قلق في ألمانيا مع تزايد حظوظ «البديل» قبل أقل من شهر على الانتخابات

شولتس يصف دعم ماسك للحزب اليميني المتطرف بأنه «مقرف»

إيلون ماسك خلال ظهوره عبر دائرة الفيديو أمام تجمع انتخابي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» قبل أيام (د.ب.أ)
إيلون ماسك خلال ظهوره عبر دائرة الفيديو أمام تجمع انتخابي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» قبل أيام (د.ب.أ)
TT

قلق في ألمانيا مع تزايد حظوظ «البديل» قبل أقل من شهر على الانتخابات

إيلون ماسك خلال ظهوره عبر دائرة الفيديو أمام تجمع انتخابي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» قبل أيام (د.ب.أ)
إيلون ماسك خلال ظهوره عبر دائرة الفيديو أمام تجمع انتخابي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» قبل أيام (د.ب.أ)

تُسارع الأحزاب الألمانية لاحتواء الصعود المستمر والمثير للقلق لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، قبل أقل من شهر على الانتخابات العامة. وتبدو الأحزاب التقليدية في حالة استنفار بعد أن أظهر استطلاع للرأي تقدماً غير مسبوق للحزب المعادي للمهاجرين، الذي يؤيده صاحب منصة «إكس» إيلون ماسك.

وبحسب معهد «يوغوف» كسب «البديل من أجل ألمانيا» 4 نقاط خلال أسبوع واحد، وبلغت نسبة التأييد له 23 في المائة ليقترب بشكل كبير من الحزب المسيحي الديمقراطي الذي يرأسه فريدريش ميرتز، وهو حزب يميني وسطي تنتمي إليه المستشارة السابقة أنجيلا ميركل. ويحظى حزب ميرتز بـ29 في المائة بحسب الاستطلاع نفسه. ويبدو أن الحزب الاشتراكي الحاكم الذي ينتمي إليه المستشار أولاف شولتس من أكبر الخاسرين، إذ فقد 4 نقاط خلال أسبوع، وأصبح يحظى بتأييد لا يتجاوز الـ15 في المائة، فيما شريكه في الائتلاف الحاكم حزب الخضر خسر نقطتين وبات يحظى بـ13 في المائة من الأصوات.

«عقدة الذنب»

ويمكن تفسير هذا النهوض لحزب «البديل من أجل ألمانيا» خلال أيام بتحول موضوع المهاجرين إلى الموضوع الرئيسي الذي يهم الناخبين، خاصة بعد عملية أشافنبورغ الأسبوع الماضي التي قتل فيها لاجئ أفغاني طفلاً يبلغ من العمر عامين، طعناً بالسكين. وبحسب استطلاع قبل أيام، فإن 36 في المائة من المستطلعة آراؤهم وضعوا مسألة الهجرة في طليعة اهتماماتهم، مقابل 23 في المائة قبل أسبوع.

ومن دون شكّ، يساعد تأييد ماسك للحزب المتطرف بزيادة حظوظه، رغم الانتقادات الواسعة التي توجه للمليونير الأميركي. وقد ظهر ماسك في تجمع انتخابي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الأسبوع الماضي، وألقى كلمة عبر دائرة الفيديو قال فيها إن «ألمانيا تركز بشكل كبير على ماضيها»، وإنه «آن الأوان لتخطي الماضي وعقدة الذنب»؛ في إشارة إلى مسؤولية ألمانيا عن الهولوكوست. وأضاف على وقف تصفيق حار من المشاركين في المؤتمر: «لا يجب على الأطفال أن يشعروا بذنب أهاليهم أو أجدادهم». ومعروف أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» يضُمّ سياسيين وأعضاء ينكرون الهولوكوست، وقد واجه عدد منهم قضايا داخل المحاكم الألمانية، ومنهم من أُدين بنكران المحرقة واستخدام شعارات نازية محظورة.

ذكرى أوشفيتز

وجاءت تصريحات ماسك قبل يوم واحد على إحياء ذكرى 80 عاماً لتحرير معسكر أوشفيتز، ما أثار استياء سياسياً كبيراً في ألمانيا. وكتب رئيس الحكومة البولندية دونالد تاسك على منصة «إكس»، منتقداً ماسك من دون تسميته: «الكلمات التي سمعناها في تجمع حزب البديل من أجل ألمانيا حول (عظمة ألمانيا) والحاجة لـ(نسيان الذنب الألماني عن جرائم النازيين) بدا مألوفاً ومشؤوماً، خاصة أنه جاء خلال ساعات من ذكرى تحرير أوشفيتز». وأعاد شولتس نشر التغريدة مع تعليق: «لا يمكن أن أوافق أكثر».

وعاد شولتس الأربعاء، ووصف تأييد ماسك لحزب «البديل من أجل ألمانيا» بأنه «مقرف»، وكان يرد على سؤال بالإنجليزية من مراسل من قناة الـ«سي إن إن» في تجمع في برلين. وقال إن دعم ماسك للأحزاب والحركات اليمينية المتطرفة في أنحاء أوروبا «أمر مقرف وغير جيد للديمقراطية في كامل الاتحاد الأوروبي». وأضاف منتقداً تصريحات ماسك خلال تجمع «البديل من أجل ألمانيا»: «نحن مسرورون جداً بأن الولايات المتحدة حرّرت بلدنا وساعدتنا على أن نصبح ديمقراطية من جديد، ولهذا أنا غاضب جداً أن إيلون ماسك يدعم اليمين المتطرف، وأيضاً لا يتجاوب بالشكل المناسب مع قتل ألمانيا لعدد كبير من اليهود وغيرهم في أوروبا في الماضي».

