«ضرب الأنفاق أم بصمة الصوت»... لماذا بات اغتيال إسرائيل لقيادات «القسام» سريعاً؟

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: «حماس» تحقق مع متهم بالوشاية بعز الدين الحداد

من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)
من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)
TT

«ضرب الأنفاق أم بصمة الصوت»... لماذا بات اغتيال إسرائيل لقيادات «القسام» سريعاً؟

من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)
من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)

طوال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وحتى إعلان وقف إطلاق النار الهش بعد عامين في أكتوبر 2025، لم يكن اغتيال إسرائيل لقيادات «حماس» وجناحها العسكري «كتائب القسام» مسألة سهلة وسريعة.

غير أن الأسابيع القليلة الماضية، شهدت كثافة وسرعة في عمليات الاغتيال التي بلغت ذروتها في قتل قائد «القسام»، عز الدين الحداد، في 15 من مايو (أيار) الماضي بعد عقود من الملاحقة، وفي خلال أقل من أسبوعين اغتالت إسرائيل خليفته محمد عودة، كما طالت عمليات التصفية أحد أبرز قادة «القسام»، عماد إسليم، وبرفقته قتل قائد لواء الشمال إلا أن الأخير نجا.

ولم تتوقف الاغتيالات كذلك على مستوى النشطاء الميدانيين البارزين، وغالبيتهم ممن شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر 2023، أو المسؤولين في مجال التصنيع العسكري.

فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وفرضت كثافة الاغتيالات الكثير من التساؤلات داخل وخارج «حماس» حول أسباب تسارعها، وفي حين تشير مصادر إلى تنامي العمل «الاستخباري» الإسرائيلي في غزة، تحدثت مصادر أخرى عن استهداف الأنفاق التي دمرتها إسرائيل والفجوة التي خلقتها في البيئة الأمنية لـ«حماس».

وتقول مصادر ميدانية من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن جميع حوادث الاغتيال التي تقع يتم التحقيق في ظروفها من قبل مختصين بهدف تتبع أي خيوط أمنية أو ثغرات محددة.

«الأنفاق وقرار الخروج منها»

تقر 4 مصادر ميدانية، أن من بين أسباب تسارع الاغتيالات، تبرز الحملة العسكرية الإسرائيلية المكثفة على الأنفاق، والتي دمرت «أعداداً كبيرة جداً منها خلال وبعد الحرب».

وشقت «حماس» طوال عقدين، مئات (في التقديرات المتحفظة) إن لم يكن آلاف الأنفاق المتنوعة المهام بين الدفاع أو الهجوم أو السيطرة والتحكم، التي كان جزء منها مكاناً لوجود قيادات لإدارة المعارك، وغيرها.

وبحسب المصادر، فإن إسرائيل دمرت أعداداً كبيرة من الأنفاق سواء من خلال العمليات البرية أو عبر القصف الجوي الذي طالها، وأدى ذلك في فترات لمقتل العديد من النشطاء وبعض القيادات وحتى مختطفين إسرائيليين.

ويقول أحد المصادر إنه «بسبب الهجمات قررت قيادة (المقاومة)، اتخاذ قرار بوقف اللجوء لاستخدام الأنفاق، والعمل بما يخدم الحفاظ على حياة القيادات والنشطاء، وكذلك المختطفون، بهدف مبادلتهم بأسرى فلسطينيين».

وبينت المصادر، أنه مع بداية الحرب في أكتوبر 2023، شنت إسرائيل سلسلة من الغارات على الأنفاق، ولكن لكثرتها لم يتم اتخاذ قرار بالخروج منها سوى المناطق الخطرة، ومع نهاية شهر مارس (آذار) 2024، وفي ظل تكثيف الغارات الجوية على الأنفاق وخاصةً التي كان بداخلها نشطاء ومختطفون إسرائيليون، تم اتخاذ قرار فوري بنقلهم فوق الأرض، واشتدت لاحقاً الضربات ضد الأنفاق.

«نقطة تحول»

وبينت المصادر أن الفترة التي أعقبت الخروج من الأنفاق «شكلت نقطة تحول»، الأمر الذي دفع إلى استخدام الأنفاق فقط للتنقل من مكان إلى آخر أو لتنفيذ هجمات معينة، ولم تعد تستخدم إلا بحرص وبشكل مؤقت كمكان للتخفي من قبل القيادات، أو حتى النشطاء الميدانيين البارزين.

ورغم خطورة وضع الأنفاق في الفترات اللاحقة؛ فإن قيادات من «حماس» و«القسام» استعانت بها، مثل عضوي المكتب السياسي للحركة، روحي مشتهى، وسامح السراج، اللذين قتلا برفقة قيادات ميدانية من «القسام» في نفق بمنطقة الصناعة جنوب مدينة غزة، في يوليو (تموز) 2024.

كما قُتل القائد الراحل لـ«القسام» محمد السنوار، والقيادي في صفوف الكتائب محمد شبانة، إلى جانب آخرين، في أنفاق متشعبة قرب محيط المستشفى الأوروبي بخان يونس، وذلك في شهر مايو 2025.

