المحبوب عبد السلام: فوجئ الترابي بضلوع نائبه في محاولة اغتيال مبارك

أدار مكتب الشيخ وكتب خطب الرئيس ثم «تخرج» من المدرسة وصار مستقلاً (1)

TT

المحبوب عبد السلام: فوجئ الترابي بضلوع نائبه في محاولة اغتيال مبارك

آثار محاولة الاغتيال على سيارة في موكب مبارك بأديس أبابا عام 1995 (أ.ف.ب)
آثار محاولة الاغتيال على سيارة في موكب مبارك بأديس أبابا عام 1995 (أ.ف.ب)

هذا يحدث فقط في الروايات المثيرة. يستدعي زعيم ديني ضابطاً مغموراً ويستقبله للمرة الأولى قبل يومين من موعد الانقلاب. ينصّبه رئيساً بعبارة غير مسبوقة: «تذهب أنت إلى القصر رئيساً، وأذهب أنا إلى السجن حبيساً». وهذا ما حدث في 30 يونيو (حزيران) 1989. ذهب الضابط عمر حسن البشير إلى قصر الرئاسة واقتاد الأمن الدكتور حسن الترابي إلى سجن كوبر الشهير مع سائر الزعماء السياسيين.

كان الغرض من «خدعة» الترابي إخفاء الطابع الإسلامي للانقلاب كيلا تسارع الدول القريبة والبعيدة إلى محاصرته. وانطلت الخدعة على استخبارات الدول المجاورة، وبينها مصر، واعتقدت أن البشير استولى على السلطة على رأس مجموعة من الضباط القوميين. اعترفت القاهرة بالنظام الجديد وشجعت دولاً أخرى على الاقتداء بها.

عمر البشير وحسن الترابي عام 2004 (أ.ف.ب)

هذا يحدث فقط في الروايات. نزل في مطار الخرطوم شاب يقول جواز سفره إن اسمه عبد الله بركات. جاء من عمّان. سيقرع الشاب ذات يوم باب مكتب الترابي لكن الأخير سيمتنع عن استقباله. بعد فترة سيكتشف الأمن السوداني أن الزائر «هدية مسمومة» على حد قول الترابي. إنه الفنزويلي الشهير كارلوس وهو «مناضل أممي» في نظر البعض و«إرهابي شهير» في نظر الآخرين. إنه الرجل الذي قاد عملية خطف وزراء «أوبك» في فيينا في 1975 تنفيذاً لتعليمات مهندس خطف الطائرات القيادي الفلسطيني الدكتور وديع حداد. وذات ليلة وبعد موافقة الترابي والبشير سيحضر رجال المخابرات الفرنسية إلى الخرطوم. أفاق كارلوس من المهدئات في الطائرة التي نقلته إلى فرنسا حيث لا يزال ينفذ حكماً بالسجن المؤبد.

كان نظام البشير كمن يلعب بالقنابل. استضاف أيضاً في النصف الأول من التسعينات شاباً شائكاً اسمه أسامة بن لادن. كان يبحث بعد أفغانستان عن معقل يسمح له بالتدريب والإعداد. جاء تحت لافتة الاستثمار والإغاثة. تصاعدت الضغوط ولم يكن أمام بن لادن غير المغادرة.

هذا يحدث فقط في الروايات المثيرة. اجتماع لقيادة الجبهة الإسلامية بحضور أركانها والبشير وقادة الأمن. المناسبة تعرض الرئيس المصري حسني مبارك لمحاولة اغتيال في أديس أبابا. فاجأ علي عثمان طه نائب الترابي الحاضرين بالاعتراف بأن للأجهزة السودانية علاقة بمحاولة الاغتيال. فهم الحاضرون أنه كان من رعاة المحاولة. لا الشيخ كان على علم مسبق ولا الرئيس.

بعد المحاولة، طُرحت أيضاً فكرة الإجهاز على المتورطين الذين عادوا من العاصمة الإثيوبية في محاولة لقطع أي خيط يمكن أن يساعد في تجريم النظام السوداني. عارض الترابي عملية التصفية. ساد انطباع أن البشير أيد التصفية ولاحت نذر الانقسام بينه وبين الترابي.

