تساؤلات حول مدى استجابة الليبيين لدعوات حفتر من أجل «حراك سلمي»

بعد حديثه مع وفود قبلية حول التحرك لإحداث «تغيير جذري»

حفتر خلال استقباله مشايخ وأعيان وحكماء من مدينة الزاوية الأسبوع الماضي (القيادة العامة)
حفتر خلال استقباله مشايخ وأعيان وحكماء من مدينة الزاوية الأسبوع الماضي (القيادة العامة)
TT

تساؤلات حول مدى استجابة الليبيين لدعوات حفتر من أجل «حراك سلمي»

حفتر خلال استقباله مشايخ وأعيان وحكماء من مدينة الزاوية الأسبوع الماضي (القيادة العامة)
حفتر خلال استقباله مشايخ وأعيان وحكماء من مدينة الزاوية الأسبوع الماضي (القيادة العامة)

أثارت دعوات عدّة أطلقها القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، المشير خليفة حفتر، لدى استقباله وفوداً قبلية بـ«التحرك السلمي» يقوده الشعب لإحداث «تغيير جذري» في المشهد السياسي، تساؤلات حول مدى استجابة الليبيين لذلك، وقدرتهم على تحويلها إلى واقع على الأرض.

مشايخ وأعيان وحكماء قبائل بني وليد في زيارة إلى مقر القيادة العامة بشرق ليبيا نهاية الأسبوع الماضي (القيادة العامة)

وكان حفتر قد استقبل في مقر القيادة العامة بشرق ليبيا ممثلين عن قبائل من شرق وغرب وجنوب البلاد، وبدت هذه اللقاءات «محاولةً لإعادة ترتيب قاعدته الشعبية وتهيئتها لمرحلة سياسية جديدة أو تحرك مرتقب».

ورأى السفير الليبي السابق لدى الأمم المتحدة إبراهيم قرادة، أنه «من الصعب الحكم على قدرة حفتر في تحريك الشارع لغياب ملامح مشروعه السياسي الواضح»، مشيراً إلى أن «هذا الغموض يجعل قياس التجاوب الشعبي أمراً معقداً». ويوضح قرادة، لـ«الشرق الأوسط»، أن لقاءات حفتر مع القوى القبلية «قد تهدف إلى تحشيد الشارع لإنهاء وضعية الانقسام، لكنها قد تكون أيضاً مجرد ورقة ضغط لكسر الجمود السياسي وتعزيز موقعه في أي مفاوضات مقبلة، كما يتشكك البعض».

وأضاف قرادة، وهو المدير التنفيذي للمعهد الدولي للبحوث والدراسات الليبية، أن «الانقسام السياسي والمؤسسي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، والضغوط المعيشية، عوامل أخرى تقلل من دفع الشارع إلى الاحتشاد خلف دعوة الحراك، أياً كان مطلقها».

وتتنازع السلطة في ليبيا حكومتان: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والثانية حكومة أسامة حماد المكلفة من البرلمان، تدير المنطقة الشرقية، وبعض مدن الجنوب بدعم من «الجيش الوطني».

ويعدّ مؤيدو حفتر أن لقاءاته مع ممثلي القبائل جزء من مشاورات تهدف إلى «توحيد الموقف الوطني والدفع نحو حراك سلمي للخروج من الانسداد»، في حين يرى معارضوه أنه يسعى إلى «تفويض شعبي أو يطرح مبادرة ظاهرها سياسي وباطنها عسكري، في محاولة لقطع الطريق على تنفيذ الخريطة السياسية للبعثة الأممية، التي تتضمن إجراء الانتخابات، ومن ثم إنهاء نفوذ كل مراكز القوى الحالية».

ويرى قرادة أن لقاءات حفتر مع أعيان من قبائل الغرب «أسهمت في تأسيس حواضن اجتماعية أولية قد تمنحه دعماً إضافياً»، إلا أنها قد «تدفع خصومه إلى التكتل ضده، بما قد يزيد الانقسام»، محذراً من أن «توازنات القوى الدولية والإقليمية تجعل أي تحرك شعبي محتمل عرضة للعرقلة أو إعادة التوظيف سياسياً، ما يبقي السيناريوهات مفتوحة بين كسر الجمود أو تعقيد المشهد».

أما رئيس «الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية» أسعد زهيو، فيرى أن «درجة الاستجابة لأي حراك تعتمد على اتساقه مع القوى الأمنية والعسكرية في المنطقة المستهدفة». ويستبعد زهيو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «يكون نطاق الحراك في مناطق نفوذ حفتر بالشرق والجنوب»، عادّاً أن «أي محاولة لتحريكه في الغرب ستواجه صعوبات كبيرة».

