خروقات تبطل أكثر من رُبع نتائج المرحلة الأولى من انتخابات «النواب» المصري

إعادة الاقتراع في 19 دائرة موزعة على 7 محافظات

رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات حازم بدوي لحظة إعلان نتائج المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية المصرية (لقطة مثبتة)
رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات حازم بدوي لحظة إعلان نتائج المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية المصرية (لقطة مثبتة)
TT

خروقات تبطل أكثر من رُبع نتائج المرحلة الأولى من انتخابات «النواب» المصري

رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات حازم بدوي لحظة إعلان نتائج المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية المصرية (لقطة مثبتة)
رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات حازم بدوي لحظة إعلان نتائج المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية المصرية (لقطة مثبتة)

أبطلت الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر، الثلاثاء، أكثر من ربع نتائج المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان)، بواقع 19 دائرة انتخابية، موزعة على 7 محافظات، بعد رصد «خروقات» شابت العملية الانتخابية، في خطوة غير مسبوقة منذ سنوات، دفعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للتدخل.

وقال السيسي، الاثنين، إن «الأحداث التي وقعت في بعض الدوائر الانتخابية التي جرت فيها منافسة بين المرشحين على المقاعد الفردية، تخضع لفحص الهيئة الوطنية للانتخابات دون غيرها»، داعياً الهيئة إلى عدم التردد في الإلغاء الكامل للمرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب، حال ثبوت ذلك.

مصرية تدلي بصوتها في المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية (المجلس القومي للمرأة)

وعلى وقْع ترقّب واسع من المصريين بلغ سيناريوهات إلغاء نتائج الانتخابات بالكامل، قال المستشار حازم بدوي، رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، خلال مؤتمر صحافي لإعلان النتيجة الرسمية، الثلاثاء، إن الهيئة «رصدت مخالفات مُثبتة» في الدوائر الـ19 التي جرى إبطال نتائجها، من بين 70 دائرة، موضحاً أن القرار اتُّخذ «حفاظاً على إرادة الناخبين». وشدّد قائلاً: «لا تستُّر على أي مخالفة أو مُخالِف».

وشملت المحافظات التي أُلغيت فيها النتائج الجيزة، الإسكندرية، البحيرة، الفيوم، أسيوط، قنا، وسوهاج، واستحوذت محافظتا قنا وسوهاج وحدهما على 11 دائرة من بين الدوائر التي تقرَّر إعادتها.

وعزت الهيئة قرارها إلى مخالفات عدة في تلك الدوائر؛ منها عدم تسليم المرشح صورة من محضر حصر الأصوات، والتفاوت في عدد الأصوات بين اللجان الفرعية والعامة، وهي التي عدَّها رئيس الجهاز التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات، أحمد بنداري، «عيوباً جوهرية تنال من نزاهة عمليتَي الاقتراع والفرز».

وأكد البنداري أن الإلغاء «يأتي وفقاً للمادة (54) من قانون مباشرة الحقوق السياسية»، مشيراً إلى أن عدد التظلمات التي تلقّتها الهيئة بلغ 88 تظلماً، وجرت مراجعتها قبل إعلان القرار.

وأعلن المستشار حازم بدوي فوز «القائمة الوطنية من أجل مصر»، وتضم 12 حزباً سياسياً، بعد تجاوزها النسبة القانونية بحصولها على أكثر من 5.2 مليون صوت في قطاعات شمال ووسط وجنوب الصعيد، بنسبة مشاركة بلغت 23.37 في المائة، وبلغت نسبة الأصوات الصحيحة نحو 92 في المائة من الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم.

مرشحون تابعون لحزب «مستقبل وطن» خلال مؤتمر انتخابي (الصفحة الرسمية للحزب)

وأُجريت الانتخابات في مرحلتها الأولى يوميْ 10و11 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، وشملت 14 محافظة، تنافس فيها 1281 مرشحاً بالنظام الفردي داخل 70 دائرة انتخابية، عبر 5606 لجان فرعية يحقّ لـ35 مليون ناخب الإدلاء بأصواتهم فيها.

