انتخابات روسيا شبه محسومة... ولاية جديدة لبوتين تعزز نهجه    

الأطول بقاءً على عرش الكرملين منذ الإمبراطورة يكاترينا الثانية

بوتين خلال أحد لقاءاته بالكرملين الاثنين (إ.ب.أ)
بوتين خلال أحد لقاءاته بالكرملين الاثنين (إ.ب.أ)
TT

انتخابات روسيا شبه محسومة... ولاية جديدة لبوتين تعزز نهجه    

بوتين خلال أحد لقاءاته بالكرملين الاثنين (إ.ب.أ)
بوتين خلال أحد لقاءاته بالكرملين الاثنين (إ.ب.أ)

يستعد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لتدشين ولاية رئاسية جديدة بعد أيام، في انتخابات تبدو نتائجها محسومة سلفاً. وينتظر أن تثبته على مقعد الرئاسة في الكرملين حتى عام 2030 على الأقل، ليدخل بذلك في عداد الزعماء والقياصرة الروس الذين تربعوا على عرش الكرملين سنوات طويلة، شهدت خلالها البلاد تقلبات ومراحل هبوط وصعود، وواجهت أعقد التحديات الخارجية والداخلية. ومع تجاوزه هذا الاستحقاق يكون بوتين الذي تسلم زمام السلطة في روسيا في عام 1999 أطول الحكام عمراً على العرش منذ الإمبراطورة يكاترينا الثانية في القرن الثامن عشر.

دخلت استعدادات الاستحقاق الانتخابي مراحلها الأخيرة، إذ يتوجه الروس في الفترة بين 15 و17 مارس (آذار) للإدلاء بأصواتهم، وسط أجواء غابت عنها المنافسة، لكنها في الوقت نفسه، شهدت حملات إعلامية وسياسية قوية لإظهار دعم المجتمع للرئيس وقراراته المصيرية، وعلى رأسها الهجوم على أوكرانيا قبل عام ونيف.

ملصق لتشجيع المشاركة بالانتخابات في سان بطرسبرغ في 7 مارس الحالي (أ.ب)

واستبقت السلطات الروسية الاستحقاق بتأكيد عزمها على مواجهة أي محاولة للتدخل الخارجي في العملية الانتخابية، أو مساعي التأثير على الوضع في البلاد بعدها. ووجه الكرملين تحذيرات صارمة بهذا الشأن جرى إيصالها مباشرة عبر القنوات الدبلوماسية إلى الولايات المتحدة وغالبية البلدان الأوروبية.

ورغم أن أوساطاً روسية تتحدث عن احتمال وقوع احتجاجات خلال الاستحقاق أو بعده، خصوصاً على خلفية الدعوات التي وجهها زعيم المعارضة أليكسي نافالني، قبل الإعلان عن وفاته في السجن منذ أسبوعين، إلا أن السلطات الأمنية تبدو مستعدة لقمع أي محاولات لـ«زعزعة الأوضاع».

ويتزامن مع التدابير الأمنية المشددة التي ينتظر أن تفرض في العاصمة موسكو وكبريات المدن الروسية، عمل الكرملين على تأكيد التفاف الروس حول الرئيس وسياساته الداخلية والخارجية.

وأظهر استطلاع حديث للرأي نشره مركز دراسات الرأي العام المقرب من الكرملين أن غالبية مريحة من الروس لا يرون بديلاً لبوتين على سدة الرئاسة. وقال نحو 70 في المائة إنه الشخص الأجدر بمواصلة قيادة البلاد، خصوصاً في ظروف مواجهة «عدوان خارجي هجين استخدم فيه الغرب كل أنواع الأسلحة والعقوبات والحملات السياسية والإعلامية». كما أعرب نحو 64 في المائة ممن شملهم الاستطلاع عن دعمهم مواصلة «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا، ورأوا أنها تحقق أهدافها تدريجياً. اللافت في هذا الرقم أنه يعكس ازدياد أعداد مؤيدي الحرب التي دخلت قبل أسابيع عامها الثالث، بالمقارنة مع نسب التأييد التي كانت قد سجلت عند اندلاعها. ويعزو خبراء ذلك إلى الحملات السياسية والإعلامية القوية التي ركزت على «مواجهة الخطر الخارجي».

