وزير الخارجية المصري: إسرائيل تتحمل تعثر «اتفاق غزة»... ونعوّل على ترمب لإنفاذه

عبد العاطي قال لـ«الشرق الأوسط» إن القاهرة والرياض جناحا الأمة لن ينصلح الحال دونهما

وزير الخارجية المصري: إسرائيل تتحمل تعثر «اتفاق غزة»... ونعوّل على ترمب لإنفاذه
TT

وزير الخارجية المصري: إسرائيل تتحمل تعثر «اتفاق غزة»... ونعوّل على ترمب لإنفاذه

وزير الخارجية المصري: إسرائيل تتحمل تعثر «اتفاق غزة»... ونعوّل على ترمب لإنفاذه

بعد ساعات من إعلان وزارة الخارجية المصرية إطلاق «الكتاب الأبيض» بشأن مبدأ الاتزان الاستراتيجي في الدبلوماسية المصرية، حاورت «الشرق الأوسط» وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، في مكتبه بالعاصمة الإدارية الجديدة، حول عدد من الملفات التي تضطلع فيها القاهرة بأدوار تتراوح ما بين الوساطة والشراكة والحوار والاتصالات الدبلوماسية.

في حديثه أكد عبد العاطي «تميز» العلاقات المصرية - السعودية، معلناً التحضير للاجتماع الأول لـ«مجلس التنسيق الأعلى المصري - السعودي»، بحضور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والرئيس عبد الفتاح السيسي. وأشار وزير الخارجية المصري إلى التنسيق مع الرياض في ملفات إقليمية عدة، بينها غزة وأمن البحر الأحمر، مؤكداً أن القاهرة والرياض هما جناحا الأمتين العربية والإسلامية ودونهما لن يصلح حالهما.

وحمَّل عبد العاطي إسرائيل مسؤولية تعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وقال إن «الاتصالات مستمرة مع الجانب الأميركي لنقل الرؤية المصرية بشأن الكيانات الانتقالية، وعلى رأسها مجلس السلام وقوة الاستقرار»، مشدداً على موقف القاهرة بأن تكون قوة الاستقرار «قوة حفظ سلام لا فرض سلام». وتحدث عن حصر السلاح في غزة لا نزعه.

كما نفى عبد العاطي الاتهامات الموجهة لبلاده بلعب دور ميداني في السودان، مؤكداً دعم مصر للدولة ومؤسساتها، وعلى رأسها الجيش السوداني، وهو «ما لا يمكن مساواته مع أي ميليشيا أو أي إطار غير خارج الدولة»، على حد تعبيره.

وأشار وزير الخارجية إلى تطور العلاقات مع تركيا، مؤكداً أن «بناء الشراكات لا يعني التوافق في كل الملفات بنسبة 100 في المائة». كما جدد التأكيد على أن البحر الأحمر للدول المشاطئة، وشدَّد على حق بلاده في الدفاع عن أمنها المائي بعد وصول المفاوضات مع إثيوبيا إلى «طريق مسدود».

وبدا لافتاً تقاطع الاتصالات الأميركية - المصرية في ملفات عدة، من بينها غزة والسودان و«سد النهضة»، في إشارة واضحة إلى حوار وصفه عبد العاطي بـ«الإيجابي» بين القاهرة وواشنطن. وفيما يلي نص الحوار:

* نبدأ بملف غزة، رغم الجهود المبذولة لتنفيذ «خطة ترمب»، لماذا يتعذر الوصول للمرحلة الثانية من الاتفاق؟

