تحذيرات ليبية من «تسييس» القضاء والعبث باستقلاليته لأسباب «جهوية»

«اجتماع لندن» يشدد على توحيد المؤسسة تمهيداً للانتخابات

قضاة ليبيون يتوسطهم المستشار عبد الله أبو رزيزة رئيس المحكمة العليا في ليبيا (حساب المجلس الأعلى على «فيسبوك»)
قضاة ليبيون يتوسطهم المستشار عبد الله أبو رزيزة رئيس المحكمة العليا في ليبيا (حساب المجلس الأعلى على «فيسبوك»)
TT

تحذيرات ليبية من «تسييس» القضاء والعبث باستقلاليته لأسباب «جهوية»

قضاة ليبيون يتوسطهم المستشار عبد الله أبو رزيزة رئيس المحكمة العليا في ليبيا (حساب المجلس الأعلى على «فيسبوك»)
قضاة ليبيون يتوسطهم المستشار عبد الله أبو رزيزة رئيس المحكمة العليا في ليبيا (حساب المجلس الأعلى على «فيسبوك»)

تتكاثف الجهود الدولية والمحلية في ليبيا لإنهاء حالة الانقسام القضائي باعتباره الركيزة الأساسية والشرط الأول لإنجاح العملية الانتخابية المرتقبة، واستعادة الاستقرار السياسي؛ إذ شهدت الساعات الأخيرة تحركات متوازية بين مسار أممي في العاصمة البريطانية لندن، وموقف قضائي حاسم ورافض للتشظي من الداخل الليبي.

وحذرت الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية من أي عمليات «تسييس» للمؤسسة لحسابات جهوية، مؤكدة أن «احترام استقلال القضاء وتنفيذ أحكامه وقراراته دون استثناء هما الركيزتان الأساسيتان لدولة القانون»، مبرزة أن العبث بالمؤسسة القضائية لأسباب سياسية أو جغرافية «يُعد جريمة في حق العدالة».

وأبدت الجمعية رفضها المطلق لاستمرار «حالة انقسام السلطة القضائية»، وعدّت ذلك «خرقاً جسيماً لمبدأ وحدة العدالة الذي لا يمكن القبول به»، ورأت أن «احترام استقلال القضاء وتنفيذ أحكامه وقراراته كافة هما الركيزتان الأساسيتان لدولة القانون».

اجتماع لجنة «4+4» الليبية في لندن يوم 28 أكتوبر (البعثة الأممية)

وتعود جذور هذا الانقسام إلى أكثر من ثلاثة أعوام، حينما أقر مجلس النواب حزمة قوانين، تتعلق بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء؛ وتضمنت تعديلات جوهرية ومنح البرلمان سلطة اختيار رئيس المجلس، إلى جانب استحداث محكمة دستورية مستقلة، وهي خطوات فجرت جدلاً واسعاً وطعناً في الأوساط السياسية والقضائية.

وسبق أن أعربت الأمم المتحدة، على لسان مبعوثتها هانا تيتيه، عن «قلق بالغ حيال التداعيات الخطيرة للانقسام المؤسسي على وحدة المنظومة القانونية في ليبيا»، وحذّرت خلال إحاطة سابقة أمام مجلس الأمن «من مخاطر صدور أحكام قضائية متضاربة، واتخاذ قرارات أحادية الجانب، تفضي إلى حالة من الفوضى التشريعية».

ونوهت تيتيه بأن هذا الوضع المنقسم «قد ينذر بظهور أنظمة قانونية موازية، تُقوّض ثقة المواطنين في سيادة القانون، وتلقي بظلال سلبيّة تهدد نجاح أي استحقاقات انتخابية مستقبلية».

وحرصاً على «طي صفحة الانقسام وتوحيد الرؤى»، دعت الجمعية إلى عقد «مؤتمر وحدة القضاء»، واقترحت أن يكون في مدينة سرت، لأنها تتوسط البلاد وترمز إلى وحدتها، ورأت أنه سيكون فرصة لالتقاء كبار رجال القضاء والمسؤولين القضائيين، والسلطات التشريعية واللجان المنبثقة عنها، وكل من يسعى حقاً إلى وحدة القضاء.

