تسارع إعادة التسلح الألماني يُثير مخاوف أوروبية

فرنسا وبولندا وإيطاليا تنظر بقلق إلى زيادة إنفاقها الدفاعي ورغبتها في المضي منفردة بمشروعاتها العسكرية

المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
TT

تسارع إعادة التسلح الألماني يُثير مخاوف أوروبية

المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)

أنْ تخصص مجلة «ماريان» الفرنسية غلاف عددها الأخير، الصادر يوم الخميس الماضي، للحديث عن تسلح ألمانيا، وأن تضمنه ملفاً خاصاً عنوانه «حذار... ألمانيا تُعيد التسلح»، وأن تتساءل عن تبعاته على أمن فرنسا؛ فذلك يعني صراحة أن باريس تنظر بعين الشك إلى ما يجري على الجانب الآخر من نهر الراين، وأن هناك مشكلة حقيقية بين دولتين تشكلان محرك الاتحاد الأوروبي؛ حيث كانت باريس تُمثل القوة العسكرية، بينما تمثل ألمانيا قوته الاقتصادية.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً في مؤتمر صحافي في برلين يوم 29 يوليو (د.ب.أ)

ولا يتوقف القلق عند فرنسا؛ إذ إن دولتين إضافيتين تستشعران الخطر، وهما بولندا من جهة، وإيطاليا من جهة أخرى. ورغم مرور ما يزيد على 80 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية التي شهدت احتلالاً ألمانياً للدول الثلاث؛ فمن الواضح اليوم أن نزوع برلين إلى تسريع إعادة تسلحها يُثير مخاوف أوروبية، أقله في الدول الثلاث، كما أنه ينشر ظلالاً من الشك حول الخطط الأوروبية للتسلُّح الجماعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه لوران نونيز وزير الداخلية خلال مؤتمر صحافي في مدينة بوردو في 27 يوليو متحدثاً عن الحرائق في جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

نقطة البداية كانت عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022؛ إذ قررت حكومة المستشار السابق، أولاف شولتز، إنشاء صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو لإعادة تسليح الجيش الألماني وتحديثه، بهدف جعله «أول قوة مسلحة تقليدية في أوروبا».

قادة الدول الأوروبية المشاركون في «قمة الراغبين» التي عُقدت الاثنين في قصر الأنفاليد بباريس في صورة جماعية يظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في وسطها (إ.ب.أ)

وقبيل بدء ولاية فريدريش ميرتس، المستشار الألماني الجديد، أقرّ البرلمان، في 18 مارس (آذار) من العام الماضي، تعديلاً دستورياً يتيح رفع سقف العجز في الميزانية، بهدف توفير التمويل اللازم للنفقات الدفاعية، وتسريع إعادة التسلح، وتحديث الجيش الألماني.

وبفضل القانون الجديد، فإن برلين تُخطط لرفع إنفاقها الدفاعي ليصل إلى 3.5 في المائة من ناتجها الداخلي الخام (مقابل 2.3 في المائة في 2025) مع حلول عام 2029. وبذلك، ستكرس ألمانيا 152 مليار يورو للدفاع، ما يُشكل أعلى ميزانية عسكرية في أوروبا.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

اختلال الميزانيات

وتُبيّن المقارنة مع ميزانية الدفاع الفرنسية فروقاً شاسعة؛ فللعام الحالي تبلغ الميزانية الدفاعية الفرنسية 57.1 مليار يورو، مقابل 108.2 مليار لألمانيا. وتظهر الأرقام تفاقم الفروق بين الدولتين الجارتين مع مرور السنوات. وفيما يخص عام 2029. ستصل الميزانية الألمانية إلى 176 مليار يورو، مقابل 72.8 مليار لفرنسا، ما يعني أن الفارق سيزيد على 100 مليار يورو.

ويمكن عزو الفروق إلى المسافة الشاسعة التي تفصل حجم الاقتصاد الألماني عن نظيره الفرنسي. وتبيّن المقارنة مع الميزانيتين الإيطالية والبولندية أن الميزانية الألمانية تتخطى الأخيرتين بنحو 20 مليار يورو، وأن الفارق بين الدول الثلاث سيصل إلى 100 مليار يورو في عام 2029.

دونالد ترمب برفقة كير ستارمر وإيمانويل ماكرون خلال حضورهم اجتماع دول «مجموعة السبع» في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)

ولخّص ميرتس هدف بلاده بالقول، بمناسبة زيارة قام بها إلى فيلنيوس في 22 مايو (أيار) الماضي، إن الغرض هو «تزويد الجيش الألماني بكل الموارد المالية التي يحتاج إليها لكي يصبح أقوى جيش تقليدي في أوروبا».

حتى اليوم، يحاذر المسؤولون الأوروبيون المعنيون الخوض مباشرة في هذه المسألة الحساسة، لكن ثمة استثناءات. فرئيس الأركان الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، لم يتردد، بمناسبة جلسة استماع في مجلس الشيوخ يوم 13 مايو الماضي، في إطلاق ناقوس الخطر؛ فقد قال ما حرفيته: «إن خطر التخلُّف عن الركب قائم؛ فإذا واصلت ألمانيا هذا الإيقاع، فبعد 5 سنوات لن تعود الحجة القائلة إننا نتمتع بخبرة عملياتية وبثقافة عسكرية معينة ذات قيمة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في أثناء مراسم توقيع اتفاقية خلال قمة فرنسية - إيطالية في أنتيب جنوب فرنسا يوم 25 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وبالنسبة إلى الأميركيين، أصبحت ألمانيا تدريجياً المرجعية الأوروبية، فالألمان يعتزمون إنفاق 3 أضعاف ما تنفقه فرنسا كل عام. وبعد 5 سنوات، سيكون الفارق لافتاً للغاية.

