مصر: جدل «الفقر» يسبق مؤتمراً حكومياً لعرض الإنجازات

سؤال برلماني يطالب بإعلان «تقديرات محدَّثة»

مجلس النواب المصري يستمع إلى رؤية الحكومة بشأن الموازنة العامة للدولة (المجلس)
مجلس النواب المصري يستمع إلى رؤية الحكومة بشأن الموازنة العامة للدولة (المجلس)
TT

مصر: جدل «الفقر» يسبق مؤتمراً حكومياً لعرض الإنجازات

مجلس النواب المصري يستمع إلى رؤية الحكومة بشأن الموازنة العامة للدولة (المجلس)
مجلس النواب المصري يستمع إلى رؤية الحكومة بشأن الموازنة العامة للدولة (المجلس)

استبق عدد من نواب البرلمان مؤتمراً حكومياً مرتقباً لعرض الإنجازات بسؤال حول معدلات الفقر في مصر، التي لم تُعلن منذ عدة سنوات، بينما تذهب التوقعات إلى زيادتها في ظل أزمات اقتصادية تفاقمها الأوضاع الإقليمية المضطربة.

ووجه تسعة أعضاء في مجلس النواب سؤالاً للحكومة، الأربعاء، حول النسب التي وصلت إليها معدلات الفقر - والتي قُدرت في آخر إحصاء رسمي في سبتمبر (أيلول) 2020 عن عام 2019 - 2020 بنسبة 29.7 في المائة - قائلين: «رغم تعهد الحكومة أمام البرلمان، مراراً وتكراراً، بإرسال بحث الدخل والإنفاق من خلال الأدوات الرقابية المقدمة من النواب، فإنه حتى الآن لم يتم نشر البحث».

وتساءل النواب: «كيف يمكن الحكم على الإنجازات دون معرفة نسب الفقر في مصر منذ 2021؟».

وتعتزم الحكومة إطلاق منتدى وطني لعرض المسارات التي اتخذتها الفترة الماضية، وما ترتب عنها، وما كان يمكن أن يحدث لو لم يتم اتخاذها. ويتضمن المنتدى الاستماع إلى اقتراحات وآراء المواطنين، وفق المتحدث باسم الحكومة محمد عادل.

وأشار عادل في تصريحات تلفزيونية، مساء الأربعاء، إلى أن المواطنين يمكنهم الدخول إلى الموقع الرسمي للمنتدى، المقرر عقده خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول)، والتسجيل وطرح مشاركاتهم وطلب الحضور. وقال إن الموقع شهد أكثر من مليون زيارة منذ إطلاقه قبل أيام.

تساؤل متكرر

ولا يعد الجدل حول معدلات الفقر في مصر ودلالات عدم الإفصاح عنها أمراً جديداً، إذ تثار مثل هذه التساؤلات من وقت لآخر، وهو ما أشار له النواب في سؤالهم.

وعقَّبت رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب «الإصلاح والتنمية»، إيرين سعيد - وهي من النواب التسعة الذين طرحوا التساؤل - بأنها وعدداً من النواب سبق أن تقدموا بأسئلة برلمانية خلال دور الانعقاد الماضي، لكن لم يتم الوصول إلى نتائج أو معلومات موثقة بعد، وفق بيان صادر عنها الأربعاء.

إحدى المناطق الشعبية وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وكان رئيس الحكومة مصطفى مدبولي قد أقر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بزيادة معدلات الفقر عن النسبة المعُلنة في عام 2020 بقدر ضئيل، دون الإفصاح عن معدل الزيادة، غير أن تقارير صحافية أشارت إلى ارتفاع معدلات الفقر إلى نحو 34 في المائة.

وانتقد الكاتب والمحلل السياسي جمال أسعد غياب الإعلان الحكومي عن معدلات الفقر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الأرقام الاقتصادية المُعلنة سواء عن التضخم أو غيره أقل مما يشعر به المواطن في الشارع، فما بالنا بالأرقام التي لا يتم الإعلان عنها؟».

وسجل معدل التضخم في مصر في أغسطس (آب) الماضي 14.5 في المائة، على أساس سنوي، مقابل 14.9 في المائة في يوليو (تموز).