- الأمر مرتبط بالتعاون والالتزام من الجانب الإسرائيلي بخطة الرئيس ترمب، وهي خطة واضحة تم تنفيذ المرحلة الأولى منها بالكامل باستثناء جثة وحيدة يتم البحث عنها وسط آلاف الأطنان من الركام والمتفجرات التي خلفها العدوان الإسرائيلي على غزة. نحن نعوّل على الدور الأميركي وقيادة ترمب للعمل على إنفاذ الخطة والانتقال إلى المرحلة الثانية، ورغم كل الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة يومياً، لا بد أن نعيد التأكيد على ضرورة تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار والمضي قدماً في تنفيذ المرحلة الثانية بكل استحقاقاتها، بما في ذلك إعادة الانتشار والانسحاب الإسرائيلي من داخل قطاع غزة، ووفقاً للخطة، ولما تضمنه أيضاً قرار مجلس الأمن 2803، ونرمز حالياً إلى الكيانات الانتقالية المؤقتة التي تم النص عليها في قرار مجلس الأمن، سواء ما يتعلق بمجلس السلام أو قوة الاستقرار الدولية أو اللجنة الإدارية الفلسطينية. نحن جاهزون، ولا بد من الضغط في اتجاه الدخول في المرحلة الثانية والعمل على تنفيذها.

* بمناسبة الحديث عن الكيانات الانتقالية، ما آخر تطورات تشكيل «مجلس السلام العالمي»؟

- نحن على تواصل مستمر مع الجانب الأميركي، لا سيما أن الولايات المتحدة معنية بشكل كامل بوضع خطة ترمب موضع التنفيذ على أرض الواقع. الاتصالات مستمرة مع الجانب الأميركي على كل المستويات، السياسي والأمني والاستخباراتي؛ بهدف تذليل أي مشاكل موجودة. ومصر بصفتها دولة عربية وإسلامية وواحدة من الدول الثماني التي اجتمعت بالرئيس الأميركي في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة لأمم المتحدة ودعمت رؤيته، لديها تصور يتوافق مع الرؤية العربية والإسلامية، خاصة فيما يتعلق بهذه الأطر الانتقالية المؤقتة، ونحن نتفاعل ونتحاور مع الجانب الأميركي بشكل إيجابي.

نحن ننقل رؤيتنا بأن «مجلس السلام» مهم للغاية ولا بد من تدشينه، ولا بد من أن تتركز صلاحياته في تعبئة وحشد الموارد المالية الخاصة بتنمية غزة وإعادة إعمارها والتعافي المبكر، وأيضاً مراقبة صرف أموال إعادة الإعمار، وإذا كان هناك صندوق سيتم تدشينه من جانب البنك الدولي لهذا الغرض فلا بد أن يكون تحت رعاية هذا المجلس وإشرافه.

* ما آخر تطورات تشكيل «قوة الاستقرار»، وهل ستضم قوات من مصر ودول عربية؟

- نحن في حوار جدي وإيجابي مع الجانب الأميركي؛ لأن هذه القوة لا بد أن يكون طبيعتها حفظ السلام وليس فرض السلام، وهناك بون شاسع بين الاثنين. حفظ السلام يعني التركيز على مراقبة مدى التزام طرفي الاتفاق بوقف إطلاق النار، إضافة إلى المساعدة في تشغيل المعابر، أما فرض القانون أو إقرار النظام العام الداخلي فهذه صلاحيات أصيلة للشرطة الفلسطينية التي يتعين نشرها داخل قطاع غزة، وإلى جانب ذلك تؤكد مصر ضرورة تشكيل اللجنة غير الفصائلية، اللجنة «التكنوقراط»؛ لتتولى إدارة الأمور الحياتية في القطاع. ومصر قدمت قائمة من 15 اسماً هناك توافق بين الفصائل عليها.

* هل سيكون هناك مشاركة مصرية أو عربية في القوة الدولية؟

- بالتأكيد مصر تدعم تشكيل القوى الدولية، وهناك أطر مختلفة لتقديم الدعم اللوجستي والفني لهذه القوة. وبالتأكيد نحن منخرطون في أعمال القيادة والسيطرة، ومصر موجودة في «اللجنة المدنية العسكرية» في كريات غات بجنوب إسرائيل، والتي تم تشكيلها لمتابعة تنفيذ اتفاق شرم الشيخ.

