«الطيّبات»... نظام غذائي يثير جدلاً واسعاً في مصر حتى بعد وفاة صاحبه

أطباء يكذبون ادعاءات بالشفاء من أمراض مستعصية دون تناول أدوية

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)
TT

«الطيّبات»... نظام غذائي يثير جدلاً واسعاً في مصر حتى بعد وفاة صاحبه

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)

ابتدع نظاماً غذائياً للاستشفاء من الأمراض، ودعا إلى تحاشي العقاقير والأدوية حتى مع أصحاب الأمراض المزمنة، ونهى عن الإكثار من شرب الماء، ونصائح أخرى كثيرة أدرجها ضمن نظرية سماها «نظام الطيِّبات»... لاقت استحساناً لدى البعض، وانتقاداً شديداً من آخرين.

إنه الطبيب المصري ضياء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم، الذي أشعلت وفاته المفاجئة في الإمارات جدلاً واسعاً في مصر، ربما هدأت حدته بعدما أصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً رسمياً، الثلاثاء، يؤكد أن التحقيقات أثبتت أن الوفاة «طبيعية» وأنه لا توجد «أي شبهة جنائية»، لكن ظل النظام الغذائي الذي كان يروج له محور سجال على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقوم نظام «الطيبات» على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم ويكتفي بها، وأخرى «غير ملائمة» ينبغي الاستغناء عنها. ومن وسائل «الشفاء» التي كان يدعو لها صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، وثلاثة أيام من كل شهر هجري، أو اتباع الصيام المتقطع، مع الاكتفاء بالأكل عند الشعور بالجوع فقط، وشرب الماء عند العطش دون الإكثار منه كما ينصح كثير من الأطباء ومتخصصي التغذية مرضاهم.

وذكر العوضي أنه طبَّق هذا النظام على مجموعة من المرضى لمدة تتراوح بين 4 و6 أسابيع، ولفت انتباهه تحسن حالتهم تحسناً ملحوظاً، مما أدى إلى تقليل الاعتماد على الأدوية.

وفي الأيام القليلة الماضية، أعادت حسابات عديدة نشر مقاطع له، دفاعاً عن نظريته، إلى جانب سرد بعض المستخدمين تجارب شخصية مع «الطيبات»، مؤكدين أن النظام ساعد على تحسين صحتهم والتخلص من آلام مزمنة. ودفع البعض بأن هذا النظام قدَّم نموذجاً مبسطاً يجمع بين الطب والدين.

تحذيرات من الخطورة واتهامات بالتضليل

في المقابل، انهال منتقدو «الطيبات» عليه بالهجوم، مستندين إلى غياب الأدلة العلمية، ومشيرين إلى أن اتباع أنظمة غذائية غير مثبتة تضر بالصحة العامة، وقد تكون لها تبعات صحية خطيرة. وذهب البعض إلى أن العوضي «قتل نفسه بوصفاته».

وتحت عنوان «فضح كذب نظام الطيبات علمياً»، تداول قطاع كبير من المغردين مقاطع فيديو لأطباء داخل مصر وخارجها ينفون مزاعم الشفاء من أمراض مزمنة دون علاج دوائي، ويحذرون من خطورة تجاهل الأدوية على المرضى، خاصة المصابين بالسكري والكلى والقولون التقرحي.

واستخدم فريق من المنتقدين لغة حادة تعبيراً عن استيائهم مما وصفوه بأنه «جهل وتخلف» من جانب من يؤيدون نظام «الطيبات» الذي رأوا فيه تضليلاً وخروجاً عن الضوابط المهنية، مشيرين إلى اتخاذ نقابة الأطباء المصرية إجراءات رسمية ضد صاحبه.

وكانت نقابة الأطباء قد أسقطت الشهر الماضي عضوية العوضي بسبب ما عَدّته «نشر معلومات طبية مضللة وغير مثبتة علمياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي»؛ وقالت حينها إن ما يقدمه «يشكل خطراً على صحة المواطنين».

وأوضح نقيب الأطباء في مصر، أسامة عبد الحي، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، أن «النقابة كانت قد قررت فصل الطبيب بعد إحالته للجنة التأديب النقابية، نتيجة لترويجه لنصائح طبية تخالف القواعد العلمية المعروفة».