المحبوب عبد السلام خلال المقابلة (الشرق الأوسط)

سيتكرس الطلاق لاحقاً فيما عرف بـ«المفاصلة» بين الإسلاميين. السلطة وليمة لا تتسع لاثنين. لن يتردد البشير في أن يدفع إلى السجن الرجل الذي دفعه إلى القصر. ولن يتردد الترابي في تأييد تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية. ذاق الترابي خيانة تلامذته. ومن عادة التلامذة أن يخونوا.

هذا يحدث فقط في الروايات المثيرة. بوساطة من الترابي وافق أسامة بن لادن على استقبال مسؤول في مخابرات صدام حسين اسمه فاروق حجازي. لم يسفر اللقاء عن تعاون لكنه استخدم في طليعة الذرائع التي أوردها جورج بوش الابن في 2003 لتبرير غزو العراق. التقى حجازي أيضاً كبار مسؤولي الأمن الذين زاروا بغداد لاحقاً واستقبُلوا بحفاوة وبدا واضحاً أن علي عثمان طه كان أبرز المعجبين بصدام حسين.

يتدفق الدم السوداني حالياً كما تتدفق مياه النيل. الجثث المتناثرة في شوارع مدينة الفاشر تكاد تنسي العالم الجثث النائمة تحت ركام غزة. يسكب القساة النار على زيت الكراهيات العرقية والجهوية. صناعة الجثث أسهل بكثير من صناعة التسوية والدولة والمؤسسات.

منذ استقلاله والسودان مأساة مترامية الأطراف. ولأن الحاضر ابن الماضي القريب كنت أبحث عن شاهد يعرف اللعبة واللاعبين، وشاءت المهنة أن ألتقيهم وأحاورهم. استوقفتني تجربة السياسي والباحث الدكتور المحبوب عبد السلام. على مدار عقد كان مديراً لمكتب الترابي. وعلى مدار عقد أيضاً كان يكتب بعض خطب البشير. استوقفني في الأعوام الأخيرة خروجه بخلاصات جريئة بينها أن الحركة الإسلامية في السودان استنفدت أغراضها. وأنها شريكة مع النخب الأخرى فيما وصلت إليه البلاد. وأنها أخطأت في التعامل مع الآخر كما أخطأت حين سلكت طريق الانقلاب والعنف وبيوت الأشباح وساهمت في دفع الجنوب إلى خارج الخريطة السودانية. لا يتردد المحبوب في النظر إلى أخطاء الترابي نفسه وولعه بممارسة السلطة. قلبت معه صفحات سودانية وكانت هذه الحلقات.

كان المحبوب عبد السلام طالباً في السنة الأولى في الجامعة حين استوقفته أفكار الترابي. بدا الترابي في تلك الأيام مختلفاً ويتحرك من خارج الانقسام التقليدي في المجتمع السوداني. ثم إنه رجل يعرف الغرب ودرس في جامعاته، في باريس ولندن. وفي 1990 تولى المحبوب إدارة مكتب الترابي حتى نهاية ذلك العقد.

يقول المحبوب: «كثيراً ما يطرح علي هذا السؤال: هل أنت تلميذ للترابي؟ وأنا ذكرت لهم أكثر من مرة، نعم أنا تلميذ للترابي وتلميذ نجيب. لكن تخرجت في هذه المدرسة وأصبحت شخصاً مستقلاً ولدي أفكار ولدي تجارب، وربما تكون أوسع من تجارب قادة الحركة الإسلامية من قبلي». سألته متى اكتشف أخطاء الترابي وتولد لديه حس نقدي تجاه تجربته، فأجاب: «ربما في عام 2011، مع ثورات (الربيع العربي) ومع الثورة المصرية على وجه التحديد والتحول الذي حدث في مصر».

* كيف كانت علاقة الترابي بالرئيس حسني مبارك؟

- التقى الرئيس مبارك عام 1986 عندما ذهب إلى مؤتمر الأزهر حول السيرة النبوية، وآنذاك كان النظام المصري على عداء، أو على تحفظ شديد حيال حكم (رئيس الوزراء السوداني) الصادق المهدي. كان لقاء أشبه بالمجاملة، ولكن بعد ذلك تأزمت العلاقة نتيجة الخدعة (التي رافقت الاستيلاء على السلطة في 1989) ثم تأزمت أكثر عندما حدثت محاولة الاغتيال (للرئيس مبارك) في أديس أبابا عام 1995.