* هناك حديث عن نزع سلاح حركة «حماس»، فهل يمكن أن توافق الحركة على ذلك؟

- خطة ترمب تتحدث عن حصر السلاح وتسليمه وليس نزع السلاح. وهذه أمور سيتم التفاهم بشأنها بين الفصائل الفلسطينية. وأعتقد أن هناك إمكانية في إطار التفاهم بين الفصائل للوصول إلى صيغة تتضمن تسليم الأسلحة بشكل متدرج في الإطار الفلسطيني - الفلسطيني.

* قدمت مصر خطة لإعادة إعمار غزة. وأعلنت استعدادها لاستضافة مؤتمر لتمويل إعادة الإعمار، فإلى أين وصلت الجهود؟

- هناك تنسيق كامل مع الجانب الأميركي على المستوى السياسي، وتحدثت مؤخراً مع وزير الخارجية ماركو روبيو وأيضاً مع جاريد كوشنير. هناك حوار ممتد ننقل فيه رؤيتنا بشأن مكان وتوقيت عقد المؤتمر والاستفادة من الزخم الحالي.

* هل في موعد قريب؟

- حتى الآن لم يتم تحديد موعد، لكننا ننخرط في حوار مع الجانب الأميركي لتحديده.

* السعودية كانت من الدول الرئيسية الداعمة للحراك السياسي من أجل وقف الحرب في غزة والاعتراف بالدولة الفلسطينية، فكيف تقيّم العلاقات السعودية - المصرية؟ وكيف تصف دور المملكة إزاء الملفات الإقليمية المهمة؟

- علاقات المصرية والسعودية علاقات متميزة للغاية، وهي علاقات أبدية بين بلدين وشعبين شقيقين. وبالتأكيد مصر والمملكة هما جناحا الأمتين العربية والإسلامية، ولن ينصلح حالهما إلا بالتنسيق الكامل والتعاون الكامل بين جناحي الأمة.

هناك تنسيق على كل المستويات بين مصر والمملكة في ضوء توجيهات عليا من الرئيس السيسي وولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ للارتقاء بهذه العلاقات في كل المستويات الاقتصادية والتجارية والاستثماريّة، وفي مجالات الطاقة والمجالات القنصلية أيضاً.

التنسيق على المستوى السياسي في أبهى وأفضل حالاته. وقريباً سيتم عقد الاجتماع الأول لمجلس التنسيق الأعلى.

* متى يُتوقَع عقد الاجتماع؟

- يجري الآن الاختيار من بين مواعيد مختلفة، ونأمل أن يُعقَد في الربع الأول من العام المقبل.

* إلى أين وصلت الجهود المصرية لوقف الصراع في السودان؟

- الجهود المصرية مستمرة، ولا يمكن أن تتوقف على الإطلاق؛ لأن السودان هي الفناء الخلفي لمصر لذلك فالاتصالات المصرية مستمرة بشكل يومي على كل المستويات، سواء مع مجلس السيادة أو الحكومة أو الجيش السوداني، من منطلق الحرص المصري على الحفاظ على المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها الجيش الوطني، فضلاً عن الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.

أما على مستوى الرباعية الدولية، فمصر في انخراط وتواصل مستمرين مع السعودية والإمارات والولايات المتحدة لبحث سبل وقف هذه الحرب المروعة، وتتواصل مصر مع الأمم المتحدة لحشد وتعبئة الموارد الإنسانية وفتح الممرات الإنسانية وإقامة ملاذات آمنة. كما ننسق أيضاً مع بريطانيا وقطر، وكلتاهما أبدت رغبة في الإسهام والمشاركة جنباً إلى جنب مع الرباعية الدولية. ولن نهدأ إلا بالتوصل إلى هدنة ووقف إطلاق نار بما يمهد إلى إقامة أو تدشين عملية سياسية شاملة لا تقصي أحداً. فما يحدث في السودان أمر يدمي القلوب ولا يمكن السماح أو القبول باستمراره.