ورأت الجمعية أن المؤتمر قد يخرج بـ«ميثاق وحدة القضاء»، والتوافق حول مشروع قانون نظام قضاء نابع من داخل السلطة القضائية، مع عدم تجاهل أي جهود محلية أو دولية في هذا الصدد.

ومع التأكيد أن «تجاهل إرادة المؤسسة القضائية ومنتسبيها، وعدم إشراكها في أي قانون ينظمها يجعل كل المحاولات قاصرة ويجعلانها عرضة للتعثر والفشل»، واختتمت الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية بيانها بالتأكيد على المضي قدماً وبثبات لحماية القضاء واستقلاله وضمان وحدته، بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن، دون تفريق بين شرق وغرب.

المبعوثة الأممية تيتيه تتوسط أعضاء لجنة «4+4» الليبية في لندن بحضور نائبتها ستيفاني خوري يوم 28 أكتوبر (البعثة الأممية)

وتعيش ليبيا وضعاً غير مسبوق، يلقي بظلاله على المؤسسة القضائية، إثر تنازع جهتين على إدارة المجلس الأعلى للقضاء؛ إذ تتمركز الأولى في طرابلس، وترتبط بالمحكمة العليا برئاسة عبد الله أبو رزيزة، فيما تعتمد الثانية، برئاسة مفتاح القوي، على دعم مجلس النواب، وتواصل عملها عقب إعلانها نقل بعض الإدارات التابعة للمجلس مؤقتاً إلى بنغازي، نتيجة أسباب أرجعتها إلى «القوة القاهرة».

وسعياً إلى إنهاء انقسام مؤسسة القضاء، التي ظلت موحدة إلى وقت قريب، عقد أعضاء اللجنة الليبية «4+4» في لندن، برئاسة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه، اجتماعاً لمتابعة تنفيذ الاتفاق الموقع في نهاية أغسطس (آب) الماضي، واستكمال النقاشات حول القضايا والترتيبات الضرورية لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

وخلال الاجتماع شدد الحاضرون على «الأهمية البالغة التي يكتسيها توحيد السلطة القضائية في تنظيم انتخابات ناجحة ذات مصداقية، يقبل الجميع نتائجها»، مؤكدين الاحترام التام لحياد المؤسسة القضائية واستقلالها، وقرروا توسيع المشاورات مع مختلف مكونات أسرة القضاء للوصول إلى حلول تضمن اضطلاع مؤسسة قضائية موحدة بدورها في إنجاح العملية الانتخابية».

وانتهت اللجنة إلى التأكيد على مواصلة انخراطها مع كل الفاعلين السياسيين «لحشد الدعم لاتفاق 30 أغسطس من أجل الوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية وفق ما تم الاتفاق عليه»، واتفقوا على الاجتماع مجدداً في غضون أسبوعين.

ويُمثل اتفاق «4+4»، الموقّع برعاية أممية بين ممثلين عن شرق ليبيا وغربها، خريطة طريق سياسية، تهدف إلى إنهاء الانسداد السياسي والتمهيد لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً.

وينص الاتفاق على حسم النقاط الخلافية في القوانين الانتخابية، بما فيها السماح لمزدوجي الجنسية والعسكريين بالترشح وفق ضوابط محددة، وإلغاء التلازم بين نواتج الانتخابات، بالإضافة إلى إعادة تشكيل مجلس إدارة جديد لمفوضية الانتخابات، والعمل على تشكيل حكومة موحدة تشرف على الاستحقاق الانتخابي.


