«الطيّبات»... نظام غذائي يثير جدلاً واسعاً في مصر حتى بعد وفاة صاحبه

أطباء يكذبون ادعاءات بالشفاء من أمراض مستعصية دون تناول أدوية

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)
TT

«الطيّبات»... نظام غذائي يثير جدلاً واسعاً في مصر حتى بعد وفاة صاحبه

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)

ابتدع نظاماً غذائياً للاستشفاء من الأمراض، ودعا إلى تحاشي العقاقير والأدوية حتى مع أصحاب الأمراض المزمنة، ونهى عن الإكثار من شرب الماء، ونصائح أخرى كثيرة أدرجها ضمن نظرية سماها «نظام الطيِّبات»... لاقت استحساناً لدى البعض، وانتقاداً شديداً من آخرين.

إنه الطبيب المصري ضياء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم، الذي أشعلت وفاته المفاجئة في الإمارات جدلاً واسعاً في مصر، ربما هدأت حدته بعدما أصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً رسمياً، الثلاثاء، يؤكد أن التحقيقات أثبتت أن الوفاة «طبيعية» وأنه لا توجد «أي شبهة جنائية»، لكن ظل النظام الغذائي الذي كان يروج له محور سجال على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقوم نظام «الطيبات» على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم ويكتفي بها، وأخرى «غير ملائمة» ينبغي الاستغناء عنها. ومن وسائل «الشفاء» التي كان يدعو لها صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، وثلاثة أيام من كل شهر هجري، أو اتباع الصيام المتقطع، مع الاكتفاء بالأكل عند الشعور بالجوع فقط، وشرب الماء عند العطش دون الإكثار منه كما ينصح كثير من الأطباء ومتخصصي التغذية مرضاهم.

وذكر العوضي أنه طبَّق هذا النظام على مجموعة من المرضى لمدة تتراوح بين 4 و6 أسابيع، ولفت انتباهه تحسن حالتهم تحسناً ملحوظاً، مما أدى إلى تقليل الاعتماد على الأدوية.

وفي الأيام القليلة الماضية، أعادت حسابات عديدة نشر مقاطع له، دفاعاً عن نظريته، إلى جانب سرد بعض المستخدمين تجارب شخصية مع «الطيبات»، مؤكدين أن النظام ساعد على تحسين صحتهم والتخلص من آلام مزمنة. ودفع البعض بأن هذا النظام قدَّم نموذجاً مبسطاً يجمع بين الطب والدين.

تحذيرات من الخطورة واتهامات بالتضليل

في المقابل، انهال منتقدو «الطيبات» عليه بالهجوم، مستندين إلى غياب الأدلة العلمية، ومشيرين إلى أن اتباع أنظمة غذائية غير مثبتة تضر بالصحة العامة، وقد تكون لها تبعات صحية خطيرة. وذهب البعض إلى أن العوضي «قتل نفسه بوصفاته».

وتحت عنوان «فضح كذب نظام الطيبات علمياً»، تداول قطاع كبير من المغردين مقاطع فيديو لأطباء داخل مصر وخارجها ينفون مزاعم الشفاء من أمراض مزمنة دون علاج دوائي، ويحذرون من خطورة تجاهل الأدوية على المرضى، خاصة المصابين بالسكري والكلى والقولون التقرحي.

واستخدم فريق من المنتقدين لغة حادة تعبيراً عن استيائهم مما وصفوه بأنه «جهل وتخلف» من جانب من يؤيدون نظام «الطيبات» الذي رأوا فيه تضليلاً وخروجاً عن الضوابط المهنية، مشيرين إلى اتخاذ نقابة الأطباء المصرية إجراءات رسمية ضد صاحبه.

وكانت نقابة الأطباء قد أسقطت الشهر الماضي عضوية العوضي بسبب ما عَدّته «نشر معلومات طبية مضللة وغير مثبتة علمياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي»؛ وقالت حينها إن ما يقدمه «يشكل خطراً على صحة المواطنين».

وأوضح نقيب الأطباء في مصر، أسامة عبد الحي، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، أن «النقابة كانت قد قررت فصل الطبيب بعد إحالته للجنة التأديب النقابية، نتيجة لترويجه لنصائح طبية تخالف القواعد العلمية المعروفة».