الرئيس مبارك مستقبلاً الرأس المدبر لمحاولة اغتياله علي عثمان طه في القاهرة عام 2005 (أ.ف.ب)

بعد محاولة الاغتيال عُقد اجتماع مهم. لم يكن اجتماعاً أمنياً. كان اجتماعاً سياسياً على أرفع مستوى وأشمل مستوى. حضر الاجتماع الترابي والبشير وكل القادة السياسيين وكان ذلك في منزل الأستاذ علي عثمان محمد طه. في تلك اللحظة عرف الرئيس والترابي للمرة الأولى أن أجهزتهما ونائب الترابي، الذي سيصبح لاحقاً نائباً للرئيس، تورطوا في هذه المحاولة من دون علمهما، فكانت هذه صدمة كبيرة طبعاً.

* هل تقصد أن البشير لم يكن على علم بمحاولة الاغتيال؟

- نعم.

* والترابي لم يكن على علم؟

- نعم. جرت من ورائهما.

* لكن علي عثمان طه اعترف في الاجتماع بأن الأجهزة ضالعة؟

- نعم.

* ثم تبين أنه ضالع؟

- نعم. نعم.

* هل صحيح أن الترابي رفض قتل المنفذين العائدين من محاولة الاغتيال؟

- نعم، ثار ثورة عنيفة ضد هذا المقترح الذي تقدم به الشيخ علي عثمان بأنه في مثل هذه الأحوال، عندما تفشل محاولات، لا بد من أن تقضي على آثارها كلها حتى تحفظ سر النظام. فالترابي كان يعد هذا الأمر خارج السياسة وخارج الشريعة فانتفض انتفاضة هائلة، ويشير الدكتور علي الحاج (خليفة الترابي في رئاسة حزبه) إلى أنه في هذا اليوم حدثت المفاصلة. علي عثمان كسب الرئيس، إذ التقاه قبل الاجتماع وأيده فوراً، لذا انتفض الترابي عليهما معاً.

* البشير أيد علي عثمان طه المتورط في العملية؟

- في إعدام الذين دخلوا إلى السودان.

* في اقتراح إعدامهم؟

- نعم.

* قيل إن مجموعة من التصفيات حدثت لاحقاً ولها علاقة بطمس الأدلة؟

- هذه كانت قناعة عند قادة الأجهزة الأمنية وعند الشيخ علي عثمان لأنه متى ما فشلت مثل هذه العملية فلا بد من أن تطمس الأدلة كلها بتحييد هؤلاء الذين كانوا بعضاً من العملية.

* لكن علي عثمان طه قابل الرئيس مبارك لاحقاً؟

- بعد ذلك حدث تطور كبير في العلاقات. التقت الأجهزة الأمنية في السودان جهاز المخابرات المصري، وحدث تبادل وتصارح كبيران، وكان النظام في ذلك الوقت ينحو المنحى الواقعي ويريد أن يكون بعضاً من الإقليم.

* على أي مستوى كانت علاقات الأجهزة؟

- على مستوى رؤساء الأجهزة.

* مثل من؟

- مثل عمر سليمان وصلاح قوش.

* كيف كانت علاقة عمر سليمان بالسودان؟

- هو أرسل رسالة، كنت شاهداً عليها، عن طريق المخابرات الفرنسية، وقال إن محاولة اغتيال مبارك تمت من قبل الجماعات المصرية الإسلامية.

* «الجماعة الإسلامية»؟

- نعم، ولكن السودان دعمهم بما يسمى الدعم اللوجيستي، وفر لهم المال والمكان والسلاح وكذا، لكن لم يكن هو المخطط أو المنفذ، فعندئذ الحكومة المصرية تحفظت في أن تقوم بعمل كبير ضد السودان، لكن لو تأكد لهم أن السودان كان مخططاً عندئذ كان الرد سيكون قاسياً وكبيراً.

* قصف بالطائرات؟

- مثلاً. لكن عندما عرفوا أن السودان كان مساعداً تراجعوا، فكانت هذه أكبر رسالة مريحة للأمن السوداني، وكانت بمثابة باب فتح لإصلاح العلاقات إصلاحاً جوهرياً، وكذلك كانت الحكومة السودانية في ذلك الوقت، وبعد المفاصلة والتخلص من الترابي، تطرح نفسها كحكومة عادية واقعية لا تحمل برنامجاً إسلامياً.