مقالات ذات صلة

موازنة هيلي توازن بين تخفيف أعباء المعيشة والضبط المالي وسط تداعيات الحرب

الاقتصاد وزير الخزانة البريطاني جون هيلي خلال تقديمه الميزانية في مجلس العموم بلندن (أ.ف.ب)

موازنة هيلي توازن بين تخفيف أعباء المعيشة والضبط المالي وسط تداعيات الحرب

قدّم وزير الخزانة البريطاني جون هيلي، الأربعاء، أول موازنة له في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مشاة يسيرون في وسط لندن (رويترز)

تراجع مبيعات التجزئة في بريطانيا وانخفاض ثقة المستهلك خلال أكتوبر

تراجع معدل إنفاق المستهلكين البريطانيين حتى قبل القفزة في تكاليف المعيشة جراء ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منصات لحفارات نفط بريطانية قبالة السواحل الأسكوتلندية (غيتي)

بريطانيا توافق على مشروع للغاز قبالة سواحل أسكوتلندا رغم المخاوف البيئية

وافقت الحكومة البريطانية، الأربعاء، على مشروع للغاز الطبيعي قبالة سواحل أسكوتلندا، رغم اعتراضات جماعات معنية بحماية البيئة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير البريطاني ويليام يضرب كرة كريكيت خلال فعالية للترويج لجائزة «إيرث شوت» في لندن يوم 13 أكتوبر 2026 (أ.ب)

الأمير البريطاني ويليام يلعب الكريكيت أمام قصر بكنغهام للترويج لجائزة بيئية

حوّل الأمير ويليام شارع «ذا مول» في لندن إلى ملعب كريكيت مؤقت، بمشاركة نجوم دوليين، للترويج لجائزة «إيرث شوت» للحلول البيئية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية عامل في بلدية القدس يعلّق العلم الإسرائيلي بجوار العلم البريطاني بالقرب من مقر الرئاسة الإسرائيلية في القدس 25 يونيو 2018 (رويترز) p-circle

إعلام عبري: إسرائيل هددت بريطانيا بمقاطعة استخبارية بعد أزمة قنصلية القدس

نقلت وسائل إعلام عبرية أن بريطانيا تراجعت عن طرد دبلوماسيين إسرائيليين من لندن، بعد تهديدات إسرائيلية بـ«قطع التعاون الأمني الإسرائيلي مع المخابرات البريطانية».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

تساؤلات حول مصير «المبادرة الأميركية» في ليبيا

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً بولس كبير مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً بولس كبير مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (مكتب الدبيبة)
TT

تساؤلات حول مصير «المبادرة الأميركية» في ليبيا

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً بولس كبير مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً بولس كبير مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (مكتب الدبيبة)

تزداد التساؤلات داخل الأوساط السياسية الليبية حول مستقبل «المبادرة الأميركية» لحل أزمة البلاد، وذلك بعد تصريحات مسيئة وجهها الرئيس دونالد ترمب لليبيا، قبل أن يسارع للتراجع عنها.

وفي الوقت الذي يعكف فيه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس ترمب للشؤون العربية والأفريقية، على تفعيل مبادرة تهدف إلى إنهاء الانقسام السياسي والعسكري في ليبيا، تُثار تساؤلات داخل الأوساط السياسية حول آليات وسياقات استقباله في دولة كان ترمب قد وصفها بـ«القذرة».

وتساءلت عضوة «ملتقى الحوار السياسي» الليبي، الزهراء لنقي، عن أساس استقبال مبعوث لرئيس «يهين من يتوسط بينهم، وبأي مصداقية تُطرح مبادرة سلام لا تحترم كرامة الشعوب المعنية بها؟».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

«لا وساطة مع الاحتقار»

قالت لنقي عبر إدراج لها على موقع «فيسبوك» إن «احترام الشعوب شرط أخلاقي وسياسي لأي وساطة، ولا يمكن الفصل بين خطاب الوسيط ونهجه»، مضيفة: «لا سلام يُبنى على الإهانة، ولا وساطة تستقيم مع الاحتقار».

ورغم عدّ أصوات سياسية «تدوينة» ترمب اعتذاراً ضمنياً، فإنها لم تكن كافية لإنهاء الغضب تجاه الإدارة الأميركية وسياساتها في البلاد. ووصفها الدبلوماسي الليبي السابق، فرج زروق، بأنها «اعتذار سياسي وتراجع تكتيكي».