كذلك هاجم مدونون بعض المشاهير الذين أعلنوا أنهم اتبعوا النظام الغذائي، قائلين إن الفنان يجب أن يدرك حجم مسؤوليته تجاه المجتمع والجمهور.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)

خوارزميات المنصات

الدكتور تامر فرج سلوم، استشاري التغذية وعضو الرابطة المصرية العامة لأطباء التغذية العلاجية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن وفاة العوضي وظروفها - اختفى قبلها لعدة أيام بحسب عائلته - عززت التعاطف معه، ودفعت البعض لاعتباره «شهيد علم».

وأضاف: «لكن هذا التعاطف لا يغيّر حقيقة أن النظام لم يستند إلى دراسات أو أبحاث موثوقة»، مشدداً على أن النقاش يجب أن يُحسم بالحجة والمعرفة لا بالمشاعر والانفعالات، خاصة أن نظام «الطيبات» لم يخضع بعد لدراسة علمية جادة لتقييم تأثيراته طويلة المدى.

واستطرد قائلاً إن انتشار نظام «الطيبات» لم يكن نتيجة أسس علمية، بل بفعل عوامل اجتماعية ونفسية، «إذ ساهمت مقاطع الفيديو المنتشرة لصاحبه على منصات التواصل في تحويل التجربة الشخصية إلى حالة عامة، كما أن العوضي ركّز على خطاب يلامس مشاعر المرضى، عبر مهاجمة شركات الأدوية والدعوة إلى الاكتفاء بالغذاء بوصفه علاجاً، وهو ما وجد صدى لدى جمهور يعاني ضعف الثقة في المنظومة الطبية، وهو ما منح النظام جماهيرية واسعة رغم غياب الدراسات العلمية».

وأضاف أن الرابطة المصرية العامة لأطباء التغذية العلاجية أصدرت بياناً رسمياً حول هذا النظام قبل نحو شهرين وأرسلته إلى نقابة الأطباء، مؤكداً أن المطلوب حالياً هو «خطاب منضبط من جهات متعددة يضع الأمور في إطار علمي واضح، ويمنع تضليل الجمهور عبر التجارب الفردية غير المثبتة».

الصحافي المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن منصات التواصل الاجتماعي ساهمت في تحويل نظام «الطيبات» من فكرة فردية إلى حالة جماهيرية، وذلك لوجود بعض المتابعين الذين يصدقون ما يُقال لهم ويتفق مع أهوائهم، خاصة في حالات الأمراض أو البحث عن علاج للتعافي، «وبالتالي يزداد التفاعل معها في أوساط تلك الفئات التي تريد سماع ما يعجبها فقط».

وحول سرعة انتشار المحتوى الطبي غير المثبت علمياً على المنصات مقارنة بالمحتوى الرسمي، أشار إلى تجارب سابقة أبرزها فترة جائحة كورونا، حين نشر البعض محتوى غير خاضع لمعايير طبية أو علمية تتعلق بالعلاج ومكافحة العدوى.

وتابع: «كل ما يثير الجدل مثل هذه الموضوعات الشائكة يصبح عُرضة للانتشار بسرعة البرق، إن جاز التعبير، عبر خوارزميات المنصات، التي تكافئ كل ما هو غير مألوف، وكأن المبدأ (خالف تُعرف)».


مقالات ذات صلة

السيسي يدعو ترمب وإيران لمرونة قبل «فوات الأوان»

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)

السيسي يدعو ترمب وإيران لمرونة قبل «فوات الأوان»

وجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، نداءً إلى الولايات المتحدة وإيران للتحلي بـ«المرونة» في هذه المرحلة؛ لإيجاد مساحات تفاهم مشتركة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد شروق الشمس في القاهرة (رويترز)

ضعف الطلب وارتفاع التكاليف يضغطان على نشاط القطاع الخاص المصري

تسارع انكماش نشاط القطاع الخاص غير المنتج للنفط في مصر خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مع تراجع الإنتاج والطلبات الجديدة بأسرع وتيرة في 4 أشهر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)