مسألة «صعبة سياسياً»

ويستبعد أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق، أن تستجيب الحكومة للنواب بعرض معدلات الفقر قريباً، مستشهداً بحديث لأحد النواب التسعة، وهو محمد فؤاد، أشار فيه إلى أن الطلب مقدم للحكومة منذ ستة أشهر دون نتيجة.

ويرى صادق أن الحكومة «ليست مستعدة للإفصاح عن معدلات الفقر»، وقال إن المنتدى الوطني المزمع عقده هذا الشهر «سيخصص غالباً لعرض أرقام أخرى مثل نمو الناتج القومي وتراجع البطالة إلى 6.3 في المائة في 2025، ووجود فائض أولي، ولعرض حزم الحماية الاجتماعية، والإنجازات في الطرق ومحطات الكهرباء والموانئ، واستعراض القدرة على اجتياز صدمات الإقليم وسداد الالتزامات».

ولفت إلى أن نشر نسب الفقر الجديدة «مسألة صعبة سياسياً. فإذا ارتفع الرقم فسيثير شكوكاً حول أحاديث الإنجاز، وإن انخفض من دون مسح حديث فقد لا يُصدَّق».

وكانت النائبة راوية مختار قد طالبت الحكومة بإتاحة بيانات حديثة ومتكاملة «تكشف الأثر الفعلي للسياسات الاقتصادية على دخول المواطنين ومستويات المعيشة».

وأكدت النائبة، وهي ضمن الأعضاء التسعة، أن «تقييم أداء الحكومة وإنجازاتها لا يمكن أن يتم بصورة مكتملة دون وجود بيانات حديثة توضح تطورات معدلات الفقر ودخول المواطنين»، بحسب بيان صادر عنها.

وقال صادق إن الحكومة تتعامل مع ملف الفقر «عبر سياسة التخفيف، من خلال دعم تمويني، ودعم موجه لمن هم تحت خط الفقر عبر معاشات (تكافل وكرامة)، وعلاوات، وحزم استثنائية، في محاولة لاحتواء أثر التضخم».


مقالات ذات صلة

السيسي يدعو ترمب وإيران لمرونة قبل «فوات الأوان»

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)

السيسي يدعو ترمب وإيران لمرونة قبل «فوات الأوان»

وجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، نداءً إلى الولايات المتحدة وإيران للتحلي بـ«المرونة» في هذه المرحلة؛ لإيجاد مساحات تفاهم مشتركة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد شروق الشمس في القاهرة (رويترز)

ضعف الطلب وارتفاع التكاليف يضغطان على نشاط القطاع الخاص المصري

تسارع انكماش نشاط القطاع الخاص غير المنتج للنفط في مصر خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مع تراجع الإنتاج والطلبات الجديدة بأسرع وتيرة في 4 أشهر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)

«قيم الأسرة» تلاحق صُنّاع المحتوى في مصر

تُلاحق أجهزة الأمن المصرية المئات من صناع المحتوى بعدة تهم أشهرها «التعدي على قيم الأسرة المصرية»، والتي تتضمن في غالبيتها نشر مقاطع رقص.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد رئيس الوزراء المصري في البورصة خلال بدء تداول أسهم «بنك القاهرة» يوم الاثنين (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

«بنك القاهرة» يعزز توجهاً مصرياً نحو الاستفادة من أصول مملوكة للدولة

محطة جديدة للحكومة المصرية في مسار التخارج من بعض الأصول المملوكة للدولة عبر بيع 45 في المائة من أسهم «بنك القاهرة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

اجتماع رباعي مصري - سوداني جديد احتضنته القاهرة برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة )

تطوير الطيران المدني عبر «بوينغ» الأميركية يفجّر جدلاً في ليبيا

من مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة الوحدة الليبية وشركة «بوينغ» الأميركية في مايو الماضي (حكومة الوحدة)
من مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة الوحدة الليبية وشركة «بوينغ» الأميركية في مايو الماضي (حكومة الوحدة)
TT