أسلحة صادرها الأمن الإثيوبي مع متورطين في محاولة اغتيال مبارك (أ.ف.ب)

* هذه الأمور ساهمت في تدهور العلاقة بين البشير والترابي والطلاق؟

- هذه أتت بعد الطلاق. المصالحة الكاملة مع مصر والإقليم حدثت بعد 1999. بعد زيارة علي عثمان نفسها، كانت بعد 1999. بين زيارة علي عثمان وزيارة قوش، وكان وزير الخارجية مصطفى عثمان يتردد على مصر وكان صديقاً لوزير الخارجية المصري فطابت العلاقات عند ذلك المنعطف.

* في العلاقة الشخصية بين البشير والترابي، متى ظهرت أقسى درجات الكيدية من جانب البشير؟

- بعد مذكرة العشرة في أكتوبر (تشرين الأول) 1998.

* كيف تجلت هذه الكيدية؟

- كان الترابي يريد أن يرأس اجتماعاً للشورى وكان اجتماعاً كبيراً جداً فيه كل قادة الحركة، كل حكام الولايات، كامل قيادات الحزب، وأمناء الحزب في الولايات، والقيادات الأهلية، وهؤلاء 600 شخص يمثلون شورى حزب «المؤتمر الوطني»، ففي هذا المحفل الضخم تعرض الترابي لمفاجأة لم يكن يتوقعها.

* وهي؟

- وهي أن 10 من أعضاء الشورى تقدموا بمذكرة، جوهر المذكرة يطلب تنحية الترابي وتنصيب البشير رئيساً للدولة ورئيساً للحركة، والقضاء على هذه الثنائية. المذكرة فيها الكثير من البنود التي تتحدث عن الإصلاح وعن الشورى. لكن هذا كان جوهر الموضوع الذي جعل الرئيس يتآمر مع العشرة ويقبل هذه المفاجأة الضخمة في هذا المحفل الكبير للترابي.

* أنت تقول بوضوح أن البشير تآمر على الترابي؟

- نعم، في تلك اللحظة طبعاً، مؤامرة معلنة وظاهرة جداً.

* كان يريد أن يدفعه إلى المنفى؟ إلى السجن؟ إلى ماذا؟

- حتى ذلك الوقت كان يريد أن يجعله رئيساً رمزياً، والترابي يعلم ذلك لأن بعض العسكريين من زملاء البشير وأصدقائه في السلطة جاءوا إلى الترابي وطلبوا منه أن يبقى شيخاً. هم يتخذون القرارات وكل السياسة في أيديهم ثم يعودون إليه ويخُبَر ويعطي البركة، وهذا الدور طبعاً لا يقبله الترابي.

* الترابي يحب السلطة أيضاً؟

- يحب ممارستها وله شغف كبير بالسياسة، ولكن في السلطة، لا يقبل أن يعطي المباركات كما يعطي الشيوخ التقليديون.

* ماذا كان الوضع الحقيقي للترابي في السنوات العشر الأولى من عهد نظام الإنقاذ؟

- كانت كل الاستراتيجيات تصدر منه، القرارات الكبيرة. لكن هي دولة وحكومة وفيها أكثر من 30 وزيراً، ونحو ذلك من وزراء الدولة، فكانت تدير عملها اليومي بمعزل عنه وكان في السنوات الأولى متحفظاً جداً في أن يظهر في أي محفل رسمي أو حتى أن يتصل بوزير هاتفياً.

* في أي مرحلة هذه؟

- من عام 1990 إلى 1995، أو من 1989 إلى 1994. السنوات الخمس الأولى، كان متحفظاً جداً. بعد ذلك، بدأ يظهر بالتدريج، لا سيما أنه أصبح في 1996 رئيس المجلس الوطني.

* متى بدأ ظل الترابي في الانحسار؟

- هو لم ينحسر طبعاً. أصلاً الترابي بالكاريزما العالية، بالشخصية المهيمنة والمعرفة الكبيرة وبالخطاب واللغة القوية لم ينحسر، ويصعب جداً أن يكون الترابي في السلطة وتستطيع أن تحاصر دوره. وكان هذا يسبب إزعاجاً كبيراً لهم، ولم ينحسر دوره إلا عندما أخذوه إلى السجن بعد المفاصلة.