جنديان إسرائيليان في المستشفى الأوروبي بخان يونس حيث قالت إسرائيل إنها اكتشفت نفقاً يُعتقد أن قائد «القسام» محمد السنوار قُتل فيه... 8 يونيو 2025 (د.ب.أ)

وبحسب أحد المصادر الميدانية، فإن «العديد من الظروف الميدانية دفعت القيادات السياسية والعسكرية حينها إلى اللجوء إلى الأنفاق واستخدامها كمكان للتخفي في ظل تشديد الملاحقة الإسرائيلية لقيادات الحركة والكتائب» مضيفاً: «الخيارات كانت تضيق أكثر فأكثر إزاء ذلك».

وشرح المصدر ذاته أن «من بين من استخدموا الأنفاق بكثرة للتنقل من مكان إلى آخر في ذروة العمليات الإسرائيلية شمال غزة، عز الدين الحداد، الذي تمكن من النجاة بنفسه أكثر من مرة بأماكن كانت تقوم فيها إسرائيل بعمليات فوق الأرض، فيما كان هو تحت الأرض ويستخدم تشعبات الأنفاق للخروج من منطقة إلى أخرى».

ومع ذلك، فإن المصدر يقول إن «الحداد وآخرين لم يكونوا يرون في الأنفاق موقعاً جيداً للتخفي، ولذلك عاشوا كثيراً من الفترات خلال الحرب وبعد وقف إطلاق النار، فوق الأرض، وكانوا يتنقلون متخفين بطرق مختلفة ومن دون مرافقة أمنية، وبما لا يسمح لإسرائيل بتتبعهم، وكانوا يتواصلون بطرق مختلفة».

ووفقاً لثلاثة مصادر ميدانية من «حماس»، فإن اللجوء للأنفاق تكرر مع العديد من القيادات، ومن بينهم محمد السنوار، وقائد «حماس» الراحل يحيى السنوار الذي قُتل في اشتباك مفاجئ مع قوة إسرائيلية في أكتوبر 2024 في منطقة مدمرة في رفح جنوب غزة.

«تضييق مساحة الرصد»

لكن تدمير الأنفاق ليس سبباً وحيداً؛ إذ توضح المصادر الأربعة من «حماس» أن توسيع إسرائيل لنطاق سيطرتها شرق الخط الأصفر الذي يمثل نحو 60 - 70 في المائة من مساحة غزة، تسبب في حصر غالبية السكان غرب الخط، ومن ثمّ تقلصت فرص إيجاد أماكن آمنة أو غير مرصودة لقيادات ونشطاء الفصائل.

ووفقاً للمصادر نفسها، فإن غالبية قيادات ونشطاء الفصائل الفلسطينية، باتوا محصورين في مناطق محددة، حالهم حال مئات الآلاف من سكان قطاع غزة الذين يعيشون في المناطق الغربية من القطاع، بعد أن فقدوا منازلهم وأماكن أخرى مخصصة لهم، ما دفعهم للبقاء مع عوائلهم أو بالقرب منهم، ويعيشون في الخيام وغيرها مثلهم مثل الكثيرين، الأمر الذي جعلهم تحت المتابعة والمراقبة الإسرائيلية.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

ويومياً تتعرض مناطق داخل وعلى حدود الخط الأصفر المرموز إليه كخط انسحاب أولي ضمن اتفاق وقف إطلاق النار المعلن، لعمليات نسف كبيرة تستهدف ما تبقى من منازل وأنفاق وغيرها من بنية تحتية، وهذا جزئياً دفع إسرائيل لتوسيع منطقة الخط الأصفر بما يتيح سيطرتها الأمنية من جانب، ومن جانب آخر لتدمير مسارات أنفاق قريبة من أماكن عملياتها.

«تكنولوجيا التجسس وبصمة الصوت»

تقيم المصادر الميدانية في غزة وزناً كبيراً لتكنولوجيا التجسس الإسرائيلية عند محاولة رصد أسباب الوصول السريع لقيادات «حماس» و«القسام» وتتوافق جميعاً على دور مسيّرات التجسس التي تجوب أجواء غزة بكثافة، وغيرها من الأدوات، إلى جانب العنصر البشري من المتخابرين مع إسرائيل سواء من الأفراد أو عناصر العصابات المسلحة المدعومة من إسرائيل.

ويقول أحد المصادر إن «من بين ما تستخدمه إسرائيل بشكل مكثف العامل التكنولوجي المولد بالذكاء الاصطناعي المستخدم كثيراً في السنوات القليلة الماضية عبر طائرات مسيّرة حديثة من صنع إسرائيلي تعتمد على برامج سيبرانية مطورة لتتبع بصمة الصوت، وربما علامات حيوية لرصد بعض القيادات في أماكن معينة».

وشرح المصدر الميداني، الذي اطلع على تحقيقات مع مشتبهين بالتخابر أن «المسيّرات تتنصت على مكالمات بنطاقات محددة ومعينة بعد التشويش عليها لحصر الأصوات التي تصدر منها أو حتى في محيطها ما قد يدل على وجود شخص تملك إسرائيل بصمة صوته من خلال تسجيلات هاتفية سابقة، أو اعتقال سابق».