تطوير الطيران المدني عبر «بوينغ» الأميركية يفجّر جدلاً في ليبيا

من مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة الوحدة الليبية وشركة «بوينغ» الأميركية في مايو الماضي (حكومة الوحدة)
من مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة الوحدة الليبية وشركة «بوينغ» الأميركية في مايو الماضي (حكومة الوحدة)

تأثر «الطيران المدني» في ليبيا بحدة الانقسام السياسي والاضطراب الأمني، وتراكم الأزمات منذ عام 2011، ولذلك تسعى حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب البلاد إلى فتح مسار جديد لتطوير القطاع عبر مشروع شركة طيران، بالتعاون مع «بوينغ» الأميركية.

لكن هذا التعاون الليبي - الأميركي يثير جدلاً وتساؤلات حول أولويات الإنفاق في قطاع يعاني أزمات مالية وتشغيلية متراكمة، بينما تواجه شركتا «الخطوط الجوية الليبية» و«الخطوط الجوية الأفريقية» صعوبات في استعادة قدراتهما منذ عام 2011.

ولا تزال نتائج محادثات أجراها رئيس الفريق التنفيذي لمبادرات رئيس الوزراء والمشروعات الاستراتيجية، مصطفى المانع، مع مسؤولين في «بوينغ»، الشهر الماضي، محل اهتمام المعنيين بالقطاع، إذ تناولت احتياجات الأسطول والدعم الفني والتشغيل والتدريب، فضلاً عن دراسة الجدوى، ونموذج التمويل والجوانب التجارية والتنفيذية للمشروع.

غير أن الانتقال من الاتفاقات الأولية، التي بدأت رسميا في مايو (أيار) الماضي، إلى إنشاء شركة جديدة يضع المشروع أمام سؤال يتعلق بمدى قدرة قطاع الطيران الليبي على استيعاب كيان إضافي، في ظل وجود ناقلين حكوميين، يعانيان أعباء مالية وأعطالاً فنية، وتأخراً في مستحقات العاملين.

ويرى خبير النقل الجوي والطيران المدني الليبي، محمد محمد عيسى، أن أولويات حكومة «الوحدة» في هذا القطاع تحتاج إلى مراجعة، عادّاً أن دعم الناقل الوطني وإعادة تأهيله ينبغي أن يتقدما على تأسيس شركة جديدة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الناقل الوطني يؤدي أدواراً تتجاوز الاعتبارات التجارية، بوصفه جزءاً من هوية الدولة، مستشهداً بمساهمته في نقل المواطنين مجاناً خلال أزمة جائحة «كورونا».

وتضم السوق الليبية شركتين حكوميتين رئيسيتين؛ هما «الخطوط الجوية الليبية»، التي أكملت 60 عاماً على تأسيسها هذا الشهر، و«الخطوط الجوية الأفريقية»، التي تأسست عام 2007، إلى جانب شركات خاصة، بدأت تجربتها في عام 2000، من بينها «البراق» و«برنيق» و«الأجنحة»، و«أويا» و«ليبيا للطيران».

عامل أمام إحدى طائرات الخطوط الجوية الليبية (الصفحة الرسمية للشركة)

وتكشف الأرقام جانباً من الأعباء، التي تواجه الناقل الوطني منذ 2011؛ إذ بلغت الديون الداخلية لـ«الخطوط الجوية الليبية» نحو 1.125 مليار دينار، فيما تجاوزت مستحقاتها لدى الغير 60 مليار دينار، وفق تقرير هيئة الرقابة الإدارية لعام 2023. أما «الخطوط الجوية الأفريقية»، فأعلنت سداد نحو 280 مليون دينار من ديون تراكمت بين عامي 2011 و2022.

ويدعو عيسى إلى جعل الأولوية معالجة ديون الشركتين الحكوميتين، وإعادة هيكلتهما، إلى جانب إعادة إصلاح تشغيل الطائرات المتوقفة نتيجة الصراعات التي شهدتها البلاد خلال أكثر من عقد، بما يتيح الاستفادة من الأصول القائمة، بدلاً من إنشاء كيان جديد قبل معالجة الاختلالات الموجودة.