حسن الترابي (أ.ف.ب)

* متى دخل السجن؟

- بعدما وقعنا مذكرة تفاهم في فبراير (شباط) 2001 مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان». هذه كانت نقلة كبيرة جداً.

* وقعتها شخصياً؟

- نعم.

* هل تشعر أحياناً بأنك شريك في ذنب استقلال جنوب السودان؟

- لا، لأن رأيي كان واضحاً. وكان هو من رأي الشيخ راشد الغنوشي أيضاً، التحدي الكبير الذي وضعه الجنوبيون أمام الوحدة وأمام الذهاب إلى استفتاء هو أن تلغى القوانين التي جاء بها (الرئيس جعفر النميري) والتي تعرف بقوانين الحدود. وأنا نقلت لهم رأياً واضحاً من الشيخ راشد أنه إذا وضعت وحدة السودان في مقابل الحدود، القوانين الخمسة، قطع اليد وجلد الشارب والزاني، إذا وضعت هذه تحدياً لوحدة السودان فنحوا القوانين جانباً وامضوا إلى وحدة السودان. وكان رأيي أن هذه التشريعات الإسلامية هي مثل كل قوانين المجتمعات، وقوانين المجتمع محكومة بظرفها النفسي والتاريخي وليست جامدة، لأن القانون العام ليس جامداً، المجتمع ليس جامداً، المجتمع متحرك. فكان هذا رأيي الأصولي، وكذلك رأيي السياسي.

* العلاقة بين الترابي وعلي عثمان طه، نائبه، علاقة معقدة؟

- نعم.

* تشبه تبادل الطعنات لو تشرح لنا هذه العلاقة؟

- علي عثمان طه لديه أفكار وتصورات مختلفة عن أفكار الترابي. عندما كان طالباً كان هناك صراع حاد بين قادة الحركة، بين الترابي والشيخ جعفر الشيخ إدريس، وكانت الحركة منقسمة انقساماً حاداً. هذا كان عام 1968. ففي هذا الانقسام الحاد، كان علي عثمان من الجناح المناوئ للترابي الذي كان يعدّ أن الترابي تضخم جداً بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) وبعد أن أصبح أمين الميثاق، وينبغي أن تؤخذ الحركة منه إلى شخص آخر. فكان هذا الصراع في أوجه، وكان علي عثمان في هذا الجانب.

لكن علي عثمان لديه نظرية تقول إنه إذا اختلف شخص مع التنظيم فهو ينحاز إلى التنظيم، لكن إذا اختلف التنظيم مع الدولة فهو ينحاز إلى الدولة، وإذا اختلفت الدولة مع الإسلام فهو ينحاز إلى الإسلام. هذا رأيه وسمعته منه شخصياً، ولكن الترابي لا ينهج هذا النهج. الترابي له رؤية وله أفكار محددة مهما خالفت الوقائع يحاول أن يمضي فيها، ولكن بعد أن جاء نظام النميري في 25 مايو (أيار) 1969 وأصبح الترابي أمين عام الحركة، أصبح علي عثمان جزءاً من الموالين للترابي.

الترابي وعلي عثمان طه

ثم عندما جاءت «الإنقاذ» كان الشخص الذي أعد إعداداً خاصاً لخلافة الترابي هو الأستاذ أحمد عثمان مكي، رحمه الله. لكنه ذهب إلى أميركا. وأحمد عثمان مكي قد لا يكون مناسباً أن يكون الشخص الثاني مع شخص مثل الترابي لأن أحمد عثمان مكي كانت له كاريزما عالية بصفته زعيماً. لكن علي عثمان يستطيع أن يخفي كثيراً من مشاعره وأن يقبل أن يؤدي دور الرجل الثاني، لذلك انسجم علي عثمان والترابي لفترة طويلة، فترة «الجبهة الاسلامية القومية»، ثم 1985 إلى 1989، ثم انسجما في أول سنوات «الإنقاذ». ليس انسجاماً كاملاً، وكان انسجاماً ظاهراً. ثم بعد ذلك ظهرت كل هذه الاختلافات العميقة في فترة لاحقة.

