النيجر: الجزائر تنفرد بنشاط دبلوماسي لتغليب الحل السياسي

ماكرون يؤكد نجاح التدخل العسكري الفرنسي في «منطقة الساحل»

نشطاء من النيجر يتظاهرون بالقرب من مكان انعقاد قمة «بريكس» في جوهانسبرغ، الأربعاء (إ.ب.أ)
نشطاء من النيجر يتظاهرون بالقرب من مكان انعقاد قمة «بريكس» في جوهانسبرغ، الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

النيجر: الجزائر تنفرد بنشاط دبلوماسي لتغليب الحل السياسي

نشطاء من النيجر يتظاهرون بالقرب من مكان انعقاد قمة «بريكس» في جوهانسبرغ، الأربعاء (إ.ب.أ)
نشطاء من النيجر يتظاهرون بالقرب من مكان انعقاد قمة «بريكس» في جوهانسبرغ، الأربعاء (إ.ب.أ)

في الاجتماع الطارئ لمجلس الدفاع الذي التأم في قصر الإليزيه، برئاسة إيمانويل ماكرون، لم يتردد الرئيس الفرنسي في الإعراب عن دهشته من «الأداء غير المنتج» لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسي، الذي لم يكتشف التحضيرات للانقلاب في النيجر، الذي أطاح بـ«صديق فرنسا» الرئيس محمد بازوم.

والجهل الذي أحاط الأجهزة الفرنسية في يوليو (تموز) الماضي بما كان يحوكه العسكريون في نيامي، سبق لهم أن وقعوا به مرتين؛ الأولى في صيف عام 2021 عندما حصل انقلاب عسكري في مالي، حيث قوة «برخان» الفرنسية وقوة الكوماندوز «تاكوبا» (الفرنسية ــ الأوروبية) لمؤازرة الجيش المالي في محاربة التنظيمات الإرهابية. ثم تكرر الأمر ربيع العام الذي تلاه، حيث انقلب عسكر بوركينا فاسو على الحكومة وأخرجوها من السلطة، ليحل محلها مجلس عسكري. وفي الحالتين، اضطرت باريس لسحب قواتها من هذين البلدين، ووجهت جزءاً كبيراً منها إلى النيجر، حيث ترابط اليوم قوة تناهز 1500 رجل بكامل تجهيزاتهم الأرضية والجوية.

ماكرون خلال عرضه الاستراتيجية الدفاعية الجديدة لبلاده في طولون في نوفمبر 2022 (أ.ف.ب)

وبسبب ذلك، أخذت النيجر تحتل مرتبة استراتيجية بالنسبة لفرنسا لأنها تحولت إلى نقطة انطلاق «وحيدة» للقوة الفرنسية لمواصلة مواجهة التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل، ولأن انهيارها يعني تداعي بلد يعيش في ظل حكم ديموقراطي مع انتخابات وانتقال سلمي للسلطة، وهو النموذج الذي تقول باريس إنها تروج له في أفريقيا.

لذا، فإن انقلاب عسكر النيجر يهدد المصالح الفرنسية السياسية (تراجع نفوذ باريس في المنطقة)، والاستراتيجية (مطالبة المجلس العسكري بانسحاب القوة الفرنسية بعد نقض الاتفاقيات الثنائية الأمنية والدفاعية) واقتصادياً، فضلاً عن تهديد اعتماد فرنسا على يورانيوم النيجر الذي تستغله بشكل رئيسي شركة «أورانو» (سابقاً شركة أريفا) منذ 60 عاماً. ووفق الأرقام الرسمية، فإن فرنسا استوردت من النيجر 20 بالمائة من حاجتها من اليورانيوم عام 2022.

على الرغم من هذه المعطيات الموضوعية الواضحة، فإن الرئيس الفرنسي يرى العكس تماماً، الأمر الذي برز من خلال المقابلة المطولة التي نشرتها له مجلة «لو بوان» في عددها الصادر الخميس، التي دافع فيها عن الأداء الفرنسي وعن النتائج التي أفضى إليها.