وقبل المحادثات الأخيرة مع «بوينغ»، مرّ الطيران الليبي بمحطات عدة؛ إذ بدأت «الخطوط الجوية الليبية» عملياتها عام 1965 بطائرات «كارافيل» الفرنسية، ثم أدخلت «بوينغ» إلى أسطولها، قبل أن تفرض عقوبات الأمم المتحدة عام 1992، على خلفية قضية لوكربي، قيوداً دفعتها إلى البحث عن بدائل، بينها «إيرباص» الأوروبية التي دخلت الخدمة منذ ذلك الحين، وهو ما يؤكده عيسى.

وهذا التغيير المحتمل سيفرض، حسب عيسى، تغييرات جديدة خاصة بتدريب الطيارين وتأهيلهم على طائرات لم يعتادوا التعامل معها منذ عقود، ولذلك حذر من أن «الاعتماد على الطيارين والمهندسين والخبرات الجاهزة من الخارج قد يوفر حلولاً سريعة، لكنه لا يؤسس صناعة وطنية مستدامة»، داعياً إلى برامج لتأهيل الكوادر الليبية ونقل المعرفة، مع تقديم حوافز للشركات التي تستثمر في تدريب الطيارين والمهندسين.

طائرة تابعة للخطوط الجوية الليبية (الصفحة الرسمية للشركة)

لكن تحديات كوادر الشركتين تبدو أصعب، إذ شهدت الشركتان احتجاجات على تأخر الرواتب والمشكلات التشغيلية. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، طالب حراك موظفي «الأفريقية» بوقف التصرف في أصول الشركة وتغيير إدارتها، ومحاسبة المسؤولين، بالتزامن مع تأخر مستحقات العاملين لأكثر من خمسة أشهر، والإعلان عن التوجه إلى وقف العمليات التشغيلية بالكامل.

ويرى الناشط الليبي محمد الشحومي أن النقاش بشأن الشركة الجديدة ينبغي ألا يأتي على حساب معالجة أوضاع الناقلين القائمين والعاملين فيها، مشيراً إلى أن الشركتين تمثلان مؤسستين ارتبط بهما النقل الجوي الليبي لعقود، وتضررتا جراء الحروب والانقسام السياسي، والأضرار التي لحقت بالطائرات والمطارات.

طائرة تابعة للخطوط الجوية الأفريقية (الصفحة الرسمية للشركة)

ويؤكد الشحومي لـ«الشرق الأوسط» أن المطالبة بإنقاذ الناقل الوطني لا تعني حماية ما يصفها بـ«إدارات فاشلة أو التغاضي عن الفساد»، بل تستدعي إصلاح المؤسستين، ومحاسبة المسؤولين وتطوير أدائهما، محذراً من أن تؤدي معالجة الأزمات إلى إضعافهما بدلاً من إعادة بنائهما.

في المقابل، هناك من ينظر إلى التعاون مع «بوينغ» من منظور آخر، إذ ركز الإعلامي الاقتصادي أحمد السنوسي على مصادر تمويل المشروع، متسائلاً عن «احتمال استخدام الأموال الليبية المجمدة في الخارج لتمويله»، وهي فرضية لم تؤكدها الحكومة في البيانات المنشورة بشأن المشروع، ولم ترد الحكومة على هذه التساؤل حتى الآن.

وسبق أن وقّع وزير المواصلات بحكومة «الوحدة»، محمد سالم الشهوبي، في مايو (أيار) الماضي مذكرة تعاون استراتيجي مع «بوينغ»، خلال زيارة وفد حكومي ليبي إلى الولايات المتحدة، بهدف تحديث أسطول الطيران، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التعاون الفني والتقني، وفق المعايير الدولية.


السيسي يدعو ترمب وإيران لمرونة قبل «فوات الأوان»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)
TT

السيسي يدعو ترمب وإيران لمرونة قبل «فوات الأوان»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)

وجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، نداءً إلى الولايات المتحدة وإيران للتحلي بـ«المرونة» في هذه المرحلة، مشدداً على أهمية التفاهم والحوار «قبل فوات الأوان»، ومحذراً من أن البديل سيجلب نتائج «كارثية» على المنطقة.