كذلك هاجم مدونون بعض المشاهير الذين أعلنوا أنهم اتبعوا النظام الغذائي، قائلين إن الفنان يجب أن يدرك حجم مسؤوليته تجاه المجتمع والجمهور.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)

خوارزميات المنصات

الدكتور تامر فرج سلوم، استشاري التغذية وعضو الرابطة المصرية العامة لأطباء التغذية العلاجية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن وفاة العوضي وظروفها - اختفى قبلها لعدة أيام بحسب عائلته - عززت التعاطف معه، ودفعت البعض لاعتباره «شهيد علم».

وأضاف: «لكن هذا التعاطف لا يغيّر حقيقة أن النظام لم يستند إلى دراسات أو أبحاث موثوقة»، مشدداً على أن النقاش يجب أن يُحسم بالحجة والمعرفة لا بالمشاعر والانفعالات، خاصة أن نظام «الطيبات» لم يخضع بعد لدراسة علمية جادة لتقييم تأثيراته طويلة المدى.

واستطرد قائلاً إن انتشار نظام «الطيبات» لم يكن نتيجة أسس علمية، بل بفعل عوامل اجتماعية ونفسية، «إذ ساهمت مقاطع الفيديو المنتشرة لصاحبه على منصات التواصل في تحويل التجربة الشخصية إلى حالة عامة، كما أن العوضي ركّز على خطاب يلامس مشاعر المرضى، عبر مهاجمة شركات الأدوية والدعوة إلى الاكتفاء بالغذاء بوصفه علاجاً، وهو ما وجد صدى لدى جمهور يعاني ضعف الثقة في المنظومة الطبية، وهو ما منح النظام جماهيرية واسعة رغم غياب الدراسات العلمية».

وأضاف أن الرابطة المصرية العامة لأطباء التغذية العلاجية أصدرت بياناً رسمياً حول هذا النظام قبل نحو شهرين وأرسلته إلى نقابة الأطباء، مؤكداً أن المطلوب حالياً هو «خطاب منضبط من جهات متعددة يضع الأمور في إطار علمي واضح، ويمنع تضليل الجمهور عبر التجارب الفردية غير المثبتة».

الصحافي المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن منصات التواصل الاجتماعي ساهمت في تحويل نظام «الطيبات» من فكرة فردية إلى حالة جماهيرية، وذلك لوجود بعض المتابعين الذين يصدقون ما يُقال لهم ويتفق مع أهوائهم، خاصة في حالات الأمراض أو البحث عن علاج للتعافي، «وبالتالي يزداد التفاعل معها في أوساط تلك الفئات التي تريد سماع ما يعجبها فقط».

وحول سرعة انتشار المحتوى الطبي غير المثبت علمياً على المنصات مقارنة بالمحتوى الرسمي، أشار إلى تجارب سابقة أبرزها فترة جائحة كورونا، حين نشر البعض محتوى غير خاضع لمعايير طبية أو علمية تتعلق بالعلاج ومكافحة العدوى.

وتابع: «كل ما يثير الجدل مثل هذه الموضوعات الشائكة يصبح عُرضة للانتشار بسرعة البرق، إن جاز التعبير، عبر خوارزميات المنصات، التي تكافئ كل ما هو غير مألوف، وكأن المبدأ (خالف تُعرف)».


مقالات ذات صلة

تشديد مصري - بريطاني على ضرورة وقف الاعتداءات ضد السعودية

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال محادثات الأربعاء مع نظيره البريطاني إيد ميليباند (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

تشديد مصري - بريطاني على ضرورة وقف الاعتداءات ضد السعودية

شددت محادثات مصرية - بريطانية على «ضرورة وقف الاعتداءات ضد المملكة العربية السعودية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تحليل إخباري جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)

تحليل إخباري «الدهّابة» على الحدود المصرية-السودانية... مخاطر أمنية وتشابكات معقّدة

ثلاث مراحل دشَّنها الجيش المصري، منذ يونيو (حزيران) حتى أكتوبر (تشرين الأول) في مواجهة ظاهرة «الدهّابة» على الحدود مع السودان، مع تنامي التنقيب غير المشروع هناك

محمد محمود (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من الاكتشاف الأثري في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية)

بلاغ مواطن يقود إلى كشف أثري بارز في مصر

قاد إبلاغ مواطن مصري عن كتلة حجرية تحمل نقوشاً عُثر عليها في قطعة أرض يمتلكها أمام منزله بقرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية، إلى كشف أثري ضخم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

تجدد التوترات الدبلوماسية بين القاهرة وأمستردام على خلفية «مظاهرات السفارات»

تجددت التوترات الدبلوماسية بين القاهرة وأمستردام على خلفية توقيف الناشط أحمد ناصر، نائب رئيس اتحاد شباب المصريين بالخارج، وزميل له في هولندا.

