رئيس الوزراء اليمني: العملة لا تتحسن بالشعارات بل بالقرارات الصعبة

قال لـ«الشرق الأوسط» إن دعم السعودية جاء في توقيت حاسم ولحظة حرجة

أكد رئيس الوزراء اليمني أن العملة لا تتحسن بالشعارات بل بالقرارات الصعبة (الشرق الأوسط)
أكد رئيس الوزراء اليمني أن العملة لا تتحسن بالشعارات بل بالقرارات الصعبة (الشرق الأوسط)
TT

رئيس الوزراء اليمني: العملة لا تتحسن بالشعارات بل بالقرارات الصعبة

أكد رئيس الوزراء اليمني أن العملة لا تتحسن بالشعارات بل بالقرارات الصعبة (الشرق الأوسط)
أكد رئيس الوزراء اليمني أن العملة لا تتحسن بالشعارات بل بالقرارات الصعبة (الشرق الأوسط)

منذ توليه رئاسة الحكومة في مايو (أيار) الماضي، اختار رئيس الوزراء اليمني سالم بن بريك أن يعمل بصمت، لكن نتائج عمله سرعان ما ظهرت للعيان، ففي غضون أشهر قليلة، تمكّن من انتشال العملة الوطنية من قاع الانهيار، ليعيد للريال اليمني نحو 30 في المائة من قيمته المفقودة.

لم يكن هذا التحسن وليد صدفة، كما يقول بن بريك، بل ثمرة حزمة من الإجراءات المتكاملة بين السياسات المالية والنقدية للحكومة والبنك المركزي. مؤكداً في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «العملة لا تتحسن بالشعارات، بل بالقرارات الصعبة والانضباط المالي»، مشدداً على ضرورة تمكين الحكومة من ممارسة صلاحياتها بعيداً عن العراقيل والتدخلات.

وفيما يتعلق بالعلاقة مع مجلس القيادة الرئاسي، يتحدث بن بريك عن انسجام في الرؤية والإصلاحات، لكنه يضيف: «نجاح الحكومة مرهون بغطاء سياسي قوي من المجلس يتيح لها ممارسة صلاحياتها كاملة، ودعمه للإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية».

كما لم يتردد رئيس الوزراء في دعوة المبعوث الأممي لليمن إلى مزيد من الوضوح في تسمية المعرقلين، وحثّ الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن على الانتقال من بيانات القلق إلى خطوات عملية تردع المعرقلين وتمنح الحكومة أدوات أقوى لاستعادة الدولة.

وفي تعليقه عن الدعم السعودي الأخير، اعتبر بن بريك ذلك «رسالة طمأنة لليمنيين أولاً، وثقة إقليمية ودولية ثانياً»، مؤكداً أن الرياض أثبتت أن اليمن لن يُترك وحيداً في لحظاته الحرجة، وأن هذا الدعم يعزز قدرة الحكومة على المضي في الإصلاحات الشاملة.

الدعم السعودي... رسالة طمأنة

أكد رئيس الوزراء اليمني أن الحزمة التمويلية السعودية الأخيرة، البالغة ملياراً وثلاثمائة وثمانين مليوناً ومائتين وخمسين ألف ريال عبر «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، جاءت «في توقيتٍ حاسم» لترسيخ الاستقرارين الاقتصادي والنقدي، ومساندة الإصلاحات التي شرعت فيها حكومته. وشدد على أن أثرها «لم يقتصر على المؤشرات»، بل مَثّل «رسالة طمأنة وثقة» لليمنيين والمجتمعين الإقليمي والدولي، بما يعزز قدرة الحكومة على الإيفاء بجزء من التزاماتها وتحسين الخدمات الأساسية، والمضي «بوتيرةٍ عالية» في مسار الإصلاحات.

الأمير خالد بن سلمان لدى لقائه سالم بن بريك في الرياض في مايو الماضي (وزارة الدفاع السعودية)

ويضع بن بريك الدعم السعودي في خانة «التحول النوعي» الذي يتجاوز الإسناد المالي إلى إطار داعم للإصلاح والسياسات المنضبطة؛ إذ ترافق مع خطوات لضبط السوق وكبح المضاربات، مما انعكس على تحسن سعر صرف العملة وتراجع معدلات التضخم.