ويتعرض شولتس لانتقادات وإهانات شخصية من ماسك منذ أسابيع، وغالباً يعمد لتجاهل التعليق المباشر، ويقول إن الطريق الأفضل هو عدم الرد.

واستمرت التحذيرات من حزب «البديل من أجل ألمانيا» داخل «البوندستاغ»، الذي عقد جلسة الأربعاء لإحياء ذكرى تحرير أوشفيتز. وقال الرئيس الألماني فرانك فالتز شتاينماير، من دون أن يسمى الحزب اليميني المتطرف الذي ترفض كل الأحزاب التحالف معه ويعتبرون خطراً على الديمقراطية: «يجب أن نأخذ أعداء الديمقراطية بجدية. نحن نعيش في أوقات يتعين اتخاذ قرارات فيها، إن الأمر بيدنا أن نحافظ على ما حققناه ونحمي ديمقراطيتنا، يجب ألا نعود إلى الأوقات المظلمة».

ميركل تحذّر من التعاون مع «البديل»

وبعد جلسة إحياء ذكرى أوشفيتز، ناقش «البوندستاغ» خططاً جديدة عاجلة لمواجهة الهجرة تقدم بها حزب ميرتز إثر حادث أشافنبورغ، في محاولة لكسب أصوات من «البديل لألمانيا». ومر المشروع الذي عارضه حزب شولتس وحزب الخضر، بأصوات الحزب «البديل من أجل ألمانيا» في سابقة أثارت موجة من الغضب ضد ميرتز.

وأظهر تعاون الحزبين اليميني الوسطي والمتطرف سقوط «حاجز» وضعته كل الأحزاب الألمانية حتى الآن، برفض التعامل مع حزب مصنف يمينياً متطرفاً والكثير من أعضائه متهمون بالتعاطف مع النازيين. وتضمنت خطة ميرتز رفض دخول كل طالبي اللجوء غير القانونيين على الحدود الألمانية، والإبقاء على المراقبة للحدود وترحيل المهاجرين غير الشرعيين بعد القبض عليهم وإبقائهم في مراكز معينة لغاية ترحيلهم.

واستدعى تعاون الحزبين الوسطي والمتطرف لتمرير القانون رداً حتى من المستشار السابقة أنجيلا ميركل، التي نادراً ما تتدخل في السياسة أو تعبر عن آرائه منذ خروجها إلى التقاعد نهاية عام 2021. وصدر بيان عن مكتبها يصف تعاون حزبها مع «البديل من أجل ألمانيا» بأنه «خطأ»، مضيفة أنه «من الضروري أن تتعاون كل الأحزاب الديمقراطية سوية عبر مختلف الأحزاب من دون حركات تكتيكية، لتطبيق القانون الأوروبي، وبذل كل الجهود لمنع تكرار الحوادث الرهيبة التي شهدناها في ماغدبورغ قبل الميلاد، وأشافنبورع بعد أيام»، في إشارة إلى العمليتين الإرهابيتين اللتين ارتكبهما أجانب.

وكانت تعرضت خطة ميرتز لانتقادات كبيرة من قانونيين ومؤيدين لحقوق الإنسان قالوا إنها تعارض القوانين الأوروبية. ورغم أن الخطة لن تكون ملزمة للحكومة الحالية، فإن تأييد حزب «البديل من أجل ألمانيا» لها قد تكون له نتائج عكسية على الحزب الذي يقوده ميرتز وتكلفه أصواتاً عوضاً عن كسبها.


مقالات ذات صلة

«الوحدة» الليبية تعوّل على مشاركة «البلديات» بالمسار الأممي

شمال افريقيا وزير الحكم المحلي المكلف في حكومة «الوحدة» محمد بن غلبون ونائبة مبعوثة الأمم المتحدة ستيفاني خوري خلال لقاء في طرابلس الخميس (وزارة الحكم المحلي)

«الوحدة» الليبية تعوّل على مشاركة «البلديات» بالمسار الأممي

تعوّل حكومة «الوحدة الوطنية» (المؤقتة) في غرب ليبيا على إشراك عمداء البلديات ومجالسها المنتخبة في العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)

محادثات ليبية لبحث جهود توحيد المؤسسة العسكرية

تتواصل في العاصمة التونسية، لليوم الثاني، السبت، محادثات ليبية تستهدف توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية في إطار الجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام العسكري والمؤسسي

خالد محمود (القاهرة )
الولايات المتحدة​ رجل يضع قبعة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» خلال مناسبة انتخابية في مونرو بميشيغان يوم الخميس (أ.ف.ب)

الأميركيون يتطلعون إلى «تغيير جذري» في الانتخابات

أفاد استطلاع أن الأميركيين يرغبون في تغيير جذري خلال الانتخابات النصفية للكونغرس، وسط اعتقاد بتقصير داخلي وخارجي من الرئيس دونالد ترمب.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب في حدث انتخابي في مونتانا في 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

ترمب ومعركة مجلس النواب... اختبار للأغلبية الجمهورية

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، الولايات التي ستحسم معركة مجلس النواب، وكيف لإعادة رسم الخرائط الانتخابية أن تغيّر موازين القوى

رنا أبتر (واشنطن)
العالم العربي الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

أعلن الصومال الخميس إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل، رغم المشهد السياسي المتزايد الانقسام والمخاوف من تنامي عدم الاستقرار في البلاد.

«الشرق الأوسط» (مقديشو)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.