وخلال مؤتمر صحافي في القاهرة مع نظيرته السلوفينية ناتاشا پيرتس موسار، حذر السيسي من المساس بأمن المملكة العربية السعودية، مجدداً «رفض بلاده القاطع لأي تهديد قد ينال من أمن واستقرار المملكة وسائر الدول الخليجية».

وحسب إفادة للرئاسة المصرية، تناولت محادثات السيسي مع رئيسة سلوفينيا، التي تزور مصر للمرة الأولى، العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية.

وأعاد الرئيس المصري التأكيد على موقف بلاده الثابت بشأن التطورات في المنطقة، ودعا في المؤتمر الصحافي المشترك إلى «خفض التصعيد الإقليمي، وتغليب الحلول السياسية، بما يحول دون انزلاق المنطقة إلى دائرة أوسع من الصراع»، كما دعا الأطراف المعنية بالأزمة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة إلى «إعطاء مساحة للتفاهم والحوار، والوصول لتوافق سياسي يحقق المطالب الرئيسية لكل الأطراف».

وشدد الرئيس المصري على أهمية مسار الحوار والتوافق «قبل فوات الأوان»، وقال إن «البديل ستكون آثاره ونتائجه كارثية على المنطقة والعالم، الذي يعاني من أزمات متلاحقة على مدار 6 سنوات»، وناشد واشنطن وطهران «إبداء أكبر قدر ممكن من المرونة في هذه المرحلة، لإيجاد مساحات تفاهم تسمح بحل النزاع القائم».

كما أكد السيسي وقوف مصر وتضامنها الكامل مع الدول العربية، انطلاقاً من إيمانها الراسخ بأن الأمن القومي العربي «وحدة واحدة لا يتجزأ».

وقال إنه «يثق بترمب بوصفه رجل سلام، نجح في نزع فتيل العديد من الأزمات الصعبة»، ودعاه إلى «أن يبذل قصارى جهده في منح الوسطاء كل أشكال الدعم والمساندة الممكنة للوصول إلى أفضل تسوية متاحة، ولتجنيب المنطقة مزيداً من المعاناة، ومنح شعوبها الأمل في حياة أفضل».

القضية الفلسطينية

وأكد الرئيس المصري أن القضية الفلسطينية «تظل القضية المركزية في الشرق الأوسط، وإحدى القضايا التي تعكس مدى التزام المجتمع الدول بمبادئ العدالة وأحكام القانون الدولي»، وشدد على أهمية التزام الأطراف بالتنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي للسلام في غزة، وضمان النفاذ الآمن للمساعدات الإنسانية، داعياً إلى «ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أرضهم».

من جانبها، أكدت رئيسة سلوفينيا في المؤتمر الصحافي أنه «لا يمكن تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه»، وشددت على «استمرار التزام بلادها بموقفها إزاء القضية الفلسطينية، واحترام قواعد القانون الإنساني الدولي».

وأشاد السيسي بمواقف نظيرته السلوفينية، على الصعيد الدولي، وسياساتها الداعمة لإعلاء أحكام القانون الدولي، وترسيخ السلام، ومن ضمنها قطاع غزة، وأكد أن «هذه المواقف كانت دائماً محل تقدير».

وعلى الصعيد الثنائي، أشار السيسي إلى أن المحادثات عكست توافقاً في الرؤى، للبناء على ما تحقق في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين خلال السنوات الماضية.

وقال: «تم التوافق على مواصلة العمل لتعزيز التشاور السياسي، وتطوير مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري، والتنسيق حول الموضوعات الإقليمية والدولية في ظل الأزمات المتشابكة حالياً».

التعاون والشراكة

قال الرئيس المصري إن بلاده تنظر إلى سلوفينيا بوصفها شريكاً مهماً في منطقة وسط أوروبا، وإنه اتفق مع نظيرته على أهمية تحقيق نقلة نوعية في مسار التعاون الثنائي من خلال وضع برنامج عمل بجداول زمنية محددة لتطوير آليات التعاون التجاري والاستثماري، وتعزيز التواصل المباشر بين مجتمعي الأعمال، خصوصاً في مجالات الطاقة والصناعات المرتبطة بها، والنقل، والسياحة والثقافة، والاتصالات والتحول الرقمي، بما يفتح آفاقاً جديدة للإنتاج والاستثمار والتبادل التجاري.