رأى ماكرون، بالنسبة لما حصل في النيجر، أن الانقلاب يعد «ضربة للديموقراطية في النيجر ولشعب النيجر وللحرب ضدّ الإرهاب»، مشدداً على أن تدخل فرنسا جاء بناء على طلب الدول المعنية. وقال ما حرفيته: «إذا نظرنا من زاوية أخرى فقد كانت فرنسا على حقّ في التزامها إلى جانب الدول الأفريقية بمحاربة الإرهاب. هذا شرف لها ومن مسؤوليتها. لو لم نلتزم مع عمليتي سيرفال ثم برخان، على الأرجح لن تكون هناك مالي ولا بوركينا فاسو، ولست متأكّداً من أنّ النيجر كانت ستظلّ موجودة». وخلاصته أن «هذه التدخّلات الفرنسية بناء على طلب الدول الأفريقية تكلّلت بالنجاح. فقد حالت دون إنشاء دول الخلافة (الإسلامية) على بُعد بضعة آلاف من الكيلومترات من حدودنا. هناك بالطبع أزمة سياسية في كثير من دول غرب أفريقيا. عندما يحصل انقلاب، ولا تكون أولوية الأنظمة الجديدة مكافحة الإرهاب، فليس لفرنسا رغبة في مواصلة التزامها. وهذا في الواقع أمر مأساوي بالنسبة للدول المعنية».

مظاهرة ضد فرنسا في عاصمة بوركينا فاسو واغادوغو في 4 أكتوبر 2022 (أ.ب)

وبالطبع، دعا ماكرون إلى الإفراج سريعاً عن الرئيس بازوم والعودة إلى النظام الدستوري، إلا أنه بالمقابل لم يتوقف عند مصير القوة الفرنسية الموجودة في النيجر، التي طلب المجلس العسكري النيجري في 3 أغسطس (آب) الحالي رحيلها عن البلاد خلال شهر واحد. وقد رفضت باريس الطلب بحجة أنها «لا تعترف بشرعية» المجلس العسكري، وأن الشرعية الوحيدة التي تعترف بها هي حكومة الرئيس المعزول بازوم.

ورداً على الانتقادات الموجهة لسياسة باريس في أفريقيا، قال ماكرون: «إن سياسة فرنسا التي أمارسها منذ 2017 هي الخروج عن المنطق الأمني. أنا أؤمن بسياسة الشراكة التي تدافع فيها فرنسا عن مصالحها وتدعم أفريقيا لتحقيق النجاح. إنها شراكة حقيقية وليست شراكة أمنية».

حقيقة الأمر أن شكوكاً كبيرة تتناول مستقبل القوة الفرنسية في النيجر، إن نجح الانقلابيون في تثبيت أقدامهم في السلطة، أم تمت إزاحتهم عنها دبلوماسياً أو بالقوة العسكرية. ذلك أن الشعور المعادي لفرنسا يتعزز لدى النيجريين الذين نزل كثير منهم إلى الشوارع للمطالبة برحيل القوة الفرنسية.

وقال عبدولاي سيدو، منسق حركة «إم 62» الداعمة للانقلاب، التي تضم مجموعة من منظمات المجتمع المدني، إن الحركة «لن تمنح القوات الفرنسية لحظة إضافية واحدة للبقاء على أراضي النيجر بعد انقضاء المهلة المحددة... إن كل القرى وكل البلدات المحيطة ستنزل للتظاهر في العاصمة، وسنعمل على إخراج هذه القوات من بلدنا».

أكثر من مرة نددت فرنسا بالدعاية المناهضة لها في بلدان الساحل، التي تغذيها الأوساط الموالية لروسيا في المنطقة، والتي جعلت هدفها إخراج فرنسا منها، أو على الأقل الحد من قوة تأثيرها.

وحتى اليوم، تعتبر باريس رسمياً أن «المسألة غير مطروحة»، وأن القوات الفرنسية «لا تواجه حتى اليوم صعوبات خاصة»، إذ القسم الأكبر منها يرابط في الجانب العسكري من مطار نيامي. وسريعاً، انسحبت إلى نجامينا (تشاد) الوحدة العسكرية التي كانت منتشرة في قاعدة «ألغلال» (شمال البلاد) لحماية الفرنسيين العاملين لدى شركة «أورانو» في موقع أرليت. وبالمقابل، فإن الوحدات الفرنسية التي كانت توفر الدعم للجيش النيجري أوقفت أنشطتها منذ الانقلاب.