ويقرأ المسؤول اليمني في هذه الحزمة غطاءً سياسياً واقتصادياً يرسّخ الثقة بقدرة الحكومة على إدارة اقتصادٍ متعثر تحت ضغط الحرب وتوقف تصدير النفط، داعياً «الأشقاء والأصدقاء والمنظمات المانحة» إلى مواقف مماثلة تُسند الاقتصاد، وتحوّل الإصلاحات من شعارات إلى نتائجٍ ملموسة في حياة المواطنين.

وشدد رئيس الوزراء على أن قيمة الدعم السعودي تتجاوز أثرها المالي المباشر؛ إذ «لم يكن مجرد رقمٍ تمويلي، بل رسالة طمأنة لليمنيين أولاً، ورسالة ثقة إقليمية ودولية ثانياً»، مفادها أن المملكة «وضعت ثقلها إلى جانب اليمن في لحظة حرجة»، بما يعيد ترميم الثقة في قدرة المؤسسات على القيام بواجباتها «بمهنية تنعكس على معيشة الناس». ويضيف: «لا نتحدث عن تمويلٍ فقط، بل عن غطاء سياسي واقتصادي يعزّز قدرتنا على الاستمرار والمضي في الإصلاحات الشاملة».

وبحسب رئيس الحكومة، جاء هذا الإسناد متسقاً مع تحسّن المؤشرات خلال الأسابيع الأخيرة ومنها انخفاض التضخم، وتراجع الطلب على العملات الأجنبية بفعل السياسات المنسّقة بين الحكومة والبنك المركزي، وتحسّن سعر الصرف نتيجة الإجراءات الإدارية والمؤسسية التي استهدفت «ضبط السوق وفرض آليات شفافة لتمويل الواردات». مشيراً إلى أن الحزمة السعودية تساعد الحكومة على الإيفاء بجزءٍ من الالتزامات تجاه المواطنين وتحسين الخدمات الأساسية، بما يخلق دائرة ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع ويعزّز مناعة الاقتصاد في مواجهة صدمات الحرب.

وشدد سالم بن بريك على أن «مواقف المملكة تجاه اليمن ثابتة وتجسّد عمق الروابط الأخوية»، وأن الحزمة الأخيرة امتدادٌ لمسيرة دعمٍ تاريخية «اقتصادياً وإنمائياً وإنسانياً»، فضلاً عن الدور المحوري للمملكة في قيادة تحالف دعم الشرعية، ومساعيها «المخلصة» لوقف الحرب وإحلال السلام.

ولفت إلى أن الدعم السعودي يفتح نافذة فرص لتسريع الإصلاحات، داعياً الشركاء الإقليميين والدوليين إلى الالتحاق بمسار الإسناد عبر حزمٍ فنية ومالية تُترجم سريعاً إلى خدماتٍ ملموسة وفرص عمل وتنميةٍ محلية متوازنة، بما يحوّل التحسّن الحالي من «بوادر إيجابية» إلى مسارٍ مستدام.

علاقات استراتيجية

يضع رئيس الوزراء العلاقات اليمنية – السعودية في خانة «الشراكة الاستراتيجية النموذجية» التي تتجاوز المساعدات الآنية، مؤكداً أنها مبنية على «الروابط الأخوية العميقة، والجوار الجغرافي، والمصير المشترك». ويضيف: «استقرار اليمن جزء من أمن السعودية والمنطقة، والعكس صحيح».

يقول بن بريك إن هنالك انسجاماً في الرؤية والإصلاحات مع مجلس القيادة الرئاسي لكن الحكومة تحتاج لصلاحيات كاملة (الشرق الأوسط)

ويشير إلى أن خصوصية هذه العلاقة تتجلى في أبعادها المتعددة: أكثر من 1400 كيلومتر من الحدود المشتركة، وجود 3 ملايين مغترب يمني يعملون في المملكة، إضافة إلى نحو 200 ألف طالب يمني في المدارس السعودية. مبيناً أن هذه الأرقام «تُترجم عمق الروابط التي تتقدم أخوياً وإنسانياً على أي اعتبارات أخرى سياسية أو اقتصادية».