ونقلت صحيفة «لو موند» عن صامويل فور، الباحث في معهد البحوث الاستراتيجية التابع للكلية العسكرية الفرنسية قوله إن «هناك نزعة ألمانية نحو العمل بشكل منفرد، لكن هذا يُعيد إلى الأذهان ما كانت فرنسا تفعله قبل وقت ليس ببعيد». وكان الباحث يشير إلى إخفاق البرنامج الفرنسي - الألماني لتصنيع مشترك لطائرة المستقبل القتالية التي أطلق مشروعها قبل 10 سنوات.

وأبلغ ميرتس، رسمياً، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في يونيو (حزيران) الماضي، بأن برلين تخلّت عن المشروع. كذلك يبدو أن مشروع تصنيع الدبابة القتالية المشتركة يعاني صعوبات. وفي الحالتين لم يتوصل الصناعيون من الجانبين من الاتفاق على توزيع المهام والمسؤوليات.

ميرتس وزيلينسكي وماكرون وستارمر (أ.ب)

قلق فرنسي

ما يقلق فرنسا هو شعورها المتزايد بأن ألمانيا تريد السير وحدها في مشروعاتها الدفاعية. فإضافة إلى طائرة المستقبل ودبابة الجيل الجديد، تخلّت برلين عن مشروع تطوير المروحية «تايغر» وعن سفينة الرقابة البحرية، كما تخلّت عن مشروع تصنيع فرقاطة مشتركة مع هولندا، فيما يبدو أنها تسعى لنشر مجموعة من الأقمار الاصطناعية المخصصة للاتصالات، ما من شأنه أن ينسف المشروع الأوروبي «إيريس».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على مدخل قصر الإليزيه في 22 يوليو (أ.ف.ب)

وما سبق دفع بول موريس، الباحث في المعهد الفرنسي للدراسات الدولية والمتخصص في العلاقات الفرنسية - الألمانية، إلى القول إنه منذ اندلاع الحرب الأوكرانية سقطت نظرية «فرنسا القوة العسكرية والاستراتيجية وألمانيا القوة الاقتصادية»، وأن ألمانيا «تنفق دوماً المزيد وهي بصدد تخطي فرنسا».

هناك واقع لا ينفيه الاختصاصيون الفرنسيون المتابعون للشأن الألماني، الذين يفسرون عجلة برلين في التسلح بأمرين رئيسيين: الأول، استشعار الخطر الروسي واعتقادهم أن الرئيس بوتين قد لا يتردد في مهاجمة الجناح الشرقي للحلف الأطلسي بحلول عام 2029.

وقال لارس كلينكبيل، نائب المستشار ميرتس، بمناسبة مناقشة ميزانية عام 2026، ما حرفيته: «تعتقد الأوساط الأمنية الألمانية أن بوتين سيكون قادراً في عام 2029، على أبعد تقدير، على مهاجمة أراضي الحلف الأطلسي. وهذا لا يعني أنه سيقوم بذلك، بل يعني أنه سيكون قادراً على ذلك». وتذهب التوقعات الفرنسية في الاتجاه نفسه.

المستشار الألماني ميرتس مع زيلينسكي (إ.ب.أ)

والأمر الثاني، تخوّف ألمانيا من خسارة المظلة الأميركية - الأطلسية بسبب المواقف المتأرجحة للرئيس ترمب، واستشعارها الحاجة إلى تكوين قوى ذاتية قادرة على الدفاع عن مصالح البلاد. من هنا، تحوَّلت ألمانيا إلى أول داعم لأوكرانيا مالياً وعسكرياً، إذ تعدّ أن أوكرانيا هي خط الدفاع الأول عن أوروبا في مواجهة أي مطامع أو نيات عدوانية روسية.

ميرتس مع ترمب في البيت الأبيض في مارس الماضي (أ.ب)

حزب «البديل»

يراقب الأوروبيون ما يجري داخل اللعبة السياسية الألمانية وتبعاتها الخارجية، واهتمامهم مُنصبّ على صعود حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، والنجاحات التي يحققها، والدور المتصاعد الذي يعتزم لعبه في المستقبل، وهم يتساءلون عما قد يقوم به في حال وصوله إلى السلطة، وبتصرفه آلة عسكرية استثنائية.

وثمة مَن يستحضر ما حصل في ألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي، ووصول أدولف هتلر وحزبه النازي إلى السلطة عبر الانتخابات.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في قاعة المرايا بقصر فرساي (رويترز)

ولذا، فإن إعادة التسلح الألماني تذكّر بما حصل في الفترة السابقة المشار إليها. ومن الواضح أن الدول الثلاث المتخوفة غير قادرة على منع ألمانيا من التسلح، لكن ما تريده هو أن يندرج ذلك في إطار أوروبي جماعي، علماً بأن الأوروبيين أخذوا يعون حاجتهم إلى دفاع أوروبي قوي داخل الحلف الأطلسي، وهو ما تدعو إليه واشنطن.

وإزاء المتخوفين، أخذت تُسمع أصوات فرنسية تدعو إلى عدم القلق، باعتبار أن فرنسا تمتلك أوراقاً مهمة تجعل منها القوة الرئيسية داخل الاتحاد الأوروبي، وأولاها امتلاكها القوة النووية التي توفر لها قدرة ردع مستقلة موضوعة بين يدي رئيس الجمهورية، وهو ما لا تمتلكه ألمانيا.

طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «ناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة «لييلفارد» الجوية في لاتفيا 14 أبريل الماضي (إ.ب.أ)

وثانية الأوراق أنها تحتل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي، ما يسمح لها بالدفاع عن مصالحها بفضل حق النقض (الفيتو). وثالثها إمكانية قواتها على الانتشار في أي مسرح قتالي بفضل حاملة الطائرات «شارل ديغول» العاملة بالدفع النووي وغواصاتها النووية.

ومن أوراق القوة أن فرنسا تمتلك خبرات قتالية متراكمة منذ عشرات السنين، وهو ليس حال ألمانيا. وباختصار، فلا سبب يدعو باريس للقلق، لكن ما يقلقها هو أن تصاعد قوة ألمانيا سيترك أثره في اتخاذ القرارات داخل الاتحاد الأوروبي لجهة تحديد الخيارات والمسارات الاستراتيجية، ما يعني أن «وزن» فرنسا سيتضاءل، فيما سيزداد موقع ألمانيا قوة. لكن ما يمكن أن يثلج صدور الفرنسيين هو أن برلين استدارت باتجاه باريس للنظر في إمكانية استفادتها من المظلة النووية الفرنسية في حال خسرت المظلة النووية الأميركية، وأن محادثات تُجرى بين الطرفين بهذا الخصوص.


مقالات ذات صلة

اتهامات متبادلة بين كييف وواشنطن بشأن الدعم الأميركي والصواريخ الاعتراضية

أوروبا زيلينسكي مع ملك النرويج هاكان (أ.ف.ب) p-circle

اتهامات متبادلة بين كييف وواشنطن بشأن الدعم الأميركي والصواريخ الاعتراضية

زيلينسكي يتحدث مع روبيو بشأن نظام «ستارشيلد» ويلتقي ويتكوف لإصلاح العلاقات مع واشنطن نتيجة الاتهامات المتبادلة بين الطرفين

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصافح نظيره الهندي سوبرامانيام جايشانكار بحضور السفير الأميركي لدى الهند سيرجيو غور خلال حفل استقبال بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الهند في مركز جيو العالمي للمؤتمرات في مومباي - الهند (رويترز)

روبيو وجايشانكار لاتفاق وشيك حول الطاقة والتجارة بين أميركا والهند

اقترب وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والهندي سوبرامانيام جايشانكار من التوصل لاتفاق لتعزيز التعاون في الطاقة والتجارة بعد أشهر من التوترات بين بلديهما.

علي بردى (واشنطن)
الاقتصاد ناقلة نفط راسية بالقرب من محطة كوزمينو بخليج ناخودكا في روسيا (رويترز)

عودة الديزل الروسي إلى الأسواق بعد رفع حظر التصدير

تشير بيانات الشحن الصادرة عن شركتي «كبلر» و«إل إس إي جي» إلى أن شحنات الديزل الروسي بدأت في العودة إلى وجهاتها الرئيسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أسعار البنزين ووقود الديزل في وسط مدينة لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا 15 أكتوبر 2026 (رويترز)

ترمب: 8 مليارات دولار لدعم المزارعين وسط ارتفاع أسعار الديزل

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إن وزارة الزراعة الأميركية ستطلق ما أسماه «برنامجاً جديداً لتخفيف أعباء الوقود خلال موسم الحصاد».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

طبيب ترمب الشخصي مُلزَم بالبقاء على بُعد 3 دقائق منه

كشف تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، عن أن الطبيب الشخصي للرئيس الأميركي دونالد ترمب مُلزَم بأن يكون على مسافة تتيح له الوصول إلى الرئيس خلال ثلاث دقائق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«التجمع الوطني» بزعامة لوبن يراهن على خطاب الأمن لتعزيز حظوظه لرئاسة فرنسا

زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز)
زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«التجمع الوطني» بزعامة لوبن يراهن على خطاب الأمن لتعزيز حظوظه لرئاسة فرنسا

زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز)
زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز)

بعد أعمال العنف التي شهدتها مدن فرنسية على هامش الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، عكف حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف على مهاجمة حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، واصفاً إياها بـ«العاجزة»، بينما اتهم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي بالعمل على إثارة «حرب أهلية»، مصوّراً نفسه على أنه الطرف الأكثر حرصاً على حفظ النظام، وواضعاً نصب عينيه كسب أكبر عدد من الناخبين قبل الانتخابات الرئاسية، وفق تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومن خلف مكتبها، حيث ظهر علم فرنسا وراءها، ألقت زعيمة الحزب مارين لوبن خطاباً حمل طابعاً رئاسياً بشأن الأحداث التي وقعت نهاية الأسبوع الماضي.

بالأسلوب نفسه، ألقى رئيس الحزب جوردان بارديلا والمرشح لتولي رئاسة الوزراء في حال فوز «التجمع الوطني»، خطاباً بشأن المظاهرات، الاثنين، من أمام علم بلاده، فيما كُتبت على منصة الإلقاء عبارة «في مواجهة الفوضى، (نقف مع) فرنسا النظام».

مارين لوبن برفقة مدير حملتها جوليان سانشيز خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز)

وانتشر هذا الشعار بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي في نهاية الأسبوع، إلى جانب صور تقارن بين «الأزمة العميقة» الناجمة عن «عقد من الماكرونية» و«فرنسا الهادئة» التي ستنتج عن فوز لوبن في الانتخابات، خصوصاً أن الأخيرة وضعت حفظ النظام في صلب برنامجها الانتخابي.

