قمة «الناتو» في واشنطن... ماذا وراء دعوة دول عربية؟

تبحث تطورات حربي غزة وأوكرانيا

قادة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بقمة فيلنيوس 2023 (رويترز)
قادة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بقمة فيلنيوس 2023 (رويترز)
TT

قمة «الناتو» في واشنطن... ماذا وراء دعوة دول عربية؟

قادة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بقمة فيلنيوس 2023 (رويترز)
قادة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بقمة فيلنيوس 2023 (رويترز)

تلتئم اجتماعات القمة السنوية الـ75 لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، الشهر المقبل، في واشنطن، وسط دعوة أميركية لحضور عربي موسع، تفتح تساؤلات حول سبب المشاركة، وجدواها في ظل توجه الحلف ضد روسيا، وتبايناته بشأن ملف غزة منذ اندلاع حربها قبل 9 أشهر.

خبراء تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، يرون أن الدعوة تفرضها توترات منطقة الشرق الأوسط المتصاعدة، وقد تحمل محاولة أميركية للاستقطاب، والظهور بمظهر أقوى للحلف أمام غريمتها روسيا، ويتوقعون أن يحافظ الوجود العربي حال مشاركته على دفع وقف الحرب في قطاع غزة للواجهة، دون فتح ملفات لنقاش إنشاء «الناتو» العربي أو قوات عربية بديلة بغزة، أو الانحياز للمعسكر الغربي على حساب موسكو في إطار سياسة الحياد العربية المنتهجة منذ بداية الحرب في فبراير (شباط) 2022.

قمة «الناتو» التي تستضيفها واشنطن بين التاسع إلى الحادي عشر من يوليو (تموز) ستبحث حرب غزة وحرب أوكرانيا، وفق صحيفة «فاينانشيال تايمز» الأميركية.

وذكرت الصحيفة أن الدول العربية التي دُعيت للمشاركة هي مصر والأردن وقطر وتونس والإمارات والبحرين، وتأتي الدعوة بينما يدعم حلف «الناتو» أوكرانيا في حربها ضد روسيا، بينما ينقسم كثير من أعضاء الحلف وشركائه بشدة بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة.

وتقف تلك الدول العربية على الحياد، ويعمل بعضها على تسهيل إجراء حوار روسي أوكراني، أو تنفيذ وساطات لتبادل أسرى بينهما، وسبق لدول عربية مثل الأردن والبحرين والإمارات أن شاركت قادتها في قمم سابقة منها.

وعادة ما يدعو حلف «الناتو» بعض شركائه لحضور اجتماعه السنوي، إلا أنه وفق الصحيفة الأميركية نفسها فإن «ضم بعض الدول العربية وإسرائيل إلى القمة هو وسيلة للولايات المتحدة لتوضيح قيمتها بوصفها قوة مجتمعية، وإظهار فوائد تحالفاتها المتعددة الأطراف».

وكانت الإدارات الأميركية تطمح عادة أن يدعم ذلك الحلف رؤية طويلة الأمد في بناء «نسخة ما من (الناتو العربي)»، وفق ما نقلته الصحيفة نفسها، عن جوناثان لورد، مدير برنامج أمن الشرق الأوسط في مركز أبحاث الأمن الأميركي الجديد في واشنطن.

و«الناتو العربي» فكرة أميركية بوصفها نسخة عربية من حلف شمال الأطلسي، تراوح مكانها منذ سنوات، وسط أزمات دولية كثيرة، ومع حرب غزة بدأ إعلام غربي يتحدث عن ضرورة مشاركة قوات عربية بديلة لنظيرتها الفلسطينية بوصف ذلك مرحلة مؤقتة لإدارة القطاع.

استقطاب

وزير الخارجية المصري الأسبق، محمد العرابي، قال في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن «الناتو» له شق سياسي وعسكري، وتلك القمة على مستوى القادة، ويتوقع فيها مشاركة كبيرة ومتنوعة، متوقعاً أن تفرض توترات الشرق الأوسط نفسها فيها مع محاولة واشنطن استقطاب أكبر قدر من الحضور للظهور بمظهر أقوى.