وحسب الرئاسة المصرية، أكدت المحادثات أهمية تعزيز التعاون اللوجيستي والنقل البحري، وربط الموانئ المصرية مع ميناء (كوبر) السلوفيني، وتكامل سلاسل الإمداد بالبلدين.

وشدد السيسي على ضرورة مواصلة تعزيز الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي، وعلى أهمية تعميق التعاون المصري - السلوفيني دفعاً للشراكة المصرية - الأوروبية.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير جمال بيومي أن دعوة التهدئة والسلام في المنطقة ضرورية في ظل نُذر التصعيد الإقليمي، وقال إن «هناك إدراكاً من الجانب الأوروبي لمركزية الدور المصري في عملية السلام بالمنطقة، وقدرة القاهرة أن تكون وسيطاً أميناً للتهدئة والحوار والسلام الإقليمي».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن هناك توافقاً بين مصر وسلوفينيا في عدد من الملفات الإقليمية، ومن بينها أمن الممرات المائية، لارتباطها بحركة التبادل التجاري بين البلدين. وقال إن زيارة رئيسة سلوفينيا أظهرت حرصها على تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي مع القاهرة، مشيراً إلى أن العلاقات بين البلدين «تاريخية، وتشكل نافذة للعلاقات المصرية - الأوروبية».

وأشار إلى اهتمام سلوفينيا بتوسيع الاستثمارات في منطقة قناة السويس، وخبرتها في مجال الصناعات المعدنية، واستيرادها منتجات غذائية من مصر، مؤكداً أن «هناك فرصاً مشجعة لتوسيع التعاون بين مجتمعات الأعمال في البلدين».


ليبيا: ترحيب حقوقي بحظر إشراك القُصّر في العمليات العسكرية

عناصر تابعة لميليشيات ما يُعرف بـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لـ«اللواء 444»)
عناصر تابعة لميليشيات ما يُعرف بـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لـ«اللواء 444»)
TT

ليبيا: ترحيب حقوقي بحظر إشراك القُصّر في العمليات العسكرية

عناصر تابعة لميليشيات ما يُعرف بـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لـ«اللواء 444»)
عناصر تابعة لميليشيات ما يُعرف بـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لـ«اللواء 444»)

أعاد تعديل تشريعي أقره مجلس النواب الليبي لحظر تجنيد الأطفال دون 18 عاماً، أو إشراكهم في العمليات العسكرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تسليط الضوء على استقطاب القُصَّر داخل الميليشيات المسلحة في غرب البلاد، وحظي التعديل الجديد بترحيب حقوقيين من «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان»، التي عدّت الخطوة «تطوراً في اتجاه تعزيز حماية الأطفال من الاستغلال العسكري».

وجاء إقرار التعديل التشريعي، الاثنين، بناءً على توصية من «لجنة الدفاع والأمن القومي» بمجلس النواب.

وقال المحلل العسكري، محمد الترهوني، لـ«الشرق الأوسط» إن التعديل التشريعي من جانب مجلس النواب «يُمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو بناء مؤسسة عسكرية منضبطة تقوم على قواعد مهنية وقانونية، بعيداً عن ممارسات بعض التشكيلات المسلحة التي تزج بالقُصّر في مواجهات مسلحة».

وعدّ الترهوني أن «ترسيخ الانضباط المنصوص عليه في القانون يُعدّ خطوة ثانية مهمة على مسار فرض الانضباط العسكري»، مبرزاً أن «الخطوة الأولى المتمثلة في المناورات العسكرية، التي جمعت قوات من شرق ليبيا وغربها في سرت خلال أبريل (نيسان) الماضي، مثّلت إحدى محطات التقارب العسكري».