كان الرئيس المصري قد علّق على الجدل المُثار، مُلوّحاً بإمكان «إلغاء بعض النتائج أو حتى جميعها»، قائلاً إن «اختيار الشعب هو الأساس». ولقي موقفه ترحيباً واسعاً، بينما عدّه آخرون فرصة للدعوة إلى «إصلاح شامل» للمجال السياسي.

جاء ذلك على وقْع نقاشات سياسية واسعة، وتداول نشطاء ومدوّنين مقاطع مصوّرة تُوثّق شكاوى عدد من المرشحين بشأن «مخالفات وتزوير»، بينها استغاثة لمرشح في محافظة البحيرة موجّهة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومقطع آخر يُظهر «فرزاً مبكراً» داخل لجنة بدائرة المنتزه في الإسكندرية، وأقرّت الهيئة بصحة الفيديو الأخير، وقررت استبعاد الصندوق محل الطعن.

وعقب قرار إلغاء الاقتراع في 19 دائرة انتخابية، أبدى حزب «الوفد» تفاؤله بتغير في المشهد الانتخابي، في حين أشاد حزب «حماة الوطن» بـ«الهيئة الوطنية للانتخابات؛ لحرصها على إعمال مبدأ الشفافية والنزاهة في إعلان نتائج انتخابات مجلس النواب»، مشيراً إلى أن «النتيجة جاءت معبرة عن اختيارات الشارع المصري، وتعبيراً عن إرادته الحرة».

ولا يستبعد عضو مجلس الشيوخ والقيادي بحزب «الوفد» ياسر قورة حدوث مفاجآت في المرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية مدفوعة بشعور لدى المواطنين بمتابعة دقيقة من جانب الرئيس المصري لتفاصيل المشهد الجاري، مُعيداً التذكير «بإحباط وشعور عام لدى المواطنين بأن الانتخابات شكلية ومحسومة، وانعكس ذلك على تدني مستويات المشاركة».

وفي حين أقرّ قورة، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، باستمرار «الوجود الكبير للمال السياسي في المشهد الانتخابي»، إلا أنه توقّع «تقلصه في ضوء التطورات الأخيرة التي من غير المستبعد أن تُغير خريطة التمثيل السياسي في البرلمان المقبل وتدفع بوجوه جديدة تحت القبة».

الرؤية نفسها أكدها الباحث السياسي المصري محمد حامد، الذي رأي، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن قرار إلغاء الانتخابات في بعض الدوائر هو قرار سليم للحفاظ على إرادة المصريين الانتخابية، أخذاً في الحسبان الظروف الدقيقة تمر بها مصر والإقليم بأكمله.

وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في تصريحات نقلها المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، الثلاثاء، خلال زيارته لأكاديمية الشرطة، «أن التطورات الداخلية أكدت مدى تلاحم أبناء الشعب المصري، وحرصه على العبور بالبلاد إلى مرحلة التنمية والإنجازات، وأن التطورات الإقليمية تستوجب تكاتف جميع أبناء الوطن لمواصلة النهوض به وحمايته من أي تهديدات».

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال زيارة الثلاثاء لأكاديمية الشرطة (الرئاسة المصرية)

وقُوبل قرار إلغاء الدوائر الانتخابية بمطالبَ أوسع من جانب قطاع من السياسيين المصريين؛ من بينها إعادة النظر في قوانين الانتخابات، وسَن تشريعات رادعة ضد دور المال السياسي في توجيه أصوات المصريين في الاقتراع، وهي رؤية يتبناها نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عمرو هاشم ربيع، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط».

ووفق ما أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات، الثلاثاء، فإنه من المقرر أن تُعاد الانتخابات في الدوائر التسع عشرة بالخارج، في الأول والثاني من ديسمبر (كانون الأول المقبل، وفي الداخل يوميْ 3 و4 من الشهر نفسه، على أن تُعلن النتائج في 11 ديسمبر.

