سوء التغذية الحاد يرتفع بين الأمهات والأطفال اليمنيين

الأمم المتحدة خصصت 5.4 مليون دولار للمعالجة

عيادة متنقلة لعلاج سوء التغذية في اليمن (الأمم المتحدة)
عيادة متنقلة لعلاج سوء التغذية في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

سوء التغذية الحاد يرتفع بين الأمهات والأطفال اليمنيين

عيادة متنقلة لعلاج سوء التغذية في اليمن (الأمم المتحدة)
عيادة متنقلة لعلاج سوء التغذية في اليمن (الأمم المتحدة)

بينما خصصت الأمم المتحدة، حديثاً، نحو 5.4 مليون دولار لمعالجة سوء التغذية في 5 محافظات يمنية تقع مُعظمها تحت سيطرة الحوثيين، كشفت مصادر صحية عن ارتفاع مستوى سوء التغذية بمختلف أشكاله في أوساط الأمهات والأطفال دون الخامسة في عدة مناطق واقعة تحت سيطرة الانقلابيين.

وأكدت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القطاع الصحي سجل بغضون شهرين آلاف الإصابات الجديدة بسوء التغذية الحاد والوخيم في نحو 7 محافظات، أغلبها تحت السيطرة الحوثية، وهي محافظات صنعاء والحديدة وحجة وإب وريمة وعمران وتعز.

ملايين الأطفال في اليمن يعانون سوء التغذية والحرمان من اللقاحات (رويترز)

وعبَّرت المصادر ذاتها عن قلقها إزاء الارتفاع المستمر في معدلات سوء التغذية بين الأمهات والأطفال، مرجعةً ذلك إلى استمرار التدهور الاقتصادي والمعيشي الحادّ الذي تكابده مئات الآلاف من الأسر التي تعاني نقصاً حاداً في الغذاء، وانعداماً لأغلب الخدمات، بما فيها الصحية، وتوقف الرواتب واتساع رقعة الفقر والجوع والبطالة.

جاء هذا متزامناً مع تأكيد مشروع كويتي إغاثي أن ما يزيد على 8 ملايين طفل وامرأة حامل ومرضع، في نحو 13 محافظة يمنية، تم تسجيلهم مع بداية العام الحالي على أنهم مصابون بسوء التغذية وبحاجة إلى تدخلات غذائية وعلاجية عاجلة منقذة للحياة، والإشارة إلى أن هناك نحو 99 في المائة من الأسر اليمنية لا تتحمل تكلفة علاج أطفالهم من سوء التغذية.

عجز عن العلاج

يتحدث عصام محمد، أحد السكان في ريف صنعاء، عن إصابة اثنين من أولاده: مرام (8 أشهر)، وإياد (3 سنوات) بسوء التغذية الحاد، حيث يعجز حتى اللحظة عن تقديم العلاج لهما.

وقال عصام، وهو عامل بالأجر اليومي، لـ«الشرق الأوسط»، إن ابنته (مرام) تعاني من سوء التغذية منذ ولادتها، كما كانت تعاني زوجته أيضاً من المشكلة ذاتها أثناء فترة الحمل، إلى جانب مواجهتها صعوبة كبيرة أثناء الولادة، وذلك يعود (وفق قوله) إلى نقص حاد في الغذاء حُرِمت منه زوجته وأطفالها بالفترات السابقة، بسبب عدم تحصله على عمل يؤمِّن لهم لقمة العيش.

يمنية تحمل طفلة تعاني سوء تغذية تنتظر الحصول على مساعدات غذائية في صنعاء (إ.ب.أ)

وأكد عصام أنه وعائلته المكونة من 6 أفراد لا يزالون منذ عدة أشهر يتناولون وجبات طعام خفيفة ومتواضعة، منها «الخبز والشاي» أو «الخبز والزبادي» بعيداً عن تناول أي نوع من اللحوم، مُرجِعاً سبب هذا التدهور الغذائي الذي أصاب أفراد عائلته إلى عجزه عن إيجاد فرصة عمل لتأمين الغذاء الكافي لهم.

ويُعدّ سوء التغذية في اليمن من ضمن الأسباب الأولى المؤدية إلى وفاة الأمهات، والأطفال دون سن الخامسة، كما أن هذه المشكلة الصحية قد استفحلت كثيراً بسبب استمرار تدهور النظام الصحي وتوقف المساعدات الغذائية المنقذة للحياة، بالإضافة إلى عوامل أخرى، بحسب ما تؤكده التقارير الدولية.

ويفيد أحد العاملين الإغاثيين في صنعاء بأن عدداً كبيراً من الأطفال والنساء بمختلف المناطق تحت سيطرة الانقلابيين لا يزالون جراء الحرب المستمرة والممارسات الجائرة للجماعة محرومين من الضروريات الأساسية، بما في ذلك التغذية السليمة، والخدمات العلاجية، الأمر الذي ساعد بدرجة كبيرة في ارتفاع معدلات الإصابة بسوء التغذية الحاد والوخيم بين أوساطهم.