«قيم الأسرة» تلاحق صُنّاع المحتوى في مصر

تُلاحق أجهزة الأمن المصرية المئات من صناع المحتوى بعدة تهم أشهرها «التعدي على قيم الأسرة المصرية»، والتي تتضمن في غالبيتها نشر مقاطع رقص.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد رئيس الوزراء المصري في البورصة خلال بدء تداول أسهم «بنك القاهرة» يوم الاثنين (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

«بنك القاهرة» يعزز توجهاً مصرياً نحو الاستفادة من أصول مملوكة للدولة

محطة جديدة للحكومة المصرية في مسار التخارج من بعض الأصول المملوكة للدولة عبر بيع 45 في المائة من أسهم «بنك القاهرة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

اجتماع رباعي مصري - سوداني جديد احتضنته القاهرة برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة )

السيسي يدعو ترمب وإيران لمرونة قبل «فوات الأوان»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)
TT

السيسي يدعو ترمب وإيران لمرونة قبل «فوات الأوان»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)

وجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، نداءً إلى الولايات المتحدة وإيران للتحلي بـ«المرونة» في هذه المرحلة، مشدداً على أهمية التفاهم والحوار «قبل فوات الأوان»، ومحذراً من أن البديل سيجلب نتائج «كارثية» على المنطقة.

وخلال مؤتمر صحافي في القاهرة مع نظيرته السلوفينية ناتاشا پيرتس موسار، حذر السيسي من المساس بأمن المملكة العربية السعودية، مجدداً «رفض بلاده القاطع لأي تهديد قد ينال من أمن واستقرار المملكة وسائر الدول الخليجية».

وحسب إفادة للرئاسة المصرية، تناولت محادثات السيسي مع رئيسة سلوفينيا، التي تزور مصر للمرة الأولى، العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية.

وأعاد الرئيس المصري التأكيد على موقف بلاده الثابت بشأن التطورات في المنطقة، ودعا في المؤتمر الصحافي المشترك إلى «خفض التصعيد الإقليمي، وتغليب الحلول السياسية، بما يحول دون انزلاق المنطقة إلى دائرة أوسع من الصراع»، كما دعا الأطراف المعنية بالأزمة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة إلى «إعطاء مساحة للتفاهم والحوار، والوصول لتوافق سياسي يحقق المطالب الرئيسية لكل الأطراف».

وشدد الرئيس المصري على أهمية مسار الحوار والتوافق «قبل فوات الأوان»، وقال إن «البديل ستكون آثاره ونتائجه كارثية على المنطقة والعالم، الذي يعاني من أزمات متلاحقة على مدار 6 سنوات»، وناشد واشنطن وطهران «إبداء أكبر قدر ممكن من المرونة في هذه المرحلة، لإيجاد مساحات تفاهم تسمح بحل النزاع القائم».

كما أكد السيسي وقوف مصر وتضامنها الكامل مع الدول العربية، انطلاقاً من إيمانها الراسخ بأن الأمن القومي العربي «وحدة واحدة لا يتجزأ».

وقال إنه «يثق بترمب بوصفه رجل سلام، نجح في نزع فتيل العديد من الأزمات الصعبة»، ودعاه إلى «أن يبذل قصارى جهده في منح الوسطاء كل أشكال الدعم والمساندة الممكنة للوصول إلى أفضل تسوية متاحة، ولتجنيب المنطقة مزيداً من المعاناة، ومنح شعوبها الأمل في حياة أفضل».

القضية الفلسطينية

وأكد الرئيس المصري أن القضية الفلسطينية «تظل القضية المركزية في الشرق الأوسط، وإحدى القضايا التي تعكس مدى التزام المجتمع الدول بمبادئ العدالة وأحكام القانون الدولي»، وشدد على أهمية التزام الأطراف بالتنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي للسلام في غزة، وضمان النفاذ الآمن للمساعدات الإنسانية، داعياً إلى «ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أرضهم».

من جانبها، أكدت رئيسة سلوفينيا في المؤتمر الصحافي أنه «لا يمكن تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه»، وشددت على «استمرار التزام بلادها بموقفها إزاء القضية الفلسطينية، واحترام قواعد القانون الإنساني الدولي».

وأشاد السيسي بمواقف نظيرته السلوفينية، على الصعيد الدولي، وسياساتها الداعمة لإعلاء أحكام القانون الدولي، وترسيخ السلام، ومن ضمنها قطاع غزة، وأكد أن «هذه المواقف كانت دائماً محل تقدير».