ووفق ما أكده رئيس الوزراء، فإن قيادة السعودية لتحالف دعم الشرعية منذ 2015 شكلت «منعطفاً تاريخياً» في مسار الأزمة اليمنية، عبر مواجهة الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، والتدخلات الهادفة إلى تقويض الأمن الخليجي والإقليمي. ويقول إن هذه الخطوة دشّنت «مرحلة نوعية لاستعادة زمام المبادرة والتوازن الاستراتيجي» في المنطقة، بجانب التدخلات الإنسانية والإغاثية والتنموية التي سعت إلى تخفيف معاناة اليمنيين.

وأوضح بن بريك أن التنسيق القائم مع المملكة «ممتاز»، مع خطط حكومية للوصول به إلى مستويات أعمق «تنسجم مع خصوصية العلاقات التاريخية»، بما يعزز الشراكات السياسية والاقتصادية والتنموية في إطار الأمن القومي المشترك. ويرى أن «وسط الأزمات الإقليمية والدولية، يظل الدور السعودي مركز ثقل حيوياً»، سواء في دعم القضية الفلسطينية أو في التصدي للإرهاب والمشاريع التخريبية في المنطقة.

تحسّن العملة... ليس صدفة

أكد رئيس الوزراء على أن تحسّن سعر صرف العملة الوطنية مؤخراً «لم يكن مصادفة»، بل جاء نتيجة تكامل السياسات المالية والنقدية التي اعتمدتها الحكومة بالتنسيق مع البنك المركزي. ويقول: «نجحنا في كبح المضاربة وضبط السوق وإدارة الموارد المحدودة بكفاءة، وفرض آليات شفافة لتمويل الواردات».

وأضاف: «من بين الإجراءات التي اتخذتها الحكومة تشكيل اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، حظر التعامل بالعملات الأجنبية في السوق الداخلية، ترشيد الإنفاق العام وتعزيز الإيرادات، تفعيل أدوات الرقابة والشفافية، وتشكيل اللجنة العليا لإعداد الموازنة العامة للدولة 2026، في خطوة تعد الأولى منذ سنوات».

هذه التدابير، بحسب رئيس الوزراء، قادت إلى تراجع كبير في الطلب على العملة الأجنبية، وتقليص الفجوات التي كانت تدفع الريال للهبوط الحاد. مشدداً على أن ما حدث «يبرهن أن الإصلاحات المؤسسية قادرة على إحداث فارق حتى مع غياب الإيرادات الأساسية»، في إشارة إلى توقف تصدير النفط الخام الذي يمثل 65 في المائة من الإيرادات العامة.

ويضيف: «العملة لا تتحسن بالشعارات، بل بالقرارات الصعبة والانضباط المالي»، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب إتاحة الفرصة للحكومة للعمل بكامل صلاحياتها بعيداً عن العراقيل، إلى جانب إسناد الشركاء لتعزيز موقف العملة الوطنية، لكنه في الوقت ذاته يوضح أن هذا التحسّن «بحاجة إلى إجراءات هيكلية إضافية لضمان استدامته»، داعياً إلى «قرارات استثنائية وشجاعة تتناسب مع طبيعة التحديات».

الموقف الدولي... يحتاج إلى «خطوات عملية»

يصف رئيس الوزراء دعم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بأنه «ركيزة أساسية» لأي مسار سياسي أو إنساني في اليمن، مؤكداً حرص حكومته على استمرار وحدة الموقف الدولي ورفض الانقلاب الحوثي. ويضيف أن تمسّك هذه القوى بقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 2216، يشكّل «خريطة طريق مثلى» لإعادة بناء مؤسسات الدولة ونزع سلاح الميليشيات.