وعدّ زهيو أن لقاء حفتر مع أعيان من قبائل الغرب الليبي مثل ترهونة والزاوية والزنتان «يُمثل اختراقاً مهماً لمعسكر خصومه»، لكنه شدد على أن «نتائج أي خطوات قبلية في تلك المناطق وغيرها ستظل مرهونة بمدى اقتناع الشارع بأهداف هذا الحراك، وهل سيُحقق إنهاء الانقسام وتحسين المعيشة، أم سيكون أداة لتعزيز نفوذ طرف معين؟».

وبشأن البعثة الأممية لدى ليبيا، فيرى زهيو أنها «لن تستطيع فعل الكثير، رغم ما قد تسببه هذه الدعوات من تعقيد لخريطتها السياسية».

وانضم الباحث السياسي الليبي أسامة الشحومي للآراء التي ترى أن «إخفاق البعثة الأممية في حل الأزمة السياسية للبلاد منذ أكثر من عقد، وفشلها في تحقيق توافق في ملفات كبرى مثل توزيع العائدات النفطية، مصدر الدخل الرئيسي للبلاد، قد يمنح دعوة حفتر فرصة للنجاح».

ورأى الشحومي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف الرئيسي من لقاءات حفتر مع القوى القبلية هو الحصول على تفويض سياسي واجتماعي، وليس مجرد خروج مظاهرات».

ويرى الشحومي أن استمالة مدينة مصراتة، ذات الثقل السياسي في الغرب الليبي ومسقط رأس الدبيبة، «ستظل العائق الأبرز» أمام أي دعوات لحفتر، إضافة إلى معارضة قوى دينية وسياسية محسوبة على رئيس حكومة «الوحدة»، في مقدمتها المفتي المعزول الصادق الغرياني، فضلاً عن ذاكرة الصراع بين «الجيش الوطني» وطرابلس.

ويلفت الشحومي إلى أن «القبيلة لا تزال فاعلاً مؤثراً، وأن الإجراءات التي اتخذتها أجهزة أمنية تابعة لحكومة «الوحدة»، كالقبض على شخصيات قبلية بمدن الغرب الليبي ممن اجتمعوا مع حفتر، تبرهن على وجود مخاوف من تأثير هذه اللقاءات، ومحاولة منع تكرارها».

أما الناشط السياسي الليبي حسام القماطي فقد وصف لقاءات حفتر بأنها محاولة لإيجاد «غطاء شعبي لأي تحرك سياسي أو عسكري؛ والإيحاء بامتلاكه ذلك الغطاء لتعزيز موقعه في أي مفاوضات نهائية حول مستقبل ليبيا، سواء برعاية أممية أو أميركية».

وأضاف القماطي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن حفتر «سعى للاستفادة من الوضع الراهن؛ أي تباطؤ تنفيذ مراحل (الخريطة الأممية)»، لافتاً إلى أن الليبيين «سئموا من الكشف عن وقائع فساد ضخمة مؤخراً؛ كما أن لقاءاته مع قبائل من غرب البلاد تعد بمثابة إعادة تموضعه بوصفه شخصيةً وطنيةً تسعى لتجاوز الانقسام، لا قائداً عسكرياً محسوباً على رقعة بعينها».

وسبق لـ«الجيش الوطني» بقيادة حفتر أن شنّ حرباً على العاصمة طرابلس مطلع أبريل (نيسان) 2019، خلّفت آلاف القتلى والجرحى، وانتهت بسحب قواته في يونيو (حزيران) إلى خط سرت-الجفرة.


مقالات ذات صلة

احتفالات الليبيين بالعيد تتجاهل «صراعات السياسة» و«التوترات الاجتماعية»

شمال افريقيا أسر ليبية تصطحب أطفالها لحديقة الحيوانات في طرابلس بمناسبة العيد «أ.ف.ب»

احتفالات الليبيين بالعيد تتجاهل «صراعات السياسة» و«التوترات الاجتماعية»

على خلفية انقسام سياسي وحكومي، يحتفل الليبيون بعيد الفطر في أجواء يعدّها البعض فرصة للتقارب وسعياً لتجاهل هموم السياسة وخلافاتها.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع لحكومة الدبيبة الجديدة بحضور المنفي وتكالة (حكومة «الوحدة»)

حكومة «الوحدة» الليبية المعدّلة تنطلق دون موافقة حفتر وصالح

انطلقت أعمال حكومة «الوحدة» الليبية المعدّلة وسط تحديات الانقسام السياسي، ومن دون موافقة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، أو مجلس النواب.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)

