النيجر: الجزائر تنفرد بنشاط دبلوماسي لتغليب الحل السياسي

ماكرون يؤكد نجاح التدخل العسكري الفرنسي في «منطقة الساحل»

نشطاء من النيجر يتظاهرون بالقرب من مكان انعقاد قمة «بريكس» في جوهانسبرغ، الأربعاء (إ.ب.أ)
نشطاء من النيجر يتظاهرون بالقرب من مكان انعقاد قمة «بريكس» في جوهانسبرغ، الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

النيجر: الجزائر تنفرد بنشاط دبلوماسي لتغليب الحل السياسي

نشطاء من النيجر يتظاهرون بالقرب من مكان انعقاد قمة «بريكس» في جوهانسبرغ، الأربعاء (إ.ب.أ)
نشطاء من النيجر يتظاهرون بالقرب من مكان انعقاد قمة «بريكس» في جوهانسبرغ، الأربعاء (إ.ب.أ)

في الاجتماع الطارئ لمجلس الدفاع الذي التأم في قصر الإليزيه، برئاسة إيمانويل ماكرون، لم يتردد الرئيس الفرنسي في الإعراب عن دهشته من «الأداء غير المنتج» لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسي، الذي لم يكتشف التحضيرات للانقلاب في النيجر، الذي أطاح بـ«صديق فرنسا» الرئيس محمد بازوم.

والجهل الذي أحاط الأجهزة الفرنسية في يوليو (تموز) الماضي بما كان يحوكه العسكريون في نيامي، سبق لهم أن وقعوا به مرتين؛ الأولى في صيف عام 2021 عندما حصل انقلاب عسكري في مالي، حيث قوة «برخان» الفرنسية وقوة الكوماندوز «تاكوبا» (الفرنسية ــ الأوروبية) لمؤازرة الجيش المالي في محاربة التنظيمات الإرهابية. ثم تكرر الأمر ربيع العام الذي تلاه، حيث انقلب عسكر بوركينا فاسو على الحكومة وأخرجوها من السلطة، ليحل محلها مجلس عسكري. وفي الحالتين، اضطرت باريس لسحب قواتها من هذين البلدين، ووجهت جزءاً كبيراً منها إلى النيجر، حيث ترابط اليوم قوة تناهز 1500 رجل بكامل تجهيزاتهم الأرضية والجوية.

ماكرون خلال عرضه الاستراتيجية الدفاعية الجديدة لبلاده في طولون في نوفمبر 2022 (أ.ف.ب)

وبسبب ذلك، أخذت النيجر تحتل مرتبة استراتيجية بالنسبة لفرنسا لأنها تحولت إلى نقطة انطلاق «وحيدة» للقوة الفرنسية لمواصلة مواجهة التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل، ولأن انهيارها يعني تداعي بلد يعيش في ظل حكم ديموقراطي مع انتخابات وانتقال سلمي للسلطة، وهو النموذج الذي تقول باريس إنها تروج له في أفريقيا.

لذا، فإن انقلاب عسكر النيجر يهدد المصالح الفرنسية السياسية (تراجع نفوذ باريس في المنطقة)، والاستراتيجية (مطالبة المجلس العسكري بانسحاب القوة الفرنسية بعد نقض الاتفاقيات الثنائية الأمنية والدفاعية) واقتصادياً، فضلاً عن تهديد اعتماد فرنسا على يورانيوم النيجر الذي تستغله بشكل رئيسي شركة «أورانو» (سابقاً شركة أريفا) منذ 60 عاماً. ووفق الأرقام الرسمية، فإن فرنسا استوردت من النيجر 20 بالمائة من حاجتها من اليورانيوم عام 2022.

على الرغم من هذه المعطيات الموضوعية الواضحة، فإن الرئيس الفرنسي يرى العكس تماماً، الأمر الذي برز من خلال المقابلة المطولة التي نشرتها له مجلة «لو بوان» في عددها الصادر الخميس، التي دافع فيها عن الأداء الفرنسي وعن النتائج التي أفضى إليها.