رئيس الوزراء اليمني خلال استقبال السفير الأميركي لدى اليمن مؤخراً (رئاسة الوزراء اليمنية)

وفيما ثمَّن رئيس الوزراء هذا الدعم، شدَّد في الوقت نفسه على أن المطلوب «مضاعفة الضغوط على الحوثيين لوقف جرائمهم المتصاعدة ضد المدنيين والإغاثيين، واستهدافهم المتكرر للملاحة الدولية والسفن التجارية». ويشير إلى أن قرار الإدارة الأميركية إعادة تصنيف الحوثيين كـ«منظمة إرهابية أجنبية» يمثل خطوة مهمة، داعياً بقية الدول إلى «التحاق مماثل بالإجراءات العقابية».

وتابع: «وضعنا في اليمن لم يعد مجرد أزمة محلية، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الدولي، من البحر الأحمر إلى خطوط الملاحة العالمية». ومن هنا، يرى أن المجتمع الدولي مطالب بالانتقال من «بيانات القلق» إلى خطوات عملية تمنح الحكومة أدوات أقوى لاستعادة السيطرة على كامل الأراضي اليمنية، باعتبار ذلك «الضمان الأساسي لتحقيق الاستقرار محلياً وإقليمياً ودولياً».

مرحلة صعبة

لم يتردد رئيس الوزراء في توصيف اللحظة الراهنة بأنها «مرحلة صعبة»، تفرض على الحكومة خوض معركة موازية لمعركة استعادة الدولة، تتمثل في معالجة الأوضاع المعيشية والاقتصادية والخدمية والأمنية.

ووفقاً لبن بريك فإن أبرز التحديات محلياً تتمثل في الضغط الهائل على الخدمات الأساسية، وضعف الإيرادات مع توقف تصدير النفط، وتعقيدات ضبط الموارد المحلية، واتساع الاحتياجات الإنسانية، وإقليمياً: تصاعد الهجمات الحوثية في البحر الأحمر ضد السفن التجارية وما تحمله من مخاطر على أمن الملاحة، أما دولياً فهي الحاجة إلى حشد الدعم في وقتٍ يواجه فيه العالم أزمات متلاحقة اقتصادية وأمنية.

ويشير إلى أن التحدي الأبرز يتمثل في استعادة ثقة المواطن، الذي «يريد أن يرى نتائج ملموسة: خدمات تتحسن، وعملة تستقر». ويرى أن إسناد الحكومة من الشركاء سيكون له أثر رئيسي في هذا الجانب.

وحذر بن بريك من أن ميليشيا الحوثي تمارس «حرباً اقتصادية ممنهجة» عبر استخدام الاقتصاد كسلاح لإضعاف الدولة وتعميق الأزمة الإنسانية. ويؤكد أن حكومته تعمل «بكل الوسائل» لمواجهة هذا النهج، سواء عبر الإجراءات الداخلية أو بالتعاون مع الشركاء الخارجيين.

من «إدارة الأزمة» إلى «صناعة الحل»

يرفض رئيس الوزراء اليمني الاكتفاء بالتحسن الأخير في سعر صرف العملة الوطنية، مؤكداً أن «المطلوب ضمان استدامة هذا المسار عبر إصلاحات جذرية». ويشير إلى أن الحكومة تعتزم تنفيذ حزمة واسعة من الإجراءات أبرزها: تعزيز الإيرادات وضمان توريدها إلى الحساب العام للدولة مركزياً ومحلياً، وترسيخ الانضباط المالي والشفافية عبر آليات رقابية فعالة على الإنفاق العام، ومواصلة الإصلاحات الضريبية والجمركية لزيادة الموارد المستدامة، وتحسين إدارة احتياطيات النقد الأجنبي، ومتابعة إصلاحات السياسة المالية والنقدية، وتمكين القطاع الخاص من قيادة العملية التنموية، عبر بيئة استثمارية جاذبة، واستقطاب التمويلات التنموية من الدول والمنظمات المانحة، لتمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات وخلق فرص عمل.

وكشف أن الحكومة ماضية في تنفيذ خطة التعافي الاقتصادي 2025 – 2026، التي أقرها مجلس القيادة الرئاسي، متضمنة أهدافاً قصيرة المدى تتركز على تعزيز الاستدامة المالية، واستقرار النظام المصرفي، وتنمية الاقتصاد عبر تطوير قطاعات حيوية، والحد من التضخم، وضبط الأسعار، إلى جانب مكافحة الفساد وتحسين الأداء المؤسسي.