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

تحذيرات رسمية في مصر من محاولات إحداث «وقيعة» مع السودان

تواترت التحذيرات المصرية من محاولات «الوقيعة» مع السودان على خلفية الجدل الذي صاحب استهداف «منقبين عن الذهب والمعادن» قرب الحدود المصرية - السودانية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مسؤول محلي: وفاة أكثر من 500 بسبب الجوع في دارفور

سودانية تعد طعاماً لتوزيعه بالخرطوم يوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)
سودانية تعد طعاماً لتوزيعه بالخرطوم يوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)
TT

مسؤول محلي: وفاة أكثر من 500 بسبب الجوع في دارفور

سودانية تعد طعاماً لتوزيعه بالخرطوم يوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)
سودانية تعد طعاماً لتوزيعه بالخرطوم يوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

قال مسؤول محلي في مخيم للنازحين بإقليم دارفور في غرب السودان إن أكثر من 500 شخص توفوا، بسبب الجوع وسوء التغذية خلال الفترة الأخيرة، وناشد المنظمات الإنسانية التدخل العاجل لإنقاذ حياة مئات الآلاف من النازحين في الإقليم الذي يشهد تدهوراً في الأوضاع الإنسانية مع استمرار الصراع بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط، أكد محمد يعقوب المسؤول المحلي في مخيم طويلة للنازحين بولاية شمال دارفور أن كثيراً من الأسر النازحة لا تتحصل على قدر يسير من الطعام الكافي للبقاء على قيد الحياة، وأن هذه الأوضاع فتكت بما يزيد على 500 شخص بالمخيم.

وكانت «المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين في دارفور» قد أعلنت مطلع الأسبوع تدفق المئات من النازحين إلى مخيم طويلة، حيث استقبل 1726 أسرة تضم 8390 شخصاً، وسط نقص حاد في الغذاء، والماء، ومستلزمات الإيواء.

وتشير التقديرات الأممية والمحلية إلى أن أكثر من ثلاثة ملايين نازح يعيشون حالياً بمخيمات دارفور، بسبب الحرب الدائرة في البلاد منذ أبريل (نيسان) 2023.

ويقع مخيم طويلة على بعد 60 كيلومتراً عن مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، ويشهد موجات نزوح مستمرة، ما يشكل ضغطاً على المساعدات الإنسانية التي توفرها المنظمات الدولية والمحلية العاملة هناك.

حاجة ماسة للمساعدات

وقال يعقوب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن ما يقارب 16 ألف نازح وصلوا في الأيام الماضية إلى مخيمات في مناطق شنقلي طوباي، وكتم، وكوما في دارفور، في ظل تراجع سلاسل إمدادات الغذاء، ومياه الشرب، والخدمات الصحية، بسبب نقص التمويل الدولي.

سودانيون يصطفون للحصول على طعام من مطبخ خيري يوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

ووفقاً لأحدث تقرير صادر عن المنظمات العاملة في المجال الإنساني التابعة للأمم المتحدة، فإن 34 مليون شخص بالسودان في حاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية طارئة، وسط توقعات بأن تهدد المجاعة 20 منطقة في إقليمي دارفور وكردفان.

وأشار يعقوب إلى ارتفاع معدلات الوفيات وسط النساء الحوامل والأطفال «بصورة يومية، ومخيفة»، بسبب النقص في الأطباء، والأدوية في المستشفى الوحيد العامل بمنطقة طويلة، مناشداً المنظمات المختصة بالصحة التدخل الفوري لتقديم ما يتوفر من مساعدات طبية للنازحين.

وكشف المسؤول المحلي عن انتشار كبير لأمراض سوء التغذية وسط الأطفال، إلى جانب تفشي الملاريا، وحمى الضنك، والأمراض المزمنة، ما يزيد المخاوف من ارتفاع معدلات الوفيات بين النساء، والرجال، وعلى وجه الخصوص كبار السن.

وحذر من أخطار تفشي الأمراض، والأوبئة الناتجة عن تدهور الأوضاع الصحية، وعدم توفر مياه الشرب، والأدوية المنقذة للحياة.

نُذُر مجاعة

وذكر يعقوب في إفادته لـ«الشرق الأوسط» أن مئات النازحين لقوا حتفهم جوعاً وعطشاً في الطريق إلى مخيمات الإيواء بدارفور.