جاء ذلك بينما يترقّب المرشحون والأحزاب المرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية التي يبدأ التصويت فيها بالخارج يوميْ 21 و22 من شهر نوفمبر، وفي الداخل يوميْ 24 و25 من الشهر نفسه.


مقالات ذات صلة

مصر: تحركات نيابية عاجلة لمحاصرة ارتباك الأسواق

شمال افريقيا «جهاز حماية المستهلك» خلال حملات تفتيش يوم الأربعاء (حساب الجهاز على «فيسبوك»)

مصر: تحركات نيابية عاجلة لمحاصرة ارتباك الأسواق

طالب عدد من أعضاء البرلمان المصري بغرفتَيه «النواب» و«الشيوخ» عبر تصريحات صحافية، الخميس، الحكومة بـ«تفعيل الأدوات الرقابية لضبط الأسعار».

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (المجلس)

مصر: الحكومة تواجه انتقادات برلمانية بسبب «القرارات الاستثنائية»

تواجه الحكومة المصرية انتقادات برلمانية بسبب «القرارات الاستثنائية» الخاصة برفع أسعار المحروقات، على وقع تأثيرات حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)

مصر: مخاوف من عودة «تخفيف الأحمال» ضمن خطة ترشيد استهلاك الطاقة

قررت الحكومة المصرية اتخاذ حزمة من الإجراءات لترشيد استهلاك الطاقة، على ضوء التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة وما صاحبها من ارتفاعات حادة في أسعار الوقود.

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

معارضون مصريون يسعون لظهور مُؤثر تحت قبة البرلمان

يسعى معارضون مصريون إلى ظهور مؤثر تحت قبة البرلمان عبر تشكيل تكتل يضم عدداً من أحزاب المعارضة، ونواباً مستقلين بمجلس النواب.

عصام فضل (القاهرة)
العالم العربي سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)

حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

تفرض الحرب على إيران واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج، في ظل تضاعف أسعار رحلات الطيران من مدن خليجية إلى القاهرة، واضطراب حركة الملاحة الجوية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».


تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
TT

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في العاصمة الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في البلاد، في وقت تتصاعد فيه التطورات الميدانية في عدد من الأقاليم.

وجدَّد هافيستو، الذي يزور السودان في أول مهمة رسمية له منذ تعيينه، التزام الأمم المتحدة بدعم المساعي الهادفة إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، والعمل على إيجاد حل سلمي دائم للنزاع، مؤكداً أن زيارته تمثل فرصة مهمة للاستماع المباشر إلى رؤى مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين الرئيسيين في البلاد.

وشدَّد المبعوث الأممي على أهمية تبني خيار الحوار وخفض التصعيد بوصفهما مدخلاً أساسياً نحو وقف شامل للأعمال العدائية، إلى جانب ضرورة إعطاء الأولوية لحماية المدنيين، واتخاذ تدابير لبناء ثقة تهيئ الظروف لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية. وأكَّد أن الأمم المتحدة «لا تزال منخرطة بشكل كامل مع الجهات المعنية كافة» لتعزيز السلام والاستقرار، وتقديم المساعدات الإنسانية في مختلف أنحاء السودان، مشدِّداً على حرص مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة على وحدة السودان وسلامة أراضيه. وأضاف أن المنظمة الدولية «تقف بحزم مع الشعب السوداني»، وتواصل العمل مع شركائها الدوليين لدعم الخطوات الجادة لإنهاء القتال، ورسم مسار نحو سلام دائم يتحقق عبر حوار شامل وحقيقي.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش (رويترز)

وخلال زيارته، التقى هافيستو بوزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، واستمع منه إلى شرح مفصل حول الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في البلاد في ظل استمرار النزاع. وأكَّد إبراهيم رفض الحكومة السودانية لأي «حلول جاهزة» قد يقدمها المجتمع الدولي، مشدداً على أن مشاركة جميع الفاعلين تمثل خطوة أساسية لبناء رؤية واضحة وتحديد نقطة انطلاق لعملية السلام. واتفق الجانبان على أهمية دمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة وفق أسس قانونية واضحة، بما يمنع وجود أي قوى موازية خارج إطار الدولة، مؤكدين أن تحقيق السلام في السودان يتطلب نهجاً تراكمياً قائماً على خطوات عملية قابلة للتنفيذ، تمهّد لعملية سياسية شاملة ومستدامة.