وأضاف: «الهدف الأساسي هو أن يشعر المواطن بأن الحكومة لا تدير الأزمة فقط، بل تفتح أفقاً للحل»، بالانتقال من طور الاستجابة إلى طور الفعل والمبادرة. لافتاً إلى أن المرحلة «حساسة لكنها واعدة»، إذا ما استُثمرت الفرص المتاحة والدعم الدولي المعلن، «وترجم سريعاً إلى خدمات وفرص اقتصادية ملموسة».

كما يقول إن الحكومة تعمل على توسيع الشراكات الاستراتيجية، خصوصاً مع السعودية والإمارات، بما يشمل القطاعات الحيوية وعلى رأسها الكهرباء والطاقة المتجددة. وأشار إلى أن الهدف هو «إيجاد حلول مستدامة لقضايا مزمنة، بعيداً عن الترقيع المؤقت»، مبيناً أن العمل جارٍ على استعادة فعالية مؤسسات الدولة في عدن وضبط العلاقة مع السلطات المحلية وفق القوانين النافذة.

مشاريع البرنامج السعودي... رسائل أمل

أكد رئيس الوزراء أن دور «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» بقيادة السفير محمد آل جابر، «محوري في إعادة بناء الجسور بين الخدمات الأساسية وحياة المواطن».

رئيس الوزراء خلال استقباله السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر عقب إعلان الدعم السعودي لليمن (الشرق الأوسط)

وقال إن البرنامج، الذي أُطلق عام 2018 بتوجيه من الملك سلمان بن عبد العزيز وبالتنسيق مع الحكومة اليمنية، نفذ حتى الآن 265 مشروعاً ومبادرة تنموية في ثمانية قطاعات حيوية: التعليم، والصحة، والمياه، والطاقة، والنقل، والزراعة والثروة السمكية، وتنمية قدرات الحكومة، والبرامج التنموية. وأضاف: «هذه ليست أرقاماً، بل 265 رسالة أمل لمجتمع أنهكته الحرب».

وقدم بن بريك مثالاً على حجم التأثير، بالإشارة إلى مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن، الذي يخدم أكثر من نصف مليون مواطن «بالمجان وبجودة متميزة»، معتبراً أنه «نموذج يمكن قياسه على بقية المشاريع النوعية للبرنامج».

وأكد أن هذه التدخلات النوعية «أحدثت نقلة حقيقية من الإغاثة إلى التنمية»، وساهمت في تعزيز الاستقرار المحلي في محافظات عدة. ويرى أن البرنامج «يكمل أدوار المانحين الآخرين»، مشيداً أيضاً بمشاريع تنموية حديثة مدعومة من الأشقاء في الإمارات، خصوصاً في قطاع الطاقة المتجددة.

بن بريك خلال تدشين أجهزة طبية حديثة في مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن مطلع الشهر الحالي (رئاسة الوزراء اليمنية)

مسار السلام... خيار استراتيجي وتعنت الحوثيين

أكد رئيس الوزراء أن السلام خيار استراتيجي للحكومة اليمنية، لكنه مشروط بوجود «شريك جاد ومسؤول». مبيناً أن «التجربة أثبتت أن ميليشيا الحوثي ليست جادة، لم تلتزم بأي اتفاق، والمجتمع الدولي شاهد على ذلك».

ولفت بن بريك إلى أن تعنّت الحوثيين يعود إلى «رفض داعميهم في النظام الإيراني لأي سلام»، مشدداً على أن استمرار تدفق الأسلحة والمعدات المتطورة من طهران إلى الميليشيات، وما تكشفه الضبطيات المتكررة، يمثل «الدليل الأوضح على غياب النية الحقيقية للسلام».

وحدد رئيس الحكومة ملامح السلام المنشود من خلال عودة العمل بمنظومة القوانين وبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة، والاحتكام إلى الدستور والثوابت الوطنية، وتنفيذ المرجعيات الثلاث، وفي مقدمتها القرار رقم 2216.

وأضاف أن «الكرة في ملعب الحوثيين»، وأن أي مقاربة سياسية ناجحة مرهونة بـ«إنهاء النفوذ الإيراني المزعزع للأمن الإقليمي والدولي». مكرراً دعوته إلى تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية دولية، وأن هذا «شرط لحماية فرص السلام».

سالم بن بريك خلال استقبال المبعوث الأممي الخاص لليمن في عدن يوليو الماضي (رئاسة الوزراء اليمنية)

وفي تقييمه لأداء المبعوث الأممي، أشاد رئيس الحكومة بجهوده الدبلوماسية في فتح قنوات الحوار، لكنه دعاه إلى «مزيد من الوضوح وتسمية المعرقلين دون مواربة»، مطالباً بموقف أممي أكثر صرامة تجاه الانتهاكات التي «تبدد كل فرص التسوية».

وشدد على أن السلام العادل «يمر عبر دعم الحكومة الشرعية وتعزيز قدرتها على تقديم الخدمات وحماية أراضيها ومياهها الإقليمية»، وتابع: «إذا فُرضت علينا الحرب، فالشعب سيدافع عن حقوقه وثوابته ولن يقبل بإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء».

العلاقة مع الرئاسي... انسجام يحتاج صلاحيات

يؤكد رئيس الوزراء أن نجاح الحكومة مرهون بغطاء سياسي قوي من مجلس القيادة الرئاسي، يتيح لها ممارسة صلاحياتها كاملة، ودعم منظومة الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية. وقال إن هناك «انسجاماً في الرؤية حول الإصلاحات»، وإن النقاشات الجارية تتركز على «تفاصيل وإجراءات» لا تمس الجوهر.

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي في اجتماع سابق مع رئيس الحكومة ومحافظ البنك المركزي (سبأ)

وقال إن مجلس القيادة «يوفر الدعم السياسي الضروري» لبرنامج الحكومة، بما يسمح بتعزيز الأداء المؤسسي، وضبط العلاقة مع السلطات المحلية، وتوسيع الشراكات الاستثمارية مع القطاع الخاص. مشدداً على أن «حكمة رئيس وأعضاء مجلس القيادة» تمثل ركيزة أساسية لتجاوز الاختلالات وتصحيح المسار.

وأكد سالم بن بريك أن الهدف النهائي يتمثل في استعادة الدولة لدورها كاملاً، وضمان أن تتحول الإصلاحات الاقتصادية إلى «خطوات عملية ملموسة» يشعر بها المواطن، بما يعزز الثقة ويعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع.


مقالات ذات صلة

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

العالم العربي عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عجز الحوثيين عن تشكيل حكومة بديلة بعد استهداف قياداتها يعزز قناعة بوجود سلطة خفية تدير المناطق، وسط تراجع دور المؤسسات وتفاقم الأزمة المعيشية وتآكل ثقة السكان

محمد ناصر (عدن)
الخليج المشروع يعزِّز من القيمة المضافة للمنتجات المحلية (الشرق الأوسط)

مشروع سعودي لتعزيز سلاسل القيمة الزراعية في اليمن

دُشِّن مشروع «تعزيز سلسلة القيمة الزراعية لتحقيق الأمن الغذائي لمزارعي الحيازات الصغيرة في اليمن»، بتمويل من «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن».

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

أشاد «برنامج الأغذية العالمي» في اليمن بدور «مركز الملك سلمان» في دعمه؛ حيث أسهمت التمويلات في إنقاذ عشرات آلاف الأسر وتعزيز سبل العيش وسط تفاقم أزمة الجوع.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

تصاعدت الانتهاكات الحوثية ضد المعلمين في 4 محافظات يمنية، شملت الاعتقال والاعتداء، وسط تحذيرات حقوقية من تأثيرات خطيرة على مستقبل التعليم واستقراره

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
الخليج أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الحوثيون... «حساب المكاسب» يطغى على «وحدة الساحات»

كشف موقف الجماعة الحوثية خلال حرب إيران عن تغليب البراغماتية على الآيديولوجيا، إذ تجنّبت التصعيد الواسع وفضّلت حماية نفوذها الداخلي، رغم خطاب «وحدة الساحات».

علي ربيع (عدن)

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.