ولفت المصدر إلى تمكن بعض المتخابرين مع إسرائيل من «زرع أجهزة تجسس مختلفة بعضها يحتوي على كاميرات وأجهزة تسجيل، وأخرى في حجم (حشرة) تلقيها طائرات مسيّرة، أو تزرعها قوات برية في مناطق متفرقة اقتحمتها خلال الحرب».

ولا تنفي المصادر أن هناك جهداً استخبارياً بشرياً (المتخابرون) ساهم في الوصول لقيادات من «حماس» و«القسام».

وتحدث أحد المصادر الميدانية عن أنه «تم اعتقال العديد من (المتخابرين) وتصفيتهم، وكان جزء بسيط منهم من داخل منظومة (حماس)، و(القسام)، والأغلبية كانوا من خارجها»، كاشفاً عن «اعتقال شخص من خارج (حماس)، تبين أنه على علاقة باغتيال الحداد، بعد رصده في موقع الاغتيال، ووجوده في مكان آخر كان يوجد به الحداد أيضاً».

وأكد مصدران خضوع المشتبه به للتحقيقات، وقال أحدهما إن «المعتقل اعترف بأنه كان يتتبع الحداد بتعليمات من ضابط مخابرات إسرائيلي كان يزوده بأماكن محددة توجد فيها عائلة الحداد، ما قد يشير إلى أن هناك متخابرين آخرين، ويجري العمل للوصول إليهم».

النيران مندلعة بمبنى سكني قصفته إسرائيل خلال استهداف القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد بحي الرمال في مدينة غزة ليل 15 مايو 2026 (إ.ب.أ)

وتقول المصادر إن آلية نقل الرسائل المتعلقة بالمفاوضات وغيرها كانت «إحدى الثغرات التي تتبعتها إسرائيل بشكل لافت، ويجري التحقيق فيما إذا كانت ساهمت في الاغتيالات أم أنها مجرد فرضيات».

وفي ذروة الحرب على غزة، تعرض فلسطينيون لإعدام من قبل عناصر في الفصائل الفلسطينية بعد اعتقالهم بمواقع هجمات إسرائيلية، حيث أجريت لهم ما وصفته «القسام» بـ«محاكم ثورية»، وكان من بينهم شخص من داخل «حماس» وآخر من خارجها، وكانا متهمين بـ«تقديم معلومات تسببت في الوصول إلى قائد (القسام) الراحل محمد الضيف، الذي اغتيل في يوليو (تموز) 2024».


مقالات ذات صلة

غزة... ترحيب لا يخلو من تحفظ على نتائج الانتخابات الأميركية

المشرق العربي فلسطينيون يتلقون الطعام المقدم من برنامج الغذاء العالمي في غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

غزة... ترحيب لا يخلو من تحفظ على نتائج الانتخابات الأميركية

كما تابعت القوى السياسية في قطاع غزة والمنصات التابعة لها نتائج الانتخابات الإسرائيلية، اهتمت أيضاً بالانتخابات الأميركية؛ وتنوعت ردود فعلها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى في العلمين أغسطس الماضي (الرئاسة المصرية)

مصر والبحرين تؤكدان دعم جهود حل الأزمة الإيرانية سلمياً

أكدت مصر والبحرين «ضرورة خفض التوتر الإقليمي الراهن»، وكذا «دعم الجهود الرامية لإيجاد حل سلمي للأزمة الإيرانية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي فتى فلسطيني يجرّ خردة معدنية من مبانٍ مدمّرة في حي النصيرات بغزة (أ.ف.ب)

تدهور الوضع الإنساني والأمني في غزة مع استمرار هجمات العصابات

تتدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في غزة جراء القيود الإسرائيلية على المعابر، تزامناً مع استمرار الهجمات الميدانية للعصابات المدعومة من الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الدفاع المدني الفلسطيني يعمل على إخماد حريق في سيارة أصيبت بضربة عسكرية إسرائيلية في مدينة غزة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ب)

مقتل 5 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على قطاع غزة

قُتل خمسة فلسطينيين جراء غارات إسرائيلية استهدفت أماكن مختلفة من قطاع غزة الاثنين، وفق ما أفاد الدفاع المدني.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي دقيق وسلال غذائية من مصر إلى قطاع غزة الأحد في إطار حملة «سنابل العطاء من زاد العزة» (صفحة الهلال الأحمر المصري على فيسبوك)

دعم مصري مستمر لحل أزمة الخبز في غزة

أعلن «الهلال الأحمر» الأحد إطلاق قافلة «زاد العزة... من مصر إلى غزة» رقم 306 محملة بالمساعدات الإنسانية والإغاثية المتجهة إلى غزة

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

هرتسوغ يبدأ مشاورات تشكيل الحكومة الإسرائيلية... ونتنياهو يلاحق الأحزاب العربية

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (د.ب.أ)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (د.ب.أ)
TT