وكانت لوبن، التي تتصدر استطلاعات الرأي في الانتخابات الرئاسية التي ستجري بعد نحو ستة أشهر، أكدت أن حزبها يقف في صفّ الشرطة، بما يتماشى مع خطابه الداعي إلى فرض القانون والحفاظ على النظام.

وتواجه الحكومة الفرنسية ضغوطاً هائلة بعد أعمال العنف والنهب التي تخللتها مظاهرات السبت، وسط دعوات لمزيد من الاحتجاجات.

ويتخوّف خصوم «التجمع الوطني» من أن تسهم أعمال الشغب في صعوده إلى السلطة. ومن بين هؤلاء المرشح للرئاسة عن يسار الوسط رافاييل غلوكسمان، الذي أعرب عن قلقه من أن «تصب الفوضى في مصلحة» مارين لوبن، وأن يتحوّل مرشح حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون إلى أداة تتيح وصولها إلى السلطة.

شاشة تلفزيون تعرض خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس يوم 18 أكتوبر 2026 غداة أعمال عنف ونهب رافقت الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة (أ.ف.ب)

اتهامات متبادلة

وينفي مسؤولو «التجمع الوطني» أي محاولة من الحزب للاستثمار سياسياً في أعمال الشغب. وقال أحدهم «لا يمكن للمرء أن يفرح لرؤية البلاد على هذه الحال. عندما تكون وطنياً، ستتألم لذلك».

إلا أن الخبير السياسي برونو كوتري دعا إلى عدم المبالغة في تقدير حجم تأثير أعمال العنف على نتائج الانتخابات.

وقال في حديث إلى «وكالة الصحافة الفرنسية» إنه «على المدى القصير، يصب كل ما يحصل في مصلحة السياسيين الذين يركز خطابهم على القانون والنظام والأمن»، مشيراً في المقابل إلى أن ذلك «لن يترجَم تلقائياً في صناديق الاقتراع».

من جهته، رأى فريدريك دابي من معهد «إيفوب» لاستطلاعات الرأي أن أعمال العنف الأخيرة «أحدثت صدمة، ولن تمر من دون تداعيات».

وفي محاولة للحؤول دون أن تسهم أعمال العنف في تعزيز حظوظ «التجمع الوطني»، قالت المتحدثة باسم الحكومة مود بريجون، الداعمة لرئيس الوزراء السابق ومرشح يمين الوسط إدوارد فيليب: «أعتقد أن الشعب الفرنسي شعب ذكي».

وشددت على ثقتها بأن المواطنين «قادرون على فهم مدى تعقيد الأشياء»، وعلى إدراك أن «مقترحات ماري لوبن مصيرها الفشل».

وركّز «التجمع الوطني» في خطابه على مهاجمة الحكومة، إذ اتهمها جوردان بارديلا بأنها مسؤولة عن وضع يشهد «إفلاساً أمنياً وسياسياً غير مسبوق»، فضلاً عن «التهرب من مسؤولياتها».

كذلك، يهاجم الحزب فيليب ومرشحي الوسط، فضلاً عن جان لوك ميلانشون الذي تُظهر استطلاعات الرأي تقدماً كبيراً لماري لوبن على حسابه.

السلطات تتهم اليسار المتطرف بالتخطيط لتمرد

وتتهم السلطة من جهتها اليسار المتطرف وحزب «فرنسا الأبية» بتعزيز الفوضى في الاحتجاجات الأخيرة. فقد اتهم رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لوكورنو، الثلاثاء، «جماعات من اليسار المتطرّف» بـ«وضع مخطّط للتمرّد»، متعهداً بأن يكون الانتشار الأمني لمواكبة المظاهرات الجديدة المقررة السبت «كثيفاً»، فيما فرضت الشرطة حظراً جديداً للتجول في أجزاء من باريس ليل الثلاثاء.

وقال لوكورنو خلال جلسة أسئلة أمام «الجمعية الوطنية»: «لن نسمح بأن تقوم جماعات صغيرة متمردة بالزحف إلى قصر الإليزيه، وإلى ماتينيون» في إشارة إلى مقري رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة.

وتواجه الحكومة انتقادات حادّة بعد أعمال عنف ونهب، هي الأخطر خلال السنوات الأخيرة، وقعت على هامش مظاهرات حاشدة السبت احتجاجاً على غلاء المعيشة، قبل ستة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية، في بلد يثير قلقاً متنامياً في الأسواق المالية بسبب حجم ديونه وعدم استقراره.

وأقرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوجود «إخفاقات» في إدارة الاحتجاجات. واتفقت الكتل السياسية في الجمعية الوطنية على تشكيل لجنة تحقيق في أعمال العنف، وأيضاً في التدابير التي اتُّخذت لحفظ النظام.

كذلك اعترف رئيس الوزراء أمام «الجمعية الوطنية» بأن الانتشار في 17 أكتوبر «لم يكن متحركاً بما يكفي»، خلال يوم شهد أعمال عنف ونهب واسعة.