سوق شعبية في نيامي، الأربعاء (أ.ف.ب)

أما على الصعيد الدبلوماسي - السياسي، فلا تطورات كافية حتى اليوم من شأنها تغليب الحل السلمي على التدخل العسكري. وكان لافتاً غياب أنشطة مبعوث الأمم المتحدة إلى أفريقيا الذي كلف مهمة التوسط في النيجر. كذلك لم يصدر أي شيء إضافي من بعثة المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) التي كانت موجودة في نيامي حتى يوم الأربعاء لإجراء محادثات مع الانقلابيين حول المخرج الممكن من الأزمة، كما أنه لا معلومات متوافرة عما تقوم به السفيرة الأميركية الجديدة في نيامي التي حملت «خريطة طريق» للخروج السلمي من الأزمة.

بالمقابل، فإن الطرف الناشط راهناً هو الجزائر التي أرسل رئيسها وزير خارجيته أحمد عطاف في جولة على 3 بلدان أفريقية، بدأها الأربعاء في أبوجا (نيجيريا)، ويزور بعدها بنين وغانا.

كذلك، أرسل الرئيس عبد المجيد تبون، الأمين العام لوزارة الخارجية، لوناس مقرمان، إلى النيجر للقاء عدد من المسؤولين، في إطار الجهود التي تقوم بها الجزائر من أجل تغليب الحل السلمي على التدخل العسكري، الذي ترفضه وتعدّه تهديداً لأمنها.

متظاهرون مؤيدون للانقلابيين في نيامي في 20 أغسطس الحالي (رويترز)

جاء في بيان للخارجية الجزائرية أن المحادثات بين عطاف ونظيره النيجيري يوسف مايتما توجار تمحورت حول «الأزمة في جمهورية النيجر وتطوراتها وآفاق تعزيز الجهود الرامية إلى بلورة حل سلمي لها بالشكل الذي يضمن العودة إلى النظام الدستوري في البلاد ويجنبها مخاطر التدخل العسكري، التي لا يمكن التنبؤ بها». وأضاف أن الطرفين تبادلا «المعلومات والتحاليل حول الجهود الدبلوماسية التي يبذلها الطرفان للمساهمة في إنهاء هذه الأزمة في جوارهما المشترك (النيجر)». وأبرزت الخارجية الجزائرية أن عطاف وتوجار اتفقا على «مواصلة وتعزيز التنسيق بين البلدين في قابل الأيام بغية استغلال الفرص المتاحة كافة لتفعيل الحل السياسي وعدم تفويت أي منها لضمان استعادة الأمن والاستقرار في النيجر بطريقة مستدامة».

وتبدو الجزائر، التي لها حدود مشتركة مع النيجر تزيد على 1000 كيلومتر، الأكثر تخوفاً من تبعات عملية عسكرية تقوم بها قوات من «إيكواس» لإزاحة الانقلابيين في نيامي. وقد حذّر الرئيس تبون أكثر من مرة من أن تفضيل الحل العسكري سيفضي إلى مواجهة بين مجموعتين؛ «إيكواس» من جهة، وجبهة تنضم إلى النيجر؛ مالي وبروكينا فاسو. ما سيعني، وفق تبون، «اشتعال منطقة الساحل». وتخوف الجزائر عنوانه استغلال التنظيمات الإرهابية للوضع الأمني المتدهور لتوسيع حضورها وتكثيف انتقال الهجرات غير الشرعية عبر النيجر إلى الأراضي الجزائرية وضرب الاستقرار (النسبي) وزيادة مآسي بلدان هي بالأساس بلدان فقيرة.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) play-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
TT

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)

نفت الشرطة والسلطات المحلية في ولاية كادونا، شمال نيجيريا، الأنباء المتداولة حول اختطاف 163 مسيحياً في هجوم على كنائس بقرى نائية، وهو ما أكدته مصادر محلية، وجاء في تقرير أمني صادر عن الأمم المتحدة قالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إنها اطلعت عليه. وقال مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، إن البلاغات التي تحدثت عن اختطاف مصلّين مسيحيين أثناء قداس في كاجورو: «محض أكاذيب صادرة عن مروجي الشائعات الذين يسعون لإشاعة الفوضى».