وعلى الصعيد الثنائي، أشار السيسي إلى أن المحادثات عكست توافقاً في الرؤى، للبناء على ما تحقق في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين خلال السنوات الماضية.

وقال: «تم التوافق على مواصلة العمل لتعزيز التشاور السياسي، وتطوير مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري، والتنسيق حول الموضوعات الإقليمية والدولية في ظل الأزمات المتشابكة حالياً».

التعاون والشراكة

قال الرئيس المصري إن بلاده تنظر إلى سلوفينيا بوصفها شريكاً مهماً في منطقة وسط أوروبا، وإنه اتفق مع نظيرته على أهمية تحقيق نقلة نوعية في مسار التعاون الثنائي من خلال وضع برنامج عمل بجداول زمنية محددة لتطوير آليات التعاون التجاري والاستثماري، وتعزيز التواصل المباشر بين مجتمعي الأعمال، خصوصاً في مجالات الطاقة والصناعات المرتبطة بها، والنقل، والسياحة والثقافة، والاتصالات والتحول الرقمي، بما يفتح آفاقاً جديدة للإنتاج والاستثمار والتبادل التجاري.

وحسب الرئاسة المصرية، أكدت المحادثات أهمية تعزيز التعاون اللوجيستي والنقل البحري، وربط الموانئ المصرية مع ميناء (كوبر) السلوفيني، وتكامل سلاسل الإمداد بالبلدين.

وشدد السيسي على ضرورة مواصلة تعزيز الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي، وعلى أهمية تعميق التعاون المصري - السلوفيني دفعاً للشراكة المصرية - الأوروبية.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير جمال بيومي أن دعوة التهدئة والسلام في المنطقة ضرورية في ظل نُذر التصعيد الإقليمي، وقال إن «هناك إدراكاً من الجانب الأوروبي لمركزية الدور المصري في عملية السلام بالمنطقة، وقدرة القاهرة أن تكون وسيطاً أميناً للتهدئة والحوار والسلام الإقليمي».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن هناك توافقاً بين مصر وسلوفينيا في عدد من الملفات الإقليمية، ومن بينها أمن الممرات المائية، لارتباطها بحركة التبادل التجاري بين البلدين. وقال إن زيارة رئيسة سلوفينيا أظهرت حرصها على تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي مع القاهرة، مشيراً إلى أن العلاقات بين البلدين «تاريخية، وتشكل نافذة للعلاقات المصرية - الأوروبية».

وأشار إلى اهتمام سلوفينيا بتوسيع الاستثمارات في منطقة قناة السويس، وخبرتها في مجال الصناعات المعدنية، واستيرادها منتجات غذائية من مصر، مؤكداً أن «هناك فرصاً مشجعة لتوسيع التعاون بين مجتمعات الأعمال في البلدين».


ليبيا: ترحيب حقوقي بحظر إشراك القُصّر في العمليات العسكرية

عناصر تابعة لميليشيات ما يُعرف بـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لـ«اللواء 444»)
عناصر تابعة لميليشيات ما يُعرف بـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لـ«اللواء 444»)
TT

ليبيا: ترحيب حقوقي بحظر إشراك القُصّر في العمليات العسكرية

عناصر تابعة لميليشيات ما يُعرف بـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لـ«اللواء 444»)
عناصر تابعة لميليشيات ما يُعرف بـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لـ«اللواء 444»)

أعاد تعديل تشريعي أقره مجلس النواب الليبي لحظر تجنيد الأطفال دون 18 عاماً، أو إشراكهم في العمليات العسكرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تسليط الضوء على استقطاب القُصَّر داخل الميليشيات المسلحة في غرب البلاد، وحظي التعديل الجديد بترحيب حقوقيين من «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان»، التي عدّت الخطوة «تطوراً في اتجاه تعزيز حماية الأطفال من الاستغلال العسكري».

وجاء إقرار التعديل التشريعي، الاثنين، بناءً على توصية من «لجنة الدفاع والأمن القومي» بمجلس النواب.

