«ضرب الأنفاق أم بصمة الصوت»... لماذا بات اغتيال إسرائيل لقيادات «القسام» سريعاً؟

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: «حماس» تحقق مع متهم بالوشاية بعز الدين الحداد

من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)
من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)
TT

«ضرب الأنفاق أم بصمة الصوت»... لماذا بات اغتيال إسرائيل لقيادات «القسام» سريعاً؟

من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)
من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)

طوال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وحتى إعلان وقف إطلاق النار الهش بعد عامين في أكتوبر 2025، لم يكن اغتيال إسرائيل لقيادات «حماس» وجناحها العسكري «كتائب القسام» مسألة سهلة وسريعة.

غير أن الأسابيع القليلة الماضية، شهدت كثافة وسرعة في عمليات الاغتيال التي بلغت ذروتها في قتل قائد «القسام»، عز الدين الحداد، في 15 من مايو (أيار) الماضي بعد عقود من الملاحقة، وفي خلال أقل من أسبوعين اغتالت إسرائيل خليفته محمد عودة، كما طالت عمليات التصفية عماد إسليم أحد أبرز قادة «القسام»، عماد إسليم، وبرفقته قتل قائد لواء الشمال إلا أن الأخير نجا.

ولم تتوقف الاغتيالات كذلك على مستوى النشطاء الميدانيين البارزين، وغالبيتهم ممن شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر 2023، أو المسؤولين في مجال التصنيع العسكري.

فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وفرضت كثافة الاغتيالات الكثير من التساؤلات داخل وخارج «حماس» حول أسباب تسارعها، وفي حين تشير مصادر إلى تنامي العمل «الاستخباري» الإسرائيلي في غزة، تحدثت مصادر أخرى عن استهداف الأنفاق التي دمرتها إسرائيل والفجوة التي خلقتها في البيئة الأمنية لـ«حماس».

وتقول مصادر ميدانية من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن جميع حوادث الاغتيال التي تقع يتم التحقيق في ظروفها من قبل مختصين بهدف تتبع أي خيوط أمنية أو ثغرات محددة.

«الأنفاق وقرار الخروج منها»

تقر 4 مصادر ميدانية، أن من بين أسباب تسارع الاغتيالات، تبرز الحملة العسكرية الإسرائيلية المكثفة على الأنفاق، والتي دمرت «أعداداً كبيرة جداً منها خلال وبعد الحرب».

وشقت «حماس» طوال عقدين، مئات (في التقديرات المتحفظة) إن لم يكن آلاف الأنفاق المتنوعة المهام بين الدفاع أو الهجوم أو السيطرة والتحكم، التي كان جزء منها مكاناً لوجود قيادات لإدارة المعارك، وغيرها.

وبحسب المصادر، فإن إسرائيل دمرت أعداداً كبيرة من الأنفاق سواء من خلال العمليات البرية أو عبر القصف الجوي الذي طالها، وأدى ذلك في فترات لمقتل العديد من النشطاء وبعض القيادات وحتى مختطفين إسرائيليين.

ويقول أحد المصادر إنه «بسبب الهجمات قررت قيادة (المقاومة)، اتخاذ قرار بوقف اللجوء لاستخدام الأنفاق، والعمل بما يخدم الحفاظ على حياة القيادات والنشطاء، وكذلك المختطفون، بهدف مبادلتهم بأسرى فلسطينيين».

وبينت المصادر، أنه مع بداية الحرب في أكتوبر 2023، شنت إسرائيل سلسلة من الغارات على الأنفاق، ولكن لكثرتها لم يتم اتخاذ قرار بالخروج منها سوى المناطق الخطرة، ومع نهاية شهر مارس (آذار) 2024، وفي ظل تكثيف الغارات الجوية على الأنفاق وخاصةً التي كان بداخلها نشطاء ومختطفون إسرائيليون، تم اتخاذ قرار فوري بنقلهم فوق الأرض، واشتدت لاحقاً الضربات ضد الأنفاق.