ويستدرك: «لكن الدول العربية تقف على الحياد في أزمة أوكرانيا وروسيا، ولو تأكد الحضور العربي الموسع لكان في إطار بحث قضايا الشرق الأوسط خصوصاً ملف غزة، ولن تحمل المشاركة أي صور لأي انخراط واضح مع المعسكر الغربي ضد روسي».

ويُستبعد أن يطرح الحلف مناقشات بشأن تشكيل (ناتو عربي)، أو ما شابه في ظل توترات الشرق الأوسط، مؤكداً أن «الطرح سبق أن ظهر قبل سنوات وفشل، وسيفشل حال طرحه مجدداً».

غزة تفرض نفسها

عضوة المجلس المصري للشؤون الخارجية، وأستاذة العلاقات الدولية، في جامعة القاهرة، نورهان الشيخ، ترى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «دعوة شركاء عرب لقمة (الناتو) أمر وارد، وليست خارج السياق أو استثنائية، وتربط بين الدول التي بينها وبين الحلف شراكات وترتيبات مشتركة، وتتكرر في قمم أخرى مثل قمة (السبع) وغيرها».

وتستدرك: «لكن في ظل الظروف الإقليمية، فإن تلك الدعوة الاعتيادية تحمل دلالة هامة خاصة، ومن المدعوين مصر وقطر وهما على وجه التحديد من تتوليان الوساطة بحرب غزة»، متوقعة أن تفرض توترات الشرق الأوسط نفسها وتحديداً ما يحدث في غزة وجنوب لبنان على أجندة القمة، بجانب حرب أوكرانيا والموقف من الصين. وتستبعد أن تجد مبادرتا «الناتو العربي» أو مشاركة قوات عربية بغزة، ترحاباً عربياً من المشاركين ولا من فلسطين ولا إسرائيل نفسها، مستدركة: «لكن من الوارد أن تُطرح تلك المبادرات في سياق مباحثات، وليس ضرورياً حدوث توافق بشأنها». وترى أن إعلان الدول العربية حيادها في أزمة أوكرانيا لا يمنعها من المشاركة بوصفها شريكاً للولايات المتحدة ولديها مصالح معها، مشيرة إلى أن تلك الدول تشارك في محافل روسية وصينية، وموقفها الحيادي لم يمنعها من ذلك.

توسيع النقاشات

أما الأميركية المتخصصة في الشؤون الدولية، إيرينا تسوكرمان، فقالت إن الدعوة تأتي في سياق توسيع واشنطن نطاق المناقشات لتشمل الدول غير الغربية - الجنوب العالمي، ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وغيرها، لأن النقاش الشامل يمكن أن يساعد في التغلب على بعض الانقسام بين حلف شمال الأطلسي وبقية العالم.

«الولايات المتحدة أدركت أنها ستستمر في خسارة العالم العربي لصالح جهات فاعلة وتأثيرات أخرى في إنشاء تحالفات ومواثيق ومشاريع مشتركة»، وفق تسوكرمان.

وترى تسوكرمان أن «مصر تلعب دوراً رئيسياً بوصفها وسيطاً في أزمة غزة، ويبدو أن مصر والإمارات اتفقتا على لعب دور في مرحلة ما بعد غزة. مثل هذه الاجتماعات تعالج القضايا المشتركة بطريقة موجهة نحو الحلول؛ ما يساعد في التغلب على بعض الانقسامات الإقليمية التي هزت العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، وأيضاً بين الدول العربية والولايات المتحدة».


مقالات ذات صلة

فرنسا وألمانيا أخفقتا في الاتفاق على تصنيع الطائرة القتالية من الجيل السادس

أوروبا طائرات مقاتلة من طراز رافال على سطح حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال جولة إعلامية في قاعدة تشانغي البحرية في سنغافورة 4 مارس 2025 (أ.ف.ب)

فرنسا وألمانيا أخفقتا في الاتفاق على تصنيع الطائرة القتالية من الجيل السادس

نكسة أوروبية على طريق بناء صناعات دفاعية مشتركة بسبب إخفاق فرنسا وألمانيا في الاتفاق على تصنيع الطائرة القتالية من الجيل السادس.