وقال: «النقص الكبير في تقديم المساعدات الإنسانية، ونذر المجاعة التي بدأت مؤشراتها تلقي بظلالها على الأوضاع المعيشية في دارفور، يهددان حياة ملايين النازحين في ظل استمرار الحرب، وتراجع الاستجابة الإنسانية».

وذكرت «منسقية النازحين واللاجئين» المعنية بالأوضاع الإنسانية في دارفور، في تقرير حديث، أن الوضع في المعسكرات بالغ السوء، ويحتاج لإغاثات عاجلة، وتدخل دولي سريع.

وأشارت إلى أن نقص الغذاء والاحتياجات المعيشية والرعاية الصحية يجعل الفئات الأكثر احتياجاً عرضة لمخاطر إنسانية متزايدة، من بينها تصاعد أرقام الوفيات جراء الكارثة الإنسانية التي تواجه الإقليم.


تشديد مصري - بريطاني على ضرورة وقف الاعتداءات ضد السعودية

وزير الخارجية المصري خلال محادثات الأربعاء مع نظيره البريطاني إيد ميليباند (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري خلال محادثات الأربعاء مع نظيره البريطاني إيد ميليباند (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

تشديد مصري - بريطاني على ضرورة وقف الاعتداءات ضد السعودية

وزير الخارجية المصري خلال محادثات الأربعاء مع نظيره البريطاني إيد ميليباند (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري خلال محادثات الأربعاء مع نظيره البريطاني إيد ميليباند (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

شددت محادثات مصرية - بريطانية على «ضرورة وقف الاعتداءات ضد المملكة العربية السعودية».

وناقش وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مع نظيره البريطاني إيد ميليباند، الأربعاء، على هامش اجتماعات «الخريف» لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، التطورات الحالية في المنطقة وزيادة حدة التوتر والتصعيد وانعكاسات استمرار ذلك على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، فضلاً عن الانعكاسات المباشرة على أمن الطاقة والأمن الغذائي.

واتفق الوزيران على «الأهمية البالغة لاستمرار الجهود المشتركة لخفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، ورفض وإدانة الاعتداءات على السعودية وأهمية وقفها فوراً».

كان وزير الخارجية المصري قد أكد، الثلاثاء، «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم والاستجابة لأي طلبات من الجانب السعودي، بما يعكس عمق العلاقات الأخوية والروابط الاستراتيجية التي تجمع البلدين، والحرص المشترك على صون أمن واستقرار المنطقة».

وشدد حينها على «ضرورة الوقف الفوري لجميع الهجمات التي تستهدف أراضي المملكة العربية السعودية الشقيقة». وقال إنه «لا يوجد مبرر لهذه الاعتداءات ولا يمكن القبول بها»، وأشار إلى أهمية خفض التصعيد واحتواء التوترات الإقليمية في ضوء انعكاساتها السلبية على أمن واستقرار دول المنطقة والعالم كافة».

وحسب متحدث الخارجية المصرية نادر زكي، اتفق وزيرا الخارجية المصري والبريطاني، خلال اللقاء، الأربعاء، على «أهمية الاستمرار في دفع علاقات التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، لا سيما الاستثمارية والاقتصادية والتجارية، بما يعكس الشراكة القائمة بين البلدين، مع مواصلة متابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في إطار اتفاقية المشاركة بين البلدين».

وفيما يتعلق بالأوضاع في السودان، تبادل الوزيران الرؤى بشأن التطورات الميدانية والسياسية الراهنة، والجهود المبذولة لدعم التوصل إلى تسوية للأزمة، حيث أكد عبد العاطي «أهمية مواصلة التحركات الرامية إلى احتواء الأزمة السودانية والحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية».

كما تناول الجانبان الدور المصري في دعم جهود تسوية الأزمة، إلى جانب الدور البريطاني في مجلس الأمن، في ضوء اضطلاع المملكة المتحدة بدور حامل القلم بشأن الملف السوداني. وتم تناول «ضرورة وقف تدفق الأسلحة إلى الميليشيا، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية بما يوفر الظروف لوقف إطلاق النار».

عبد العاطي خلال لقاء رئيس مجلس إدارة «الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي» الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

في سياق آخر أكد بدر عبد العاطي «حرص مصر على تعزيز الشراكة مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي ودعم مؤسسات العمل العربي المشترك»، وثمَّن خلال لقاء المدير العام ورئيس مجلس إدارة «الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي» فوزي يوسف الحنيف، الأربعاء، على هامش اجتماعات «الخريف»، الدعم الذي يقدمه الصندوق لمصر من خلال التمويلات الميسَّرة للمشروعات التنموية والاستراتيجية، مشدداً على «أهمية تطوير أدوات تمويلية أكثر مرونة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية، بما يشمل اضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد، وأعباء الدين، وتحديات الأمنين الغذائي والمائي وتغير المناخ».