«نقطة تحول»

وبينت المصادر أن الفترة التي أعقبت الخروج من الأنفاق «شكلت نقطة تحول»، الأمر الذي دفع إلى استخدام الأنفاق فقط للتنقل من مكان إلى آخر أو لتنفيذ هجمات معينة، ولم تعد تستخدم إلا بحرص وبشكل مؤقت كمكان للتخفي من قبل القيادات، أو حتى النشطاء الميدانيين البارزين.

ورغم خطورة وضع الأنفاق في الفترات اللاحقة؛ فإن قيادات من «حماس» و«القسام» استعانت بها، مثل عضوي المكتب السياسي للحركة، روحي مشتهى، وسامح السراج، اللذين قتلا برفقة قيادات ميدانية من «القسام» في نفق بمنطقة الصناعة جنوب مدينة غزة، في يوليو (تموز) 2024.

كما قُتل القائد الراحل لـ«القسام» محمد السنوار، والقيادي في صفوف الكتائب محمد شبانة، إلى جانب آخرين، في أنفاق متشعبة قرب محيط المستشفى الأوروبي بخان يونس، وذلك في شهر مايو 2025.

جنديان إسرائيليان في المستشفى الأوروبي بخان يونس حيث قالت إسرائيل إنها اكتشفت نفقاً يُعتقد أن قائد «القسام» محمد السنوار قُتل فيه... 8 يونيو 2025 (د.ب.أ)

وبحسب أحد المصادر الميدانية، فإن «العديد من الظروف الميدانية دفعت القيادات السياسية والعسكرية حينها إلى اللجوء إلى الأنفاق واستخدامها كمكان للتخفي في ظل تشديد الملاحقة الإسرائيلية لقيادات الحركة والكتائب» مضيفاً: «الخيارات كانت تضيق أكثر فأكثر إزاء ذلك».

وشرح المصدر ذاته أن «من بين من استخدموا الأنفاق بكثرة للتنقل من مكان إلى آخر في ذروة العمليات الإسرائيلية شمال غزة، عز الدين الحداد، الذي تمكن من النجاة بنفسه أكثر من مرة بأماكن كانت تقوم فيها إسرائيل بعمليات فوق الأرض، فيما كان هو تحت الأرض ويستخدم تشعبات الأنفاق للخروج من منطقة إلى أخرى».

ومع ذلك، فإن المصدر يقول إن «الحداد وآخرين لم يكونوا يرون في الأنفاق موقعاً جيداً للتخفي، ولذلك عاشوا كثيراً من الفترات خلال الحرب وبعد وقف إطلاق النار، فوق الأرض، وكانوا يتنقلون متخفين بطرق مختلفة ومن دون مرافقة أمنية، وبما لا يسمح لإسرائيل بتتبعهم، وكانوا يتواصلون بطرق مختلفة».

ووفقاً لثلاثة مصادر ميدانية من «حماس»، فإن اللجوء للأنفاق تكرر مع العديد من القيادات، ومن بينهم محمد السنوار، وقائد «حماس» الراحل يحيى السنوار الذي قُتل في اشتباك مفاجئ مع قوة إسرائيلية في أكتوبر 2024 في منطقة مدمرة في رفح جنوب غزة.

«تضييق مساحة الرصد»

لكن تدمير الأنفاق ليس سبباً وحيداً؛ إذ توضح المصادر الأربعة من «حماس» أن توسيع إسرائيل لنطاق سيطرتها شرق الخط الأصفر الذي يمثل نحو 60 - 70 في المائة من مساحة غزة، تسبب في حصر غالبية السكان غرب الخط، ومن ثمّ تقلصت فرص إيجاد أماكن آمنة أو غير مرصودة لقيادات ونشطاء الفصائل.