ميشال أبونجم (باريس)
الخليج وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد (تصوير: تركي العقيلي)

وزيرة الخارجية السويدية لـ«الشرق الأوسط»: نعلن تضامننا الكامل مع السعودية في الظروف الصعبة

أعلنت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد، تضامن بلادها الكامل مع السعودية في الظروف التي تخيّم على المنطقة، والتي وصفتها بالصعبة.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
العالم ضابط يمسك بالعلم الروسي قبل حفل ترحيب يقيمه الرئيس الصيني شي جينبينغ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين... خارج «قاعة الشعب الكبرى» في بكين بالصين يوم 8 يونيو 2018 (رويترز) p-circle

تقرير استخباراتي يكشف كيفية مساعدة الصين لبوتين في أوكرانيا

تكشف وثائق استخباراتية عن تعاون عسكري صيني - روسي متنامٍ، يشمل تدريب الجنود، وتبادل الخبرات والأسلحة، وسط الحرب في أوكرانيا...

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية جانب من احتفال أقيم في أثينا في 14 مايو الماضي بمناسبة دخول مسيّرتين عموديتين من طراز «في - بي إيه تي» أميركية الصنع الخدمة بالقوات البرية اليونانية (موقع ديفنس تورك)

تركيا تراقب أنشطة التسلح اليونانية بعد الحصول على مسيّرات أميركية

أعلنت تركيا أنها تراقب من كثب التسارع الأخير في أنشطة التسلح والمبادرات العسكرية في المنطقة من جانب اليونان وقبرص.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا الجنرال أليكسيس غرينكويتش (رويترز)

«مع تراجع دورها»... أميركا تطلب من أوروبا وكندا تعزيز قوات «الناتو» الجوية والبحرية

أعلن ‌القائد العسكري في سلاح الجو الأميركي أن أميركا تتوقع من حلفائها الأوروبيين في «الناتو» وكندا أن يزيدوا بسرعة عدد الطائرات والسفن التي يساهمون بها بالحلف.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)

بعد أيام من التجاهل والإنكار، أقرَّت الجماعة الحوثية بأزمة الوقود المغشوش الذي انتشر في مناطق سيطرتها وتسبب بخسائر كبيرة لملاك السيارات والمركبات، وحوادث هدَّدت حياة مئات المتنقلين وسلامتهم، وأثار غضب السكان وتهكمهم، وسط أزمة مالية دفعت الجماعة إلى ممارسات تشدد الخناق على المستثمرين والسكان.

وأقرَّت شركة النفط التابعة للجماعة الحوثية بوجود شكاوى واسعة تتعلق بأعطال أصابت مركبات بعد تعبئة الوقود، وزعمت أن فِرقاً فنية تابعة لها باشرت سحب عينات من المحطات وإخضاعها للفحص المخبري، إلا أنها فسرت التلوث بظروف النقل والتفريغ والتخزين، قبل أن تعود لادعاء تسبب الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية به.

ونشر عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو لتوقف سياراتهم وتعطلها في الطرقات، وكانت أغلبية الشكاوى من متنزهين تنقلوا لمسافات طويلة أيام عيد الأضحى، واضطروا إلى استئجار سيارات لإعادتهم وعائلاتهم إلى المنازل واستقدام فنيين لإصلاح السيارات.

وعلى الرغم من أن شركة النفط التابعة للحوثيين تحدثت عن إخضاع الوقود المستورد للفحص قبل السماح بتوزيعها في الأسواق، واتخاذ إجراءات احترازية لضمان سلامته، فإن مستخدمي وملاك السيارات والمركبات أعادوا التذكير بأزمة مشابهة خلال العام الماضي.