هدنة وهدوء في شوارع فرنسا مع حظر التجول... والحكومة تستعد لاحتجاجات السبت

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) مترئساً اجتماعاً أمنياً في قصر الإليزيه الأحد (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) مترئساً اجتماعاً أمنياً في قصر الإليزيه الأحد (أ.ب)
TT

هدنة وهدوء في شوارع فرنسا مع حظر التجول... والحكومة تستعد لاحتجاجات السبت

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) مترئساً اجتماعاً أمنياً في قصر الإليزيه الأحد (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) مترئساً اجتماعاً أمنياً في قصر الإليزيه الأحد (أ.ب)

سادت حالة من الهدوء في المدن الفرنسية خلال الليل في ظل حظر التجول الذي فرض عقب مشاهد الفوضى التي اندلعت في مطلع الأسبوع الحالي، في الوقت الذي أعلنت فيه الجماعات الاحتجاجية عن جولة جديدة من المظاهرات يوم السبت المقبل.

نصب الجمهورية الفرنسية (Monument à la République) وقد وُضعت عليه سترة صفراء وذلك في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات في «ساحة الجمهورية» بباريس (رويترز)

وتسعى الحكومة جاهدة لطمأنة الناس بأنها استفادت من الدروس المستخلصة من الثغرات الأمنية التي تركت مراكز مدن مثل باريس ومارسيليا وليون دون حماية تذكر أمام المشاغبين واللصوص في أعقاب المظاهرات.

وقال رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الثلاثاء، إن حظر التجوال المفروض في أنحاء فرنسا ساهم في أن تمر الليلة بهدوء. وقال: «الليلة، سوف يُفرض حظر تجوال جديد في المناطق التي يتطلب فيها الموقف ذلك» مشيراً إلى أن هذه القرارات سوف يتخذها محلياً المحافظون بالتشاور مع رؤساء البلديات. وكانت عدة مدن، من بينها العاصمة، قد فرضت قيوداً، مساء الاثنين.

وكانت الاحتجاجات التي شهدتها أنحاء فرنسا على ارتفاع تكلفة المعيشة قد صاحبتها أعمال شغب ونهب خطيرة. وقال لوكورنو في منشور على منصة «إكس»: «ساهمت إجراءات حظر التجول المحددة في الحفاظ على الهدوء ليلة أمس». وأضاف: «الإجراء قد يتم تمديده حيثما اقتضى الوضع ذلك».

وأعلن، الثلاثاء، أمام الجمعية الوطنية أن الانتشار الأمني لمواكبة المظاهرات الجديدة المقررة السبت في فرنسا سيكون «كثيفاً». وقال وزير الداخلية لوران نونييز: «سنعزز بالطبع الانتشار الأمني عما كان عليه يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول)، وستُراجع أساليب التدخل (...) من حيث الإمكانات، وحجم القوات المشاركة بالطبع، وسرعة الاستجابة والتحرك، لمواجهة هذه المجموعات والتصدي لها، وهي تشتت قوات الأمن بطريقة (...) مخطط لها بدقة شديدة».

رجل يلقي مخروطاً مرورياً بلاستيكياً عبر حاجز مشتعل وسط اشتباكات اندلعت خلال يوم من المظاهرات المناهضة لارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود في باريس (رويترز)

وأقرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوجود «إخفاقات» في إدارة الاحتجاجات. واتفقت الكتل السياسية في الجمعية الوطنية على تشكيل لجنة تحقيق في أعمال العنف، وأيضاً في التدابير التي اتُّخذت لحفظ النظام.

وتحولت إضرابات طلاب المدارس الثانوية والمظاهرات ضد تدني مستوى الخدمات التعليمية وتدهور الأوضاع، إلى موجة غضب على مستوى البلاد ضد ارتفاع الأسعار، مع الشعور بأن احتياجات الصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية لم تعد تُلبى أيضاً.

وعلاوة على ذلك، تسهم هذه الأحداث في تأجيج التوتر في الأجواء السياسية في وقت يتصدر فيه مرشحو اليمين المتطرف واليسار المتطرف المشهد قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين.

نيران تشتعل في ظل اضطرابات مدنية وقعت غداة يوم شهد مظاهرات على مستوى البلاد احتجاجاً على تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)

وفي كلمته في مدينة ليل بشمال فرنسا، قال وزير العدل جيرالد دارمانان إن 149 شخصاً سجنوا على مستوى البلاد حتى ظهر اليوم الثلاثاء. ووفقاً لوزارة العدل، من بين ما يقرب من 2500 شخص ألقي القبض عليهم منذ يوم السبت، أحيل أكثر من 800 شخص إلى الادعاء العام، وتمت محاكمة معظمهم إما فوراً وإما أمروا بالمثول في جلسة استماع لاحقة.

وقال دارمانان إنه طلب من الادعاء استئناف أي عقوبة يعتبرونها متساهلة للغاية. وأضاف: «إن انتهاء المطاف بأشخاص ليس لديهم سجل جنائي في السجن بسبب جرائم الممتلكات هو أمر نادر للغاية، إن لم يكن غير مسبوق»، دافعاً بأن نظام العدالة الفرنسي سيكون «صارماً للغاية».

ويمنح هدوء الليل الحكومة فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أسابيع من الاحتجاجات التي أرهقت الشرطة والسلطات العامة. لكن هناك تحديات جديدة تنتظرهم يوم السبت المقبل.

وقالت الاتحاد الوطني للطلاب الفرنسيين، وهو الاتحاد الطلابي الرئيسي في فرنسا، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «سنواصل»، متعهداً بمواصلة الضغط على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحكومته لإصلاح ما يصفه الطلاب والتلاميذ بأنه نظام تعليمي متهالك يعاني من نقص التمويل.