* علي عثمان طه كان شديد الإعجاب بصدام حسين مثلاً؟

- إلى حد كبير. كان يؤمن كما يؤمن كثير من النخب السودانية بالحكم الشمولي، أن مجتمعاتنا ليست مهيأة لليبرالية والتعددية، فكان نظام صدام بالنسبة له نظاماً شمولياً قابضاً قوياً، ولكنه نظام كذلك يتقدم في التنمية والاقتصاد وتأسيس البلاد، فكان هذا النموذج المثالي عندهم.

* هل كانت رياح «الربيع العربي» قاسية على السودان؟

- قاسية على الحركة الإسلامية طبعاً. تأخرت نحو 7 سنوات. «الربيع العربي» تقريباً اكتمل كله في عام 2012 لكن انتظرنا حتى عام 2019 حتى تتكرر تجربة «الربيع العربي» في السودان. فالثورة التي هبت كان قاسية جداً على الإسلاميين، ولكنها كانت تستجيب حقيقة لنبض كل الشارع السوداني، لا سيما شارع المدينة.

* هل تخطت حاجات الشارع السوداني أفكاراً كتلك التي تحملها الحركة الإسلامية أو النخب الأخرى التي نافستها؟

- الحركة الإسلامية في أثناء وجودها في السلطة كانت تحمل عداء خفياً معلناً للمجتمع المدني، للشباب للنساء للفن ولكل هذه المسائل. لكن الحركة الفكرية والأدبية وحركة المجتمع المدني كله كانت تحتوي في جوهرها على معارضة لنظام «الإنقاذ» وللممارسات الشمولية الطويلة. فلذلك، كان هذا التعارض واضحاً. عندما جاءت هذه الثورة بشعارات سلام حرية عدالة، هذه لم تكن مطروحة، هذه ليست ضمن شعارات «الإنقاذ». فكانت فعلاً، الحركة الإسلامية وهي في السلطة، تطورت باتجاه أفكار لم تكن في البداية أصل الحركة، لكنها تطورت إلى حالة مضادة للمجتمع السوداني.

* تطورت إلى حالة مضادة؟

- نعم.

حسن الترابي والصادق المهدي وبينهما سلفاكير ميارديت رئيس جنوب السودان لاحقاً (أ.ف.ب)

* هل ساهمت جذور الحزب الشيوعي السوداني في المجتمع في تعزيز هذه المعارضة لتجربة «الإنقاذ»؟

- نعم، طبعاً. الحزب الشيوعي حدث فيه تحول كبير بعد إعدام قادته في 1971، ثم هو الأكثر استيعاباً لما يدور في العالم، ثم عندما انهار الاتحاد السوفياتي تبنى الليبرالية بالكامل. ولذلك، كان كثير من الشباب الذين يتطلعون إلى الحرية والعدالة وأن تؤدي المرأة دوراً كبيراً في المجتمع، كانوا يجدون الحزب الشيوعي في ممارسته في مواقفه وفي قناعته مجتمعاً أقرب إليهم وجدانياً من مجتمع الحركة الإسلامية الملتزمة دينياً والمحافظة. لذلك كان هذا التباين، فالحزب الشيوعي كأنما يكسب في هذا الجو والحركة الإسلامية كأنما تخسر بالتصاقها وتبنيها لكل مشاريع السلطة وحمايتها للسلطة. فكان الوضع من هذه الناحية معقداً جداً.

* هل نستطيع القول إن النميري أضاع عقوداً من عمر السودان، وإن نظام «الإنقاذ» أضاع عقوداً أيضاً؟

- كثير من السياسيين يتحدثون عن 60 عاماً من عمر الاستقلال فيها أكثر من 52 عاماً حكمها العسكريون، فكأنما يحمّلون المؤسسة العسكرية المسؤولية. لكن أنا ذكرت لك أن هذه مسؤولية النخبة. الضباط هم بعض من النخبة، الذين آزروهم واستوزروا لهم الوزارات وكتبوا لهم الخطب ووقعوا لهم الاتفاقيات كانوا من النخبة المدنية. فلذلك هذا فيه تبسيط للأمر، وكأنما المؤسسة العسكرية مسؤولة. العلة قائمة في أصل أحزابنا المدنية. أحزابنا المدنية ليست لها برامج واضحة لإزالة تشوهات الدولة السودانية التي بدأت منذ الاستعمار.