روسيتان تسيران قرب ملصق عسكري بموسكو الاثنين (أ.ف.ب)

وتأتي الانتخابات في وقت ملائم لبوتين الذي بدأ مسيرته في أروقة جهاز الاستخبارات السوفياتي «كيه جي بي»، فالقوات الروسية حققت مؤخراً تقدماً ميدانياً في أوكرانيا هو الأول لها منذ أشهر، وأبرز معارضيه نافالني بات تحت التراب في جنوب موسكو بعد وفاته خلف قضبان سجنه في الدائرة القطبية. كما أن الاقتصاد الروسي بقي صامداً رغم العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، من خلال استيراد منتجات أساسية عبر طرف ثالث، أو إعادة توجيه الإنتاج الروسي في مجال الطاقة نحو الأسواق الآسيوية.

وعلى الرغم من أن بوتين بات معزولاً في الغرب منذ بدء الحرب فإن الكرملين يرى في الانتخابات مناسبة ستعكس توحد الروس خلف رئيسهم.

ورأى الناطق باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، قبل أسابيع أن «بوتين هو، بطبيعة الحال، السياسي والفاعل الأول في الدولة»، مضيفاً: «برأيي، وربما لا يحق لي أن أقول ذلك (...) اليوم لا منافس له في روسيا، ولن يكون له» منافس.

ويأمل الكرملين في تسجيل تأييد لبوتين في الاستحقاق الحالي، يكون أكبر من دورات الانتخابات الأربع السابقة.

في 2018، أظهرت النتائج الرسمية فوز بوتين بحصوله على 77.5 في المائة من الأصوات.

وقال الباحث في «تشاتام هاوس» نيكولاي بيتروف لوكالة الصحافة الفرنسية إن «هذه الانتخابات بالغة الأهمية للكرملين... ثمة حاجة إليها لإظهار أن الروس يدعمون بوتين بغالبية صريحة».

لذلك تتوقع أوساط روسية أن تصل نسب التأييد خلال الانتخابات الحالية إلى ما يقارب 80 في المائة.

وهذه السنة، سيواجه بوتين 3 منافسين جرت المصادقة على ترشحهم، هم: القومي ليونيد سلوتسكي، والشيوعي نيكولاي خاريتونوف، ورجل الأعمال فلاديسلاف دافانكوف، وسبق للثلاثة أن أيدوا الهجوم على أوكرانيا.

ولم تجرِ المصادقة على ترشيح السياسي المناهض لبوتين، بوريس ناديجين، بعدما دعم عشرات الآلاف من الروس ترشحه غير المتوقع الذي رفعت خلاله شعارات مؤيدة للسلام.

بوتين يشارك في يوم البحرية الروسي في سان بطرسبرغ (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويبدي بوتين ثقة مطلقة في نجاحه في الاستحقاق الرئاسي، وقد خصص رسالته السنوية إلى البرلمان التي تلاها قبل أسبوعين للحديث عن خططه للفترة الرئاسية المقبلة والأهداف التي يضعها قيد الإنجاز خلال السنوات الست المقبلة.

ويقول خبراء إن فترة حكم بوتين الطويلة حتى الآن تميزت بسمتين رئيسيتين: أولاهما التصلب المستمر مع السيطرة على طبقة الأثرياء الأوليغارش وحرب الشيشان الثانية وخنق الحريات العامة وتقييد الإعلام والمعارضة. والثانية هي السعي إلى اكتساب سلطة جيوسياسية، من خلال الحرب في جورجيا (2008)، وضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية (2014) والتدخل العسكري في سوريا (2015)، وأخيراً غزو أوكرانيا (2022).

وبينما يستعد بوتين لخوض الانتخابات، يبدو أن طريقه لتحقيق أهدافه سالكة رغم تعاظم الصعوبات.

وبعدما بدا أن الحملة العسكرية في أوكرانيا فشلت في تحقيق انتصار سريع وحاسم، نجح الرئيس الروسي في تحويلها إلى حرب استنزاف شاملة لقدرات أوكرانيا والغرب، وما زال يبدو مصراً على تحقيق النصر، ومراهناً على ميل الكفة لصالحه، وإنهاك القوى الغربية الداعمة لكييف بالسلاح.