رأى ماكرون، بالنسبة لما حصل في النيجر، أن الانقلاب يعد «ضربة للديموقراطية في النيجر ولشعب النيجر وللحرب ضدّ الإرهاب»، مشدداً على أن تدخل فرنسا جاء بناء على طلب الدول المعنية. وقال ما حرفيته: «إذا نظرنا من زاوية أخرى فقد كانت فرنسا على حقّ في التزامها إلى جانب الدول الأفريقية بمحاربة الإرهاب. هذا شرف لها ومن مسؤوليتها. لو لم نلتزم مع عمليتي سيرفال ثم برخان، على الأرجح لن تكون هناك مالي ولا بوركينا فاسو، ولست متأكّداً من أنّ النيجر كانت ستظلّ موجودة». وخلاصته أن «هذه التدخّلات الفرنسية بناء على طلب الدول الأفريقية تكلّلت بالنجاح. فقد حالت دون إنشاء دول الخلافة (الإسلامية) على بُعد بضعة آلاف من الكيلومترات من حدودنا. هناك بالطبع أزمة سياسية في كثير من دول غرب أفريقيا. عندما يحصل انقلاب، ولا تكون أولوية الأنظمة الجديدة مكافحة الإرهاب، فليس لفرنسا رغبة في مواصلة التزامها. وهذا في الواقع أمر مأساوي بالنسبة للدول المعنية».

مظاهرة ضد فرنسا في عاصمة بوركينا فاسو واغادوغو في 4 أكتوبر 2022 (أ.ب)

وبالطبع، دعا ماكرون إلى الإفراج سريعاً عن الرئيس بازوم والعودة إلى النظام الدستوري، إلا أنه بالمقابل لم يتوقف عند مصير القوة الفرنسية الموجودة في النيجر، التي طلب المجلس العسكري النيجري في 3 أغسطس (آب) الحالي رحيلها عن البلاد خلال شهر واحد. وقد رفضت باريس الطلب بحجة أنها «لا تعترف بشرعية» المجلس العسكري، وأن الشرعية الوحيدة التي تعترف بها هي حكومة الرئيس المعزول بازوم.

ورداً على الانتقادات الموجهة لسياسة باريس في أفريقيا، قال ماكرون: «إن سياسة فرنسا التي أمارسها منذ 2017 هي الخروج عن المنطق الأمني. أنا أؤمن بسياسة الشراكة التي تدافع فيها فرنسا عن مصالحها وتدعم أفريقيا لتحقيق النجاح. إنها شراكة حقيقية وليست شراكة أمنية».

حقيقة الأمر أن شكوكاً كبيرة تتناول مستقبل القوة الفرنسية في النيجر، إن نجح الانقلابيون في تثبيت أقدامهم في السلطة، أم تمت إزاحتهم عنها دبلوماسياً أو بالقوة العسكرية. ذلك أن الشعور المعادي لفرنسا يتعزز لدى النيجريين الذين نزل كثير منهم إلى الشوارع للمطالبة برحيل القوة الفرنسية.

وقال عبدولاي سيدو، منسق حركة «إم 62» الداعمة للانقلاب، التي تضم مجموعة من منظمات المجتمع المدني، إن الحركة «لن تمنح القوات الفرنسية لحظة إضافية واحدة للبقاء على أراضي النيجر بعد انقضاء المهلة المحددة... إن كل القرى وكل البلدات المحيطة ستنزل للتظاهر في العاصمة، وسنعمل على إخراج هذه القوات من بلدنا».

أكثر من مرة نددت فرنسا بالدعاية المناهضة لها في بلدان الساحل، التي تغذيها الأوساط الموالية لروسيا في المنطقة، والتي جعلت هدفها إخراج فرنسا منها، أو على الأقل الحد من قوة تأثيرها.

وحتى اليوم، تعتبر باريس رسمياً أن «المسألة غير مطروحة»، وأن القوات الفرنسية «لا تواجه حتى اليوم صعوبات خاصة»، إذ القسم الأكبر منها يرابط في الجانب العسكري من مطار نيامي. وسريعاً، انسحبت إلى نجامينا (تشاد) الوحدة العسكرية التي كانت منتشرة في قاعدة «ألغلال» (شمال البلاد) لحماية الفرنسيين العاملين لدى شركة «أورانو» في موقع أرليت. وبالمقابل، فإن الوحدات الفرنسية التي كانت توفر الدعم للجيش النيجري أوقفت أنشطتها منذ الانقلاب.