* هل هذه الهدنة ممكنة في ظل استمرار النزاع واتهامات بدعم أطرافه؟

- هدف هذه الهدنة هو بالتأكيد تهيئة الظروف نحو وقف دائم لإطلاق النار بما يؤسس للعملية السياسية، نحن نسعى لهذا بما يحقق مصلحة السودان، ولا يمكن ولا نقبل بتقسيم السودان، أو نقبل بوضع مؤسسة الدولة السودانية على قدم المساواة مع أي كيانات موازية نرفضها تماماً ولا يمكننا أن نعترف بها.

* تُتَهم القاهرة عادة بأن لها دوراً ميدانياً فيما يخص الحرب السودانية، فهل هذا صحيح؟

- هذه أكاذيب. مصر لا تنخرط إلا في إطار وقف وخفض التصعيد. وموقف مصر واضح ومعلن، وهو مع الحلول السياسية والدبلوماسية؛ لأنه ببساطة شديدة لا يوجد حل عسكري للأزمة في السودان.

* تدعم مصر مؤسسات الدولة السودانية، فهل يتسبب موقف القاهرة الواضح إزاء طرفي الحرب في إرباك علاقاتها الإقليمية؟

- هناك طرف يمثل الدولة الوطنية ومؤسساتها ولا يمكن مساواته مع أي ميليشيا أو أي إطار غير خارج الدولة، وبالتالي فالحفاظ على الدولة ومؤسساتها وفي قلبها الجيش الوطني مسألة مهمة جداً ومفروغ منها.

* ألا يربك ذلك علاقات مصر الإقليمية؟

- لا، على الإطلاق.

* لا يمكن إغفال الوضع في ليبيا، فما موقف مصر من استمرار الأزمة؟

- الوضع في ليبيا يثير القلق، ولا يمكن أن نقبل بتكريس الانقسام الحالي بين الشرق والغرب، ولا بد من العمل على توحيد مؤسسات الدولة، وفي القلب منها الجيش الوطني والمؤسسات الأمنية؛ بهدف تهيئة الظروف نحو إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية بالتزامن. نحن نسعى لتحقيق ذلك، وكان هناك حوار مطول مع مبعوث الرئيس ترمب إلى أفريقيا مسعد بولس، أكّدنا خلاله على أنه لا مخرج للوضع في ليبيا سوى من خلال التحضير لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

* المشير خليفة حفتر التقى الرئيس السيسي أخيراً بالقاهرة، وكان هناك حديث عن ملف ترسيم الحدود البحرية، وسبق لمصر أن أبدت اعتراضاً على اتفاقيات تركية - ليبية في هذا المجال، فما الخطوات التي تتخذها مصر في هذا الملف؟

- نعم، نحن لا نعترف بمذكرة التفاهم الموقَّعة بين الجانب التركي والحكومة «غير الشرعية» حكومة السراج آنذاك في الغرب، وأبلغنا مجلس الأمن والأمم المتحدة بهذا الموقف، ولدينا حوار مع الجانب الليبي حول الأمر الذي يعدّ مسألة ثنائية تخص البلدين.

* هل هناك حوار أيضاً مع الجانب التركي في هذا الإطار؟

نعم، هناك حوار عام ومشاورات على المستوى الوزاري وغير الوزاري، يتم خلالها تناول الأوضاع في ليبيا والعمل على تجاوز أي نقاط قد تكون خلافية. ومواقف مصر واضحة ومعلنة وسبق الحديث عنها في أنقرة وفي كل أنحاء العالم. والقاهرة تؤكد دائماً على ضرورة خروج القوات الأجنبية من ليبيا وتفكيك الميليشيات، وأن ترسيم الحدود البحرية مسألة ثنائية بين مصر وشقيقتها ليبيا.

* شهدت العلاقات المصرية - التركية تطورات في الآونة الأخيرة، فكيف يمضي مسار التقارب بين البلدين؟

- تمضي العلاقات بشكل جيد جداً ونعدّ حاليا للاجتماع الثاني لمجلس التنسيق الاستراتيجي المقرر عقده العام المقبل في القاهرة وبحضور الرئيس التركي رجب طيب إردوغان؛ كون الاجتماع الأول كان في أنقرة.