وسيطرت قوات موسكو في الأسابيع الماضية على بلدة أفدييفكا، وواصلت التقدم في مواجهة قوات كييف التي تعاني من نقص العدد والذخيرة.

وفي أواخر الشهر الماضي، شدد بوتين على أن «القوات المسلحة لن تتراجع، ولن تفشل، ولن تخون»، مؤكداً أن هذه مسألة «حياة أو موت» بالنسبة لموسكو.


مقالات ذات صلة

رئاسة الحكومة العراقية عالقة في خلافات «الإطار التنسيقي»

المشرق العربي من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

رئاسة الحكومة العراقية عالقة في خلافات «الإطار التنسيقي»

يواجه التحالف الحاكم في العراق مصاعب جدية في حسم مرشحه لرئاسة الحكومة الجديدة، رغم مرور 10 أيام على انتخاب رئيس الجمهورية.

فاضل النشمي (بغداد)
الولايات المتحدة​ ناخبون يسجلون أسماءهم لدى موظفي الاقتراع قبل الإدلاء بأصواتهم في مركز اقتراع في أرلينغتون - فيرجينيا (أ.ف.ب)

فيرجينيا أحدث ساحة للتلاعب بالخرائط الانتخابية الأميركية

أجرت فيرجينيا استفتاءً على إعادة ترسيم دوائرها الانتخابية سعياً من الديمقراطيين لتعزيز فرصهم لانتزاع الغالبية من الجمهوريين في الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش خلال اجتماع حماية المنشآت من التهديدات (وزارة الدفاع)

الجزائر: قائد الجيش يبحث حماية المنشآت الحيوية من «تهديدات جديدة»

الفريق سعيد شنقريحة يؤكد أن وقاية المنشآت الحيوية والبنى التحتية «تعد خياراً استراتيجياً وعقلانياً وجزءاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أوروبا ملصقات انتخابية للرابح في الانتخابات البلغارية رومين راديف بصوفيا الاثنين (أ.ف.ب)

المؤسسات الأوروبية تتحسب لـ«الصدمة البلغارية»

يميل المزاج في المؤسسات الأوروبية إلى التخوّف من الخطوات التي سيقدم عليها رومين راديف بعد حصوله على أغلبية برلمانية تتيح له التفرّد كلياً بالقرار في بلغاريا.

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا ملصقات انتخابية لرومين راديف في صوفيا الاثنين (أ.ب)

ارتياح في روسيا بعد فوز «صديق الكرملين» بانتخابات بلغاريا

مثّل الفوز الكبير الذي حققه حزب «بلغاريا التقدمية»، الذي يقوده الرئيس السابق للبلاد، رومين راديف، المعروف بصلاته الوثيقة مع الكرملين، مفاجأة سارة لموسكو.

رائد جبر (موسكو)

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إن دول التكتل اتفقت على توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت كالاس أنها طلبت من وزراء الخارجية خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ تعزيز البعثة البحرية للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط التي تعمل حالياً على حماية السفن من هجمات جماعة الحوثي اليمنية في البحر الأحمر.


ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

رفضت ألمانيا وإيطاليا، اليوم الثلاثاء، الدعوات لتعليق اتفاق للتعاون مع إسرائيل رغم تصاعد الغضب حيال الحرب في لبنان والوضع في الضفة الغربية المحتلة.

واقترحت إسبانيا وآيرلندا مجدداً تعليق العمل بالاتفاق المبرم في يونيو (حزيران) 2000 أثناء اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

ووصف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المقترح بأنه «غير مناسب». وقال في مستهل الاجتماع: «علينا التحدّث مع إسرائيل عن القضايا المهمة»، مضيفاً أن الأمر يجب أن يتم عبر «حوار بنّاء مع إسرائيل».

وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أنه «لن يتم اتّخاذ قرار اليوم» في هذا الشأن.

وبعدما نددت بممارسات إسرائيل خلال حرب غزّة، اتّخذت بلدان في الاتحاد الأوروبي مواقف أكثر تشدداً إزاء الدولة العبرية بعد عملياتها العسكرية في لبنان، وإقرارها قانوناً يجيز فرض عقوبة الإعدام في الضفة الغربية المحتلة ويطبقها بشكل فعلي بحق الفلسطينيين.