هرتسوغ يبدأ مشاورات تشكيل الحكومة الإسرائيلية... ونتنياهو يلاحق الأحزاب العربية

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (د.ب.أ)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (د.ب.أ)

في الوقت الذي باشر فيه الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، الأربعاء، لقاءاته مع قادة الأحزاب الفائزة في الانتخابات لبلورة موقف إزاء إصدار تكليف بتشكيل حكومة جديدة، يتصاعد الخلاف بين حكومة بنيامين نتنياهو، ورئيس جهاز المخابرات الموالي لها، ديفيد زيني، من جهة، والجهاز القضائي وأحزاب المعارضة من جهة أخرى بشأن محاولات نزع الشرعية عن الأحزاب العربية وملاحقتها لإلغاء الانتخابات، والإبقاء على نتنياهو رئيساً للوزراء.

ووقَّع مسؤولون سابقون في جهازي الأمن والقضاء الإسرائيليين على عريضتين نُشرتا، الأربعاء، وجّهوا فيهما انتقادات شديدة إلى رئيس «الشاباك» إثر مطالبته بالتحقيق مع قياديين في الأحزاب العربية بادعاء الاشتباه بضلوعهم في تلقي تمويل والسماح بتدخل أجنبي في الانتخابات، من دون أن تتوفر لديه أدلة على ذلك.

وعبّر مسؤولون سابقون عن دعمهم للمستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، التي طالبت زيني بتقديم أدلة قبل أن تصدِّق على التحقيقات، وحذرته من تحويل «الشاباك» إلى أداة سياسية في خدمة أحزاب معينة.

وجاء في عريضة المسؤولين الأمنيين السابقين أن «الشاباك ملزم بالعمل وفقاً لنص قانونه؛ أي العمل بصورة رسمية والامتناع عن أي فعل يهدف إلى (دفع مصالح حزبية - سياسية)، وهذا هو الواجب الشخصي لرئيس (الشاباك) وخرقه يشكك في ملاءمة ديفيد زيني لمنصبه».

وأضافوا أن التحقيق مع مواطنين، خصوصاً ممن انتخبهم الجمهور، دون أدلة هو خرق للقواعد الأساسية في جهاز رسمي، وأنه «في التوقيت والظروف الراهنة يتعالى تخوف من أن المطالبة (بالتحقيق) نابع من اعتبارات سياسية، بهدف تقويض نتائج الانتخابات ونزع شرعيتها، وهذا يشكل تدخلاً سياسياً يمس بطهارة الانتخابات وبثقة الجمهور بنتائجها».

وقد جاءت هذه العريضة بعدما وقَّع عشرات المسؤولين السابقين في جهاز القضاء، وبينهم مدَّعون في النيابة العامة وفي أجهزة أمنية، أنهم يعبرون عن «صدمة عميقة» حيال التقارير حول مطالبة زيني بالتحقيق ضد مواطنين ومنتخبي جمهور دون أدلة. وشددوا على أنه لا يمكن إجراء تحقيقات دون أدلة، واقتبسوا من رسالة المستشارة القضائية للحكومة إلى زيني التي جاء فيها أن «أي أحد ينبغي التحقيق معه سيُحقَّق معه، لكن لا يتم التحقيق مع أشخاص دون قاعدة أدلة».

وكان زيني قد طلب من بهاراف ميارا، أمس، التحقيق مع الرئيس السابق للقائمة المشتركة، أيمن عودة، بدعوى الحصول على أموال من السلطة الفلسطينية، ومع عضوَي الكنيست أحمد الطيبي ومنصور عباس، ومع رئيس حزب التجمع سامي أبو شحادة، بدعوى حصولهم على أموال من دول أجنبية.

المرشح الفلسطيني أحمد الطيبي يدلي بصوته مع أفراد أسرته شمال إسرائيل يوم الثلاثاء (رويترز)

وكشفت مصادر إعلامية موثوقة عن أن هذه الفكرة نبتت في اجتماع عقده نتنياهو مع عدد من المسؤولين الأمنيين، والمقربين السياسيين والمستشارين.

زوجة نتنياهو تحث على إلغاء الانتخابات

وحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، دخلت زوجة نتنياهو، سارة، وراحت تصرخ في وجوه الحاضرين وتتهمهم بالتقصير في حماية حكم اليمين وحثَّتهم على العمل من أجل إلغاء نتائج الانتخابات بزعم أنها مزوَّرة. وطلبت منع تسليم نتائج الانتخابات لرئيس الدولة.

لكن هذه المحاولة فشلت، إذ إن رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ، سلَّم نتائج الانتخابات الرسمية لهرتسوغ، الأربعاء، وقال: «في الأيام الأخيرة تعالت أصوات بهدف التشكيك في نتائج الانتخابات وتقويضها، وهذا خطر حقيقي».

وأضاف: «اللجنة حققت في الادعاءات، وبمشاركة 250 محامياً أجرت تدقيقاً في جميع التوجهات إليها من الأحزاب والمرشحين وكذلك من الجمهور، ودققت في بروتوكولات 9069 صندوق اقتراع، وأجرت تدقيقاً معمقاً في مواد التصويت وتوثيقها في صناديق اقتراع تطلبت ذلك، ومن ضمنها بطاقات اقتراع وسجلات الناخبين. ولم تجد أساساً للشكاوى».

