد تركه خلفه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بوتين يأمر بوقف قصف كييف 3 أيام بالتزامن مع زيارة موفدَي ترمب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)
TT

بوتين يأمر بوقف قصف كييف 3 أيام بالتزامن مع زيارة موفدَي ترمب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

نقلت ​وكالة «إنترفاكس» للأنباء عن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، ‌قوله ‌إن ​الرئيس الروسي ‌فلاديمير ⁠بوتين ​أمر بوقف ⁠شن الضربات على كييف لمدة 3 أيام ⁠بدءاً من اليوم (السبت)، ​في ‌إطار ‌الاستعدادات لزيارة وفد أميركي.

كما قال بيسكوف ‌لوكالة «تاس» للأنباء، إن من ⁠المقرر ⁠أن يجتمع بوتين مع الممثلَين الخاصين للولايات المتحدة ستيف ويتكوف ​وجاريد كوشنر ​اليوم.

ووصل المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو اليوم، لطرح مقترح لإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من 4 سنوات في أوكرانيا، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وبعد محادثات في موسكو، من المقرر أن يتوجه موفدا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى كييف، في أحدث محاولة من واشنطن لكسر الجمود الدبلوماسي، في أعنف نزاع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

واتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بمحاولة عرقلة زيارة المبعوثين، بشن غارات ليل الجمعة السبت على مطاري كييف، بالإضافة إلى ضرب هدف مدني في منطقة دنيبرو أسفر عن مقتل 5 أشخاص.

وقال زيلينسكي: «من الواضح أن هذه الضربات الروسية على المطارات تشكل رداً على المباحثات والتحضيرات المتصلة باحتمال زيارة الجانب الأميركي لأوكرانيا من طريق الجو، وهبوطه في مطار كييف أو بوريسبيل».

وستكون هذه الزيارة الأولى لصديق ترمب، رجل الأعمال ويتكوف، وصهره كوشنر، إلى كييف التي تمزقها الحرب، منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي متعهداً بحل النزاع.


هجمات روسيا تقلب حياة سكان كييف رأساً على عقب

ناتاليا وابنتها إيليا تجلسان في العراء بعد إصابة المبنى السكني الذي تقيمان فيه (رويترز)
ناتاليا وابنتها إيليا تجلسان في العراء بعد إصابة المبنى السكني الذي تقيمان فيه (رويترز)
TT

هجمات روسيا تقلب حياة سكان كييف رأساً على عقب

ناتاليا وابنتها إيليا تجلسان في العراء بعد إصابة المبنى السكني الذي تقيمان فيه (رويترز)
ناتاليا وابنتها إيليا تجلسان في العراء بعد إصابة المبنى السكني الذي تقيمان فيه (رويترز)

فرضت الهجمات الروسية شبه المستمرة بالطائرات ‌المسيّرة على العاصمة الأوكرانية كييف واقعاً قاسياً جديداً يشهد تقطع السبل بالركاب وإجلاء أطفال إلى الأنفاق في منتصف اليوم الدراسي وإلغاء الاحتفالات، فيما باتت صفارات الإنذار صوتاً مزعجاً يرافق نزهات المشي، وفق تقرير لوكالة «رويترز».

نجت كييف من صدمات عديدة منذ بدء الغزو الروسي الشامل في فبراير (شباط) ​2022. ورغم الصدمة الأولى للحرب وتوالي هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، فإن السكان تكيفوا تدريجياً ونجحوا في استعادة قسط من الحياة الطبيعية.

لكن مع اقتراب الشتاء الخامس في ظل الحرب، أصبح الحفاظ على هذا الوضع أكثر صعوبة.

فخلال الصيف، بدأت موسكو إرسال أسراب من الطائرات المسيّرة النفاثة ذات السرعة العالية والتي تتسم بقدرة تدميرية أكبر ويصعب التصدي لها مقارنة بالطرز القديمة التي تعمل بالمراوح.

على مدى الأيام العشرة الماضية، تواصلت الهجمات الجوية على مدار الساعة بعدما كانت روسيا تشنها خلال الليل في معظم الأحيان، مما جعل الأوكرانيين يشعرون بأن كفة الحرب تميل مجدداً لمصلحة موسكو.

من روّاد أسبوع أوكرانيا للأزياء الذين هرعوا إلى ملجأ بعد إنذار بوقوع غارة جوية روسية (أ.ف.ب)

قلق من شتاء قاس

أكثر ما يشغل بال سكان كييف البالغ عددهم ‌ثلاثة ملايين نسمة ‌هو اقتراب فصل الشتاء. فقد تسببت هجمات روسيا في انقطاعات متكررة للكهرباء والمياه منذ ​بداية ‌الحرب، ⁠لكن حدتها ​خلال ⁠الأيام العشرة الماضية تشير إلى اضطرابات أكبر.

وقال بوهدان (29 عاماً) وهو يتفقد مبنى شقته المتضرر جراء هجوم روسي وقع الأسبوع الماضي: «كان العام الماضي صعباً للغاية بالنسبة لنا... بعد هذا الهجوم، كما ترون، من المرجح أن يصبح الوضع أكثر صعوبة لذلك قررنا الانتقال إلى مكان آخر».

ومع تسبب القتال على خطوط جبهة المعركة في سقوط مئات القتلى والجرحى أسبوعياً دون مكاسب ميدانية كبيرة، تخوض روسيا وأوكرانيا منذ أشهر حرباً جوية متصاعدة، وتتبادلان الهجمات على منشآت الطاقة والخدمات اللوجستية.

صعوبة التنقل ‌والتسوق

أدّت إنذارات الغارات الجوية المتكررة يوم الاثنين الماضي إلى توقف خدمات ‌مترو الأنفاق الرابطة بين ضفتي نهر دنيبرو الذي يقسم العاصمة.

وفي محطة ​أوسوكوركي قرب الضفة المقابلة لوسط المدينة، انتظرت الممرضة والاختصاصية ‌النفسية يوليانا أولينيك مع طفليها على رصيف مكتظ حتى رفع الإنذار.

وقالت: «أفكر بالفعل في أننا قد نضطر ‌إلى إحضار ما يتيح لنا المبيت في محطة المترو القريبة من المدرسة... كان الوضع صعباً في المدرسة العام الماضي، والآن لا أعرف صراحة ماذا أفعل. لا أعرف حقاً».

وأضافت: «الطرق المؤدية إلى وسط كييف مزدحمة ومحطات الحافلات مكتظة ويضطر الناس إلى السير مسافات طويلة للذهاب إلى العمل والعودة منه».

وأصبح التسوق لشراء المواد الغذائية أكثر صعوبة، إذ تغلق المتاجر الكبرى أبوابها عند انطلاق صفارات الإنذار مما يعني ‌أن على الزبائن مغادرة المبنى قبل إكمال مشترياتهم.

عودة المدارس

قال يوري إهنات، المتحدث باسم القوات الجوية الأوكرانية، إن روسيا أطلقت أكثر من 2800 ⁠طائرة مسيّرة نفاثة على ⁠أوكرانيا خلال أغسطس (آب)، وذلك بعدما زاد استخدام هذا النوع خمسة أمثال في يوليو (تموز) مقارنة بيونيو (حزيران).

وأضاف أن معدل اعتراض هذه المسيّرات بلغ نحو 60 في المائة مقارنة بأكثر من 90 في المائة للطائرات المسيّرة التقليدية الأبطأ.

وتقول روسيا إن هذه الهجمات هدفها عسكري، في حين تقول أوكرانيا إن الغرض منها كسر معنويات المدنيين والضغط على الحكومة للتنازل عن أراضٍ في وقت يبدو أن واشنطن تبذل فيه جهوداً جديدة من أجل إنهاء الحرب.

أوكرانيون يتناولون الطعام في كييف رغم الدمار والخطر (رويترز)

مع ذلك، أظهر استطلاع رأي أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع في أغسطس تزايداً في حدة المواقف تجاه روسيا. فقد ارتفعت نسبة المعارضين للتنازل عن الجزء غير المحتل من منطقة دونباس، أحد المطالب الأساسية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى 69 في المائة من 62 في المائة في أبريل (نيسان).

في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد الأسبوع الماضي، كان تلاميذ إحدى مدارس كييف قد أنهوا للتو حصتهم الأولى عندما دوت صفارات الإنذار، فهرعوا إلى الملاجئ تحت الأرض ​لمواصلة دراستهم.

وقال مدير المدرسة رومان فيشتشوك: «إنه أمر مرهق ​لهم، لكن الأطفال أصبحوا أكثر قدرة على التأقلم».

وأوضح فيشتشوك أن 400 طفل تقريباً مسجلون هذا العام في المدرسة، التي لحقت بها أضرار جراء هجوم روسي في مايو (أيار).

ولدى سؤال التلميذة الصغيرة أولكساندرا عن حلمها أجابت: «أن تنتهي الحرب».


لماذا أصبح شرق ألمانيا معقلاً لليمين المتطرف؟

النائبة إليزابيث كايزر (أ.ف.ب)
النائبة إليزابيث كايزر (أ.ف.ب)
TT

لماذا أصبح شرق ألمانيا معقلاً لليمين المتطرف؟

النائبة إليزابيث كايزر (أ.ف.ب)
النائبة إليزابيث كايزر (أ.ف.ب)

بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على إعادة توحيد ألمانيا عام 1990، قد تبرز الانقسامات المستمرة بين الشرق والغرب بشكل صارخ في انتخابات الأحد في مقاطعة ساكسونيا - أنهالت الواقعة شرق البلاد.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب «البديل من أجل ألمانيا»، المناهض للهجرة والمرتبط بعلاقات وثيقة مع موسكو، قد يفوز بغالبية مطلقة في انتخابات المقاطعة ما سيتيح له للمرة الأولى تأليف حكومة محلية، وهو ما سيكون سابقة لحزب يميني متطرف في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب.

نازيون جدد في مدينة ماغدبورغ شرق ألمانيا (أ.ف.ب)

وقد تحدثت مفوضة الحكومة لشؤون شرق ألمانيا، النائبة إليزابيث كايزر، وهي نفسها من ولاية تورينغن الواقعة في الشرق، إلى وكالة الصحافة الفرنسية عن العوامل التاريخية والثقافية التي ترسم ملامح السياسات المتميزة للمنطقة.

* التحوّلات

عندما انهار جدار برلين عام 1989، مؤذناً بنهاية جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشيوعية، أُغلقت العديد من الشركات الحكومية، ما أدى إلى بطالة واسعة النطاق ونزوح سكاني، لا سيما في صفوف الشابات.

قالت كايزر: «كانت تلك تجربة صعبة بالنسبة إلى كثير من سكان ألمانيا الشرقية، ولا تزال آثارها ممتدة عبر الأجيال، لتصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية لألمانيا الشرقية»، وأضافت: «تعلّق الأمر بشعور بالانتقاص من المكانة، وتجربة خسارة، وإدراك أن كل شيء يمكن أن يتغير بين عشية وضحاها».

وبعد عقود لا تزال الأجور والمدخرات أدنى في المتوسط، كما أن الألمان الشرقيين، الذين يشكلون خُمس السكان، لا يحظون بتمثيل كافٍ في الحياة السياسية.

* الهجرة تغذّي التطرف

تلقى مواقف حزب «البديل من أجل ألمانيا» المناهضة للهجرة صدى واسعاً في أنحاء الشرق، رغم أن نسبة المقيمين من مواليد الخارج في الشرق أقل منها في الغرب.

وبينما اعتمد التعافي الاقتصادي في ألمانيا الغربية بعد الحرب على «العمال الضيوف»، استقدمت ألمانيا الشرقية عمالاً بعقود من «الدول الشقيقة» الاشتراكية مثل فيتنام وموزمبيق.

وقالت كايزر إن هؤلاء العمال «كانوا معزولين إلى حد كبير عن سكان ألمانيا الشرقية»، كما كانت عقودهم محدودة المدة، ما يعني أن ألمانيا الشرقية «لم تكن مجتمعاً مهاجراً».

وبينما كانت دعاية الدولة تروج لجمهورية ألمانيا الديمقراطية باعتبارها دولة أممية، قالت كايزر إن «العنصرية وكراهية الأجانب والتطرف اليميني» كانت موجودة أيضاً «وقد انفجرت للأسف في التسعينات»، وهي الفترة التي سميت «سنوات مضارب البيسبول» بسبب الاعتداءات التي استهدفت أجانب.

صورة لمرشح حزب «البديل» في ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند في ماغدبورغ (أ.ف.ب)

وانتشرت مشاعر الاستياء في الآونة الأخيرة، لا سيما تجاه طالبي اللجوء السوريين والأفغان، وفق كايزر، مع الاعتقاد أنهم «كانوا يحصلون على كل الخدمات الإضافية مجاناً».

وتناولت كايزر أيضاً التحذيرات من تنامي نزعة تمجيد ألمانيا الشرقية، التي يطلق عليها «أوستالجي» أو «الحنين إلى الشرق».

وقالت: «في أوقات الأزمات، يتذكر الناس الجوانب الإيجابية من ماضيهم»، مضيفة أن الشعبويين يستغلون «عناصر مشحونة عاطفياً من حقبة ألمانيا الشرقية».

ومن بين هذه العناصر دراجة «سيمسون» البخارية، التي يستخدمها المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» أولريش سيغموند. وقالت كايزر إن الدراجة «كانت آنذاك رمزاً للحرية لأنها كانت تتيح التنقل».

وبينما قد يتذكر الناخبون الأكبر سناً شعورهم بمزيد من الأمان في ألمانيا الشرقية، قالت كايزر إنهم غالباً ما ينسون أن «ذلك كان بسبب الرقابة والسيطرة الشديدتين على كل شيء».

ولفتت أيضاً إلى أن كثيرين في الشرق يفخرون بالثورة السلمية عام 1989، ويرون فيها دليلاً على قدرتهم الجماعية على «إسقاط نظام».

* روسيا والحرب

يدعو حزب «البديل من أجل ألمانيا» إلى توثيق العلاقات مع روسيا رغم غزوها لأوكرانيا و«الهجمات المتعددة الوسيلة» التي تتهم برلين روسيا بتنفيذها.

وقالت كايزر إن التنشئة الاجتماعية للعديد من الألمان الشرقيين عززت «عداءً قوياً للولايات المتحدة» وشكوكاً مستمرة تجاه التحالف عبر الأطلسي، وهي شكوك لم تتلاشَ خلال الإدارة الأميركية الحالية.

ويتطلع كثيرون في الشرق إلى دبلوماسية متجددة مع روسيا، وهو مسار تقول كايزر إن الكرملين لا يُبدي أي رغبة في اتباعه.

وأضافت أن سيطرة السوفيات المحكمة على أوروبا الشرقية خلّفت «شعوراً بالخوف من الروس... شعوراً بأنه لا ينبغي استفزازهم».

ولفتت إلى أن بعض الأصوات في الغرب دعت إلى وقف «دعم» الجزء الشرقي الأكثر فقراً من ألمانيا، لكنها رأت في هذه الأفكار «كارثة»، مضيفة أنها «تزعجني بصفتي ألمانية شرقية».

وأضافت أن خفض أموال التحويلات «لن يؤدي إلا إلى ترسيخ دور الضحية الذي يهوى حزب (البديل من أجل ألمانيا) تبنيه دائماً».

مرشح حزب «البديل» في ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند في لقاء تلفزيوني (أ.ف.ب)

وفي ظل التصدعات الجيوسياسية الراهنة والركود الاقتصادي، قالت كايزر إن كثيرين في الشرق يخشون التغيير بالنظر إلى تاريخهم المضطرب.

ونبّهت إلى أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» ومنافسيه من اليسار المتطرف يشهدون صعوداً أيضاً في أجزاء من الغرب، لافتة إلى أن على ألمانيا ككل أن تنظر إلى الشرق باعتباره «مقياساً للزلازل» السياسية.