وظهرت تلك الأزمة بعد فرض الولايات المتحدة حظراً على وصول الوقود إلى ميناء الحديدة، الذي تسيطر عليه الجماعة، بعد تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية، وفرضت عقوبات على عدد من قادتها، ورغم اعتراف الجماعة حينها بوجود الوقود المغشوش، فإنها تنصلت من المسؤولية عن انتشاره.

تبريرات غير مقبولة

جاء في تبريرات الشركة الخاضعة للحوثيين، أخيراً، أن خزاناتها النفطية تعرضت للتدمير الكامل من جراء غارات أميركية وإسرائيلية؛ ما أدى إلى اضطرارها إلى استخدام خزانات أخرى لا تسمح بترسب الشوائب وتنقية الوقود.

يمني يلجأ لتفريغ الوقود الحوثي المغشوش من خزان سيارته (إكس)

وكان عدد من القادة الحوثيين نفوا، خلال الأيام الماضية، وقوع هذه الأزمة، قبل أن يعاود بعضهم الحديث عنها بوصفها تستهدف الجماعة والإساءة إليها.

وحاول القيادي نصر الدين عامر، المُعيَّن في منصب رئيس مجلس إدارة النسخة الحوثية من وكالة «سبأ»، تخفيف الغضب الشعبي بزعم تعرض سيارته لعطل واضطراره إلى نزع خزان الوقود، مدعياً أن هذه الحالات نادرة وليست بذلك القدر من الانتشار كما يجري الحديث في أوساط المجتمع، وقال إن سيارات معارفه لم تتعطل رغم تعبئتها بالوقود من المحطة ذاتها التي يشتري منها الوقود.

وعلق، فكري، وهو أحد فنيي السيارات، على مزاعم عامر بأنه شخصياً فحص وحاول إصلاح أكثر من 20 سيارة في ورشة يعمل بها في العاصمة المختطفة صنعاء خلال الفترة منذ ما قبل العيد، واتضح أن غالبيتها تعرضت لأعطال بسبب رواسب خطيرة تؤثر على كفاءة محركاتها.

وفسّر فكري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» عدم تعرض جميع السيارات للأعطال نفسها، بأن الأمر لا يعود إلى وجود كمية قليلة من الوقود المغشوش، بل إلى أن غالبية السيارات الحديثة، وأغلبها صغيرة الحجم وخفيفة الوزن، تعمل بقطع ومعدات حساسة لا تستطيع مقاومة التلوث، ويمكن لأي رواسب أن تتسبب بأعطال فيها.

وعلى العكس من ذلك، فإن السيارات التي تنتمي إلى طرازات مشهورة بالقوة والصلابة تستطيع محركاتها التعامل مع التلوث ومقاومته إلى حد كبير، إلا إذا كانت نسبته كبيرة أو جرى استخدامه فيها لوقت طويل.

أزمات مترابطة

يرى خبراء ومراقبون أن أزمة الوقود المغشوش مرتبطة بالأزمة المالية التي تحاصر الجماعة الحوثية منذ أشهر بسبب تداعيات العقوبات الدولية المفروضة عليها وممارساتها التي خنقت الأنشطة الاقتصادية في مناطق سيطرتها.

يمني تعرَّضت سيارته لحادث بعد توقفها وسط الطريق بسبب الوقود الحوثي المغشوش (إكس)

من جهته، فسّر فؤاد المقطري، وهو باحث اقتصادي يمني، عودة الوقود المغشوش للانتشار في مناطق سيطرة الحوثيين بالأزمة المالية التي تعانيها الجماعة؛ وهو ما اضطرها إلى استيراد وقود رخيص غير مرغوب فيه، أو اللجوء إلى تسويق كميات من الوقود المغشوش الذي يُحتمل أنها تحتفظ به منذ سنوات.

وأوضح الباحث لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة منذ سنوات أعلنت عن ضبط ومصادرة كميات كبيرة من الوقود المغشوش، ولم تصرح عن كيفية تعاملها معها، مرجحاً أن تكون خزَّنتها تحسباً لأي أزمات تواجهها، مثل الأزمة المالية الحالية.