امرأة تمر بجوار لافتة تحمل صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فترة الانتخابات التي جرت في البلاد بالقدس (رويترز)

وقال هرتسوغ إنه يُحظر اتهام شريحة كاملة بتزوير الانتخابات. ومع ذلك، قال إنه تحدث مع رئيس «الشاباك»، زيني، والمستشارة القضائية، بهاراف ميارا، وإنه يعتمد عليها في تسوية الخلاف.

يُذكر أن هرتسوغ يخطط لإنجاز المشاورات مع الأحزاب حتى مساء الخميس، ليعلن الجمعة أو الأحد، هوية المكلف بتشكيل الحكومة. وسيكون في الغالب غادي آيزنكوت، لأن هناك 67 نائباً سوف يوصون عليه، بينما عدد الذين سيوصون على نتنياهو لا يزيد على 46 نائباً (الكتلة الحريدية «يهدوت هتوراة» المتحالفة مع نتنياهو قررت الامتناع عن التوصية). وقد أعلن آيزنكوت أنه ينوي تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن.

ويُذكر أن الحكومة لا تحتاج، حسب القانون، إلى أكثرية 61 لكي تصبح شرعية. وآيزنكوت يتمتع اليوم بدعم مباشر من 41 نائباً وبدعم من الخارج من 19 نائباً عربياً. ويُحتمل أن ينضم إليه أيضاً أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب اليهود الروس المؤلَّف من 6 نواب، وهذا يكفيه ليستمر في الحكم. فالقانون يحتم على من يريد أن يسقط الحكومة وجود 61 نائباً ومرشحاً مضموناً لاستبدال رئيس الحكومة. فإذا قرر نتنياهو إسقاط حكومة آيزنكوت، يحتاج إلى 61 نائباً واقتراح متكامل لحكومة بديلة مع رئيس مضمون. وهذا لا يتوفر له.


باريس ترى أن «ساعة الخيار» حلّت في لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوار صحافي في قصر الإليزيه مع قناة «يوتيوب» (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوار صحافي في قصر الإليزيه مع قناة «يوتيوب» (أ.ف.ب)
TT

باريس ترى أن «ساعة الخيار» حلّت في لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوار صحافي في قصر الإليزيه مع قناة «يوتيوب» (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوار صحافي في قصر الإليزيه مع قناة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

فرنسا قلقة على لبنان، ولكنها في الوقت عينه تستشعر نوعاً من الخيبة إزاء ما تقوم به السلطات اللبنانية التي تدعوها إلى ترجمة كلماتها وقراراتها إلى أفعال.

باريس تتوجس من أن يتحول الاحتلال الإسرائيلي الحالي لمناطق في الجنوب اللبناني إلى احتلال طويل الأمد، أو إلى احتلال دائم. وبالتوازي، فإنها تطالب السلطات اللبنانية بـ«الوضوح» لجهة ما هي عازمة على القيام به، منبهةً أن بقاء «حزب الله» على موقفه الرافض لمسعى الدولة الخاص بحصرية السلاح من شأنه تقديم خدمة لإسرائيل ومدّها بحجة تمكنها من إبقاء احتلالها الأراضي اللبنانية، بل معاودة الحرب أيضاً.

«عين دولية»

ولا يتوقف القلق الفرنسي عند هذا الحدّ. فباريس تنظر بكثير من القلق لاقتراب موعد انتهاء ولاية اليونيفيل في جنوب لبنان، وهي تطرح هذا الصوت منذ شهور، وتتحرك في العديد من الاتجاهات لتدارك الفراغ في الجنوب، رغم أن الوجود الدولي لم يمنع إسرائيل، منذ سبعينات القرن الماضي، من شنّ عدة حروب على لبنان. إلا أنه على الأقل وفّر وجود «عين» دولية، ترصد ما يحصل، وتنبه العالم لمخاطره.

ولم تتأخر باريس في طرق كثير من الأبواب لتدارك الفراغ، وهي منذ بداية العام الحالي تقوم باتصالات في إطار الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والشركاء الخليجيين، وخصوصاً مع لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة.

دورية لقوات «يونيفيل» قرب بلدة بيوت السياد الساحلية في جنوب لبنان يوم 20 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وسبق لها أن دعت إلى تمديد ولاية اليونيفيل (وهو مطلب لبناني)، بيد أن مصادرها تؤكد أنه لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل مستعدتان للسير في هذا الاتجاه، وقد عاد الرئيس اللبناني جوزيف عون من زيارته لواشنطن الشهر الماضي خائباً، حيث لم ينجح في إقناع الرئيس ترمب بتبني الطلب اللبناني.