وقال المحلل العسكري، محمد الترهوني، لـ«الشرق الأوسط» إن التعديل التشريعي من جانب مجلس النواب «يُمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو بناء مؤسسة عسكرية منضبطة تقوم على قواعد مهنية وقانونية، بعيداً عن ممارسات بعض التشكيلات المسلحة التي تزج بالقُصّر في مواجهات مسلحة».

وعدّ الترهوني أن «ترسيخ الانضباط المنصوص عليه في القانون يُعدّ خطوة ثانية مهمة على مسار فرض الانضباط العسكري»، مبرزاً أن «الخطوة الأولى المتمثلة في المناورات العسكرية، التي جمعت قوات من شرق ليبيا وغربها في سرت خلال أبريل (نيسان) الماضي، مثّلت إحدى محطات التقارب العسكري».

إحدى جلسات «الحوار المهيكل» الليبي في طرابلس (البعثة الأممية)

وتبرز التحديات، التي تواجه تطبيق القانون في ظل تنامي نفوذ الميليشيات المسلحة في غرب ليبيا، ولا سيما في ضوء سجل من الانتهاكات سبق أن وثّقها حقوقيون، من بينها رصد وجود فتيان لا تتجاوز أعمارهم 16 و17 عاماً ضمن مجموعات مسلحة في غرب البلاد.

وشملت الوقائع الموثقة أيضاً وفاة طفل، ورصد طفل آخر يقود آلية عسكرية مصفحة ومسلحة داخل إحدى محطات الوقود، فضلاً عن حوادث مشابهة سُجلت خلال الاشتباكات التي شهدتها العاصمة طرابلس بين عامي 2024 و2025، وفق إفادات سابقة لـ«المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان».

ولا يقتصر استقطاب القُصَّر، وفق حقوقيين، على «حمل السلاح والمشاركة في المواجهات، بل يمتد إلى نقل الإمدادات وتنفيذ مهام لوجستية، وخدمات دعم داخل التشكيلات المسلحة، مقابل رواتب شهرية تتراوح بين 900 و1000 دينار ليبي».

وسبق أن أعادت توصيات «الحوار المهيكل»، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة والصادرة في يونيو (حزيران) الماضي، طرح القضية ضمن مسار الإصلاح الأمني وحماية المدنيين؛ حيث دعت إلى «حظر تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، والعمل على تجفيف مصادر الدخل التي تغذي الصراع وتساعد على استمراره». كما أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حثّت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا على إنشاء آلية مؤسسية تتيح للدولة رصد الانتهاكات المتعلقة بتجنيد الأطفال ومعالجتها، في ضوء تقارير عن استقطاب قاصرين إلى مجموعات مسلحة.

يأتي ذلك في ظل انقسام عسكري بين شرق البلاد؛ حيث قوات «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، وتشكيلات مسلحة ضمن أطر رسمية تتبع حكومة «الوحدة الوطنية المؤقتة» في غربها.

جلسة مجلس النواب الليبي في مدينة سبها الاثنين (المكتب الإعلامي للمجلس)

من جهته، أبرز عضو مجلس النواب، فهمي التواتي، أن تطبيق القرار في الظروف الحالية يواجه صعوبات، مرجحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عدم قابليته للتنفيذ عملياً في الوقت الراهن، وإن كان يوفر مرجعية قانونية للجهات القضائية عند وقوع مخالفات، أو تقديم شكاوى بشأن تجنيد الأطفال.

وفي قراءة حقوقية، يرى الناشط طارق لملوم أن «الإشكالية لا تتعلق بسن التجنيد الرسمي وحده، بل بقدرة التشكيلات المسلحة على استقطاب القُصَّر خارج الأطر القانونية، عبر الإغراء بالمال والرواتب والسلاح والنفوذ»، لافتاً إلى أن «ليبيا أعلنت منذ عام 2004، عند انضمامها إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل، أن الحد الأدنى للتطوع في قواتها المسلحة هو 18 عاماً»، متسائلاً: «ما قيمة منع تجنيد القُصَّر قانوناً إذا كان بالإمكان استدراجهم إلى التشكيلات المسلحة خارج القانون؟».

وشدد لملوم على أن «حماية الأطفال تتطلب أكثر من تعديل تشريعي، وتشمل منع استغلالهم وإخراجهم من التشكيلات المسلحة، ومحاسبة المسؤولين عن تجنيدهم»، معتبراً أن مواجهة الظاهرة تستلزم التعامل مع مصادر الاستقطاب، وليس الاكتفاء بتحديد السن القانونية للتجنيد.