وحذَّر من أن ممارسات الجماعة ستؤدي إلى المزيد من تراجع الأنشطة التجارية بفعل تراجع القدرة الشرائية للسكان واتساع رقعة البطالة، إلى جانب ما تسببت به العقوبات المفروضة عليها من تقييد لمصادر التمويل.

العقوبات على الحوثيين أسهمت في التضييق على مواردهم المالية (رويترز)

وتواجه الجماعة الحوثية أزمة مالية متفاقمة دفعتها إلى تكثيف إجراءات الجباية وفرض رسوم وأعباء مالية جديدة على التجار ورجال الأعمال في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بعد تراجع الموارد المالية وتباطؤ النشاط الاقتصادي والتجاري، حسب موقع «أتليار» الإسباني.

وكشف الموقع عن أن الجماعة نفذت خلال الفترة الأخيرة حملات واسعة لتحصيل أموال من الشركات والتجار تحت مسميات مختلفة، بعد حملات مماثلة سبقت موسم عيد الأضحى، شملت مطالبات بتقديم مساهمات نقدية وعينية.

وحسب مصادر نقل عنها الموقع، فإن الكثير من التجار ورجال الأعمال يشكون من تزايد الرسوم والالتزامات المالية المفروضة عليهم خلال السنوات الماضية؛ ما دفع العديد منهم إلى تقليص أنشطتهم أو نقلها إلى مناطق أخرى.


«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
TT

«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)

في وقت يقترب فيه بعض المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين من مستويات كارثية من الجوع، وتزداد فيه حاجة ملايين السكان إلى المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، تحولت حملة الاعتقالات التي شنتها الجماعة المتحالفة مع إيران ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية، إلى أحد أبرز العوامل التي عمّقت الأزمة الإنسانية وأعاقت وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

فبعد سنوات من النزاع والانهيار الاقتصادي، بات العمل الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة القيود المتزايدة والتدخلات المستمرة في أنشطة المنظمات الدولية والمحلية، وصولاً إلى حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت عشرات الموظفين والعاملين في المجال الإغاثي تحت مزاعم أمنية واتهامات بالتجسس.

وبينما كانت المساعدات الإنسانية تمثل شريان حياة لملايين السكان في شمال اليمن، أسهمت هذه الإجراءات في تعطيل جزء كبير من العمليات الإغاثية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أوضاع الأمن الغذائي في مناطق تعاني أصلاً من الفقر وانعدام مصادر الدخل وارتفاع معدلات الاحتياج.

وقبل تصاعد الأزمة الأخيرة، كان نحو 3 ملايين شخص في مناطق سيطرة الحوثيين، يحصلون على مساعدات غذائية منتظمة رغم التراجع الحاد في التمويل الدولي المخصص لليمن، غير أن الخلافات المتعلقة بآليات توزيع المساعدات والتدخلات الحوثية في عمل المنظمات الإنسانية، أدت إلى تراجع نشاط كثير من البرامج الإغاثية.

المنظمات الإنسانية رصدت جيوب مجاعة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

ومع حملة المداهمات والاعتقالات التي طالت مكاتب الأمم المتحدة وعدداً من المنظمات الدولية والمحلية في صنعاء ومناطق أخرى، دخل العمل الإنساني مرحلة جديدة من التعقيد، حيث اضطرت منظمات عديدة إلى تقليص عملياتها أو تعليقها بشكل كامل، ما أدى إلى حرمان ملايين المحتاجين من المساعدات المنقذة للحياة.

ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن القيود المفروضة على المنظمات جعلت الوصول إلى المجتمعات الأشد ضعفاً أكثر صعوبة من أي وقت مضى، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تدهور الأوضاع المعيشية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي.

قمع الإغاثة

ترى منظمات حقوقية دولية؛ بينها «منظمة العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش» ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن الحوثيين حوّلوا تهم «التجسس» إلى أداة لقمع العاملين في المجال الإنساني، وتبرير حملات الاعتقال التي استهدفت أكثر من 100 موظف وعامل إغاثة خلال العامين الماضيين.