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

رواية محلية

نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة، أن عصابات مسلحة هاجمت الأحد الماضي، كنيستين، واختطفت أكثر من 160 مصلّياً في قرية نائية بولاية كادونا. وقال رئيس جمعية المسيحيين في ولايات شمال نيجيريا الـ19 وإقليم العاصمة الفيدرالية، القس جون جوزيف هاياب، إن مجموعة من «الإرهابيين» اختطفت 163 مصلّياً في كورمين والي، بمنطقة الحكم المحلي كاجورو في ولاية كادونا.

وقال هاياب في تصريحات صحافية، الأحد، إنه تلقّى اتصالاً من رئيس جمعية المسيحيين في المنطقة المتضررة، أفاد فيه بأن مصلّين اختُطفوا أثناء قدّاس الأحد، وبحسب رواية القس هاياب، فقد «اقتحم المهاجمون الكنائس أثناء الصلوات، وأغلقوا الأبواب، وأجبروا المصلّين على التوجه نحو الأدغال».

وأشار القس إلى أن «8 من المختطفين تمكنوا لاحقاً من الفرار، غير أن 163 مصلّياً ظلّوا، حتى يوم الاثنين، في قبضة الخاطفين»، وختم بالقول: «لقد جرت بالفعل تعبئة القوات الأمنية. ونحن نثمّن جهودها ونشجعها على بذل كل ما في وسعها لإنقاذ إخوتنا وأخواتنا سالمين وفي أسرع وقت ممكن».

شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نفي رسمي

الرواية الصادرة عن السكان المحليين نفتها مصادر أمنية ورسمية، حيث وقف مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، أمام الصحافيين عقب اجتماع لمجلس أمن الولاية عُقد الاثنين، وتحدّى أيّ شخص أن يقدّم قائمة بأسماء الضحايا المزعومين.

وحذر مفوض الشرطة مروجي الشائعات من الاستمرار في محاولة ما سماه «زعزعة السلم» في كادونا، ملوّحاً بتطبيق أقصى العقوبات القانونية بحق «تجّار الأكاذيب».

من جهته، قال رئيس الحكومة المحلية في كاجورو، داودا ماداكي، إنه حين سمع خبر الهجوم «عبّأ الشرطة وسائر قوات الأمن، وتوجّه إلى المنطقة المعنية، ليتبيّن لاحقاً أنه لم يقع أي هجوم»، واصفاً ما تم تداوله بأنه «شائعة».

عناصر من الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال: «توجّهنا إلى الكنيسة التي قيل إن الاختطاف المزعوم وقع فيها، ولم نجد أي دليل على وقوع أي هجوم. واستجوبتُ زعيم القرية، ماي دان زاريا، فأكد أنه لم يحدث أي هجوم من هذا النوع».

وأضاف: «كما اتصلتُ بمسؤول الشباب في المنطقة، برنارد بونا، الذي كان قد أدلى بتصريحات للصحافيين المرافقين لي، فأكد بدوره أن شيئاً من ذلك لم يحدث»، وخلص رئيس الحكومة المحلية إلى القول: «لذلك أتحدى أيّ شخص أن يسمّي الأشخاص الذين قيل إنهم اختُطفوا. وأنا أنتظر هذه القائمة منذ وقت طويل ولم يتقدّم بها أحد حتى الآن».

من جانبه، قال مفوض الأمن وشؤون الداخلية، سلي شعيبو، إن رئيس جمعية المسيحيين في نيجيريا وعدداً من القادة الدينيين الآخرين، تواصلوا مع سكان المنطقة التي قيل إن الاختطاف وقع فيها، وأوضح أن هؤلاء القادة «خلصوا إلى أن ما جرى تداوله علناً غير صحيح تماماً».

وأمام النفي الرسمي للاختطاف، قال الزعيم التقليدي إتيشاكّو دانعزومي، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوحيدين الذين ينكرون اختطاف أهلنا هم السياسيون»، وأضاف: «لدينا الآن 166 شخصاً في قبضة الخاطفين»، معرباً عن أسفه لأن قريته تعيش تحت تهديد المسلحين.

رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

وتابع: «هذا أثّر في أنشطتنا الزراعية، إذ ننتج غذاءً أقل مما كنا عليه سابقاً. (...) لم نكن نشكو للسلطات من عمليات الاختطاف في منطقتنا، لأننا كنا نُسهم في دفع فِدى تحرير المخطوفين. أحياناً كان يُختطف ما يصل إلى 20 شخصاً، ولم نكن نشتكي، بل كنا نتعامل مع الأمر بأنفسنا». وختم دانعزومي: «هذه المرة لجأنا إلى السلطات، لأن عدد المختطفين تجاوز قدرتنا على التعامل مع الوضع»، وفق تعبيره.

تجارة رائجة

تشهد ولايات شمال غربي نيجيريا، ومن بينها كادونا، تصاعداً في هجمات تشنها جماعات مسلحة تتمركز في جيوب نائية، وتستهدف قرى ومدارس ودور عبادة بعمليات خطف جماعي مقابل طلبات فدية.

ورغم أن دفع الفِدى محظور قانوناً، فإن الاختطاف أصبح «تجارة منظّمة ومربحة» درّت نحو 1.66 مليون دولار بين يوليو (تموز) 2024، ويونيو (حزيران) 2025، وفق تقرير لشركة «SBM إنتليجنس» الاستشارية ومقرها لاغوس، العاصمة الاقتصادية لنيجيريا.

وهزّت موجة جديدة من الاختطافات البلاد بعمق، بما في ذلك اختطاف أكثر من 300 تلميذ ومعلم من مدرسة كاثوليكية بوسط البلاد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أُفرج عنهم لاحقاً، وذلك في بلد منقسم تقريباً بالتساوي بين شمال ذي غالبية مسلمة وجنوب ذي غالبية مسيحية.

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على ميليشيات في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

ورداً على ذلك، أعلن الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، أواخر نوفمبر الماضي، حالة طوارئ وطنية، وأطلق عملية تجنيد واسعة في صفوف الشرطة لمواجهة انعدام الأمن الذي ينهش البلاد، وقد دفعت هذه الأوضاع الحكومة الأميركية إلى تنفيذ ضربات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو، حيث اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جماعات مسلحة نيجيرية باضطهاد المسيحيين، واعتبر أنهم ضحايا «إبادة جماعية».

غير أن الحكومة النيجيرية ومحللين مستقلين يرفضون توصيف ما يجري بأنه اضطهاد ديني، وهو طرح طالما تبناه تيار اليمين المسيحي في الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك انفصاليون نيجيريون لا يزال لهم قدر من النفوذ في واشنطن.


خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

اختٌطف أكثر من 160 شخصاً خلال هجوم شنته عصابات مسلحة، الأحد، على كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال نيجيريا، على ما أفاد رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وتشهد نيجيريا، الدولة الأكثر تعداداً بالسكان في أفريقيا، تصاعداً في عمليات الاختطاف الجماعي منذ نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما دفع الحكومة الأميركية إلى شن غارات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو في شمال غربي البلاد. واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجماعات المسلحة النيجيرية باضطهاد المسيحيين، واصفاً إياهم بضحايا «إبادة جماعية».

وقال رئيس الرابطة المسيحية في شمال نيجيريا الأب جوزيف هياب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وصل المهاجمون بأعداد كبيرة، وأغلقوا مداخل الكنيستين، وأجبروا المصلين على الخروج إلى الأدغال».


شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)

فتح انسحاب حركة التمرد «إم 23» من مدينة أوفيرا، الواقعة شرق الكونغو الديمقراطية، والتي سيطرت عليها قبل نحو شهر، تساؤلات حول جدية مسار السلام المبرم أخيراً مع حكومة كينشاسا، بعد عام لم تفلح خلاله اتفاقات التهدئة المبرمة في الدوحة وواشنطن من منع عودة نيران المواجهات.

فرغم ذلك الانسحاب، يرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا يمنع الشكوك حول التزام حركة التمرد بمسار السلام، خاصة أنها لا تزال تسيطر على مدينتين منذ 2025، ولم تنخرط بجدية في تنفيذ اتفاقات التهدئة التي شهدها العام الماضي».

وشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، تصاعدت حدتها بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بعدما سيطرت حركة «إم 23»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيَّتين في الإقليم.