ويحذر العامل الإغاثي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن حياة الآلاف من الأطفال والنساء في اليمن باتت على المحك، لافتاً إلى أن الأغلبية منهم يعانون من مخاطر الإصابة بسوء التغذية، وهم بحاجة إلى تدخلات طارئة من قبيل ضمان الوصول إليهم وغيرهم، وتوفير الخدمات العلاجية ومختلف المساعدات، بما فيها الغذائية، لهم.

النساء اللائي يعانين من سوء التغذية في اليمن معرضات بشكل كبير لمخاطر الحمل والولادة (الأمم المتحدة)

ودفعت النساء والأطفال (وهم الأكثر ضعفاً) في اليمن طيلة الأعوام الماضية التي أعقبت الانقلاب والحرب الحوثية، أثماناً باهظة جراء شدة الفاقة والحرمان المستمر من أبسط الحقوق والاحتياجات الضرورية، مع تعرض كثير منهم للإصابة بأوبئة وأمراض مختلفة، وتعرضهم بصورة يومية لسلسلة انتهاكات وتعسفات حوثية.

انعدام الغذاء

أدى التدهور المستمر للأمن الغذائي لملايين اليمنيين إلى إعلان الأمم المتحدة عن تخصيص أكثر من خمسة ملايين دولار، لمعالجة تفاقم انعدام الأمن الغذائي في المديريات والمناطق الأكثر تضرراً في اليمن.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن (أوتشا) إنه تم إطلاق التخصيص الاحتياطي الأول للصندوق الإنساني لليمن بمبلغ 5.4 مليون دولار بهدف معالجة الارتفاع المتوقع في سوء التغذية نتيجة توقف توزيع المساعدات الغذائية على الأسر الضعيفة في 5 محافظات.

أسعار المواد الغذائية أصبحت باهظة الثمن بالنسبة للأسر الضعيفة في اليمن (الأمم المتحدة)

ويستهدف التخصيص توفير المساعدات الغذائية العاجلة والمنقذة للحياة لما مجموعه 267 ألف شخص في 34 مديرية تابعة لمحافظات الحديدة وحجة وريمة والضالع وتعز، حيث تُعدّ من المناطق ذات الأولوية التي تُظهِر أعلى تقارب في الاحتياجات بناءً على المؤشرات متعددة القطاعات.

وسيدعم هذا التخصيص توزيع إمدادات التغذية بقيمة 20 مليون دولار، المتوفرة بالفعل لدى «منظمة الأمم المتحدة للطفولة» و«برنامج الغذاء العالمي»، كما يأتي مكملاً لمنحة الاستجابة السريعة للصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ البالغة 7 ملايين دولار، التي تم إطلاقها في مارس (آذار) الماضي، لكي يبدأ البرنامج عملية توزيع المساعدات الغذائية العامة، قبل موسم العجاف.

وطبقاً لبيانات المكتب الأممي، تُعد محافظة حجة اليمنية في مقدمة المحافظات المستهدفة حيث خصص لها 2.1 مليون دولار، تليها الحديدة بمليونَي دولار، ثم الضالع (503.2 ألف دولار)، وريمة (452.8 ألف دولار)، وتعز (374.3 ألف دولار). أما بالنسبة للمستفيدين فإن غالبيتهم من الأطفال وبعدد 129 ألف طفل من الجنسين، تليهم النساء بـ103.7 ألف، ثم الرجال 34.2 ألف.


مقالات ذات صلة

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

العالم العربي الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

تكثف الحكومة اليمنية تحركاتها في واشنطن لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، مع التركيز على تمكين السلطات المحلية، وإصلاح الاقتصاد، ومعالجة أزمة المياه الحادة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تتصاعد الاشتباكات بين نافذين حوثيين، بالتوازي مع تزايد جرائم القتل المرتبطة بخلافات تهدد بتفكك سيطرة الجماعة وتراجع واضح في قدرة مؤسساتها على فرض الهيمنة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تتصاعد الاشتباكات بين نافذين حوثيين، بالتوازي مع تزايد جرائم القتل المرتبطة بخلافات تهدد بتفكك سيطرة الجماعة وتراجع واضح في قدرة مؤسساتها على فرض الهيمنة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

الحكومة اليمنية تطالب بدعم مالي عاجل لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة المناخ، وسط تفاقم الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار ونقص التمويل الدولي

محمد ناصر (عدن)
مسلحون حوثيون خلال حشد للجماعة في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

العليمي يدعو إلى إنهاء التهديد الحوثي وليس احتواءه

اتهم العليمي الحوثيين بتهديد الملاحة وخدمة أجندة إيران داعياً لحسم الخطر، فيما هاجمت الجماعة المبعوث الأممي واتهمته بالانحياز، مقابل تحذيرات دولية من التصعيد.

«الشرق الأوسط» (عدن)

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.