وبين الترحيب الحقوقي بالتعديل التشريعي لكونه «يُقلل من نفوذ الميليشيات»، والتحفظات بشأن إمكان تنفيذه، «تظل فاعليته مرتبطة بقدرة المؤسسات الليبية على إخضاع التشكيلات المسلحة لسلطة قانونية موحدة، وإنشاء آليات للرصد والمساءلة، ومعالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، التي تجعل القُصَّر عرضة للاستقطاب»، وفق مراقبين.


وزير داخلية إسبانيا يزور موريتانيا ويلتقي الرئيس و3 وزراء

وزيرة الدفاع الإسبانية خلال زيارتها نواكشوط في أواخر أكتوبر 2024 (وزارة الداخلية الموريتانية)
وزيرة الدفاع الإسبانية خلال زيارتها نواكشوط في أواخر أكتوبر 2024 (وزارة الداخلية الموريتانية)
TT

وزير داخلية إسبانيا يزور موريتانيا ويلتقي الرئيس و3 وزراء

وزيرة الدفاع الإسبانية خلال زيارتها نواكشوط في أواخر أكتوبر 2024 (وزارة الداخلية الموريتانية)
وزيرة الدفاع الإسبانية خلال زيارتها نواكشوط في أواخر أكتوبر 2024 (وزارة الداخلية الموريتانية)

وصل وزير الداخلية الإسباني، فيرناندو غراندي مارلاسكا، إلى موريتانيا، الثلاثاء، في زيارة يلتقي خلالها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني و3 من وزراء حكومته، وفق جدول أعمال نشرته «رئاسة الحكومة الإسبانية (لا مونكلوا)»، دون الإعلان بشكل رسمي عن الملفات التي سيناقشها الوزير الإسباني في موريتانيا.

وسيبدأ وزير الداخلية الإسباني أنشطته الرسمية بلقاء نظيره الموريتاني؛ مختار ولد أحمد بوسيف، قبل أن يعقد اجتماعاً مع وزيرة الصيد؛ عيساتا لام، ثم يلتقي بعد ذلك وزير الدفاع؛ با عثمان، ويختم أنشطته بلقاء الرئيس الغزواني.

وقالت رئاسة الحكومة الإسبانية إن وزير الداخلية سيجري «لقاءات مؤسسية متعددة»، دون تحديد محاورها أو الملفات التي ستتطرق إليها النقاشات، إلا إن مراقبين لاحظوا تزامن هذه الزيارة مع ازدياد تدفق المهاجرين عبر المياه الموريتانية إلى جزر الكناري الإسبانية، والعقبات التي تمنع تجديد «اتفاقية الصيد» بين موريتانيا و«الاتحاد الأوروبي»، وكذا ما يجري من تطورات في ملف الصحراء.

* تعقيدات ملف الهجرة

يعدّ ملف الهجرة غير النظامية، ومحاربة شبكات تهريب البشر، أهم ملفات التعاون بين البلدين، حيث أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية وصول 7133 مهاجراً إلى جزر الكناري بين يناير (كانون الثاني) و30 سبتمبر (أيلول) الماضيين في 95 قارباً، بانخفاض 44.5 في المائة عن المدة نفسها من 2025 حين وصل 12 ألفاً و848 في 211 قارباً.

مهاجر من أفريقيا جنوب الصحراء على متن قارب قبالة سواحل موريتانيا (أ.ف.ب)

لكن الوتيرة عادت إلى الارتفاع في الأسابيع الأخيرة، حيث تشير الأرقام إلى وصول 4162 مهاجراً بين 16 أغسطس (آب) و15 أكتوبر (تشرين الأول) الماضيين، مقابل 1608 في المدة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة 159 في المائة، وفق وكالة «إيفي» نقلاً عن وزارة الداخلية الإسبانية.

وتشير هذه الأرقام إلى أن مجموع المهاجرين الذين وصلوا إلى جزر الكناري منذ بداية العام الحالي يقدر بنحو 9 آلاف مهاجر، مقابل 13 ألف مهاجر في المدة نفسها من العام الماضي، لكن لا تزال الأرقام مرشحة للارتفاع.