* ما أكثر المحطات حساسية كنت فيها إلى جانب الترابي؟

- لقاؤه مع البشير وعلي عثمان عشية المفاصلة.

* كيف كان هذا اللقاء، نريد أن نعرف شيئاً جديداً عنه؟

- ذلك اللقاء كان محاولة لإنقاذ الوضع من الانفصال التام، وأنا نجحت، وهذه مسألة شخصية، بأن أجمع الترابي والبشير. فكان هذا أول لقاء لهما بعد فراق وجفاء امتد لأشهر، وكان عشية المؤتمر. فطرح البشير في ذلك اللقاء أن نحتفظ بالخلافات وأن نجعل من المؤتمر تظاهرة سياسية فقط، وأحنى الترابي رأسه لهذا القرار الذي أنقذ الجلسة الأولى، ولكن سرعان ما تفجرت الخلافات في نهاية اليوم.

* كيف كانت علاقتك بالبشير؟

- جيدة جداً.

* على أي أساس؟

- أنا كنت أكتب خطاباته.

* تكتب خطاباته، يعني أنت مرتكب؟

- لا، الخطابات كانت تعبّر عن سياسة الحركة كلها وعن موقف.

* في أي سنوات كنت تكتب خطاباته؟

- تقريباً منذ أول عام 1990. أول خطاب كتبته كان عن مؤتمر المرأة.

* وآخر خطاب؟

- أظن أن آخر خطاب كان في أواخر التسعينات، ولا أذكر بالضبط موضوعه.

* غاب الود بين الترابي والبشير وأخذت جانب الترابي؟

- هو لم يكن غياب ود فقط، بل كان خلاف مواقف. الترابي كان مع الديمقراطية والحريات العامة، وكان مع الحكم الاتحادي وكان مع الالتزام باتفاقيات الجنوب. وأنا انحزت لهذا الموقف.

* هل تشبه تجربة الترابي مع البشير، تجربة الشيخ عبد الله حسين الأحمر مع علي عبد الله صالح، ولو في سياق مختلف؟

- يمكن طبعاً في حالة أن هناك شيخاً ورئيساً، ولكن بالنسبة للبشير، البشير أصلاً عضو في حركة إسلامية يرأسها الترابي، وكان يزعن لكل قراراته حتى بعدما أصبح رئيساً إلى أن بدأت المفاصلة الطبيعية، المباينة الطبيعية، بين سلطة حقيقية في الظاهر وسلطة باطنية.

* وسلطة الباطن تحرك السلطة الظاهرة؟

- بحكم أن هناك حركة تحكم.

حقائق

من هو المحبوب عبد السلام؟

  • ولد في 1958 في مدينة أم درمان.
  • تخرج عام 1981 في قسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة القاهرة.
  • درس علم الاجتماع في جامعة «باريس 3».
  • تخصص في الدراسات الإسلامية في جامعة لندن.
  • تولى إدارة مكتب الدكتور حسن الترابي لنحو عشرة أعوام.
  • كان أحد كتّاب خطابات الرئيس السوداني السابق عمر البشير.
  • آخر لقاء له مع الترابي كان في الأسبوع الأخير من فبراير (شباط) 2017 أي قبل وفاة الترابي بنحو أسبوعين.
  • آخر لقاء له مع البشير كان في منزل وزير الإعلام الأسبق علي شمو في يناير (كانون الثاني) 2017.


مقالات ذات صلة

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا «الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

أعلنت «قوات الدعم السريع» في ولاية النيل الأزرق السيطرة على محلية الكرمك الاستراتيجية قرب الحدود مع إثيوبيا.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سودانية تتلقى العلاج فى أحد مستشفيات أم درمان (رويترز)

مقتل أكثر من 500 مدني بضربات بمسيّرات في السودان هذا العام

أعلنت الأمم المتحدة أنَّ أكثر من 500 مدني قُتلوا بضربات نُفِّذت بمسيّرات في السودان بين يناير (كانون الثاني) ومنتصف مارس (آذار)، قضى معظمهم في منطقة كردفان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.