وقالت وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي: «علينا التحرّك. علينا ضمان حماية قيمنا الأساسية».

وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي في لوكسمبورغ (أ.ب)

وطرح الاتحاد الأوروبي العام الماضي سلسلة إجراءات محتملة لمعاقبة إسرائيل على خلفية حصيلة الضحايا المدنيين لحرب غزة، شملت قطع العلاقات التجارية معها وفرض عقوبات على وزراء الحكومة. لكن أياً من الخطوات التي طرحتها بروكسل لم تحصل بعد على دعم الدول الأعضاء ليتم تطبيقها.

ويتطلب تعليق اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي إجماع الدول الأعضاء الـ27 في التكتل، وهو أمر يرجّح بأن يعرقله حلفاء إسرائيل.

وقد يكون تعليق الجزء من الاتفاق الذي يسهّل تعزيز العلاقات التجارية أمراً قابلاً أكثر للتطبيق، إذ إن هذا الإجراء لا يتطلب سوى دعم أغلبية مرجِّحة من دول الاتحاد الأوروبي. إلا أنه سيتطلب تبديل مواقف القوى المؤثّرة في التكتل مثل ألمانيا أو إيطاليا.

ولمّحت روما إلى أنها قد تكون منفتحة على تشديد موقفها حيال إسرائيل بعدما علّقت اتفاقاً دفاعياً.

لكنّ مسؤولين ودبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي قالوا إن الدول تبدو مترددة في اتخاذ خطوة من هذا النوع، خصوصاً بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

في الأثناء، كانت هناك جهود لفرض تدابير أصغر بدلاً من ذلك. وجدّدت فرنسا والسويد دعوة سابقة من بعض دول الاتحاد الأوروبي للتكتل للنظر في وقف استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وعرقلت المجر مقترحاً منفصلاً لفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين «متطرفين» في الضفة الغربية لعدة أشهر.

لكن الإطاحة مؤخرا برئيس الوزراء المجري الداعم بشدّة لإسرائيل فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية عزّزت آمال بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي حيال إمكان تطبيقها قريباً.


الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
TT

الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)

لم يمض عام بعدُ على تشكيل حكومة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والخلافات بين الحزبين في الائتلاف الحاكم تزداد؛ مما بدأ يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة على العمل في ظل أزمات متتالية تواجهها ألمانيا. ويواجه الحزبان تحديات في إقناع الألمان بقدرتهما على قيادة البلاد وإدخال إصلاحات ضرورية وانتزاع الاقتصاد مع السقوط.

وكان استطلاع للرأي، نشر قبل أيام، أظهر أن شعبية ميرتس في الحضيض، وأنه يحظى بتأييد لا يزيد على 19 في المائة مقابل 76 في المائة من غير الراضين عن أدائه؛ مما وضعه على رأس لائحة لأقل قادة العالم شعبية، وفق استطلاع أجراه معهد «مورنينغ كونسالت» الأميركي. وتتطابق نتائج الاستطلاع هذا مع استطلاعات أخرى أجرتها معاهد محلية، كان آخرها من معهد «فورسا» في نهاية مارس (آذار) الماضي أظهر أن نسبة غير الراضين عن أداء المستشار بلغت 78 في المائة. وحتى قبل وصوله إلى السلطة، لم يكن ميرتس، زعيمُ الحزب «المسيحي الديمقراطي» الذي قادته أنجيلا ميركل 20 عاماً، ذا شعبية كبيرة، على النقيض من ميركل التي تقاعدت وهي تحظى بشعبية مرتفعة.