ووفقاً للمصادر نفسها، فإن غالبية قيادات ونشطاء الفصائل الفلسطينية، باتوا محصورين في مناطق محددة، حالهم حال مئات الآلاف من سكان قطاع غزة الذين يعيشون في المناطق الغربية من القطاع، بعد أن فقدوا منازلهم وأماكن أخرى مخصصة لهم، ما دفعهم للبقاء مع عوائلهم أو بالقرب منهم، ويعيشون في الخيام وغيرها مثلهم مثل الكثيرين، الأمر الذي جعلهم تحت المتابعة والمراقبة الإسرائيلية.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

ويومياً تتعرض مناطق داخل وعلى حدود الخط الأصفر المرموز إليه كخط انسحاب أولي ضمن اتفاق وقف إطلاق النار المعلن، لعمليات نسف كبيرة تستهدف ما تبقى من منازل وأنفاق وغيرها من بنية تحتية، وهذا جزئياً دفع إسرائيل لتوسيع منطقة الخط الأصفر بما يتيح سيطرتها الأمنية من جانب، ومن جانب آخر لتدمير مسارات أنفاق قريبة من أماكن عملياتها.

«تكنولوجيا التجسس وبصمة الصوت»

تقيم المصادر الميدانية في غزة وزناً كبيراً لتكنولوجيا التجسس الإسرائيلية عند محاولة رصد أسباب الوصول السريع لقيادات «حماس» و«القسام» وتتوافق جميعاً على دور مسيّرات التجسس التي تجوب أجواء غزة بكثافة، وغيرها من الأدوات، إلى جانب العنصر البشري من المتخابرين مع إسرائيل سواء من الأفراد أو عناصر العصابات المسلحة المدعومة من إسرائيل.

ويقول أحد المصادر إن «من بين ما تستخدمه إسرائيل بشكل مكثف العامل التكنولوجي المولد بالذكاء الاصطناعي المستخدم كثيراً في السنوات القليلة الماضية عبر طائرات مسيّرة حديثة من صنع إسرائيلي تعتمد على برامج سيبرانية مطورة لتتبع بصمة الصوت، وربما علامات حيوية لرصد بعض القيادات في أماكن معينة».

وشرح المصدر الميداني، الذي اطلع على تحقيقات مع مشتبهين بالتخابر أن «المسيّرات تتنصت على مكالمات بنطاقات محددة ومعينة بعد التشويش عليها لحصر الأصوات التي تصدر منها أو حتى في محيطها ما قد يدل على وجود شخص تملك إسرائيل بصمة صوته من خلال تسجيلات هاتفية سابقة، أو اعتقال سابق».

ولفت المصدر إلى تمكن بعض المتخابرين مع إسرائيل من «زرع أجهزة تجسس مختلفة بعضها يحتوي على كاميرات وأجهزة تسجيل، وأخرى في حجم (حشرة) تلقيها طائرات مسيّرة، أو تزرعها قوات برية في مناطق متفرقة اقتحمتها خلال الحرب».

ولا تنفي المصادر أن هناك جهداً استخبارياً بشرياً (المتخابرون) ساهم في الوصول لقيادات من «حماس» و«القسام».

وتحدث أحد المصادر الميدانية عن أنه «تم اعتقال العديد من (المتخابرين) وتصفيتهم، وكان جزء بسيط منهم من داخل منظومة (حماس)، و(القسام)، والأغلبية كانوا من خارجها»، كاشفاً عن «اعتقال شخص من خارج (حماس)، تبين أنه على علاقة باغتيال الحداد، بعد رصده في موقع الاغتيال، ووجوده في مكان آخر كان يوجد به الحداد أيضاً».

وأكد مصدران خضوع المشتبه به للتحقيقات، وقال أحدهما إن «المعتقل اعترف بأنه كان يتتبع الحداد بتعليمات من ضابط مخابرات إسرائيلي كان يزوده بأماكن محددة توجد فيها عائلة الحداد، ما قد يشير إلى أن هناك متخابرين آخرين، ويجري العمل للوصول إليهم».

النيران مندلعة بمبنى سكني قصفته إسرائيل خلال استهداف القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد بحي الرمال في مدينة غزة ليل 15 مايو 2026 (إ.ب.أ)

وتقول المصادر إن آلية نقل الرسائل المتعلقة بالمفاوضات وغيرها كانت «إحدى الثغرات التي تتبعتها إسرائيل بشكل لافت، ويجري التحقيق فيما إذا كانت ساهمت في الاغتيالات أم أنها مجرد فرضيات».