من ناحية أخرى، دعت مجموعات تعرف باسم «السترات الصفراء» إلى تنظيم احتجاجات متفرقة ضد ارتفاع أسعار الوقود. واتهم لوكورنو، الثلاثاء، «جماعات من اليسار المتطرّف» بـ«وضع مخطّط للتمرّد» في بعض الأماكن. وقال لوكورنو: «لن نسمح بأن تقوم جماعات صغيرة متمردة بالزحف إلى قصر الإليزيه، وإلى ماتينيون» في إشارة إلى مقري رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة.

ميدان «لاريبوبليك» وسط باريس 17 أكتوبر حيث بدأت أعمال الشغب (أ.ب)

وفي العاصمة، استمر حظر التجول من الساعة 11 مساء الاثنين حتى الساعة 6 صباح اليوم الثلاثاء، وحلقت طائرة مروحية تابعة للشرطة فوق ساحة الجمهورية طوال الليل، وهي نقطة مركزية في اشتباكات عطلة نهاية الأسبوع، مسلطة كشافاً على الساحة للتحقق من الالتزام بأمر الحظر.

وفي وقت سابق من صباح الثلاثاء، استخدم العمال رافعة لإزالة سترة عملاقة باللون الأصفر الفوسفوري الساطع علقت على التمثال الموجود في وسط الساحة، في إشارة إلى احتجاجات «السترات الصفراء» على أسعار الوقود التي بدأت في عام 2018 وهزت الولاية الأولى للرئيس إيمانويل ماكرون. ثم استخدم العمال مضخات غسل بالضغط العالي لإزالة الكتابات عن النصب التذكاري.

من جانبه، أعلن وزير الحسابات العامة ديفيد أمييل، الثلاثاء أن الحكومة وجّهت تعليمات إلى مصلحة الضرائب وهيئة تحصيل اشتراكات الضمان الاجتماعي لإتاحة «تقسيط الضرائب والاشتراكات الاجتماعية بإجراءات مبسّطة» للتجار المتضررين، بعدما تعرض ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف محل تجاري للتخريب أو النهب. وقال إنّه طلب من مصلحة الضرائب «تسريع ردّ المستحقات الضريبية (...) لدعم السيولة لدى التجار الذين تضرروا بشدّة مما حدث خلال عطلة نهاية الأسبوع». واتهم رئيس منظمة أرباب العمل باتريك مارتان الدولة بـ«التقصير».

ويندد حزب «التجمع الوطني» بـ«عجز» الحكومة، ويتّهم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي بالسعي إلى إشعال «حرب أهلية». ويقدّم الحزب اليميني المتطرف نفسه بوصفه حزب النظام، أملاً في توسيع قاعدته الانتخابية استعداداً للانتخابات الرئاسية.

متظاهرون يسيرون وسط الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج على غلاء المعيشة في ليل شمال فرنسا 17 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

ورأى رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، المنتمي إلى اليمين وثاني شخصية في الدولة، أن مسألة حظر حزب «فرنسا الأبية» يمكن أن «تُطرح» بعد أعمال العنف خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وأكد مرشح حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون أن حزبه «لا يقود الحركة الشعبية، التي تقود نفسها بنفسها»، مندداً بـ«عدم كفاءة» الحكومة في أساليب حفظ النظام.

وفي مواجهة اتهامات اليمين واليمين المتطرف للسلطات بعدم الحزم في التعامل مع أعمال العنف، تسعى السلطة إلى إظهار قوتها، خصوصاً مع توقع مظاهرات جديدة السبت وخلال الأسابيع المقبلة. وسيعقد رئيس الوزراء اجتماعاً مع الأحزاب السياسية، الخميس.

لكن زعيمة حزب «الخضر» مارين تونديلييه أبدت تحفظات على هذه «الإجراءات الاستثنائية»، داعية إلى «تسليط الضوء على أوجه القصور في منظومة حفظ النظام».

ورأى رئيس بلدية باريس الاشتراكي إيمانويل غريغوار أن حظر التجول «يجب أن يبقى استثنائياً».


اتهامات متبادلة بين كييف وواشنطن بشأن الدعم الأميركي والصواريخ الاعتراضية

زيلينسكي يعانق ويتكوف إلى جانب رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب (رويترز)
زيلينسكي يعانق ويتكوف إلى جانب رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب (رويترز)
TT

اتهامات متبادلة بين كييف وواشنطن بشأن الدعم الأميركي والصواريخ الاعتراضية

زيلينسكي يعانق ويتكوف إلى جانب رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب (رويترز)
زيلينسكي يعانق ويتكوف إلى جانب رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب (رويترز)

قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الثلاثاء، إن الرئيس دونالد ترمب «منزعج» من الاتهامات الموجهة إليه بتعمد إلحاق الضرر بأوكرانيا، بما يشمل الادعاءات بأنه أمر بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية. وأوضح روبيو خلال زيارة للهند: «يشعر الرئيس بالانزعاج لأنه، أولاً وقبل كل شيء، لا يحب أن يُلام على أمور غير صحيحة، بما في ذلك الاتهامات بأنه أمر بقطع تبادل المعلومات الاستخباراتية». وأضاف: «أعتقد أن الرئيس، قبل كل شيء، يرد على التلميحات بأنه يفعل أشياء لإلحاق الضرر بأوكرانيا عمداً، وهو أمر غير عادل وغير صحيح».

