لا يبدو أن تغيير قيادة مصرف ليبيا المركزي بات كافياً لإنهاء الضغوط، التي تلاحق إدارته بسبب تضخم الإنفاق الحكومي، وفق خبراء رأوا في ذلك «انعكاساً لوضع متأزم في بلد يعاني انقساماً سياسياً وحكومياً منذ أكثر من عقد، وتتنازع فيه سلطات الشرق والغرب إدارة الموارد العامة، وتحديد أولويات صرفها».
فمن ناجي عيسى، محافظ المركزي، الذي قُبلت استقالته من قبل مجلس النواب، الأسبوع الماضي، إلى سلفه الصديق الكبير الذي غادر منصبه قبل عامين، كان القاسم المشترك هو شكاوى القائمين على المصرف من ضغوط اتساع النفقات الحكومية، وتأثيرها في الاستقرار النقدي والمالي، في وقت تتواصل فيه المطالب بتمويل زيادات في الرواتب، ونفقات حكومية لا تتناسب بالضرورة مع الإيرادات المتاحة.

وفي مؤشر على المخاطر التي يثيرها استمرار الإنفاق المتزايد، أعادت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا التأكيد على «ضرورة الحفاظ على استقلالية مصرف ليبيا المركزي»، وذلك في بيان، مساء الجمعة، تعليقاً على قبول استقالة ناجي عيسى، وتكليف فوزي بوخزام بقيادة «المصرف».
وذهبت البعثة الأممية إلى التحذير من أن «استمرار الضغوط الرامية إلى تمويل الإنفاق العام المتزايد قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على سعر الصرف، وتأجيج التضخم، وتسريع استنزاف الاحتياطيات، بما يفاقم الأوضاع الاقتصادية، ويرفع احتمالات الاضطرابات الاجتماعية».
* سوء تسيير
بحسب الخبير الاقتصادي خالد الزنتوتي، فإن تضخم الإنفاق الحكومي يعكس «سوء الإدارة والتنافس على اقتسام الغنيمة بين مختلف الأطراف»، في ظل الانقسام السياسي والصراع على السلطة والموارد.
وبحسب الزنتوتي، الرئيس السابق لشركة «الاستثمارات الخارجية والمحفظة طويلة المدى» (حكومية)، فإن المحافظ الجديد للمصرف المركزي سيواجه المعضلة نفسها ما دام الانقسام مستمراً، مرجحاً أن «تقود محاولات الإصلاح إلى مواجهة مع القوى المستفيدة من الوضع القائم، بما قد يعرّض المحافظ لضغوط تنتهي باستقالته، أو إقالته إذا رفض مسايرة السياسات الإنفاقية للحكومتين».

وتكشف البيانات الرسمية عن اتساع فاتورة الإنفاق العام، فقد بلغ إجمالي الإنفاق المعلن خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 نحو 88.6 مليار دينار، مقابل 86.3 مليار دينار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك بزيادة تقارب 2.4 مليار دينار.
(السعر الرسمي للدولار نحو 6.40 دينار، و10.06 دينار في السوق السوداء).
وبموازاة ذلك، بلغ الإنفاق الموازي للحكومتين نحو 69 مليار دينار، أو ما يعادل 10.9 مليار دولار، خلال الفترة الممتدة من بداية العام حتى نهاية يوليو (تموز) الماضي، وفق أرقام رسمية.
والملاحظ أن قضية تضخم الإنفاق الحكومي كانت حاضرة في الخلافات، التي سبقت مغادرة عيسى منصبه. ووفق مصادر مقربة منه سبق أن تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، فقد اشترط المحافظ السابق قبل نحو شهرين للعدول عن استقالته، وقف قرارات الزيادات الأخيرة في الرواتب التي أقرتها جهات حكومية، بسبب عدم تناسبها مع الإيرادات العامة، وما تفرضه من أعباء إضافية على المالية العامة.
ويبدو أن الاتفاق المالي الموحد، الذي وُقّع في أبريل (نيسان) 2026 برعاية أميركية، لم يكن كافياً حتى الآن لتبديد تلك الاعتراضات. وبحسب المصادر نفسها، كان التباطؤ في تنفيذ الاتفاق أحد مصادر شكوى عيسى، وأسباب تقديم استقالته.
* ورطة الإفراط في الإنفاق
يرى الخبير الاقتصادي عبد الحميد الفضيل أن مشاورات ناجي عيسى مع صندوق النقد الدولي، في وقت سابق من الشهر الحالي قبيل استقالته، كشفت عن «حقائق صادمة بشأن التوسع المفرط في الإنفاق العام من جانب الحكومتين». وأشار إلى أن المشاورات عكست غياب أفق قريب لتوحيد الإنفاق، بالتزامن مع تراجع إيرادات النفط بفعل تضخم فاتورة المحروقات، وتصدير النفط خارج القنوات الرسمية، وعدم امتثال بعض المصارف التجارية لتعليمات المصرف المركزي، فضلاً عن تراجع استقلالية المؤسسة النقدية.
ورأى الفضيل في منشور عبر «فيسبوك» أن هذه المعطيات تضع المصرف المركزي أمام قدرة محدودة للغاية على كبح استنزاف الاحتياطيات، في ظل ضغوط يمارسها نافذون في شرق البلاد وغربها للحصول على مزيد من الأموال خارج الأطر الرسمية، وبمستويات تتجاوز بكثير قدرة الاقتصاد الليبي على استيعابها.

وللتذكير، فإن شكاوى تضخم الإنفاق الحكومي لم تقتصر على عيسى؛ إذ سبق أن اعترض المحافظ الأسبق الصديق الكبير في فبراير (شباط) 2024 على تضخم النفقات الحكومية، مشيراً في خطابات إلى رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة إلى بلوغها 420 مليار دينار خلال 3 سنوات.
وقبل أشهر من مغادرة منصبه، كشف الكبير أن معظم الإنفاق وُجّه إلى الاستهلاك على حساب التنمية، محذراً من تفاقم العجز إذا استمرت السياسات المالية نفسها. وتزامنت تحذيراته مع تداول الدينار عند 7.26 دينار للدولار في السوق الموازية، مقابل 4.77 دينار رسمياً، بينما كان ينظر إليه حينها على أنه قفزة في أسعار الصرف.
ويرى الزنتوتي أن المحافظ الجديد سيكون أمام خيارين: أولهما القبول بالواقع القائم، بما قد يتيح له البقاء في منصبه سنوات طويلة، «إلى أن تفلس الدولة»، والثاني محاولة إصلاح السياسات المالية، وتحمل تبعات الاصطدام بالأطراف المستفيدة من استمرارها، موضحاً أن الأزمة مرشحة للاستمرار في المدى القريب حتى في حال توحيد الحكومتين.