وتعي باريس «خطورة الفراغ الدولي» في جنوب لبنان، كما أنها تعي أن السياسة الإسرائيلية في لبنان ليست بخيلة بالمفاجآت، وليست واثقة مما ستكون عليه خطط بنيامين نتنياهو بعد خسارته الانتخابات التشريعية، وبالتوازي مع فشل الرئيس ترمب في الانتخابات النصفية.

3 خطوط

المعلوم أن باريس تعمل، في موضوع اليونيفيل، على 3 خطوط: الأول؛ توفير الدعم للجيش اللبناني. وكان هذا الغرض موضوع الاجتماع الذي استضافته العاصمة الفرنسية، مؤخراً، حيث يتم التحضير، بعد التعرف على حاجات الجيش اللبناني والقوى الأمنية المادية والتجهيزية والمالية، لمؤتمر لاحق تحدث عنه الرئيس ماكرون منذ أيام، ولكن من غير أن يعين له موعداً محدداً. والخط الثاني؛ وجهته الأوروبيون. وأطلق الاتحاد الأوروبي آلية لتجهيز وتدريب الجيش اللبناني.

وتعتبر برايس أنه يتعين توفير الدعم الكافي للجيش اللبناني حتى يتمكن من الانتشار جدياً في المنطقة الجنوبية، خصوصاً أن الطرف الإسرائيلي يرفض الانسحاب من المناطق المحتلة طالما لم ينتشر هذا الجيش. بيد أن التجربة اللبنانية مع «المناطق النموذجية» وكيفية التأكد مما قام به، وهما في صلب مذكرة التفاهم الثلاثية (اللبنانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية)، غير مشجعة، إذ يبدو أن المفاوضات تدور في حلقة مفرغة.

«يونيفيل 2»

بالنظر إلى صعوبة إرسال «يونيفيل 2»، فإن باريس ترى أن بعضاً من المهمات التي تضطلع بها اليونيفيل الحالية يمكن أن تقوم بها «قوة الرقابة على الهدنة» الموجودة في لبنان منذ عدة عقود. كذلك تريد باريس التعرف نهائياً على مصير المقترحات التي قدّمها الأمين العام للأمم المتحدة بشأن إرسال قوة قليلة العدد إلى لبنان.

غير أن الموقف الأميركي - الإسرائيلي الرافض بالمطلق للحضور الدولي يجعل من الصعب ترقب نجاح أحد مقترحات أنطونيو غوتيريش. لذا، فإن باريس لم تتخلَّ عن مشروع طرحه بالاشتراك مع إيطاليا، وأعربت ما لا يقل عن 10 دول أوروبية استعدادها للمساهمة في إرسال قوة أوروبية إلى لبنان، تكون رديفة للجيش اللبناني.

مهمة نزع السلاح

إلا أن باريس تنبه منذ اليوم أن مهمة نزع سلاح «حزب الله» ليست مسؤولية الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية، وليس مسؤولية القوة الأوروبية في حال قيامها وإرسالها إلى لبنان. ولكن على أي حال، ليس من المستبعد أن يطرح موضوع حاجة هذه القوة إلى انتداب دولي. الأمر الذي يمر عبر مجلس الأمن الدولي. كذلك، أكدت إسرائيل أنها لن تقبل بحضور عسكري فرنسي في جنوب لبنان، بالنظر للعلاقات المتدهورة بين باريس وتل أبيب، رغم الزيارة التي قام بها مؤخراً وزير الخارجية جان نويل بارو إلى إسرائيل في السابع من الشهر الماضي، وسماح باريس لطائرة نتنياهو بالمرور في الأجواء الفرنسية في طريقه إلى نيويورك.

الدخان يتصاعد جراء تفجير إسرائيلي في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

تبقى إشكالية الرغبة الفرنسية في أن «توضح» الحكومة اللبنانية ما تريد القيام به، وتحديداً بالنسبة لنزع سلاح «حزب الله»، وهي تعرف أن المهمة صعبة. وتسارع المصادر الفرنسية إلى تأكيد أن باريس لا تريد أبداً أن يُفهم موقفها على أنه دفع للحرب بين الجيش اللبناني و«حزب الله»، بل هي تنطلق من التصريحات القوية الصادرة عن رأسي السلطة التنفيذية في لبنان بخصوص نزع سلاح «حزب الله» وبسط الدولة سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية، خصوصاً أن كل ذلك متضمن في القرار الدولي رقم 1701، الصادر عام 2006.

تغيرات واشنطن وتل أبيب

وتعتبر فرنسا أنه إذا لم يقم الجيش اللبناني بفرض حضوره جنوباً، فإن الحرب الإسرائيلية ستستأنف، والاحتلال سيتمدد. ولذا، تعدّ فرنسا أن «ساعة الخيار» قد حلّت، بمعنى أنه لم يعد بإمكان السلطات كسب الوقت والاكتفاء بالتصريحات التي لا تتبعها أفعال، وأنه كلما طالت فترة الانتظار كلما أصبحت الأمور أكثر تعقيداً.

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

حقيقة الأمر أن «رسالة» فرنسا للبنان ليست جديدة. لكن تتعين الإشارة إلى أن جديداً طرأ في إسرائيل والولايات المتحدة، ومن الصعب اليوم معرفة انعكاساته على رؤية الولايات المتحدة وتعاطيها المقبل مع الملف الإيراني، وما له علاقة بلبنان. كذلك الأمر بالنسبة لطهران، التي دأبت على الاحتفاظ بالورقة اللبنانية في محادثات تسعى إليها لاحقاً مع واشنطن. وأخيراً، يتعين رصد خطط نتنياهو، الذي لا يبدو أنه سلّم بخسارة السلطة ورصد ما قد يدفعه هذا التطور لجهة استخدام الورقة اللبنانية في حربه السياسية في الداخل.


«هل تحولنا إلى عبء؟»... قلق إسرائيلي من نتائج الانتخابات الأميركية

يظهر العلمان الأميركي والإسرائيلي من شرفة إحدى الشقق بتل أبيب في أكتوبر الماضي (أ.ب)
يظهر العلمان الأميركي والإسرائيلي من شرفة إحدى الشقق بتل أبيب في أكتوبر الماضي (أ.ب)
TT

«هل تحولنا إلى عبء؟»... قلق إسرائيلي من نتائج الانتخابات الأميركية

يظهر العلمان الأميركي والإسرائيلي من شرفة إحدى الشقق بتل أبيب في أكتوبر الماضي (أ.ب)
يظهر العلمان الأميركي والإسرائيلي من شرفة إحدى الشقق بتل أبيب في أكتوبر الماضي (أ.ب)

على الرغم من الثقة في تل أبيب بأن العلاقات الأميركية - الإسرائيلية عميقة وذات طابع استراتيجي لا يتغير، تابع مسؤولون إسرائيليون نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة بقلق شديد، وعدّها خبراء الشؤون الأميركية ضربة شديدة للسياسة الإسرائيلية.

وتوقعت صحيفة «معاريف» أن يضع الكونغرس (النواب والشيوخ)، تحت سيطرة الأغلبية الديمقراطية، عراقيل كبيرة أمام «عقيدة الدعم المطلق» لإسرائيل، في حين عبر الجنرال غيورا آيلاند، الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، عن خشيته من أن تتحول إسرائيل من «كنز» إلى «عبء».

وتابع الإعلام العبري مجريات الانتخابات الأميركية خطوة بخطوة، ببث حي مباشر طوال الليل، حتى ظهور النتائج من خلال تحليل كل فائز وموقفه من إسرائيل، مع الإشارة إلى أن عدداً كبيراً من الفائزين بعضوية المجلسين من المؤيدين لإسرائيل؛ لكن غالبيتهم يوجّهون انتقادات شديدة إلى سياستها، ويحملونها مسؤولية جر الرئيس دونالد ترمب إلى الحرب مع إيران، ويكرهون رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ويتهمونه بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين.

حجب المساعدات عن إسرائيل

وكان الإسرائيليون قد أفاقوا صبيحة الثلاثاء على تصريحات ترمب بوقف مساعدات أميركية سنوية لإسرائيل، بقيمة 4 مليارات دولار بحلول نهاية العام الحالي، وصدموا من قوله إنه اتفق على ذلك مع نتنياهو، قبل شهور.

ووصف ترمب الخطوة بأنها تهدف، في جانب منها، إلى التخلص من «ذريعة سيئة»، قال إن الديمقراطيين المنتمين إلى تيار اليسار استخدموها ضد رفاقه الجمهوريين بشأن تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكونغرس يوليو 2024 (أ.ف.ب)

ولم يتطرق ترمب إلى مزيد من التفاصيل، ولم يتضح حتى الآن نوع التمويل الذي يقصده. ولم يوضح كذلك الكيفية التي سيجري بها وقف التمويل بنهاية العام، إذ إن مذكرة التفاهم التي توفر مساعدات عسكرية أميركية سنوية لإسرائيل قيمتها 3.8 مليار دولار لا ينتهي أجلها قبل سبتمبر (أيلول) 2028.

وقالت مصادر في الجيش الإسرائيلي، في تسريبات للإعلام، إن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لم تتلقَّ بعد أي تفاصيل بشأن القرار أو توضيحات بشأن تبعاته، وتستغرب كيف أخفى نتنياهو أمراً مثل هذا عن الجمهور وعن الأجهزة الأمنية، التي يفترض أن تناط بها مهمة إيجاد بدائل لهذا الدعم.

وبناءً على ذلك، قرر الجيش طرح الموضوع على طاولة المفاوضات التي يجريها فريقان: إسرائيلي وأميركي، حول المساعدات منذ يونيو (حزيران) الماضي على أمل التوصل إلى اتفاق بين المهنيين للتأثير على هذا القرار وتقليص المساعدات بالتدريج وليس دفعة واحدة واستثناء بعض البنود، التي تتعلق بنوعية الأسلحة، التي تحتاج إليها إسرائيل من الولايات المتحدة.