وفي المقابل، يبدو شريكه في الائتلاف الحكومي في مأزق أيضاً؛ فقد مُني «الحزب الاشتراكي» بزعامة نائب المستشار وزير المالية، لارس كلينغبايل، بخسائر تاريخية في انتخابات محلية بولايتين الشهر الماضي... ففي ولاية بادن فرتمبيرغ، خسر مطلع مارس الماضي نصف الأصوات ولم يحصل على أكثر من 5.5 في المائة ليحقق أسوأ نتائج منذ عام 1945. وفي ولاية راينلاند بالاتينات التي كان يحكمها قبل الانتخابات، خسر نحو 10 نقاط وانخفض تمثيله إلى 26 في المائة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تزداد فيه شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي وضعته أحدث استطلاعات الرأي في الطليعة بنسبة تأييد تصل إلى 26 في المائة، أي لو أُجريت انتخابات في ألمانيا اليوم فسيفوز بها الحزب المتطرف.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي في هوسوم بألمانيا يوم 3 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

وتواجه حكومة ميرتس أزمات متتالية منذ تشكيلها العام الماضي وسط تحديات انتشال الاقتصاد الألماني الذي يواجه كثيراً من العقبات، وغير القادر على تحقيق نمو كاف. ومؤخراً زادت آثار حرب إيران وارتفاع أسعار البنزين والتأثير المباشر على المواطنين من النقمة الشعبية على الحكومة.

وتحاول الحكومة إدخال تعديلات على قوانين «الضرائب» و«النظام الاجتماعي»، وهما موضوعان يشكلان مادة جدل رئيسية بين الحزبين في الائتلاف الحكومي. ويسعى الحزب «المسيحي»، المنتمي إلى يمين الوسط بزعامة ميرتس، إلى إدخال تعديلات على نظام الضرائب تهدف إلى تقليل الضرائب على الشركات؛ بهدف جعل مناخ العمل في ألمانيا أكبر جاذبية؛ وهو ما يعارضه الحزب «الاشتراكي» الذي يريد تخفيف الأعباء عن الطبقةِ المنخفضة؛ قاعدتِه الأساسية، بمنحها إعفاءات ضريبية مقابل رفع الضرائب على ذوي الدخل الأعلى. ولكن حزب ميرتس يعارض رفع الضرائب ويقترح تخفيض الخدمات الاجتماعية وهو أيضاً ما يعارضه «الاشتراكيون».

وقد أمضى الحزبان في عطلة نهاية الأسبوع ما قبل الماضية يومين كاملين يجريان مشاورات سرية بشأن كيفية تخفيف الأعباء عن المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الوقود إثر إغلاق مضيق هرمز. وكادت الخلافات بينهما بشأن المقاربة تتسبب في انهيار الحكومة، ولكن في النهاية اتفقا على تخفيض بعض الضرائب على الطاقة من دون فرض ضرائب أرباح على شركات الطاقة، وهو ما أراده «الاشتراكيون».

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

والآن تلوح في الأفق خلافات جديدة مع إعلان المستشار الحاجة إلى إدخال إصلاحات على نظام التقاعد، وتحويل مرتب التقاعد إلى «مرتب أساسي»، أي تخفيضه؛ بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين بشكل لا يتساوى مع دخول أعداد مناسبة سوقَ العمل. وقال ميرتس أمام مجموعة من الشركات المالية إنه سيتعين على الأفراد الاستثمار في معاشات تقاعد، خصوصاً أن الحكومة ستعمل على تشجيع ذلك عبر إقرار قوانين جديدة. واعترف ميرتس بأن هذه الاصلاحات ستُدخل حكومته مواجهةً جديدة، لكنه قال: «سيتعين فتح حوار جدي مع الحزب (الاشتراكي)» بشأن إصلاحات قانون التقاعد. وبالنسبة إلى «الاشتراكيين»، فإن قانون التقاعد يمس بقاعدتهم الأساسية، والموافقة على تخفيض المعاش التقاعدي ستؤثر من دون شك على شعبيتهم.

وقبل أن تبدأ المشاورات الحكومية بشأن إصلاح القانون، بدأت الخلافات على الإصلاحات، ورد النائب ديرك فيزه، من الحزب «الاشتراكي» بالقول: «يجب على الأشخاص أن يكونوا قادرين على الاعتماد على المعاش التقاعدي. كثيرون دفعوا لسنوات في التأمين التقاعدي مما جنوه من عملهم المضني، ولا يمكن لهذا أن يتحول فقط إلى معاش أساسي»، أي يغطي فقط الأساسيات. لكن السياسي الاشتراكي أبدى انفتاحاً على إصلاح قانون التقاعد، داعياً إلى توسيع قاعدة من يدفعون في التأمين التقاعدي، مقترحاً أن تطول النواب المُعفَين من ذلك حالياً.