وصعّد ترمب أيضاً انتقاداته لكييف بعدما لمّح زيلينسكي إلى أن نهج الرئيس الأميركي المتقارب مع الكرملين يضعه في الجانب الخطأ من التاريخ. ورد ترمب قائلاً: «زيلينسكي لا يعرف عما يتحدث». وقال إن الرئيس الأوكراني «لا يساعد كثيراً» في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.

من اليمين لليسار: رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره والرئيس الأوكراني والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب (إ.ب.أ)

اتهم الرئيس ترمب كييف بعدم تقديم أي شيء مقابل الدعم الأميركي. وقال للصحافيين في واشنطن: «لقد قدمنا الكثير لأوكرانيا، لكنها لم تقدم لنا شيئاً. تذكروا ذلك».

في غضون ذلك، أفاد موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي بأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اشتكى من حجب واشنطن لشحنات الأسلحة. وحسب التقارير، وجه زيلينسكي هذا الاتهام خلال اجتماع افتراضي مع أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وقال السيناتور الجمهوري توم تيليس، عن ولاية نورث كارولاينا، والسيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال، عن ولاية كونيتيكت، في بيان، إن زيلينسكي أبلغ أيضاً عن اضطرابات في تبادل المعلومات الاستخباراتية الأميركية المتعلقة بالإنذار المبكر بشأن إطلاق الصواريخ الباليستية الروسية. وقال العضوان: «نتيجة لهذه الاضطرابات، يموت مدنيون، بينهم أطفال».

وجاءت مشاركة العضوين في الاتصال بعدما أعفت إدارة ترمب روسيا من عقوبات أقرها الكونغرس مؤخراً. وأكد المشرعان أن الديمقراطيين والجمهوريين يدركون عواقب عدم ردع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مجددين التزامهم بدعم أوكرانيا والحلفاء الأوروبيين لإنهاء «المذبحة الناجمة عن الحرب العدوانية الروسية».

وقال العضوان: «جدّد زيلينسكي تأكيد استعداده لوقف الهجمات على منشآت الطاقة الروسية، وفقاً لما اقترحه الرئيس ترمب، ولكن بشرط موافقة بوتين على الأمر نفسه، وهو طلب عادل».

وقال زيلينسكي إن القرارات التي اتخذتها الولايات المتحدة بشأن الحرب ​في أوكرانيا، بما في ذلك التأخير في شحنات أسلحة والقيود المفروضة على تبادل المعلومات الاستخباراتية، «يصعب تفسيرها». وأضاف ​زيلينسكي أن ⁠أوكرانيا لم تتلق تفسيرات كاملة بشأن القيود المفروضة على استخدام نظام «ستارشيلد» الضروري لتنفيذ بعض الضربات بالطائرات المسيّرة والتصدي للهجمات الروسية، لا سيما تلك التي تشنها الطائرات المسيّرة النفاثة عالية ⁠السرعة.

وذكر موقع «أكسيوس»، نقلاً عن نص الاجتماع، أن زيلينسكي قال إن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يرفض الموافقة على تسليم صواريخ باتريوت وغيرها من صواريخ الدفاع الجوي، رغم أن دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) دفعت ثمنها بالفعل. ونقل الموقع عن زيلينسكي قوله: «كل هذا يشير إلى اتخاذ قرار سياسي ما بإبطاء الدعم المقدم إلينا».

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست»، نقلاً عن أشخاص مطلعين على الأمر، أن تعليق الشحنات أثر أيضاً في الإمدادات المقدمة من شركاء آخرين لأوكرانيا، التي تتطلب موافقة واشنطن.

ونفى مسؤول كبير في وزارة الدفاع الأميركية صحة التقارير، وقال لـ«وكالة الأنباء الألمانية» إنه لم تطرأ أي تغييرات على البرنامج الذي تشتري بموجبه دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) أسلحة أميركية لأوكرانيا. وأضاف المسؤول أن الأمر نفسه ينطبق على تبادل المعلومات الاستخباراتية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

وفي تصريحات نشرت في مقطع ‌فيديو على تطبيق ‌«تلغرام»، قال الرئيس الأوكراني إن ​بلاده لم ‌تتلق في ثلاث مناسبات خلال الأسبوع الماضي ‌إنذارات مسبقة عن هجمات، وهو ما يقدمه شركاؤها عادة. وقال: «كل هذا يشير إلى أنه تم اتخاذ قرار سياسي ما لإبطاء وتيرة الدعم المقدم لنا». وذكر زيلينسكي أن أوكرانيا مستعدة لوقف الهجمات على مصافي النفط الروسية، كما طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لمدة 30 يوماً، وذلك ​في حال زودت ​واشنطن كييف بصواريخ اعتراضية لنظام باتريوت المضاد للصواريخ.

كذلك، انتقد ترمب الضربات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، وردد دعوات الكرملين لرحيل زيلينسكي.

وأعلن الرئيس الأوكراني، الثلاثاء، أنه تحدث مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وناقش معه قضايا تتعلق بنظام الأقمار الاصطناعية العسكرية الأميركية «ستارشيلد» الذي تستخدمه أوكرانيا، وتأخير وصول الصواريخ الاعتراضية.

وقال زيلينسكي إنه أبلغ روبيو بضرورة إعادة تفعيل نظام «ستارشيلد»، مؤكداً الحاجة الماسة إلى صواريخ اعتراضية باليستية لحماية الأرواح. ووصف زيلينسكي محادثاته مع روبيو بأنها «جوهرية» و«بناءة»، مضيفاً: «أنا ممتن لاستعداده للمساعدة وموقفه الواضح».