إحدى جلسات «الحوار المهيكل» الليبي في طرابلس (البعثة الأممية)

وتبرز التحديات، التي تواجه تطبيق القانون في ظل تنامي نفوذ الميليشيات المسلحة في غرب ليبيا، ولا سيما في ضوء سجل من الانتهاكات سبق أن وثّقها حقوقيون، من بينها رصد وجود فتيان لا تتجاوز أعمارهم 16 و17 عاماً ضمن مجموعات مسلحة في غرب البلاد.

وشملت الوقائع الموثقة أيضاً وفاة طفل، ورصد طفل آخر يقود آلية عسكرية مصفحة ومسلحة داخل إحدى محطات الوقود، فضلاً عن حوادث مشابهة سُجلت خلال الاشتباكات التي شهدتها العاصمة طرابلس بين عامي 2024 و2025، وفق إفادات سابقة لـ«المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان».

ولا يقتصر استقطاب القُصَّر، وفق حقوقيين، على «حمل السلاح والمشاركة في المواجهات، بل يمتد إلى نقل الإمدادات وتنفيذ مهام لوجستية، وخدمات دعم داخل التشكيلات المسلحة، مقابل رواتب شهرية تتراوح بين 900 و1000 دينار ليبي».

وسبق أن أعادت توصيات «الحوار المهيكل»، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة والصادرة في يونيو (حزيران) الماضي، طرح القضية ضمن مسار الإصلاح الأمني وحماية المدنيين؛ حيث دعت إلى «حظر تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، والعمل على تجفيف مصادر الدخل التي تغذي الصراع وتساعد على استمراره». كما أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حثّت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا على إنشاء آلية مؤسسية تتيح للدولة رصد الانتهاكات المتعلقة بتجنيد الأطفال ومعالجتها، في ضوء تقارير عن استقطاب قاصرين إلى مجموعات مسلحة.

يأتي ذلك في ظل انقسام عسكري بين شرق البلاد؛ حيث قوات «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، وتشكيلات مسلحة ضمن أطر رسمية تتبع حكومة «الوحدة الوطنية المؤقتة» في غربها.

جلسة مجلس النواب الليبي في مدينة سبها الاثنين (المكتب الإعلامي للمجلس)

من جهته، أبرز عضو مجلس النواب، فهمي التواتي، أن تطبيق القرار في الظروف الحالية يواجه صعوبات، مرجحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عدم قابليته للتنفيذ عملياً في الوقت الراهن، وإن كان يوفر مرجعية قانونية للجهات القضائية عند وقوع مخالفات، أو تقديم شكاوى بشأن تجنيد الأطفال.

وفي قراءة حقوقية، يرى الناشط طارق لملوم أن «الإشكالية لا تتعلق بسن التجنيد الرسمي وحده، بل بقدرة التشكيلات المسلحة على استقطاب القُصَّر خارج الأطر القانونية، عبر الإغراء بالمال والرواتب والسلاح والنفوذ»، لافتاً إلى أن «ليبيا أعلنت منذ عام 2004، عند انضمامها إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل، أن الحد الأدنى للتطوع في قواتها المسلحة هو 18 عاماً»، متسائلاً: «ما قيمة منع تجنيد القُصَّر قانوناً إذا كان بالإمكان استدراجهم إلى التشكيلات المسلحة خارج القانون؟».

وشدد لملوم على أن «حماية الأطفال تتطلب أكثر من تعديل تشريعي، وتشمل منع استغلالهم وإخراجهم من التشكيلات المسلحة، ومحاسبة المسؤولين عن تجنيدهم»، معتبراً أن مواجهة الظاهرة تستلزم التعامل مع مصادر الاستقطاب، وليس الاكتفاء بتحديد السن القانونية للتجنيد.

وبين الترحيب الحقوقي بالتعديل التشريعي لكونه «يُقلل من نفوذ الميليشيات»، والتحفظات بشأن إمكان تنفيذه، «تظل فاعليته مرتبطة بقدرة المؤسسات الليبية على إخضاع التشكيلات المسلحة لسلطة قانونية موحدة، وإنشاء آليات للرصد والمساءلة، ومعالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، التي تجعل القُصَّر عرضة للاستقطاب»، وفق مراقبين.