وبحسب هذه المنظمات، فإن استمرار احتجاز العاملين الإنسانيين لم يقتصر تأثيره على الضحايا وأسرهم؛ بل انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات على تنفيذ برامجها والوصول إلى الفئات المحتاجة، الأمر الذي فاقم الأزمة الإنسانية في مناطق سيطرة الجماعة.

كما أشارت المنظمات الدولية إلى أن عدداً محدوداً فقط من المحتجزين أُفرج عنهم، فيما لا يزال عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية رهن الاحتجاز، وسط مخاوف متزايدة بشأن ظروف احتجازهم ومستقبل عمل المنظمات في تلك المناطق.

وربطت المنظمات الحقوقية بين حملة الاعتقالات وتدهور الوضع الغذائي في شمال اليمن، مشيرة إلى التحذيرات المتكررة الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة بشأن تفاقم مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الفترة الحالية.

العشرات من العاملين الإغاثيين اعتقلهم الحوثيون ما تسبب في عرقلة المساعدات (إعلام محلي)

وتقول هذه المنظمات إن تعطيل العمل الإنساني جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد البلاد تراجعاً مستمراً في التمويل الدولي، خصوصاً بعد تقليص مساهمات بعض الجهات المانحة الرئيسية، الأمر الذي قلص قدرة المنظمات على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وفي ظل هذا الواقع، رصدت المنظمات الإنسانية جيوباً من المجاعة في عدد من المناطق، بينما تواجه ملايين الأسر صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والخدمات الأساسية، ما يهدد بدفع مزيد من السكان إلى مستويات أشد خطورة من الجوع وسوء التغذية.

ويؤكد العاملون في المجال الإنساني أن استمرار القيود المفروضة على المنظمات سيجعل الاستجابة الإنسانية أكثر هشاشة، خصوصاً مع تزايد أعداد المحتاجين وتراجع الموارد المتاحة لتغطية الاحتياجات الأساسية.

مخاوف على المحتجزين

مع امتلاك الحوثيين سجلاً حافلاً بانتهاكات حقوق الإنسان بحق المعتقلين، تتزايد المخاوف المحلية والدولية بشأن مصير العاملين الإنسانيين المحتجزين، خصوصاً بعد وفاة أحد موظفي برنامج الأغذية العالمي أثناء احتجازه لدى الجماعة في فبراير (شباط) 2025.

وتؤكد المنظمات الحقوقية أن كثيراً من المحتجزين تعرض للاختفاء القسري لفترات طويلة، واحتُجزوا دون إجراءات قانونية سليمة، فيما حُرم بعضهم من الرعاية الصحية ومن التواصل مع محامين أو أفراد أسرهم.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (إعلام محلي)

كما تشير إلى أن الحوثيين يواصلون منذ سنوات توجيه اتهامات بالتجسس والتآمر للعاملين في المجال الإنساني والنشطاء والصحافيين والمعارضين، واستخدام هذه الاتهامات لتبرير حملات القمع وإصدار أحكام مشددة بحق بعض المعتقلين.

ودعت المنظمات الحقوقية، الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، إلى تبني موقف أكثر حزماً للضغط على الحوثيين من أجل الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفياً، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية والمساعدة القانونية، ووقف القيود المفروضة على المنظمات الإنسانية، بما يسمح بوصول المساعدات إلى ملايين اليمنيين الذين يواجهون خطر الجوع في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


«مهمة ثقيلة» تنتظر نبيل فهمي في الجامعة العربية

اجتماع سابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة (الجامعة)
اجتماع سابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة (الجامعة)
TT

«مهمة ثقيلة» تنتظر نبيل فهمي في الجامعة العربية

اجتماع سابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة (الجامعة)
اجتماع سابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة (الجامعة)

يُبدي المرشح الجديد لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، السفير نبيل فهمي، تفاؤلاً ورغبة كبيرة في إحداث تغيير بمنظومة الجامعة عبر خطط واعدة لتطوير العمل العربي المشترك، لكن دبلوماسيين وخبراء يرون أن أمامه «مهمة ثقيلة منتظرة» بالنظر إلى التحديات الصعبة التي تواجهها الجامعة والمنطقة العربية كلها في الوقت الحالي.