وفي 22 أكتوبر الماضي وصل أكثر من 400 مهاجر إلى جزيرة إل إييرو في 4 قوارب، أحدها غادر مدينة نواذيبو شمال موريتانيا وعلى متنه 33 سنغالياً، في حين انطلق آخران من السواحل السنغالية والغامبية.

وقالت «المنظمة الدولية للهجرة» في 13 أكتوبر الماضي إن تشديد المراقبة داخل مناطق المغادرة التقليدية في المغرب وموريتانيا والسنغال أسهم في انتقال نقاط الانطلاق جنوباً نحو غامبيا وغينيا وغينيا بيساو، موضحة أن الرحلات أصبحت أطول وأخطر.

* «اتفاقية الصيد»

من جهة أخرى، تأتي الزيارة قبل أقل من أسبوعين على انتهاء «بروتوكول الصيد» بين «الاتحاد الأوروبي» وموريتانيا، ودخول الطرفين مفاوضات شاقة لتجديده، لكنها لم تُفضِ إلى نتيجة. وتعدّ إسبانيا أكبر متضرر من فشل هذه المفاوضات.

وتعود «اتفاقية الصيد» إلى عام 2021، وتسمح موريتانيا بموجبها لسفن 10 دول أوروبية بصيد ما يصل إلى 280 ألف طن سنوياً، مقابل إسهام مالي أوروبي قدره 60 مليون يورو في السنة، وتتصدر إسبانيا المستفيدين من هذه الاتفاقية، حيث حصلت 33 سفينة إسبانية على تراخيص في 2024، وصادت أكثر من 15 ألف طن من القشريات والأسماك القاعية والرخويات والتونة.

وقال وزير الزراعة والصيد الإسباني، لويس بلاناس، في بروكسل يوم 28 سبتمبر (أيلول) الماضي، إن بلاده تطلب من «المفوضية الأوروبية» «تكثيف اتصالاتها» لتجديد الاتفاق، مبرزاً أن غالبية الدول الأعضاء تؤيد ذلك، وأن إسبانيا لا تريد أن يضطر الأسطول الأوروبي إلى مغادرة المياه الموريتانية.

وتتعثر المفاوضات بسبب خلافات على حصص الوصول والمقابل المالي. فقد قالت جمعية مالكي السفن «أنامار» الإسبانية إن نواكشوط تريد إسهاماً أكبر، بينما أشارت وزارة الصيد الموريتانية إلى «إعادة تنظيم الوصول»؛ بسبب مخاطر تهدد أرصدتها من الأسماك السطحية الصغيرة المستنزفة.

قضية الصحراء

الزيارة تلفت الانتباه أيضاً لأنها تتزامن مع تعثر «مجلس الأمن» الدولي في تمديد ولاية «بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (مينورسو)»، وهو الملف الذي يعني إسبانيا بوصفها قوة استعمارية سابقة للإقليم، وموريتانيا بصفتها عضواً مراقباً في المفاوضات.

صورة مأخوذة من فيديو للمباحثات بين وزير داخلية إسبانيا ونظيره الموريتاني السابق في نواكشوط عام 2022 (الداخلية الإسبانية)

وكانت جبهة «البوليساريو» قد طلبت عبر ممثلها في إسبانيا من الحكومة، التي ستنبثق عن الانتخابات العامة المقررة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تَحمّل مسؤوليتها «بوصفها القوة القائمة بالإدارة» للإقليم، مع الإشارة إلى أن رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، غيّر في 2022 موقف بلاده، وقبل خطة المغرب أساساً للتفاوض.

وفي خضم التطورات الأخيرة، طلبت موريتانيا تشكيل لجنة لترسيم الحدود؛ مما أثار الجدل بخصوص مصير مدينة لكويره، التي كانت تحت الحماية الإسبانية، لكنها تحولت مدينةً مهجورةً بسبب الحرب في منتصف سبعينات القرن الماضي، وتقع اليوم على بعد كيلومترات قليلة من مدينة نواذيبو؛ العاصمة الاقتصادية لموريتانيا؛ مما يعطيها مستوى من الحساسية بالنسبة إلى الموريتانيين.