* هناك تباينات بين مواقف مصر وتركيا إزاء بعض الملفات الإقليمية، فكيف توازن مصر بين علاقاتها مع تركيا في ظل هذه التباينات؟

- هناك تنسيق مشترك، ونحن نبني شراكات، وليس معنى ذلك التوافق في كل الملفات بنسبة 100 في المائة؛ فهذا أمر يستعصي حتى ما بين الأشقاء. وبالتالي، نحن نبني على نقاط الاتفاق الموجودة ونحاول التوصل إلى تفاهمات حول النقاط العالقة.

* دعمت مصر الصومال وأكدت مراراً حرصها على استقرار منطقة القرن الأفريقي، لكن أحياناً ينظر لأي تحركات مصرية بأنها تستهدف الضغط على إثيوبيا؟ لماذا؟

- هذه أكاذيب وأوهام ولا علاقة لها بالواقع، مصر علاقتها بالصومال تمتد إلى آلاف السنين، وبالتالي نحن معنيون باستقراره. ولذلك؛ ستشارك مصر في بعثة حفظ السلام بناءً على طلب من الاتحاد الأفريقي ومن الحكومة الصومالية، وبهدف واحد هو تمكين الحكومة الصومالية من فرض سيطرتها ومكافحة الإرهاب.

* تدعم مصر الصومال ودول القرن الأفريقي، فما خطة مصر لأداء دورها إزاء الأمن في البحر الأحمر؟ ومع من تتعاون؟

- نحن معنيون أيضاً بقضية الاستقرار في القرن الأفريقي وأيضاً حوكمة البحر الأحمر، وننسق بشكل كامل مع السعودية والدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، وهناك توافق كامل بأن حوكمة هذه المنطقة، خليج عدن والبحر الأحمر، يخص الدول المشاطئة فقط ولا دخل لأي دولة أخرى، ولن نسمح بأي نفاذ بحري لأي أغراض عسكرية لأي دولة غير مشاطئة.

* يقودنا الحديث عن مساعي الدول غير المشاطئة للوجود على البحر الأحمر، إلى إثيوبيا وملف سد النهضة، فما خطة مصر للتعامل مع هذا الملف؟

- الموقف مصري واضح تماماً، وسبق أن أعلنا أن المسار التفاوضي وصل إلى طريق مسدود ولا مجال لاستئنافه حالياً؛ لأنه ليس ما يبرر ذلك بعد استنزاف 13 سنة في مفاوضات عبثية بسبب سوء النية من الطرف الآخر. ومصر تحتفظ لنفسها بحق الدفاع الشرعي عن النفس المكفول في ميثاق الأمم المتحدة إذا حدث ضرر لأمنها المائي.

* ما المسارات الأخرى بعد إيقاف المفاوضات؟ وفي ظل وجود السد كأمر واقع؟

- مصر تتابع الوضع على الأرض، وإذا حدث ضرر لأمنها المائي سيكون هناك رد فعل.

* هل تطمح مصر لوساطة أميركية في هذا الملف؟

- هناك حديث مع الجانب الأميركي ومع أطراف أخرى، لكن لن تحدث أي انفراجة في هذا الملف ما لم يعي الجانب الإثيوبي أن نهر النيل نهر عابر للحدود، ومن ثم فهو لا يخضع لسيادة إثيوبيا. والمجاري المائية العابرة للحدود مثل نهر النيل تخضع لقواعد القانون الدولي، خاصة فيما يتعلق بمبادئ الإخطار المسبق وعدم إحداث أي ضرر بالدول التي يمر بها النهر.