وفي ذروة الحرب على غزة، تعرض فلسطينيون لإعدام من قبل عناصر في الفصائل الفلسطينية بعد اعتقالهم بمواقع هجمات إسرائيلية، حيث أجريت لهم ما وصفته «القسام» بـ«محاكم ثورية»، وكان من بينهم شخص من داخل «حماس» وآخر من خارجها، وكانا متهمين بـ«تقديم معلومات تسببت في الوصول إلى قائد (القسام) الراحل محمد الضيف، الذي اغتيل في يوليو (تموز) 2024».


مقالات ذات صلة

«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز) p-circle

«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

تكثف حركة «حماس» اللقاءات مع وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة من مصر وقطر وتركيا، لإيجاد مقاربات بشأن القضايا العالقة باتفاق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي إلى جوار جثمان قريبها في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة (رويترز)

مقتل 3 فلسطينيين في غزة بنيران إسرائيلية

قال مسؤولون بقطاع الصحة في غزة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 3 فلسطينيين في وقائع منفصلة في أنحاء القطاع، اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يقفون قرب موقع سقوط شظايا غارة إسرائيلية في ميناء مدينة غزة يوم الأحد (أ.ب)

إسرائيل تدمر مربعات سكنية نجت من ذروة الحرب على غزة

أظهرت غارات إسرائيلية متلاحقة في وسط غزة خلال الأسابيع الماضية، نمطاً متكرراً لتدمير مربعات سكنية نجت من الدمار الكبير خلال ذروة الحرب على القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية في جنوب غزة (أ.ب) p-circle

مباحثات جديدة بين «حماس» والوسطاء في القاهرة لدفع مسار وقف النار بغزة

أفادت مصادر مطلعة على مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بأن وفداً مفاوضاً من حركة «حماس» سيعقد جولة مباحثات جديدة مع الوسطاء في مصر، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول مقهى على شاطئ البحر في غزة تعرض لقصف إسرائيلي (رويترز) p-circle

مسعفون: مقتل 2 على الأقل في غارة إسرائيلية على مقهى بغزة

‌قال مسؤولون في مجال الصحة إن غارة جوية إسرائيلية أودت بحياة ​فلسطينيين اثنين على الأقل، وأصابت 12 آخرين في مقهى بغزة كان مكتظاً بالمواطنين.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«الثنائي الشيعي» يتراجع عن شرط الانسحاب الإسرائيلي لقبول وقف النار

امرأة لبنانية تنتحب قرب نعوش أب وابنته وابنه قتلوا بغارة اسرائيلية استهدفتهم خلال عودتهم إلى قريتهم في القليعة التي تسكنها أغلبية مسيحية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة لبنانية تنتحب قرب نعوش أب وابنته وابنه قتلوا بغارة اسرائيلية استهدفتهم خلال عودتهم إلى قريتهم في القليعة التي تسكنها أغلبية مسيحية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«الثنائي الشيعي» يتراجع عن شرط الانسحاب الإسرائيلي لقبول وقف النار

امرأة لبنانية تنتحب قرب نعوش أب وابنته وابنه قتلوا بغارة اسرائيلية استهدفتهم خلال عودتهم إلى قريتهم في القليعة التي تسكنها أغلبية مسيحية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة لبنانية تنتحب قرب نعوش أب وابنته وابنه قتلوا بغارة اسرائيلية استهدفتهم خلال عودتهم إلى قريتهم في القليعة التي تسكنها أغلبية مسيحية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

أظهرت المواقف الأخيرة لطرفي «الثنائي الشيعي» في لبنان، المكون من حركة «أمل» و«حزب الله»، تسليماً ببقاء القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية خلال مرحلة وقف النار المنتظرة، خلافاً لما كان من تمسُّك سابق بتزامن وقف النار والانسحاب وعودة الأهالي إلى قراهم، وإعمار ما هدمته الحرب الدائرة مع إسرائيل منذ عام 2023.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بالمسؤولية عن التصعيد، وقال لشبكة «سي إن بي سي» الأربعاء: «التصعيد يأتي من (حزب الله)، وليس من إسرائيل، ونحن ملتزمون بوقف إطلاق النار». كما قال إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشاركه هدف تجريد «حزب الله» من ترسانته وجعل لبنان منزوع السلاح».