وشنّت الحركة هجوماً جديداً في بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإقليم جنوب كيفو شرق البلاد، على طول الحدود مع بوروندي، وأحكمت سيطرتها على بلدة أوفيرا الاستراتيجية في 11 من الشهر ذاته، بعد فترة وجيزة من إبرام الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام برعاية الولايات المتحدة.

انسحاب

وبعد نحو شهر، دخل مسلّحون موالون للحكومة مدينة أوفيرا الاستراتيجية في شرق الكونغو الديمقراطية بعد انسحاب قوّات «إم 23»، بعد يومين من إعلان الحركة المتمردة سحب آخر قواتها لتصبح المدينة «تحت مسؤولية المجتمع الدولي بالكامل»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر محلية، الأحد، دون أن توضح سبب الانسحاب.

غير أن الحركة بقيت متمركزة في مرتفعات أوفيرا «لتوجيه أسلحتهم على المدينة، فضلاً عن البلدات المحيطة بها»، حسب الوكالة.

ويرى المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه «تتزايد الشكوك حول التزام الحركة بمسار السلام؛ لأن انسحابها من مدينة أوفيرا ينظر إليه على أنه خطوة تكتيكية أكثر منه تحولاً حقيقياً نحو التهدئة، خاصة مع استمرار سيطرتها على مدينتين أخريين، واحتفاظها بنفوذ عسكري في محيط المناطق التي أعلنت الانسحاب منها».

هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يضعف الثقة في نوايا الحركة، ويعزز الاعتقاد بأنها تستخدم الانسحابات الجزئية لتحسين موقعها التفاوضي، أو إعادة تنظيم صفوفها بدلاً من الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، وفق تقدير عيسى.

ونبّه عسى إلى أن تكرار الخروقات الأمنية، وغياب آليات تحقق مستقلة، واستمرار الاتهامات بوجود دعم خارجي، كلها عوامل تجعل مسار السلام هشاً، وتدفع الأطراف المحلية والدولية إلى التشكيك في جدية الحركة، وقدرتها أو رغبتها في الالتزام بتسوية سلمية دائمة.

وجاءت تلك المتغيرات في شرق الكونغو الغني بالمعادن، بعد اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية في واشنطن مطلع ديسمبر الماضي، بعد سلسلة «تفاهمات بإطار» أُبرمت خلال يونيو (حزيران) الماضي في واشنطن، إضافةً إلى «إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة»، الذي وقَّعته كينشاسا وحركة «إم 23» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قطر، استكمالاً لاتفاقٍ يوم 19 يوليو (تموز) الماضي.

ولا تلوح في الأفق مساعٍ جديدة لإحياء مسار السلام؛ لذا يجب الحذر المشوب بالأمل أكثر من التفاؤل الكامل، وفق ما يرى المحلل التشادي، موضحاً أن انسحاب الحركة من أوفيرا، رغم محدوديته، قد يفتح نافذة صغيرة لإعادة تنشيط محادثات السلام؛ لأنه يوفر إشارة سياسية يمكن للوسطاء البناء عليها، ويخفف مؤقتاً من الضغط العسكري. لكن في المقابل، استمرار سيطرة الحركة على مدينتين أخريين، وغموض نواياها الميدانية، وغياب ضمانات واضحة للتنفيذ، يجعل الجمود مرشحاً للاستمرار ما لم تترجم الإشارات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتحقق، حسب عيسى.

والواقع يشير إلى أن أي مرحلة جديدة من محادثات السلام ستظل هشة، وقد تتحول إلى مجرد إدارة للأزمة لا حل لها، إلى أن تتوفر ثلاثة شروط أساسية وفق عيسى، تتمثل في التزام ميداني واضح بوقف القتال، وضغط إقليمي ودولي فعال ومتوازن على جميع الأطراف، وآلية رقابة تضمن أن الانسحابات ليست مؤقتة أو شكلية.

ودون ذلك، سيبقى الجمود قائماً، لا كفشل كامل لمسار السلام، وإنما تعليق مؤقت له بانتظار تغيير حقيقي في ميزان الإرادة السياسية على الأرض، وفق تقدير عيسى.