* كيف تنظر مصر إلى التطورات الأخيرة في سوريا؟ وهل لا تزال لدى القاهرة تحفظات إزاء الإدارة السورية الجديدة؟

- مصر يعنيها بشكل مبدئي وبشكل شديد الأهمية الاستقرار والخير لسوريا والشعب السوري، ونحن ندعم الشعب السوري بكل قوة وندين إدانة كاملة أي انتهاكات للسيادة السورية من جانب إسرائيل. وأنا على اتصال مع وزير الخارجية السوري وكنت قد التقيته مؤخراً في الدوحة. وإذا كانت هناك أي نصائح نقدمها، فإن ذلك من باب الأخوة والحرص على أمن سوريا واستقرارها ومساعدتها ودعمها في استرداد أراضيها المحتلة، والعمل على كف الجانب الإسرائيلي عن التدخل في شؤون سوريا.

نحن نتحدث عن أهمية الانفتاح لكل مكونات المجتمع السوري وعدم إعطاء الذرائع لأي دولة خارجية أن تنصّب نفسها داعمة لأي أقلية كما تحاول إسرائيل أن تفعل، ومن ثم نقول إن الدولة والحكومة السورية هي المعنية بشكل أساسي بتقديم كل الدعم والحماية والتواصل مع كل أطياف الشعب السوري.

أيضاً قضية المقاتلين الأجانب لا بد من التعامل معها، وكذلك قضية الإرهاب فلا يجب أن تكون سوريا قاعدة لتهديد أي دولة من دول المنطقة.

* قدمت مصر مبادرة إزاء لبنان؟ فما آخر تطورات الجهود المصرية؟

- نبذل جهوداً مكثفة، وكثيرة للغاية على كل المستويات مع كل الأطراف الدولية والإقليمية المعنية، وأجريت اتصالات مكثفة مع إسرائيل وإيران والولايات المتحدة لتجنيب لبنان ويلات أي تدخلات أو أي عمليات عسكرية تمس بمقدرات الشعب. ونحن نثمّن كل الخطوات التي اتخذها الجيش اللبناني وكل الإنجازات التي تحققت في منطقة جنوب الليطاني فيما يتعلق بفرض سيادة الدولة وسيطرتها، كما نثمن تأكيد الحكومة اللبنانية التزامها باتفاق وقف العدائيات الموقَّع العام الماضي وتنفيذه في كل ربوع لبنان وليس فقط في منطقة جنوب الليطاني. ومصر لا تدخر وسعاً لدعم لبنان وشعبها وقيادتها.


مقالات ذات صلة

«حماس» متشبثة بـ«جدول زمني» لالتزامات إسرائيل قبل «نزع السلاح»

خاص أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب) p-circle

«حماس» متشبثة بـ«جدول زمني» لالتزامات إسرائيل قبل «نزع السلاح»

بلورت «حماس» رداً على مطالبتها والفصائل الفلسطينية ببدء «نزع السلاح» وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الرد يرتكز على «التشبث بجدول زمني» لالتزامات إسرائيل أولاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يستقبل البابا ليو الرابع عشر بعد هبوطه في مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائر... 13 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle 00:51

رئيس الجزائر: أدعو مع البابا ليو بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان

دعا الرئيس الجزائري، خلال لقائه بابا الفاتيكان، بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)

سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

جاءت آية سلامة إلى مصر من أجل ترميم وتجميل وجهها بعد تشوهه في قصف إسرائيلي مطلع الحرب على غزة.

يسرا سلامة (القاهرة)
المشرق العربي أعضاء اللجنة التوجيهية لأسطول الصمود العالمي ومنظمة «أوبن آرمز»  يحضرون مؤتمراً صحافياً بينما يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة (رويترز)

أسطول مساعدات جديد يسعى لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة

من المقرَّر أن ينطلق أسطول ثانٍ يحمل مساعدات إنسانية إلى الفلسطينيين في قطاع غزة، اليوم (الأحد)، من ميناء برشلونة الإسباني.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
خاص فلسطينيان متأثران خلال تشييع قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)

خاص الاستهدافات الإسرائيلية تركز على «القوة المشتركة» في غزة

قتلت «مسيّرة» إسرائيلية، بعد منتصف ليل الجمعة - السبت، 6 من نشطاء «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس»، خلال انتشارهم في مخيم البريج شرق وسط قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended