الإصلاحات الاقتصادية في اليمن تضع الحكومة أمام اختبار حاسم

ترحيب بالخطة وتحذيرات من الآثار الجانبية

من أهداف الإصلاحات الاقتصادية تعزيز وحماية تعافي العملة اليمنية (أ.ف.ب)
من أهداف الإصلاحات الاقتصادية تعزيز وحماية تعافي العملة اليمنية (أ.ف.ب)
TT

الإصلاحات الاقتصادية في اليمن تضع الحكومة أمام اختبار حاسم

من أهداف الإصلاحات الاقتصادية تعزيز وحماية تعافي العملة اليمنية (أ.ف.ب)
من أهداف الإصلاحات الاقتصادية تعزيز وحماية تعافي العملة اليمنية (أ.ف.ب)

لاقى إعلان مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن خطة الإصلاحات الاقتصادية ترحيباً وجدلاً واسعين في الأوساط الاقتصادية، وسط تحذيرات من عدم إمكانية تنفيذ الخطة بسبب تعقيدات المشهد السياسي، وانتشار الفساد، بالتوازي مع مخاوف شعبية من تبعات بعض الإجراءات على الأوضاع المعيشية والقوة الشرائية للسكان.

وعدّ اقتصاديون وباحثون يمنيون الخطة ضرورية لإنقاذ الاقتصاد اليمني المتهالك، ولاستعادة ثقة المانحين الدوليين والفاعلين في الأزمة اليمنية بالحكومة الشرعية وإجراءاتها لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، محذرين في الوقت ذاته من عواقب وخيمة في حال فشل التنفيذ في ظل الانقسام المؤسسي، وسوء الأوضاع المعيشية، وتردي القدرة الشرائية للسكان، وتراجع التمويل الدولي للإغاثة.

وتضمن القرار الرئاسي لتنفيذ الخطة الحكومية، توجيه جميع الإيرادات من المحافظات إلى البنك المركزي، وتفعيل السياسة المالية الحكومية، وإغلاق الصناديق الموازية، ووقف الجبايات والإتاوات في النقاط العسكرية والمناطق المختلفة، وتحرير السعر الجمركي، وتوحيد آليات التحصيل المالي.

ويرى فارس النجار الباحث والمستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن أهم الصعوبات التي تواجه الإصلاحات الاقتصادية هي مقاومة مراكز النفوذ، وتعدد قنوات التحصيل خارج الأطر الرسمية، وفرض الجبايات غير القانونية، وهو ما يمكن معالجته بإغلاق أي حسابات موازية للجهات الإيرادية، وتفعيل القرار الخاص بذهاب الإيرادات إلى البنك المركزي، والرقابة اليومية على الإيرادات الرسمية.

من أهداف الإصلاحات الاقتصادية تعزيز وحماية تعافي العملة اليمنية (أ.ف.ب)

ولفت في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تكليف مجلس القيادة الرئاسي للحكومة برفع تقرير خلال أسبوعين عن الإنجازات التي تحققت، وهو ما يمثل أهمية بالغة لربط القرار الرئاسي بمؤشرات واضحة، مشيراً إلى تحدي ضعف البنية المؤسسية والرقابية، وهو ما يمكن معالجته بالربط الشبكي بين المنافذ المالية والبنك المركزي، وتنفيذ مشروع المدفوعات الإلكترونية وتدريب الكوادر.

وإلى جانب ذلك، تكمن التحديات في الفساد والتهرب الجمركي والتسعير العشوائي وغير الشفاف.

وحول مواجهة الآثار الجانبية للإصلاحات الاقتصادية، أكد النجار أن إلغاء الجبايات غير القانونية سيؤدي إلى خفض التكاليف على مختلف السلع، وإلى جانب ذلك، فإن استقرار العملة المحلية والمستوى المتقدم من الإصلاحات الاقتصادية والحصول على ثقة ودعم المجتمع الدولي سيجعل من ارتفاع الأسعار الناجم عن تحرير سعر الدولار الجمركي غير محسوس.

وذكّر بأن الإصلاحات لن تمس المواد والسلع الغذائية الأساسية والأدوية المعفية من الرسوم الجمركية، ما عدا ضريبة الأرباح، في حين أن بعض السلع لن يشملها قرار تحرير الدولار الجمركي، مثل الأرز وحليب الأطفال.

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام محلي)

وتواصل العملة المحلية استقرارها منذ قرابة 3 أشهر، حيث يبلغ سعر صرف الدولار 1,630 ريالاً، بفعل الإدارة المستمرة لسياسة الصرف الأجنبي للبنك المركزي، بعد أن كان قد قارب 3 آلاف ريال خلال يوليو (تموز) الماضي.

خطوة سيادية

على الرغم من استقرار قيمة العملة المحلية (الريال اليمني) منذ أكثر من 3 أشهر، فإنها ما زالت تمثل مصدر قلق، بسبب غياب الإصلاحات الاقتصادية العاجلة والملحة التي تضمن هذا الاستقرار، وتحوّلها إلى إجراءات فاعلة ودائمة الأثر.

وأشاد يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي اليمني في الاقتصاد السياسي للحرب بقرارات مجلس القيادة الرئاسي، التي رأى أنها تمثل امتداداً مباشراً للأجندة الإصلاحية (سياسة العصا الغليظة) التي جرى تنفيذها عبر سياسات البنك المركزي، ضمن توافقات دولية وإقليمية تهدف إلى إصلاح المنظومة المالية للحكومة الشرعية بعد مرحلة الإصلاح النقدي.

خبير اقتصادي يرى أن تصدير النفط في الوقت الحالي قد يتسبب بخلافات داخل الشرعية (رويترز)

وقال شمسان لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الخطة تمنح الحكومة القدرة الفعلية على فرض سيادتها على موارد الدولة، ما يجعلها أكثر فاعلية واستقلالية في إدارة الشأن المالي والاقتصادي.

ووصف تأجيل ملف تصدير النفط في الوقت الراهن بالقرار الحكيم، لأنه يحافظ على توازن مكونات الحكومة الشرعية، كون إعادة تصدير النفط قد يعيد تشكيل التحالفات والخلافات داخلها.

وعدّ نجاح تنفيذ هذه القرارات اختباراً حقيقياً للحكومة الشرعية أمام المجتمع الدولي والإقليمي والشارع اليمني، إذ سيحدد مدى أهليتها لإدارة الدولة والدخول في أي تسويات أو مفاوضات سلام مستقبلية، إلى جانب أن استعادة السيادة على الموارد هي الخطوة الأولى نحو بناء الدولة، التي يجب أن تتبعها سياسات ترشيد للإنفاق العام، ومعالجة التضخم الوظيفي.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن القرارات بشأن توحيد الإيرادات العامة وضبطها تمثل أهم خطوة إصلاحية، توازي في أهميتها أي تسوية سياسية، وتتفوق عليها من حيث الأثر المباشر على استقرار الدولة، كون الذهاب إلى تسوية سياسية قبل السيادة على الموارد وتصحيح منظومة الحكم واحتكار العنف يمثل انتحاراً سياسياً للشرعية. وفق تعبيره.

تراجع متفاوت شهدته أسعار السلع بعد تعافي العملة المحلية في ظل رقابة حكومية (سبأ)

وكان البنك المركزي اليمني، فرض سيطرته على سوق العملات الأجنبية، خلال شهري يوليو وأغسطس (آب) الماضيين، بإجراءات صارمة تضمنت عقوبات مشددة على مؤسسات وشبكات مصرفية، ونجح في كبح جماح المضاربة غير المشروعة بالعملة.

استمرار المخاوف

شهد مختلف الأسواق في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية انخفاضات متفاوتة في أسعار المواد الأساسية، ولاقت استحساناً شعبياً.

ورغم تحسن القدرة الشرائية للسكان، فإن القلق يساورهم من عدم استدامة الوضع الحالي، أو تحقيق مزيد من التحسن، حيث لا يرون الأسعار الحالية عادلة بما يكفي، إلى جانب توقف كثير من الأعمال، واضطراب سوق العمل بفعل المخاوف من عدم الاستقرار.

ويحذر الباحث اليمني عبد القادر المقطري، من أن تطبيق الإصلاحات، وضمن ذلك رفع سعر الدولار الجمركي، دون ضمانات للعدالة الاجتماعية وتمكين المؤسسات، وتجاهل معاناة قطاع واسع من السكان الذين فقدوا مصادر دخلهم، ودون ترتيب أوضاع النازحين في المخيمات، وإيجاد حلول مستدامة لمعاناتهم، قد يفاقم الأوضاع المعيشية، ويهدد الاستقرار الذي وصفه بالهش.

رغم الترحيب بالإصلاحات الاقتصادية ثمة مخاوف من عدم معالجتها الأوضاع المعيشية للسكان (أ.ف.ب)

ونوه المقطري في إفادته لـ«الشرق الأوسط» بأن ثمة احتمالاً لأن تتحول الخطة المدعومة رئاسياً إلى اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على الموازنة بين متطلبات التعافي وضغوط الواقع المتأزم، لافتاً إلى أن كثيراً من الأمثلة أظهر الاهتمام بتحسين الأداء الاقتصادي، وتحقيق النجاحات على حساب ملايين السكان الذين تطولهم الآثار السلبية للدعم الدولي وشروط المانحين.

وأضاف أن الإصلاحات تتطلب صرامة في التعامل مع ملفات وشبكات الفساد المالي والإداري، وعدم التساهل مع الحسابات الضيقة للجماعات والأحزاب والقوى المختلفة.


مقالات ذات صلة

الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الذراع الحوثية

العالم العربي حشد من الحوثيين في صنعاء دعا إليه زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الذراع الحوثية

الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الحوثيين، مع إعلان هجوم ثانٍ على إسرائيل، وسط تنسيق أميركي - إسرائيلي ومخاوف من توسع الصراع وتهديد الملاحة الدولية.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

سيول الساحل الغربي في اليمن تخلّف 22 قتيلاً ودماراً واسعاً، فيما فاقمت الألغامُ الحوثية المنجرفة المأساة، مهددة حياة السكان، ومعرقلة جهود الإغاثة والإنقاذ.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

تواجه أعمال الإغاثة في اليمن تحدياً صعباً، فبينما ترتفع أعداد المحتاجين، يتراجع تمويل خطط الاستجابة الإنسانية تحت تأثير الأزمات العالمية واستدامة الصراع الداخلي

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

أعلن الحوثيون انخراطهم عسكرياً في الحرب إلى جانب إيران، بعد شهر من الترقب، في خطوة تعكس ضغوطاً إيرانية وحسابات معقدة، مع مخاوف من تصعيد يطول البحر الأحمر.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

سيول جارفة تضرب تعز وتخلف ضحايا ودماراً واسعاً

سيول مدمرة تضرب جنوب تعز وتخلّف قتلى ودماراً واسعاً، وسط نداءات استغاثة وتحذيرات من استمرار الأمطار، ومخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية وعزل القرى المتضررة.

محمد ناصر (عدن)

انطلاق الاجتماع الرباعي في إسلام آباد لبحث خفض التصعيد

جانب من اجتماع وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا في إسلام آباد اليوم (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا في إسلام آباد اليوم (أ.ف.ب)
TT

انطلاق الاجتماع الرباعي في إسلام آباد لبحث خفض التصعيد

جانب من اجتماع وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا في إسلام آباد اليوم (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا في إسلام آباد اليوم (أ.ف.ب)

بدأ وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا اجتماعاً في إسلام آباد، اليوم الأحد، لإجراء مناقشات بشأن الحرب في الشرق الأوسط، في ظل جهود الوساطة التي تبذلها باكستان بين الولايات المتحدة وإيران.

وقال وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، إنّ الاجتماع الرباعي من المتوقع أن يتناول «مجموعة من القضايا، من بينها الجهود المبذولة لنزع فتيل التوترات في المنطقة».

ووصل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره التركي هاكان فيدان إلى إسلام آباد مساء أمس، بينما وصل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى العاصمة الباكستانية بعد ظهر اليوم، لحضور هذا الاجتماع الذي من المتوقع أن يستمر إلى يوم غد.

وأفاد صحافيون في «وكالة الصحافة الفرنسية»، عن إغلاق العديد من الطرق المؤدية إلى «المنطقة الحمراء» في إسلام آباد، حيث تقع المؤسسات الحكومة الرئيسية ومقرات البعثات الدبلوماسية. وتمّ تشديد الإجراءات الأمنية، بينما زُيّن الطريق المؤدي إلى وزارة الخارجية بأعلام الدول الأربع.

وأجرى إسحاق دار، صباح اليوم، لقاءين منفصلين مع عبد العاطي وفيدان. ثمّ التقوا جميعا بقائد الجيش الباكستاني عاصم منير.

وقدمت الحكومة الباكستانية نفسها كوسيط رئيسي بين إيران والولايات المتحدة، كما لعبت دورا في نقل رسائل بين طهران وواشنطن بشأن الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط، في أعقاب هجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وتحافظ إسلام آباد على علاقات طويلة الأمد مع طهران واتصالات وثيقة مع دول الخليج، بينما أقام رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش علاقة شخصية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وتنفي طهران إجراء محادثات رسمية مع واشنطن، غير أنّ وكالة «تسنيم »الإيرانية أفادت بأنّ إيران نقلت «رسميا» و«عبر وسطاء»، ردها على الخطة الأميركية المؤلفة من خمسة عشر بندا.

وقال شريف، أمس، إنّه أجرى محادثة هاتفية استمرّت أكثر من ساعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشيكيان، تطرّقا خلالها بالتفصيل إلى «الجهود الدبلوماسية المستمرّة» لإسلام آباد.

وشكر بزشيكيان باكستان «على جهودها في الوساطة بهدف وقف العدوان».

وفي وقت متأخر أمس، أعلن دار الذي يشغل أيضا منصب نائب رئيس الوزراء، أنّ إيران سمحت بمرور 20 سفينة إضافية ترفع العلم الباكستاني، أو سفينتين يوميا، عبر مضيق هرمز.

وقال دار، في منشور موجه إلى نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وستيف ويتكوف مبعوث الرئيس ترمب الخاص ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إنّ «الحوار والدبلوماسية وهذا النوع من التدابير لبناء الثقة هي السبيل الوحيد للمضي قدما».


الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الذراع الحوثية

حشد من الحوثيين في صنعاء دعا إليه زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء دعا إليه زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الذراع الحوثية

حشد من الحوثيين في صنعاء دعا إليه زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء دعا إليه زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أعلنت الحكومة اليمنية رفضها القاطع ما وصفتها بالسياسات الإيرانية الهادفة إلى زعزعة استقرار المنطقة، متهمة طهران بالسعي إلى جرّ اليمن لصراعات إقليمية عبر دعم الميليشيات المسلحة، وذلك بالتزامن مع إعلان الجماعة الحوثية تنفيذ هجوم جديد باتجاه إسرائيل، هو الثاني منذ قررت، السبت، الانخراط في الحرب إلى جانب إيران.

وفي ظل مخاوف إنسانية داخل اليمن، وأخرى دولية من عودة الحوثيين إلى شن هجمات بحرية ضد سفن الشحن، أكدت الحكومة، في بيان رسمي، أن هذه التحركات تمثل تهديداً مباشراً لسيادة البلاد وتقويضاً لمؤسسات الدولة، مشددة على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يظل حكراً على السلطات الشرعية.

واتهمت الحكومة النظام الإيراني بانتهاج سياسات «تخريبية» تستهدف تقويض الدول الوطنية ومصادرة قراراتها السيادية، من خلال دعم جماعات مسلحة تعمل خارج إطار الدولة، وفي مقدمتها جماعة الحوثي.

ورأت أن ما يجري يمثل امتداداً لنماذج سابقة في المنطقة، «حيث أدت تدخلات مماثلة إلى إطالة أمد الصراعات، وتحويل الدول إلى ساحات صراع مفتوحة تخدم أجندات خارجية على حساب مصالح شعوبها».

وشدد البيان على أن أي عمليات عسكرية تُنفذ خارج مؤسسات الدولة الشرعية تُعد «أعمالاً عدائية غير مشروعة»، محمّلاً المسؤولية الكاملة لمن يقف وراءها، سواء من المنفذين والداعمين، في إشارة إلى إيران والحوثيين.

وحذرت الحكومة اليمنية بأن استمرار هذا النهج من شأنه تعريض الأمن الوطني والقومي لمخاطر جسيمة، تشمل تهديد وحدة البلاد واستقرارها، إلى جانب الإضرار بالمقدرات الاقتصادية، وتعطيل سلاسل الإمداد، ورفع أسعار الغذاء والطاقة، في بلد يعاني أصلاً إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.

ودعا البيان المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف أشد صرامة تجاه ما وصفها بالانتهاكات المتكررة للسيادة اليمنية، وإلى ممارسة ضغوط فعالة لوقف التدخلات الخارجية والأنشطة العسكرية غير المشروعة.

الحوثي يتبنى عملية ثانية

في المقابل، أعلنت الجماعة الحوثية تنفيذ «عملية عسكرية ثانية» باستخدام صواريخ مجنحة وطائرات مسيّرة، استهدفت، وفق بيان لها، مواقع في جنوب إسرائيل، في إطار ما سمّتها «معركة الجهاد المقدس».

وأكد المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، أن هذه العمليات تأتي ضمن ما وصفه بـ«دعم محور المقاومة»، الذي يضم إيران و«حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة، مشيراً إلى أن الهجمات تزامنت مع عمليات عسكرية من جبهات أخرى، بينها إيران ولبنان.

المتحدث العسكري الحوثي تبنى ثاني عملية ضد إسرائيل منذ الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويُنظر إلى هذا التصعيد على أنه تحول كان متوقعاً في موقف الجماعة، التي كانت قد امتنعت عن الانخراط المباشر خلال الأسابيع الأولى من الحرب الأميركية - الإسرائيلية، قبل أن تعلن لاحقاً دخولها على خط المواجهة.

وشددت الجماعة على استمرار عملياتها خلال الفترة المقبلة، مؤكدة أنها لن تتوقف إلا مع «وقف العدوان»، في إشارة إلى العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران وأذرعها.

وكان زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي قد رفع، في أحدث ظهور له، مستوى الخطاب التعبوي، معلناً دعم جماعته ما وصفها بـ«قوى المقاومة»، ومؤكداً أنها «ليست على الحياد»، مع تطمينات بعدم وجود نيات عدائية تجاه الدول الإسلامية.

مخاوف من اتساع التصعيد

على الجانب الآخر، أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض صاروخ أُطلق من اليمن، في ثاني حادثة من نوعها منذ إعلان الحوثيين انخراطهم العسكري، مؤكداً عدم وقوع خسائر.

وأشار إلى وجود تنسيق مستمر مع الولايات المتحدة بشأن كيفية التعامل مع هذا التصعيد، وسط توقعات بتنفيذ ضربات انتقامية ضد الجماعة الحوثية، على غرار ما حدث خلال العامين الماضيين.

ومع عدم استبعاد استئناف الحوثيين هجماتهم على السفن في البحر الأحمر؛ مما يهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، أكدت «المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس)» استمرار عملياتها الدفاعية لضمان أمن الملاحة الدولية، وحماية السفن التجارية والحفاظ على حرية المرور.

وكان «الاتحاد الأوروبي» قد أنشأ «مهمة أسبيدس» البحرية وبدأت مهامها في فبراير (شباط) 2024، بمشاركة عدد من الفرقاطات العسكرية، دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع الحوثيين، خلافاً للضربات الواسعة التي نفذتها الولايات المتحدة ومعها بريطانيا في بعض الأوقات.

ومع عودة التهديد الحوثي المحتمل في البحر الأحمر، تزداد المخاوف من تداعيات اقتصادية مباشرة، تشمل اضطراب حركة التجارة العالمية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، إلى جانب انعكاسات إنسانية محتملة على اليمن، الذي يواجه بالفعل أزمة معيشية حادة.


مسؤول إسرائيلي: العمليات العسكرية في لبنان قد تستمر سنوات

جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)
جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)
TT

مسؤول إسرائيلي: العمليات العسكرية في لبنان قد تستمر سنوات

جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)
جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)

تعمل القوات الإسرائيلية في لبنان تحت وابل كثيف من القذائف الصاروخية والصواريخ المضادة للدروع، وسط استمرار هجمات «حزب الله». ويقول الجيش إن قواته قد تبقى في جنوب لبنان حتى في حال تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

وبعد شهر من بدء الحرب على إيران، تواصل قوات الجيش الإسرائيلي العاملة في جنوب لبنان توسيع ما تصفه بأنه «منطقة أمنية»، في وقت يشير فيه مسؤولون إلى أن الجيش من المرجح أن يبقى في المنطقة أشهراً أو أكثر، وفقاً لموقع «واي نت» الإسرائيلي.

وقال مسؤول أمني إن الحكومة اللبنانية غير قادرة على نزع سلاح «حزب الله»، وإن وجود الجيش الإسرائيلي في عمق الأراضي اللبنانية من المتوقع أن يستمر «أشهراً عدة على الأقل، وربما سنوات». وأضاف مسؤولون من وزارة الدفاع أنه حتى في حال وقف إطلاق النار، ليس من المتوقع أن ينسحب الجيش.

ووفقاً للموقع، تعمل القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان تحت نيران كثيفة، تشمل المدفعية والصواريخ والقذائف المضادة للدروع. ويتلقى الجنود تحذيراً قبل ثوانٍ فقط من القصف، مع وقت قليل للوصول إلى مأوى. فمنهم من يحتمي داخل مركبات مصفحة، بينما يبحث آخرون عن حماية خلف الصخور أو المباني.

ومنذ بدء الهجوم البري، تم دفع عناصر «حزب الله» إلى الخلف؛ لكنهم يواصلون هجماتهم، بإطلاق مئات الصواريخ يومياً ضد قوات الجيش الإسرائيلي والمناطق الشمالية، بالإضافة إلى الطائرات المُسيَّرة والصواريخ المضادة للدروع.

وقُتل 5 جنود خلال القتال في جنوب لبنان، وأصيب أكثر من 30 آخرين.

جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يشغِّل طائرة مُسيَّرة خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

ووفقاً للجيش الإسرائيلي، تهدف العملية إلى إنشاء منطقة عازلة أعمق داخل جنوب لبنان، بهدف تقليل إطلاق النار باتجاه شمال إسرائيل.

وينفِّذ الجيش الإسرائيلي أيضاً عمليات لفرض السيطرة النارية على المنطقة، بما في ذلك تدمير البنى التحتية وتفكيك الأسلحة. ووصف الجنود التقدم بأنه منهجي وبطيء أحياناً، مع مقاومة مباشرة محدودة؛ لكن هناك تهديدات مستمرة من نيران غير مباشرة.

وقال أحد الجنود: «نسوي المنطقة بالأرض قدر المستطاع. هذه منطقة قتال يتم إعادة تشكيلها».

ولا تزال هناك تساؤلات حول قدرة الجيش على تحمل وجود طويل الأمد، ولا سيما في ظل تحديات القوى البشرية.

وحذَّر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي مؤخراً من أن الجيش قد يواجه إجهاداً كبيراً دون إجراء تغييرات في سياسات التجنيد والاحتياط، بما في ذلك تمديد الخدمة الإلزامية وتوسيع نطاق التجنيد.

ولم تحدد إسرائيل رسمياً أهدافها الكاملة في لبنان، ولكنها شددت على توسيع المنطقة الأمنية لتقليل التهديدات، بما في ذلك نيران الصواريخ المضادة للدروع والهجمات المحتملة عبر الحدود.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الهدف هو تغيير الوضع في لبنان بشكل جذري، وربط ذلك بالصراع الأوسع مع إيران.

وأضاف: «نضع مسألة نزع سلاح (حزب الله) أمامنا. نحن مصممون على فعل كل شيء لتغيير الوضع في لبنان من جذوره».

كما وصف مسؤولون هدفاً أكثر طموحاً يتمثل في تطهير جنوب لبنان من الأسلحة حتى نهر الليطاني، والاحتفاظ بالسيطرة على مناطق رئيسية.

ووفقاً لمسؤولين إسرائيليين: «لا يزال (حزب الله) ضعيفاً؛ لكنه يحتفظ بقدرات كبيرة، بما في ذلك أسلحة زودته بها إيران في الأشهر الأخيرة».

وتعمل إسرائيل على ضمان أن أي وقف محتمل لإطلاق النار مع إيران لا يرتبط بوقف العمليات في لبنان، بينما سعت إيران إلى ربط الجبهتين.

وقال دبلوماسيون غربيون إن الولايات المتحدة تركز حالياً على إيران، ومنحت إسرائيل حرية عمل نسبية في لبنان، بشرط أن تتجنب الضربات على البنية التحتية المدنية.

وأشار بعض المسؤولين إلى احتمال أن يؤدي الضغط الأميركي في النهاية إلى تقييد العمليات الإسرائيلية، بينما يرى آخرون أن الفاعلين الإقليميين قد يدعمون استمرار العمل ضد «حزب الله».

ونزح أكثر من 600 ألف نسمة من جنوب لبنان، وفقاً للتقديرات الإسرائيلية، وهو عامل يقول مسؤولون إنه قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية مع تصاعد الضغط على «حزب الله».