زيلينسكي في طريقه للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

ويزور زيلينسكي النرويج لعقد جولة جديدة من محادثات السلام، في وقت تزداد فيه الضغوط الأميركية على كييف لتقديم تنازلات من أجل التوصل إلى اتفاق مع روسيا.

وتوجه زيلينسكي إلى أوسلو، الثلاثاء، للقاء المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، في محاولة لإصلاح العلاقات مع واشنطن التي تدهورت بشكل حاد خلال الأسبوعين الماضيين، في ظل تقارب كبير من جانب الرئيس دونالد ترمب تجاه موسكو. وقال ترمب الاثنين: «بصراحة، كانت روسيا متعاونة بشأن أوكرانيا... وزيلينسكي لا يساعد كثيراً في حل الأمور». ودعا كييف إلى إيجاد «شخص آخر للتفاوض».

ويتوقع أن يشارك في الاجتماع، عن بُعد، جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومن الشخصيات البارزة في البيت الأبيض التي تضطلع بجهود تسوية النزاعات الدولية.

كما سيشارك في المحادثات رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب. وذكر بيان صادر عن الحكومة النرويجية أن رئيس الوزراء النرويجي سيلتقي زيلينسكي في أوسلو الثلاثاء، بحضور الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب.

وقال رئيس الوزراء النرويجي في بيان: «طلبت أوكرانيا من المبعوثين الأميركيين الخاصين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر الانضمام إلى الاجتماعات. ويسرني مشاركتهما. وقد بُذلت جهود دبلوماسية سابقة في دول عدة، ويسر النرويج وفنلندا مواصلة هذا العمل. والهدف هو توجيه الجهود الدبلوماسية نحو مسار أكثر بناءً». ونقلت وكالة الأنباء النرويجية عن ستوره القول إن «الهدف هو إعادة توجيه الجهود الدبلوماسية نحو مسار أكثر بناء».

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما بالبيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

من جانب آخر، أعرب الرئيس الأميركي عن انفتاحه نحو عقد قمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ لمناقشة نزع السلاح النووي. وقال ترمب للصحافيين، الاثنين، عند سؤاله بشأن إمكانية عقد مثل هذه القمة: «نحتاج لهذه القمة للتحدث بشأن الأسلحة النووية ونزع السلاح النووي».

وأضاف ترمب أن عقد قمة بين قادة أكبر ثلاث قوى نووية في العالم لمناقشة نزع السلاح النووي «سيكون أمراً إيجابياً للغاية بالنسبة للعالم»، موضحاً أنه على استعداد للمشاركة في هذه القمة في أي وقت. وأوضح أنه سيطرح قضايا أخرى مثل الحرب في أوكرانيا خلال مثل هذه القمة.

Ukrainian President Volodymyr Zelenskyy, US Special Envoy Steve Whitkoff, and Jared Kushner, son-in-law of US President Donald Trump, last September (Reuters)

ومن الممكن عقد لقاء مع بوتين وشي جينبينغ في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل على هامش قمة منظمة التعاون الاقتصادي آسيا - المحيط الهادئ المقررة في مدينة شينزين الصينية.

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن بوتين هو من اقترح هذه الفكرة.

ولم تؤكد الصين بعد خطط عقد مثل هذا اللقاء. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ الثلاثاء لدى سؤالها بشأن تصريحات ترمب إنه ليس لديها أي معلومات لتشاركها في الوقت الحالي.

ومن ناحية أخرى، حذّر وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها من أن عقد قمة ثلاثية بين روسيا والصين وأميركا من دون مشاركة أوكرانيا سوف يؤدي فقط «لتشجيع» موسكو على الاستمرار في حربها، في الوقت الذي تكثف فيه روسيا هجماتها على مدار الساعة باستخدام الطائرات المسيّرة، وتتعرض فيه الدفاعات الجوية الأوكرانية لاستنزاف متكرر. وكتب سيبيها عبر منصة «إكس» الاثنين أن بوتين لا يستحق مقعداً على طاولة المفاوضات.

عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)

من جانب آخر، أعلنت وزارة الدفاع في موسكو، في بيان عبر تطبيق «تلغرام»، أن القوات الروسية شنّت هجمات خلال الليل استهدفت أربع سفن شحن جاف في منطقة أوديسا بأوكرانيا، من بينها 3 سفن في ميناء ريني، والرابعة كانت في طريقها إلى أوديسا. وقالت الوزارة، الثلاثاء، إن الهجمات استهدفت أيضاً البنية التحتية للميناء التي تدعم محطات تحميل البضائع وتفريغها في ريني. وأضافت أن الهجمات استهدفت كذلك مراكز لوجستية في مدينتي خميلنيتسكي وكوفل. ولم يتسنَّ لوكالة «بلومبرغ» التحقق بشكل مستقل من هذه البيانات.

وحذّرت كايا كالاس، مفوضة السياسة الخارجية والسياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي، الثلاثاء، من أزمة غذائية عالمية جديدة مع تصاعد الهجمات الروسية على طرق التصدير الأوكرانية في منطقة البحر الأسود. وقالت كالاس لنواب البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا الثلاثاء: «نظام الغذاء العالمي يواجه الآن أزمة متكاملة الأركان». وأوضحت كالاس أن موجات الجفاف في نصفي الكرة الأرضية، والصراع في الشرق الأوسط، وظاهرة «النينيو» القاسية، كلها مخاطر تهدد الإمدادات الغذائية العالمية، بالإضافة إلى استهداف روسيا لصادرات أوكرانيا الغذائية.