كما أكد «أهمية تعزيز دور الصندوق في حشد التمويلات والاستثمارات العربية في مصر، وتشجيع المستثمرين والمؤسسات المالية العربية على الاستفادة من الفرص الواعدة، إلى جانب توسيع التمويل المشترك والشراكات مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، بما يدعم التنمية الاقتصادية ويعزز دور القطاع الخاص».

ووفق إفادة لـ«الخارجية المصرية»، الأربعاء، بحث الجانبان سبل توسيع التعاون في المشروعات الإقليمية المشتركة، خصوصاً في مجالات الربط الكهربائي والنقل واللوجستيات والأمن الغذائي والبنية التحتية العابرة للحدود، بما يعزز التكامل الاقتصادي العربي، ويكرّس مكانة مصر بوصفها محوراً للربط بين العالم العربي وأفريقيا وأوروبا.


«الدهّابة» على الحدود المصرية-السودانية... مخاطر أمنية وتشابكات معقّدة

جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)
جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)
TT

«الدهّابة» على الحدود المصرية-السودانية... مخاطر أمنية وتشابكات معقّدة

جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)
جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)

ثلاث مراحل دشَّنها الجيش المصري، منذ يونيو (حزيران) حتى أكتوبر (تشرين الأول)، في مواجهة ظاهرة «الدهّابة» على الحدود مع السودان، مع تنامي التنقيب غير المشروع هناك، قبل أن يثار حديث سوداني عن حادث قصف على الحدود أوقع قتلى وجرحى.

ويرى خبراء مصريون في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن «الدهابة» يحملون معهم مخاطر على الاستقرار والأمن القومي، ولا بديل عن مواجهتهم والتصدي لهذه الظاهرة، مشيرين إلى أن هذا ما تقوم عليه حملات الجيش المصري منذ يونيو الماضي.

وتوقَّع الخبراء أن تزداد الإجراءات صرامة لمواجهة أي مساس بالحدود، خاصة وأنه غير مستبعد أن يتحول التنقيب العشوائي عن الذهب إلى «بؤر دعم للجماعات الإرهابية».

وتشير إصدارات مرئية بثَّها المتحدث العسكري المصري، منذ بدء حملة «درع الجنوب» لمواجهة خطر «الدهّابة»، إلى أن التنقيب غير الشرعي عن الذهب «لم يعد مجرد اعتداء على ثروات الدولة، بل تحول إلى نشاط إجرامي منظم يهدد الأمن القومي، ويغذي جرائم تهريب السلاح والمخدرات والبشر».

وجاء في أحد الإصدارات أن المناطق الجنوبية تقع ضمن حزام معدني غني بالثروات، وتشهد توسعاً في أعمال التعدين القانونية، «غير أن شبكات إجرامية استغلت الطبيعة الجبلية الوعرة لإقامة بؤر للتنقيب غير المشروع باستخدام معدات ثقيلة وسيارات دفع رباعي وأجهزة اتصال متطورة».

وأكد المتحدث العسكري أن هذه المجموعات «تضم عناصر مصرية وأجنبية مسلحة، تورط بعضها في الاعتداء على قوات الجيش والشرطة واستهداف شركات التعدين العاملة بصورة قانونية، الأمر الذي فرض تنفيذ حملة أمنية واسعة استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة لتفكيك هذه البؤر وتجفيف مصادر التهديد».

التنقيب غير المشروع

في السودان، أعلن مجلس السيادة الانتقالي أنه «شكل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الحادث الذي تعرض له عدد من المعدّنين السودانيين بالمنطقة الحدودية بين مصر والسودان».

وقال المجلس في إفادة رسمية، الاثنين، إن «اللجنة تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية، للتحقيق في ملابسات الحادث، والوقوف على جميع الظروف والوقائع المرتبطة به».

وفي مصر، أعلن المتحدث باسم الجيش العقيد أركان حرب أحمد عتمان في بيان، الاثنين، أن عناصر إنفاذ القانون من القوات المسلحة والشرطة المدنية «واصلت تنفيذ المرحلة الثالثة من الحملة المكبَّرة لمجابهة أعمال التنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية، بعد إلقاء المنشورات التحذيرية على العناصر الإجرامية لفرض كامل السيادة داخل حدود الدولة المصرية وحماية مقدراتها وثرواتها القومية».

جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية (المتحدث العسكري)

وكانت المرحلة الأولى ضد جماعات التنقيب غير المشروع عن خام الذهب قد جرت في يونيو؛ وأفاد الجيش بأنه خلال ذلك الشهر «تم ضبط 58 واقعة تنقيب عشوائي عن خام الذهب، وضبط 20 جهازاً للكشف عن المعادن، و118 ماكينة كهرباء، و86 طن أحجار مخلوطة بخام الذهب».

وشدد الخبير المصري الاستراتيجي اللواء سمير فرج، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، على الدور الحيوي والحاسم الذي تمثله حماية الحدود الإقليمية في صون قيمة الدولة واستقرارها.

وأشار إلى أن السودان «في وضعه الحالي غير مستقر، مما ينعكس سلباً على أوضاع الحدود وتأمينها»، لافتاً إلى أن ذلك يقود بدوره إلى «تحركات غير مشروعة من عصابات تتسلل إلى داخل الحدود المصرية، تستهدف تهريب السلاح والمخدرات، فضلاً عن التنقيب غير المشروع عن الذهب، مما يدفع مصر إلى حماية حدودها ليس أكثر».

واستطرد قائلاً: «الدهّابة عصابات مدربة تحمل مخاطر جسيمة على الأمن القومي المصري، وتُخلِّف بؤر تهديد في جنوب البلاد تفتح معها الباب أمام تهديدات واسعة».

وعن الإجراءات التي تتخذها الجهات المعنية، قال إنها تشمل تعزيز نقاط حرس الحدود، وتكثيف الدوريات الراكبة والمتجولة بالاستعانة بالمركبات الحديثة وتقنيات الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية، بما يضمن منع أي وجود غير قانوني داخل الأراضي المصرية.

الأمن القومي

الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء أركان حرب أسامة كبير يرى أن ظاهرة «الدهّابة» تهدد الأمن القومي من خلال بندين أساسيين، «أولهما المهدِّد الأمني للحدود، لأنهم يخترقونها ويجلبون عمالة غير مشروعة ويمتلكون أسلحة»؛ مشيراً إلى أن ما يحدث هو مواجهة لعناصر اخترقت الحدود قبل أن يكونوا منقبين غير شرعيين عن الذهب.

سبق أن أوقفت مصر عشرات المنقبين غير الشرعيين عن الذهب (المتحدث العسكري المصري)

وأضاف في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»: «هذا النشاط غير المشروع يتجاوز ملف التنقيب عن الذهب ليرتبط بشبكات تهريب وتسلل واسعة تشمل الهجرة غير الشرعية، ومافيا الاتجار بالبشر، وتهريب المخدرات والأسلحة والذخائر التي تسهم في نشر الجريمة والإرهاب داخل البلاد».

والتهديد الثاني، بحسب كبير، هو التهديد الاقتصادي، «باعتبار أن مقدرات البلد وثرواتها المعدنية وتربتها وخاماتها وذهبها وآثارها، وكل ما يُعد من مقومات الاقتصاد للدولة يكون مهدداً، خاصة مع سرقة الذهب واستنزاف وتهريب الثروات المعدنية، ولذا فإن الحملات الأمنية والعسكرية تحمي القانون».

ويقول اللواء فرج إن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تلتزم في تلك الحملات بتطبيق القواعد القانونية بدقة، والتعامل بحسم وفق الإجراءات الرسمية والتحذيرات المقررة ضد أي محاولات لاختراق الحدود أو الهروب بعد ارتكاب جرائم التهريب والتخريب.

ويشير اللواء كبير إلى وجود تنسيق تام ومشترك بين القوات المسلحة وأجهزة الشرطة خلال تلك الحملات في إطار تطبيق القانون عبر خطط محترفة ومنظمة بدقة.

ويتوقع كبير استمرار تلك الحملات بهدف حماية الحدود الإقليمية والجغرافية والسياسية للبلاد، والتعامل الحاسم مع المخالفين وفق القوانين، مع مراعاة البعد الإنساني وفحص مواقف الأفراد المتحفظ عليهم لترحيل غير المتورطين منهم، واتخاذ الإجراءات القضائية الصارمة ضد العناصر الفاعلة في أعمال التخريب والتهريب.