وقف إطلاق النار

وقال مصدر لبناني شارك في الاتصالات الجارية بين بيروت وواشنطن إن مطالب «الثنائي» الذي يعبر عنه في المفاوضات رئيس البرلمان، نبيه بري، لم تعد تتحدث عن الانسحاب والإعمار، بل باتت تقتصر على «وقف النار بحراً وبراً وجواً، ووقف أعمال الهدم والتجريف التي تقوم بها القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية المحتلة».

وفي المقابل، قالت مصادر مطلعة على مواقف «الثنائي» لـ«الشرق الأوسط» إن المطلوب الآن تحقيق «وقف النار بكل مضامينه»، مشيرة إلى أنه «على أثر حصول وقف النار تأتي الخطوات اللاحقة من انسحاب وإعادة إعمار وانتشار الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية التي تخليها القوات الإسرائيلية».

وعقد دبلوماسيون لبنانيون وإسرائيليون الأربعاء يوماً ثانياً من محادثات مباشرة في واشنطن، في الجولة الرابعة من نوعها منذ اندلاع الحرب، في الثاني من مارس (آذار) الماضي، وذلك على وقع تصعيد إسرائيلي، واتصالات لبنانية مع واشنطن، للضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار في لبنان بشكل كامل، يشمل كذلك «حزب الله».

الوفد اللبناني المشارك في مفاوضات واشنطن الثلاثاء (رويترز)

وكان ترمب أعلن، مساء الاثنين، أنه تم الاتفاق على تهدئة بين «حزب الله» وإسرائيل، متابعاً: «إسرائيل لن تهاجمهم، وهم لن يهاجموا إسرائيل»، مؤكداً أنه أوقف هجوماً إسرائيلياً على بيروت. وشدّدت إسرائيل، الثلاثاء، على «معادلة جديدة» تقضي بأن تضرب الدولة العبرية ضاحية بيروت الجنوبية، في حال هاجم «حزب الله» مناطقها الشمالية، مؤكدة أن الولايات المتحدة أيّدت هذا المبدأ.

وأعلن نائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله»، محمود قماطي، الثلاثاء، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن الحزب لن يوافق على أي «اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار»، ويرفض المقايضة بين عدم قصف إسرائيل الضاحية الجنوبية، وامتناعه عن استهداف شمال الدولة العبرية.

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

دعم بريطاني

وأعلنت المملكة المتحدة عن دعمها لمسار التفاوض اللبناني، وأفادت الرئاسة اللبنانية بأن الرئيس جوزيف عون تلقى اتصالاً هاتفياً من مستشار الأمن القومي البريطاني، جوناثان باول، تناول التطورات الأمنية والعسكرية في لبنان ومسار التفاوض. وأكّد باول لرئيس الجمهورية وقوف بريطانيا إلى جانب لبنان ودعم خياراته السياسية لحفظ الأمن والاستقرار في البلاد.

ويحظى مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل بدعم سياسي لبناني، وأسفت النائبة ستريدا جعجع للمشهد الذي يعيشه الجنوب اللبناني، معتبرة أن اللبنانيين الذين وُعدوا بالتحرير واستعادة السيادة يجدون أنفسهم أمام واقعٍ مختلف تماماً؛ حيث تم احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية، فيما تتسع دائرة الدمار والمعاناة الإنسانية التي طالت القرى والبلدات الجنوبية، وأجبرت آلاف المواطنين على النزوح والتشرّد.

وشددت جعجع على أن ما يجري يشكّل دليلاً إضافياً على فشل كل السياسات التي قامت على منطق الدويلة والسلاح الخارج عن سلطة الدولة، مؤكدة أن حماية لبنان وصون أراضيه وسيادته لا تكون إلا من خلال دولة فعلية وقوية، تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، وجيشاً واحداً، وسلطة شرعية واحدة، ومؤسسات دستورية قادرة على تحمّل مسؤولياتها الوطنية كاملة.