تطورات ميدانية

في موازاة ذلك، أكَّد حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة، استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية الواقعة جنوب شرقي السودان على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، وذلك في أول تعليق رسمي له عقب سقوط مدينة الكرمك الاستراتيجية قرب عاصمة الإقليم الدمازين. وقال العمدة، في تصريحات صحافية من مكتبه في الدمازين، إن القوات المسلحة السودانية تواصل العمل على بسط سيطرتها على المحافظات المتاخمة لدولتي جنوب السودان وإثيوبيا، مشيراً إلى استمرار العمليات العسكرية لتأمين الشريط الحدودي.

اشتعال جبهة النيل الأزرق (الشرق الأوسط)

ودعا المواطنين إلى عدم الالتفات لما وصفه بـ«الشائعات» التي تروج لها «غرف إعلامية» عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف زعزعة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن «الجيش الوطني خط أحمر» باعتباره الضامن لوحدة النسيج الاجتماعي في إقليم النيل الأزرق، ووقوفه في وجه ما وصفها بـ«المؤامرات» التي تستهدف البلاد.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواتر فيه الأنباء عن تقدم ميداني متسارع لقوات تحالف «تأسيس»، بقيادة «قوات الدعم السريع»، نحو مدينة باو جنوب غربي الدمازين، بعد إعلانها، الثلاثاء، إكمال سيطرتها على مدينة الكرمك الواقعة على الحدود مع إثيوبيا. وأفادت تقارير محلية بفرار مئات الأسر من الكرمك باتجاه الدمازين والمناطق المحيطة بها، في حين قالت حكومة الولاية إنها قامت بإجلاء أعداد كبيرة من المواطنين إلى مناطق آمنة قبل دخول القوات إلى المدينة. وتداولت منصات إعلامية موالية لـ«قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو عبر موقع «فيسبوك»، تظهر مجموعة من المسلحين يزعمون اختراق الدفاعات الأمامية للجيش السوداني في محيط الكرمك.

في المقابل، نفت السلطات المحلية في محافظة باو، بشكل قاطع، صحة هذه الأنباء، مؤكدة في بيان نشر عبر «فيسبوك» استقرار الأوضاع الأمنية في جميع أنحاء المحافظة، وعدم وجود أي تهديدات عسكرية في محيط المدينة، ومشدِّدة على أن ما يتم تداوله «أخبار كاذبة».

وفي تطور ميداني منفصل، أسفرت غارة بطائرة مسيَّرة مجهولة، صباح الأربعاء، عن مقتل ستة أشخاص على الأقل في بلدة التومات جنوب محلية الرهد بولاية شمال كردفان، وذلك إثر استهداف شاحنة نقل مدنية، بحسب ما أفاد به شهود عيان، الذين أشاروا أيضاً إلى إصابة عدد من الركاب. من جهتها، اتهمت «قوات الدعم السريع» الجيش السوداني بقصف سوق في بلدة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وقالت، في بيان نشر عبر منصة «تلغرام»، إن هذا الهجوم يأتي بعد أيام من قصف مواقع مدنية، من بينها مستشفى الضعين في شرق دارفور، ومناطق أخرى في إقليم كردفان، مشيرة إلى أن تلك الهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين في مواقع خالية من أي وجود عسكري. ولم يصدر تعليق فوري من الجيش السوداني بشأن هذه الاتهامات.