وفي هذا السياق، استبعد رئيس «المجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية»، الدكتور هاني شنيب، أن تتأثر المبادرة الأميركية بتصريح ترمب، الذي وصفه بـ«العشوائي»، والذي جاء في غمار حماس الحملة الانتخابية.

وقال شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن «غضب الشارع مجرد رد فعل مؤقت، والمسارات الاستراتيجية والمصالح أعمق بكثير من تصريح عنصري صدر عن الرئيس الأميركي».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومتين متنافستين: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وفي نهاية أغسطس (آب) الماضي، أعلنت البعثة الأممية اتفاق اللجنة المصغرة «4 + 4»، الذي ينص على تشكيل سلطة تنفيذية جديدة، تضم مجلساً رئاسياً وحكومة موحدة للبلاد، تمهد للانتخابات خلال عامين.

الرئيس الأميركي أدلى بتصريحات عدها الليبيون «مسيئة» (أ.ف.ب)

تنديد بتصريحات ترمب «المسيئة»

تشكك أصوات عدة، خصوصاً في الغرب الليبي، في أن اتفاق «4 + 4» يعد واجهة لتطبيق «المبادرة الأميركية»، التي يُتداول أنها تمنح صدام حفتر نائب رئيس المجلس الرئاسي، رئاسة المجلس الرئاسي، مع بقاء الدبيبة رئيساً للحكومة الموحدة، فيما لا تزال تلقى معارضة من أوساط مختلفة بغرب البلاد.

واتهم شنيب مناهضي المبادرتين الأممية والأميركية بـ«محاولة عرقلتهما بتأجيج الشارع، وتوظيف التصريحات للحفاظ على مكتسباتهم الراهنة في ظل وضعية الانقسام».

من جهته، سلّط المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، الضوء على «مسارعة الدبيبة وصدام حفتر، الطرفين المعنيين بالمبادرة الأممية والمسار الأممي، للتنديد بتصريحات ترمب المسيئة»، عادّاً أن تلك الخطوة «قطعت الطريق على أي محاولات للتشكيك في توجهاتهما، والحديث عن تعرضهما لضغوط، رغم ما يعرفه الجميع من تدخل أميركي واسع بالساحة الليبية».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وقال الدبيبة عبر «فيسبوك»: «ليبيا دولة ذات سيادة، ونرفض أي إساءة إليها أو إلى شعبها، الذي قدّم تضحيات كبيرة في محاربة الإرهاب»، فيما عدّ صدام حفتر أن ما صدر عن ترمب يعد «مستنكراً ومرفوضاً».

وأشار العبدلي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن النخب الليبية تدرك «تعدد دوائر صنع القرار في واشنطن، والأمر لا ينحصر في تصريحات رئيس يُعرف بتهوره». موضحاً أن «ليبيا دولة مهمة بالمنطقة، وأن مستشاري الرئيس يدركون ذلك، ولذا أقنعوه بالتراجع تفادياً لتأثيرات سلبية قد تطول الصفقات النفطية، ومبادرة بولس للتسوية، أو تخلق حالة توتر بين الشعب والوجود الدبلوماسي الأميركي».

ويرى العبدلي أن «انعقاد اجتماع لجنة (4 + 4) في بريطانيا الأربعاء الماضي، بحضور مسؤولين ودبلوماسيين دوليين وربما أميركيين، في إطار دعم المسار الأممي»، يعد أكبر دليل على عدم تأثر المسارات السياسية بتلك التصريحات.

ولم يبتعد المحلل السياسي، هشام سالم الحاراتي، عن الآراء السابقة، وعدّ أن تصريحات ترمب لن تؤثر على المبادرة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأصوات المعارضة ليست جزءاً من المفاوضات الجارية لحل الأزمة السياسية للبلاد، فلا يمكنها عرقلتها، ولا يمكنها أيضاً إيجاد رأي عام واسع يفرض ذلك».