المعروف أن الاتفاق الحالي، الذي تم توقيعه في 2016 في زمن الرئيس باراك أوباما، نص على دعم بقيمة 38 مليار دولار من 2019 وحتى 2028، تدفع سنوياً بمبلغ 3.3 مليار دولار مساعدات أمنية مقابل أسلحة تشتريها إسرائيل من الولايات المتحدة و0.5 مليار مساهمة أميركية في تطوير الدفاعات الجوية الإسرائيلية مثل صواريخ حيتس ومقلاع داود والقبة الحديدية وغيرها. والمفترض أن 7.5 مليار دولار متبقية للسنتين القادمتين، تم إبطالهما.

القبة الحديدة المضادة للصواريخ (أ.ف.ب)

وكانت إسرائيل والولايات المتحدة قد بدأتا، في يونيو الماضي، محادثات رسمية لصياغة إطار جديد للتعاون الأمني، يحل محل مذكرة التفاهم الحالية بعد انتهاء سريانها عام 2028. وجاءت تلك المحادثات وسط نقاشات متزايدة في الجانبين بشأن مستقبل المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، وإمكانية تغيير طبيعة التعاون الأمني والتمويل العسكري بينهما.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن نتنياهو، في مقابلة صحافية، أنه يسعى إلى «تقليص المساعدات العسكرية تدريجياً» خلال العقد المقبل، وصولاً إلى الاستغناء عنها، عادّاً أن إسرائيل ينبغي ألا تعتمد على المساعدات العسكرية الأجنبية. وأشار حينها إلى خطة لاستثمار نحو 350 مليار شيكل (110 مليارات دولار)، في تطوير صناعة عسكرية إسرائيلية مستقلة.

تساؤلات عن توقيت الإعلان

ونقلت وسائل إعلام عبرية عن مصادر إسرائيلية أن اختيار موعد الإعلان عن تقليص المساعدات، صبيحة يوم الانتخابات (الثلاثاء) ينطوي على خطورة بالغة، مؤكدين أن الأمر كان بناءً على نصيحة من مستشاري ترمب لأن الدعم الأميركي لإسرائيل فرض نفسه على أجندة الانتخابات وخصوم الرئيس ترمب يطرحون الدعم بوصفه قضية أساسية ضد الحزب الجمهوري.

ويوجد تأييد متصاعد في الشارع الأميركي لتجميد هذه المساعدات، خصوصاً في صفوف الأجيال الشابة. ولذلك يعتقد المستشارون بأن إعلاناً مثل هذا يعيد إلى الحزب بعضاً من مؤيديه.

عملياً، يعترف ترمب ومستشاروه بأن مكانة إسرائيل تتراجع إلى درجة تجعل مساعدتها مشكلة. وحسب دراسة في وزارة الخارجية الإسرائيلية فإن 63 في المائة من الناخبين للحزب الديمقراطي يعارضون الاستمرار في منح مساعدات أمنية لإسرائيل. ومع أن 71 في المائة من مصوتي الحزب الجمهوري كانوا يؤيدون منح هذه المساعدات لإسرائيل فإن هذه النسبة تهبط إلى 48 في المائة لدى الشباب. ولفت نظر الوزارة أن نائب الرئيس جي دي فانس، الذي ينوي ترشيح نفسه رئيساً في سنة 2028، يتابع هذه المواقف لدى الشباب وليس مستبعداً أن يأخذه في الاعتبار في سياسته المستقبلية، خصوصاً أن الأرقام المذكورة أعلاه نشرت في فبرارير (شباط) 2026، ومنذ ذلك الوقت تغيرت والانفضاض عن إسرائيل زاد بنسب كبيرة.

ويعتمد تقرير الخارجية الإسرائيلية الداخلي على نتائج استطلاع معهد «غالوب»، في سبتمبر (أيلول) الماضي، الذي أشار إلى أن نسبة مؤيدي إسرائيل بين مصوتي الحزب الجمهوري من عمر 55 عاماً فصاعداً هبطت إلى 50 في المائة وهبطت إلى 6 في المائة فقط بين الشباب الجمهوريين من جيل 18 – 34 عاماً.

وقال التقرير إن نحو 80 في المائة من مصوتي الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة غاضبون من إسرائيل ويتهمونها بجر ترمب إلى الحروب التي لا تفيد أميركا وتخدم فقط مصلحة نتنياهو. وقال كذلك 60 في المائة إن نتنياهو جر ترمب إلى الحرب بالخداع والألاعيب. وحسب استطلاع آخر (معهد يو جوف) قال إن 68 في المائة من مصوتي الديمقراطي الأميركي يؤيدون اعتقال نتنياهو وتسليمه إلى محكمة الجنايات الدولية.

وإذا كان السيناتور اليهودي اليساري برني ساندرس نجح في استقطاب تأييد 18 سيناتوراً لاقتراحه وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل بسبب حرب الإبادة التي تمارسها في غزة، فإنه نجح في أبريل (نيسان) الماضي في إقناع 36 سيناتوراً من مجموع 47 ديمقراطياً في مجلس الشيوخ بحظر ووقف بيع قنابل تزن 1000 رطل لإسرائيل. ويخشون في إسرائيل اليوم من أن تسفر نتائج الانتخابات عن زيادة أكبر.