«القرار»... دراما تستحضر معركة شرق ليبيا ضد «داعش» وتفتح سجالاً سياسياً

وسط حالة من الانقسام السياسي بين شرق ليبيا وغربها، يُعرض مسلسل «القرار»، الذي يستحضر الحرب التي خاضها «الجيش الوطني» ضد الجماعات المتشددة في بنغازي ودرنة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مدرعات عسكرية تابعة لـ«اللواء 604 مشاة» (الجيش الوطني)

«الجيش الوطني» ينهي عملية نوعية بالجنوب الليبي ضد «مارقين»

نعى الفريق صدام حفتر نائب القائد العام لـ«لجيش الوطني» الليبي وحكومة أسامة حماد، شهداء قوات الجيش الذين ارتقوا خلال مواجهات مع «قوى الإرهاب والعصابات المارقة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا انتشار كثيف لقوات الأمن داخل طرابلس لمنع أي أحداث عنف أو مواجهات (أ.ب)

مناوئون للدبيبة يحشدون لـ«انتفاضة» ضد كل «الأجسام السياسية» الليبية

يحشد ليبيون في غرب البلاد لمظاهرات ضد الأجسام السياسية الحاكمة، تزامناً مع عودة الدبيبة إلى مصراتة من رحلة علاج في مدينة ميلانو الإيطالية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
TT

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)

التقى وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، بالعاصمة الألمانية برلين، مساء أمس (الأربعاء)، رئيسة البرلمان الفيدرالي الألماني يوليا كلوكنر، وجرى خلال اللقاء استعراض مختلف أوجه التعاون الثنائي، لا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والبيئية، فضلاً عن الأكاديمية والعلمية.

وخلال اللقاء عبَّر الوزير عن تطلّع تونس إلى دعم استثنائي من شركائها الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا؛ لتجاوز العراقيل التي تحُول دون استرجاع الأموال المنهوبة، مشيراً إلى الأهميّة القصوى التي توليها تونس إلى هذا الموضوع، بوصف هذه الأموال ملكاً للشعب التّونسي ولا تسقط بالتّقادم.

وأكد النفطي، خلال اللقاء، ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، التي يعود إنشاؤها إلى أكثر من 30 سنة، «حتى تكون أكثر توازناً»، وتأخذ بعين الاعتبار خيارات الشعوب، والواقعَين الإقليمي والدولي الجديدَين، والتحديات التي يفرضانها، بما في ذلك الهجرة غير النظامية. وبيَّن في هذا السّياق المقاربة التّونسيّة في التعاطي مع الهجرة غير النّظاميّة، التي تدعو إلى معالجة الأسباب العميقة لهذه الظّاهرة، وتضافر الجهود لمحاربة الشبكات الإجراميّة التي تتاجر بالبشر، وتأمين العودة الطوعية وإعادة الإدماج للمهاجرين غير النّظاميِّين في بلدانهم الأصليّة. ودعا في المقابل إلى تعزيز آليّات التّعاون في مجال الهجرة المنظّمة، بوصفها رافداً للتنمية ونقل المهارات، مؤكّداً ضرورة أن تراعي هذه البرامج حاجيات الطّرفين.

وتأتي هذه العودة بعد أيام قليلة من مطالبة الرئيس التونسي، قيس سعيد، بمراجعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ودعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم. وجاء ذلك خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمناسبة احتفال تونس بالذكرى الـ70 للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، حيث طالب الرئيس سعيد بشراكة «متوازنة وأكثر عدلاً وانصافاً».

لكن البيان الذي نشرته الرئاسة التونسية لم يتضمَّن مقترحات واضحة للرئيس التونسي لتعديل اتفاق الشراكة المُوقَّع منذ عام 1995.

وسمح الاتفاق برفع صادرات تونس إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يستحوذ على نحو 75 في المائة من مبادلاتها الاقتصادية والتجارية الخارجية، وتعزيز بناها التحتية في برامج تعاون. في حين تشكو تونس باستمرار من عجز في المبادلات بعدد من القطاعات مع شريكها الأوروبي. ويطالب الرئيس سعيد بجهود أكبر لدعم رحلات العودة الطوعية لآلاف المهاجرين غيرالنظاميِّين العالقين بتونس إلى دولهم بأفريقيا جنوب الصحراء. وأوضح أن بلاده «قدَّمت كثيراً، وهي ضحية نظام اقتصادي عالمي غير عادل، وضحية شبكات إجرامية بجنوب الصحراء وشمال البحر المتوسط التي تتاجر بهؤلاء الضحايا، وعلى المنظمات الدولية المعنية، وعلى دول الشمال أن تقوم بدورها كاملاً لأنَّ تونس رفضت منذ البداية أن تكون معبراً أو مستقَرّاً».


مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».