ومن المنتظر أن يتولى الدبلوماسي المصري المخضرم منصبه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، عقب انتهاء ولاية الأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط في آخر يونيو (حزيران) الحالي، وذلك بعد أن أقر مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية بالإجماع، نهاية مارس (آذار) الماضي، ترشيحه، ورفع توصية إلى القمة العربية المقبلة لاعتمادها.

السفير نبيل فهمي الذي سيتولى منصبه أميناً عاماً للجامعة العربية الشهر المقبل (صفحته على فيسبوك)

والدفاع عن كيان الجامعة العربية نفسه، وتوفير التمويل اللازم، من أول التحديات التي تواجه فهمي، وسط تساؤلات عن «جدوى المنظمة»، وعجز مالي مزمن ناجم عن تخلف أو تأخر غالبية الدول الأعضاء عن سداد حصصها المقررة في الموازنة السنوية؛ ما دفع الأمانة العامة للاقتراض من الاحتياطي النقدي لدفع رواتب الموظفين، وتسيير الأعمال، وفق ما تشير تقارير الأمانة العامة.

أزمة التمويل

تبلغ ميزانية الجامعة نحو 60 مليون دولار سنوياً، يذهب قرابة 90 في المائة منها لتغطية رواتب الموظفين ونفقات التشغيل. وتتحمل دول الخليج الحصة الكبرى من هذه الميزانية، حيث يبلغ الحد الأعلى لمشاركة الدولة الواحدة 14في المائة.

وشكا أبو الغيط مراراً من عدم سداد عدد من الأعضاء مساهماتهم في تمويل المنظمة، وحذر من تجميد أنشطة بالجامعة.

ويُرجع الأكاديمي والمحلل السياسي القطري، الدكتور عبد الله الخاطر، أزمة تمويل الجامعة إلى انشقاقات الصف العربي، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ما تمر به المنطقة من خلافات في قضايا مصيرية أدى لعزوف عدد من الأعضاء عن تمويل «كيان غير مفيد في نظرهم»، على حد قوله.

وأضاف: «حينما يستعيد الأمين العام للجامعة ثقة الدول الأعضاء في أهميتها وفائدتها ستُحل أزمة التمويل بكل سهولة، وسيلتزم الأعضاء بدفع حصصهم في الميزانية وكذلك المتأخرات».

ويتوقع عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد حسن، أن «تدفع التحديات الحالية الدول الأعضاء لتوحيد الصف داخل الجامعة بشكل أكبر من ذي قبل استشعاراً بخطورة اللحظة، وهو ما قد يقود لحل مسألة التمويل».

بينما يطالب أستاذ العلوم السياسية والاستراتيجية بالرياض، الدكتور محمد بن صالح الحربي، بـ«إعادة ضبط الشؤون المالية، وتشكيل لجنة مراقبة مالية قوية، مع تقليص أعداد الموظفين والهيئات التابعة للجامعة».

السفير نبيل فهمي خلال لقائه مندوب اليمن لدى جامعة الدول العربية الشهر الماضي (صفحة فهمي على فيسبوك)

هيكل إداري متضخم

في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، لفت الحربي إلى أهمية إعادة هيكلة المنظومة كلها، مؤكداً أن الجامعة «باتت أقرب إلى جهاز بروتوكولي منها إلى منظمة إقليمية فاعلة»، ومن ثم يعتمد نجاح الأمين العام الجديد في رأيه على «قدرته على تفكيك البيروقراطية، وتقليص الهياكل، وهيكلة الجهاز الإداري، وخلق مركز ثقل عربي داخل المؤسسة».

وتتعدد المنظمات والهياكل التابعة للجامعة، والتي تعمل كأذرع فنية وبيوت خبرة في مجالات اقتصادية واجتماعية وثقافية مختلفة، ويبلغ عددها نحو 14 منظمة متخصصة، إضافة إلى اتحادات ومؤسسات تمويلية تهدف إلى تعزيز العمل العربي المشترك، مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، ومنظمة العمل العربية، والهيئة العربية للطاقة الذرية، واتحاد إذاعات الدول العربية... وغيرها.