وأكدت أن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية لم يعد مطلباً سياسيا لفريق دون آخر، بل أصبح ضرورة وطنية ملحّة لحماية اللبنانيين ومنع تكرار المآسي التي عاشها الجنوب وسائر المناطق اللبنانية خلال السنوات الماضية. وفيما يتعلق بالأصوات التي عادت تتحدث عن إسقاط الحكومة في الشارع، رأت جعجع أن هذا الخطاب يعيد اللبنانيين إلى مراحل تجاوزوها منذ زمن طويل.

وأضافت: «إذا كانت هناك جهة تعتبر أن الحكومة فقدت ثقة مجلس النواب، فالدستور واضح ويحدد الآليات اللازمة لمعالجة هذا الأمر داخل المجلس النيابي».


إسرائيل تعتزم بناء منازل جديدة لتوسعة مستوطنات في الضفة الغربية

حفارة إسرائيلية تهدم مبنى للفلسطينيين في الضفة الغربية (رويترز)
حفارة إسرائيلية تهدم مبنى للفلسطينيين في الضفة الغربية (رويترز)
TT

إسرائيل تعتزم بناء منازل جديدة لتوسعة مستوطنات في الضفة الغربية

حفارة إسرائيلية تهدم مبنى للفلسطينيين في الضفة الغربية (رويترز)
حفارة إسرائيلية تهدم مبنى للفلسطينيين في الضفة الغربية (رويترز)

أعلن وزير المالية الإسرائيلي المتشدد بتسلئيل سموتريتش، اليوم (الأربعاء)، عن توسعة كبيرة بأكثر من 2000 منزل في 3 مستوطنات يهودية في الضفة الغربية المحتلة، والتي يأمل الفلسطينيون أن تكون جزءاً من دولة مستقلة مستقبلية.

وتعتبر معظم دول العالم المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية بموجب القانون الدولي وأنها تشكل عقبة رئيسية أمام حل الدولتين لتحقيق سلام طويل الأمد.

وقال سموتريتش، الذي يتولى السلطة على مناطق في الإدارة المدنية الإسرائيلية بالضفة الغربية، إن لجنة التخطيط وافقت على بناء 2162 منزلاً جديداً لليهود.

«نحكم سيطرتنا على الأرض»

وتشمل هذه المنازل 1006 وحدات سكنية في مستوطنة جديدة بالقرب من القدس، و922 وحدة بالقرب من مدينة نابلس الفلسطينية، و234 وحدة بالقرب من الخليل.

وأضاف الوزير القومي المتطرف: «نواصل عملياً بناء أرض إسرائيل»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وندد سموتريتش بالعقوبات التي فرضتها عليه بريطانيا وفرنسا ودول أخرى بتهمة التحريض على العنف ضد الفلسطينيين، قائلاً إن هذه الإجراءات لن تغير السياسة الإسرائيلية.

وذكر، في بيان، أن المنازل الجديدة «ستحكم سيطرتنا على الأرض، وتعزز أمن إسرائيل، وترسي حقائق واضحة على الأرض تمنع إقامة دولة إرهابية عربية في قلب البلاد»، ولم يحدد موعد البناء.

ويسعى سموتريتش منذ أن أصبح وزيراً قبل ثلاث سنوات إلى تشديد سيطرة إسرائيل ووجودها في الضفة الغربية في الوقت الذي يعارض فيه فكرة إقامة دولة فلسطينية.

وأشرفت حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اليمينية على توسيع كبير للمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وعلى بناء مستوطنات جديدة.

طموحات الاستقلال

ويريد الفلسطينيون أن تكون الضفة الغربية جزءاً من دولة مستقلة لهم في المستقبل تضم أيضاً القدس الشرقية وغزة.

ويعيش نحو نصف مليون إسرائيلي في الضفة الغربية مع 3 ملايين فلسطيني تقريباً.