وتوقع الحاراتي أن يقتصر الأمر «على محاولة إعادة الزخم للحراك الرافض للمبادرة إعلامياً». معرباً عن اعتقاده بأن «الأطراف الليبية المعنية بالمبادرة الأميركية والمسار الأممي لم توقف تواصلها ولقاءاتها مؤخراً، وإن جرت في الكواليس تخوفاً من إثارة الانتقادات، واستغلال الخصوم للأمر».


القضاء التونسي ينظر مجدداً في ملف «الجهاز السري» لحركة النهضة

رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي (إ.ب.أ)
رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي (إ.ب.أ)
TT

القضاء التونسي ينظر مجدداً في ملف «الجهاز السري» لحركة النهضة

رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي (إ.ب.أ)
رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي (إ.ب.أ)

قررت هيئة الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس، اليوم الخميس، تحديد جلسة 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل للنظر فيما يعرف بملف الجهاز السري لحركة النهضة.

وكانت الدائرة الجنائية قد أصدرت أحكامها في هذه القضية، التي تراوحت بين السجن مدى الحياة والسجن مدة 10 سنوات، إذ قضت المحكمة بإدانة المتهمين بارتكاب «جرائم تكوين وفاق إرهابي»، و«الانضمام إلى وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية، ووضع كفاءات وخبرات على ذمة وفاق إرهابي، وعلى ذمة أشخاص لهم علاقة بالجرائم الإرهابية»، وجرائم إرهابية أخرى منصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب.

وتراوحت الأحكام في هذه القضية بين السجن مدى الحياة مع 96 سنة سجناً بالنسبة إلى مصطفى خذر، والسجن مدى الحياة مع 76 سنة سجناً لرضا الباروني، والطاهر بوبحري، وكمال العيفي، وسبعة متهمين آخرين. كما قضت المحكمة أيضاً بالسجن مدى الحياة مع 50 سنة سجناً لفتحي البلدي، والسجن مدى الحياة مع 37 سنة سجناً لعبد العزيز الدغسني، والسجن مدى الحياة مع 32 سنة سجناً لكمال البدوي، والسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجناً لسمير الحناشي، والسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجناً لراشد الغنوشي.

وشملت هذه القضية، المصنّفة «إرهابية» 35 متهماً، من بينهم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي (موقوف)، ونائبه علي العريض (موقوف). إضافة إلى عدد من المسؤولين الأمنيين السابقين، فضلاً عن مصطفى خذر، المتهم فيما يُعرف بقضية «الغرفة السوداء».

شكري بلعيد (أ.ف.ب)

وأثير ملف هذه القضية مطلع سنة 2022، إثر شكوى قدمتها النيابة العمومية وفريق الدفاع عن السياسيَين الشهيدَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا عام 2013.

في غضون ذلك، انتقدت الحركة، أمس الأربعاء، الأحكام الصادرة بحق نائب رئيسها منذر الونيسي وقياديين آخرين بها، وذلك غداة إصدار المحكمة الابتدائية بتونس، مساء الثلاثاء، حكماً ابتدائياً بالسجن 9 أعوام بحق نائب رئيس حركة النهضة منذر الونيسي، بتهم تتعلق بـ«الإرهاب»، وفق وكالة الأنباء التونسية الرسمية.

كما قضت المحكمة بالسجن لمدة 25 عاماً مع النفاذ العاجل بحق المتهمين بحالة فرار، الطاهر بوبحري (قيادي بالنهضة)، ورفيق بوشلاكة (وزير الخارجية الأسبق)، وشهرزاد عكاشة (صحافية)، وفتحي العيادي (قيادي بالنهضة)، ومعاذ الخريجي (نجل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي)، وماهر زيد (صحافي)، ومحمد الصامتي (مدون)، وأحمد قعلول ورضا إدريس (قياديان بالنهضة)».

وجاءت الأحكام بعد أن اتهمتهم المحكمة، وفق الوكالة، بـ«تكوين وفاق (تنظيم) له ارتباط بالجرائم الإرهابية، وربط اتصالات مع أعوان دولة أجنبية، الغرض منها الإضرار بحالة البلاد».