سوق شعبية في نيامي، الأربعاء (أ.ف.ب)

أما على الصعيد الدبلوماسي - السياسي، فلا تطورات كافية حتى اليوم من شأنها تغليب الحل السلمي على التدخل العسكري. وكان لافتاً غياب أنشطة مبعوث الأمم المتحدة إلى أفريقيا الذي كلف مهمة التوسط في النيجر. كذلك لم يصدر أي شيء إضافي من بعثة المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) التي كانت موجودة في نيامي حتى يوم الأربعاء لإجراء محادثات مع الانقلابيين حول المخرج الممكن من الأزمة، كما أنه لا معلومات متوافرة عما تقوم به السفيرة الأميركية الجديدة في نيامي التي حملت «خريطة طريق» للخروج السلمي من الأزمة.

بالمقابل، فإن الطرف الناشط راهناً هو الجزائر التي أرسل رئيسها وزير خارجيته أحمد عطاف في جولة على 3 بلدان أفريقية، بدأها الأربعاء في أبوجا (نيجيريا)، ويزور بعدها بنين وغانا.

كذلك، أرسل الرئيس عبد المجيد تبون، الأمين العام لوزارة الخارجية، لوناس مقرمان، إلى النيجر للقاء عدد من المسؤولين، في إطار الجهود التي تقوم بها الجزائر من أجل تغليب الحل السلمي على التدخل العسكري، الذي ترفضه وتعدّه تهديداً لأمنها.

متظاهرون مؤيدون للانقلابيين في نيامي في 20 أغسطس الحالي (رويترز)

جاء في بيان للخارجية الجزائرية أن المحادثات بين عطاف ونظيره النيجيري يوسف مايتما توجار تمحورت حول «الأزمة في جمهورية النيجر وتطوراتها وآفاق تعزيز الجهود الرامية إلى بلورة حل سلمي لها بالشكل الذي يضمن العودة إلى النظام الدستوري في البلاد ويجنبها مخاطر التدخل العسكري، التي لا يمكن التنبؤ بها». وأضاف أن الطرفين تبادلا «المعلومات والتحاليل حول الجهود الدبلوماسية التي يبذلها الطرفان للمساهمة في إنهاء هذه الأزمة في جوارهما المشترك (النيجر)». وأبرزت الخارجية الجزائرية أن عطاف وتوجار اتفقا على «مواصلة وتعزيز التنسيق بين البلدين في قابل الأيام بغية استغلال الفرص المتاحة كافة لتفعيل الحل السياسي وعدم تفويت أي منها لضمان استعادة الأمن والاستقرار في النيجر بطريقة مستدامة».

وتبدو الجزائر، التي لها حدود مشتركة مع النيجر تزيد على 1000 كيلومتر، الأكثر تخوفاً من تبعات عملية عسكرية تقوم بها قوات من «إيكواس» لإزاحة الانقلابيين في نيامي. وقد حذّر الرئيس تبون أكثر من مرة من أن تفضيل الحل العسكري سيفضي إلى مواجهة بين مجموعتين؛ «إيكواس» من جهة، وجبهة تنضم إلى النيجر؛ مالي وبروكينا فاسو. ما سيعني، وفق تبون، «اشتعال منطقة الساحل». وتخوف الجزائر عنوانه استغلال التنظيمات الإرهابية للوضع الأمني المتدهور لتوسيع حضورها وتكثيف انتقال الهجرات غير الشرعية عبر النيجر إلى الأراضي الجزائرية وضرب الاستقرار (النسبي) وزيادة مآسي بلدان هي بالأساس بلدان فقيرة.


مقالات ذات صلة

تبون: أرسلنا طائرات إلى النيجر لمواجهة انقلاب

شمال افريقيا الرئيس تبون خلال مقابلة بثها التلفزيون الرسمي (الرئاسة الجزائرية)

تبون: أرسلنا طائرات إلى النيجر لمواجهة انقلاب

قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إن بلاده تحركت عسكرياً لمنع الإطاحة برئيس النيجر عبد الرحمن تشياني في أغسطس الماضي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
تحليل إخباري لقطة عامة لقاعدة «نيامي 101» العسكرية بعاصمة النيجر (أ.ف.ب)

تحليل إخباري هكذا أحبطت القوات الروسية تمرد النيجر

التمرد العسكري في النيجر انتهى باعتقال ومقتل أغلب المشاركين فيه، بعد أن تدخلت قوات روسية مرابطة في النيجر منذ ثلاث سنوات.

الشيخ محمد ( نواكشوط)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …


مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.