ولم تنتقد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب كثيراً المستوطنات الإسرائيلية سريعة التوسع.

لكن ترمب قال في سبتمبر (أيلول) إنه لن يسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية، مما أثار غضب بعض المشرعين الإسرائيليين اليمينيين.

وندد مكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإعلان اليوم، وحذر من أن سياسات إسرائيل «الاستفزازية» ستدفع المنطقة نحو مزيد من جولات العنف والتصعيد، ودعا الولايات المتحدة إلى وقف «الجنون الإسرائيلي».

وقال سموتريتش في 19 مايو (أيار) إنه سيشن «حرباً» على السلطة الفلسطينية، التي تمارس حكماً مدنياً محدوداً في الضفة الغربية، بعد أن قال إنه أبلغ بأن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية طلب إصدار مذكرة اعتقال سرية بحقه. ولم تؤكد المحكمة ذلك.


تآكل معادلات الردع: «من بيروت مقابل تل أبيب» إلى «الضاحية مقابل الشمال»

مواطنون في الضاحية الجنوبية حيث الدمار يعم المكان نتيجة القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)
مواطنون في الضاحية الجنوبية حيث الدمار يعم المكان نتيجة القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)
TT

تآكل معادلات الردع: «من بيروت مقابل تل أبيب» إلى «الضاحية مقابل الشمال»

مواطنون في الضاحية الجنوبية حيث الدمار يعم المكان نتيجة القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)
مواطنون في الضاحية الجنوبية حيث الدمار يعم المكان نتيجة القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)

على مدى ما يقارب العقدين، شكّلت معادلة «بيروت مقابل تل أبيب» إحدى الركائز الأساسية التي استند إليها «حزب الله» في تثبيت توازن الردع مع إسرائيل. فمنذ حرب يوليو (تموز) 2006، ترسخت معادلة مفادها بأن استهداف بيروت سيقابله استهداف للعمق الإسرائيلي، بما في ذلك تل أبيب.

إلا أن حربي «إسناد غزة» و«إيران» وما أفرزتهما من تحولات ميدانية وعسكرية وسياسية أظهرت أن تلك المعادلة لم تعد تحكم المواجهة بين الطرفين بالشكل نفسه. فبدلاً من الحديث عن ردود للحزب تصل إلى العمق الإسرائيلي، باتت قواعد الاشتباك تدور حول مستوطنات الشمال والمواقع القريبة من الحدود، في مؤشر إلى انتقال واضح من مستوى الردع الاستراتيجي إلى مستوى محدود من حيث الجغرافيا والأهداف.

إسرائيل تفرض معادلتها

التطور الأبرز الذي كشف حجم هذا التحول برز بعد التهديد الإسرائيلي باستهداف الضاحية الجنوبية مساء الاثنين على خلفية إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل. ومع تصاعد المخاوف من توسع المواجهة، تحركت الاتصالات على أكثر من خط داخلي وخارجي لاحتواء الموقف ومنع انزلاق الأمور إلى حرب واسعة، لتنتهي عملياً إلى تثبيت معادلة جديدة غير معلنة مفادها بأن أي استهداف لمستوطنات الشمال سيقابله استهداف للضاحية الجنوبية.

وتشير الوقائع الميدانية إلى أن الطرفين يتصرفان على أساسها. فإسرائيل أعلنت صراحة أنها ستضرب الضاحية رداً على استهداف الشمال، فيما تجنب «حزب الله» اتخاذ خطوات من شأنها تفعيل هذا التهديد، ما يعني عملياً أن الطرفين يتعاملان مع القاعدة الجديدة باعتبارها أمراً واقعاً، حتى وإن بقيت خارج إطار الإعلان الرسمي.

سيدة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال تجمع دعا له «حزب الله» في عيد المقاومة والتحرير في 25 مايو الماضي (إ.ب.أ)

«حزب الله» عاد من «جيش رديف» إلى مقاومة

ويرى اللواء المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي أن ما جرى لا يمكن فصله عن التحولات العسكرية التي أصابت «حزب الله» خلال الحرب الأخيرة، معتبراً أن الحزب عاد عملياً إلى ما يفترض أن يكون عليه باعتباره حركة مقاومة بعد سنوات من امتلاكه قدرات وتنظيمات جعلته أقرب إلى جيش نظامي.