وقالت الحركة إن المحكمة «أصدرت أحكاماً جائرة وصادمة فيما عرف بقضية التسريب المفبرك» ضد الونيسي وقعلول والعيادي، وبوبحري وإدريس والخريجي والهاني وآخرين، من بينهم الصحافي زياد الهاني. وأضافت أنها تدين «بشدة هذه الأحكام القاسية بحق كل من شملهم ملف هذه القضية الملفقة».

الصحافي التونسي زياد الهاني (متداولة)

وشدّدت الحركة على أن «هذه الأحكام ذات الطابع السياسي لن تسهم سوى في مزيد من تأزيم الأوضاع السياسية والاقتصادية، وارتفاع نسب الاحتقان الاجتماعي». وطالبت المنظمات الحقوقية «بالتحرك العاجل من أجل الإفراج عن كل القيادات السياسية المسجونة... خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع الصحية للعديد منهم بسبب التقدم في السن، والأمراض المزمنة التي يعانون منها، ومنهم منذر الونيسي الذي فقد القدرة على السمع بسبب الأحكام القاسية التي طالته».


لهذه الأسباب... الجزائر تحاول استعادة موقعها بالساحل الأفريقي

رئيس النيجر مصافحاً نظيره الجزائري منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
رئيس النيجر مصافحاً نظيره الجزائري منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

لهذه الأسباب... الجزائر تحاول استعادة موقعها بالساحل الأفريقي

رئيس النيجر مصافحاً نظيره الجزائري منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
رئيس النيجر مصافحاً نظيره الجزائري منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

تحاول الجزائر استعادة موقعها في منطقة الساحل الأفريقي من خلال إرسال قوات عسكرية إلى النيجر، في سابقة من نوعها منذ أكثر من نصف قرن، بعدما فقدت تدريجياً التأثير الكبير، الذي كانت تتمتع به في هذه المنطقة.

لكن لماذا التقارب مع النيجر؟ تبدو النيجر، التي تشكل مع كل من مالي وبوركينافاسو تحالف دول الساحل الأفريقي، بوابة العودة إلى هذه المنطقة بالنسبة للجزائر، بعدما تراجع دورها هناك في الأعوام الأخيرة.

وقد شهدت علاقات الجزائر مع بلدان هذا التحالف تدهوراً كبيراً بعد تدمير الجيش الجزائري مسيّرة عسكرية مالية في أبريل (نيسان) 2025، ما تسبب في أزمة دبلوماسية تجلت في استدعاء السفراء.

في الوقت نفسه، باشرت مالي تقارباً مع المغرب من خلال دعم خطة الحكم الذاتي، التي تقترحها الرباط لحل النزاع حول الصحراء، بينما كانت تدعم حتى ذلك الحين جبهة البوليساريو الانفصالية.

الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجيرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الحالي (الرئاسة)

لكن منذ مطلع العام أطلقت الجزائر عدة مبادرات لتجاوز هذه الأزمة من بوابة النيجر، تمثلت في تسليم محطة لإنتاج الكهرباء، واستثمارات في قطاع النفط، ومنح مروحيات عسكرية، فضلاً عن إحياء مشروع الأنبوب الصحراوي لنقل الغاز بين نيجيريا وأوروبا عبر النيجر والجزائر.

تقارب بالغ الأهمية

يكتسي هذا التقارب أهمية تجارية وجيوسياسية، بحسب عدة مراقبين. ويقول الباحث في المعهد المغربي (مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد)، رضا اليموري، إن «النيجر بلد مهم بالنسبة للجزائر بالنظر لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، مقابل أنبوب الغاز الأطلسي نيجيريا - المغرب».

في غضون ذلك، تتابع الجزائر بقلق تصاعُد نفوذ المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، في جارتها ليبيا، بمحاذاة النيجر وتشاد. وقد أدى حفتر في الآونة الأخيرة دوراً في الإفراج عن عدد من الرهائن المغاربة، الذين كان يحتجزهم تنظيم «داعش» في منطقة الساحل.