ويرى المحلل القطري الخاطر أن هناك «فرصة تاريخية» أمام فهمي ليحوّل جميع المنظمات التابعة للجامعة إلى «جسور تواصل وتعاون بين الدول الأعضاء وشعوبها، وخلق قناعة بأهمية دور الجامعة في ظل هذا الوضع الحساس الذي تمر به المنطقة».

الدبلوماسية الهادئة

وأمام فهمي مهمة عاجلة لتقريب التباينات العربية، والتي اتسعت في السنوات الأخيرة بسبب الصراعات الدائرة في المنطقة، خصوصاً في السودان واليمن وليبيا وغزة وإيران، بما يمكّن الجامعة من اتخاذ القرارات.

وتصدر القرارات إما بالإجماع وإما بالأغلبية، وفق ميثاق الجامعة. ويعتقد أستاذ العلوم السياسية بالجزائر، الدكتور حسام حمزة، أنه «في ظل الخلافات الكبيرة بين الكثير من أعضاء الجامعة، فإن فهمي لن يستطيع إرضاء الجميع، وهذا يعني أنه سيضطر إلى الاختيار بين الفاعلية والتوافق بين الأعضاء بما يحمله كل خيار من تكلفة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تنافس على النفوذ يجري خارج الجامعة؛ فالدول العربية، لا سيما الكبرى منها، طوّرت مسارات وممرات دبلوماسية خاصة تتجاوز الجامعة، كما أن هناك تناقضات مصالح حقيقية بين بعض الدول، خصوصاً في ملفات مثل ليبيا والسودان ولبنان واليمن».

ويقترح للتغلب على هذه الأوضاع «إعادة تأطير دور الجامعة من صاحبة القرار إلى منصة للتنسيق، مع تفعيل الدبلوماسية الهادئة في الملفات التي لا تُحلّ بالتصريحات، وأخيراً إعادة ترتيب العلاقة مع المنظمات الإقليمية الأفريقية والإسلامية لبناء ثقل تفاوضي عربي أكبر أمام القوى الدولية».

بناء آلية مرنة

وفور ترشيحه، أصدر فهمي بياناً وصف الإجماع على ترشيحه بأنه «مسؤولية كبيرة» بالنظر إلى «ما تواجهه الأمة من تحديات غير مسبوقة»، مؤكداً أن المنطقة تتعرض لـ«مخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي».

ويرى الحربي أن الجامعة العربية «لا تملك قراراً تنفيذياً محوكماً أو مستقلاً»، مضيفاً أنه «ما دامت القرارات غير ملزمة، والإجماع شرطاً معطلاً، ستظل المؤسسة تدور في حلقة مفرغة، وتتحول عملياً إلى جامعة علاقات عامة تصدر بيانات أكثر مما تصنع سياسات».

وطالب بـ«إعادة تعريف دور الجامعة، وبناء آلية قرار عربية مرنة، واستعادة ثقة الرأي العام العربي».

ولا تعني السلاسة التي جرى بها اختيار نبيل فهمي وطموحاته الكبيرة لقيادة الجامعة العربية أن «هناك توافقاً عربياً على تعظيم دور الجامعة خلال المرحلة المقبلة»، وفق الباحث السياسي المتخصص في الشؤون العربية والدولية محمد أبو الفضل، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأداء سيكون محكوماً بحاصل جمع المواقف العربية والتباينات التي تخيم عليها».

ورجح أن تتركز أولوية فهمي على القضايا الإقليمية الجماعية، والتعامل مع تداعيات الحرب الإيرانية، وأن يعمل على تفكيك الأزمات الداخلية التي تعصف بدول مثل السودان وليبيا واليمن والصومال... وغيرها، وأن يبتعد إلى حد ما في البداية عن التباينات العربية في هذه الأزمات.