ويقول شحيتلي لـ«الشرق الأوسط»: «(حزب الله) وصل إلى مرحلة كان يعتبر نفسه فيها جيشاً من جيوش المنطقة، لكنه عاد اليوم إلى الوضع الأساسي الذي يفترض أن تكون عليه المقاومة». ويوضح: «المقاومة لا يكون عندها أسلحة ثقيلة، لأنها تقاوم العدو المحتل عبر مجموعات صغيرة وعمليات محددة وكمائن، وتعمل على إيقاع الخسائر البشرية ومنع العدو من تثبيت وجوده على الأرض وليس منعه من دخولها».

ويعتبر أن «(حزب الله) عاد إلى مواصفات المقاومة بعدما كان يسعى إلى أن يكون قوة إقليمية أو جيشاً رديفاً»، مشيراً إلى أنه «لم يعد يتمتع بقوة الجيوش بما فيها من أسلحة ومراكز قيادة وغرف عمليات»، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حجم الدور الذي يستطيع لعبه وعلى طبيعة المواجهة التي يخوضها اليوم.

تآكل الردع

أما الخبير العسكري العميد المتقاعد الدكتور خليل الحلو، فيرى أن الحرب الأخيرة كشفت حدود معادلة الردع التي كان الحزب يتحدث عنها منذ سنوات، وأن الوقائع الميدانية أثبتت عدم قدرة تلك المعادلة على منع إسرائيل من تحقيق أهدافها العسكرية.

ويقول الحلو لـ«الشرق الأوسط»: «التهديدات التي كان يطلقها الأمين العام السابق حسن نصر الله بأن الصواريخ ستصل إلى تل أبيب والعمق الإسرائيلي وما بعد حيفا لم نر منها شيئاً فعلياً»، مشيراً إلى أن «الصواريخ الثقيلة دمرت إسرائيل جزءاً كبيراً منها قبل استخدامها، فيما لم يتم إطلاق سوى أعداد محدودة منها».

جانب من الدمار في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

ويضيف أن «قوة الردع التي كان يتباهى بها الحزب لم تنفع مع الإسرائيلي، ولم ينجح في فرضها، بدليل أن إسرائيل استمرت في استهداف بيروت والضاحية وواصلت عمليات الاغتيال حتى بعد اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2024». ويلفت إلى أن الحزب حاول خلال الحرب العودة إلى قواعد اشتباك شبيهة بتلك التي أعقبت عملية «عناقيد الغضب» عام 1996، من خلال حصر المواجهات بالأهداف العسكرية وعدم استهداف المدنيين، إلا أن إسرائيل واصلت ضرب الضاحية وتنفيذ الاغتيالات، ما دفع الحزب لاحقاً إلى توسيع ردوده باتجاه المستوطنات الشمالية، ولا سيما عبر المسيّرات.

ويشير الحلو إلى أن «الجهود السياسية والأمنية التي بُذلت لمنع ضرب الضاحية، إضافة إلى الضغوط الدولية والإقليمية، أدت عملياً إلى تكريس معادلة جديدة عنوانها (الضاحية مقابل المستوطنات الإسرائيلية)»، معتبراً أن «معادلة الردع المرتبطة بـ(حزب الله) لم تعد تنفع، ومظاهر القوة التي كان يحاول إظهارها أثبتت عدم جدواها خلال حرب إسناد غزة ثم خلال المواجهة المرتبطة بإسناد إيران».

ويخلص إلى أن إسرائيل «لم تعد تقبل بأقل من القضاء على سلاح (حزب الله)»، معتبراً أن الحزب بات اليوم في موقع دفاعي مختلف تماماً عن ذلك الذي كان يشغله خلال السنوات السابقة.

الدخان يتصاعد من النبطية إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (رويترز)