ويقول شارلي ورب، المحلل في مكتب الاستشارات «إل دبران تريت كانسلتانتس» إن المنافسة المحتدمة مع أطراف نافذة في الإقليم، مثل المغرب والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، «ساهمت في دفع الجزائر إلى البحث عن استعادة مكانتها السابقة، والرغبة في حماية المشروع الاستراتيجي لأنبوب الغاز العابر للصحراء، واستثمارات أخرى في النيجر».

رئيس وزراء النيجر خلال زيارته الجزائر في 27 أغسطس الماضي (الوزارة الأولى الجزائرية)

* ما الغاية من إرسال جنود إلى النيجر؟

جواباً عن هذا السؤال، أعلن البرلمان الجزائري بمجلسيه، الأحد الماضي، موافقته على إرسال قوات إلى النيجر، بهدف حماية منشآت للطاقة، مما يمهد لأول انتشار رسمي للجيش الجزائري خارج الحدود منذ الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973.

وحتى الآن «ليس من الواضح ما إن كان الانتشار العسكري الجزائري يهدف إلى قتال المجموعات المتصلة بتنظيم القاعدة، وتنظيم داعش»، التي تهدد النيجر، وفق رضا اليموري.

وستنتشر الوحدات العسكرية الجزائرية في قاعدة مادما، بحسب بعض وسائل الإعلام، وهي منطقة صحراوية أقرب إلى ليبيا وتشاد منها إلى الجزائر، وكانت معقلاً للقوات المسلحة الفرنسية سابقاً خلال عملية «برخان» لمكافحة المجموعات المتطرفة بين 2014 و2022.

انتشار الجيش الجزائري بالقرب من الحدود مع النيجر (صحف جزائرية)

وهنا يشير جيف بورتر إلى أن هذه القاعدة تكتسي «أهمية قصوى بالنسبة للاستعلامات في الساحل»، ما سيجعل الجزائر «في موقع يتيح لها جمع معلومات استخباراتية عن تدفقات الأسلحة، وربما اعتراضها».

من جانبه، يعتبر شارلي ورب أن انتشار وحدات جزائرية في النيجر قد يكون مهماً بالنسبة لشركاء غربيين، خاصة الولايات المتحدة، التي فقدت جزءاً كبيراً من قدراتها على مراقبة ما يقع في منطقة الساحل، منذ سحب قواتها من هذا البلد في عام 2024.

إضافة إلى ذلك قد يساهم الانتشار العسكري الجزائري في «ترسيخ استقرار» رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر، عبد الرحمن تياني، بحسب ورب. وسبق للجزائر أن أرسلت أربع مقاتلات من طراز «سوخوي سو-30» إلى نيامي لمساعدة المجلس العسكري على احتواء محاولة تمرد داخل الجيش في أواخر أغسطس (آب).

مسار الانفراج مع مالي وتحالف دول الساحل

تعمل الجزائر ومالي على طي صفحة الأزمة، التي اندلعت بعد أزمة إسقاط الطائرة المسيّرة في أبريل 2025، إذ ينتظر أن يزور رئيس المجلس العسكري المالي عاصمي غويتا الجزائر قريباً، بعد تبادل الزيارات بين رئيسي وزراء البلدين.

وفي مؤشر آخر على تحسن العلاقات بينهما، أدت الجزائر دوراً في استعادة الجيش المالي مدينة كيدال الاستراتيجية على حدودها الجنوبية مع الشمال المالي. وجاء ذلك من خلال مطالبة الجزائر المتمردين بعدم الرد على هجوم الجيش المالي، لتقدم نفسها وسيطاً في الأزمة، وفقاً لمعلومات أوردتها مصادر دبلوماسية ويؤكدها محللون.

رئيس أركان الجيش الجزائري ووزير الدفاع النيجري (وزارة الدفاع الجزائرية)

ويقول المحلل في معهد «أميركان إنتربرايز» في واشنطن، ليام كار، إن «هناك مؤشرات تفيد بأن الجزائر (...) دعمت بشكل غير مباشر جهود مالي لاستعادة كيدال، وزيادة الضغط العسكري على معاقل المتمردين في شمال مالي قرب حدودها».