المحبوب عبد السلام: فوجئ الترابي بضلوع نائبه في محاولة اغتيال مبارك

أدار مكتب الشيخ وكتب خطب الرئيس ثم «تخرج» من المدرسة وصار مستقلاً (1)

TT

المحبوب عبد السلام: فوجئ الترابي بضلوع نائبه في محاولة اغتيال مبارك

آثار محاولة الاغتيال على سيارة في موكب مبارك بأديس أبابا عام 1995 (أ.ف.ب)
آثار محاولة الاغتيال على سيارة في موكب مبارك بأديس أبابا عام 1995 (أ.ف.ب)

هذا يحدث فقط في الروايات المثيرة. يستدعي زعيم ديني ضابطاً مغموراً ويستقبله للمرة الأولى قبل يومين من موعد الانقلاب. ينصّبه رئيساً بعبارة غير مسبوقة: «تذهب أنت إلى القصر رئيساً، وأذهب أنا إلى السجن حبيساً». وهذا ما حدث في 30 يونيو (حزيران) 1989. ذهب الضابط عمر حسن البشير إلى قصر الرئاسة واقتاد الأمن الدكتور حسن الترابي إلى سجن كوبر الشهير مع سائر الزعماء السياسيين.

كان الغرض من «خدعة» الترابي إخفاء الطابع الإسلامي للانقلاب كيلا تسارع الدول القريبة والبعيدة إلى محاصرته. وانطلت الخدعة على استخبارات الدول المجاورة، وبينها مصر، واعتقدت أن البشير استولى على السلطة على رأس مجموعة من الضباط القوميين. اعترفت القاهرة بالنظام الجديد وشجعت دولاً أخرى على الاقتداء بها.

عمر البشير وحسن الترابي عام 2004 (أ.ف.ب)

هذا يحدث فقط في الروايات. نزل في مطار الخرطوم شاب يقول جواز سفره إن اسمه عبد الله بركات. جاء من عمّان. سيقرع الشاب ذات يوم باب مكتب الترابي لكن الأخير سيمتنع عن استقباله. بعد فترة سيكتشف الأمن السوداني أن الزائر «هدية مسمومة» على حد قول الترابي. إنه الفنزويلي الشهير كارلوس وهو «مناضل أممي» في نظر البعض و«إرهابي شهير» في نظر الآخرين. إنه الرجل الذي قاد عملية خطف وزراء «أوبك» في فيينا في 1975 تنفيذاً لتعليمات مهندس خطف الطائرات القيادي الفلسطيني الدكتور وديع حداد. وذات ليلة وبعد موافقة الترابي والبشير سيحضر رجال المخابرات الفرنسية إلى الخرطوم. أفاق كارلوس من المهدئات في الطائرة التي نقلته إلى فرنسا حيث لا يزال ينفذ حكماً بالسجن المؤبد.

كان نظام البشير كمن يلعب بالقنابل. استضاف أيضاً في النصف الأول من التسعينات شاباً شائكاً اسمه أسامة بن لادن. كان يبحث بعد أفغانستان عن معقل يسمح له بالتدريب والإعداد. جاء تحت لافتة الاستثمار والإغاثة. تصاعدت الضغوط ولم يكن أمام بن لادن غير المغادرة.

هذا يحدث فقط في الروايات المثيرة. اجتماع لقيادة الجبهة الإسلامية بحضور أركانها والبشير وقادة الأمن. المناسبة تعرض الرئيس المصري حسني مبارك لمحاولة اغتيال في أديس أبابا. فاجأ علي عثمان طه نائب الترابي الحاضرين بالاعتراف بأن للأجهزة السودانية علاقة بمحاولة الاغتيال. فهم الحاضرون أنه كان من رعاة المحاولة. لا الشيخ كان على علم مسبق ولا الرئيس.

بعد المحاولة، طُرحت أيضاً فكرة الإجهاز على المتورطين الذين عادوا من العاصمة الإثيوبية في محاولة لقطع أي خيط يمكن أن يساعد في تجريم النظام السوداني. عارض الترابي عملية التصفية. ساد انطباع أن البشير أيد التصفية ولاحت نذر الانقسام بينه وبين الترابي.

المحبوب عبد السلام خلال المقابلة (الشرق الأوسط)

سيتكرس الطلاق لاحقاً فيما عرف بـ«المفاصلة» بين الإسلاميين. السلطة وليمة لا تتسع لاثنين. لن يتردد البشير في أن يدفع إلى السجن الرجل الذي دفعه إلى القصر. ولن يتردد الترابي في تأييد تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية. ذاق الترابي خيانة تلامذته. ومن عادة التلامذة أن يخونوا.

هذا يحدث فقط في الروايات المثيرة. بوساطة من الترابي وافق أسامة بن لادن على استقبال مسؤول في مخابرات صدام حسين اسمه فاروق حجازي. لم يسفر اللقاء عن تعاون لكنه استخدم في طليعة الذرائع التي أوردها جورج بوش الابن في 2003 لتبرير غزو العراق. التقى حجازي أيضاً كبار مسؤولي الأمن الذين زاروا بغداد لاحقاً واستقبُلوا بحفاوة وبدا واضحاً أن علي عثمان طه كان أبرز المعجبين بصدام حسين.

يتدفق الدم السوداني حالياً كما تتدفق مياه النيل. الجثث المتناثرة في شوارع مدينة الفاشر تكاد تنسي العالم الجثث النائمة تحت ركام غزة. يسكب القساة النار على زيت الكراهيات العرقية والجهوية. صناعة الجثث أسهل بكثير من صناعة التسوية والدولة والمؤسسات.

منذ استقلاله والسودان مأساة مترامية الأطراف. ولأن الحاضر ابن الماضي القريب كنت أبحث عن شاهد يعرف اللعبة واللاعبين، وشاءت المهنة أن ألتقيهم وأحاورهم. استوقفتني تجربة السياسي والباحث الدكتور المحبوب عبد السلام. على مدار عقد كان مديراً لمكتب الترابي. وعلى مدار عقد أيضاً كان يكتب بعض خطب البشير. استوقفني في الأعوام الأخيرة خروجه بخلاصات جريئة بينها أن الحركة الإسلامية في السودان استنفدت أغراضها. وأنها شريكة مع النخب الأخرى فيما وصلت إليه البلاد. وأنها أخطأت في التعامل مع الآخر كما أخطأت حين سلكت طريق الانقلاب والعنف وبيوت الأشباح وساهمت في دفع الجنوب إلى خارج الخريطة السودانية. لا يتردد المحبوب في النظر إلى أخطاء الترابي نفسه وولعه بممارسة السلطة. قلبت معه صفحات سودانية وكانت هذه الحلقات.

كان المحبوب عبد السلام طالباً في السنة الأولى في الجامعة حين استوقفته أفكار الترابي. بدا الترابي في تلك الأيام مختلفاً ويتحرك من خارج الانقسام التقليدي في المجتمع السوداني. ثم إنه رجل يعرف الغرب ودرس في جامعاته، في باريس ولندن. وفي 1990 تولى المحبوب إدارة مكتب الترابي حتى نهاية ذلك العقد.

يقول المحبوب: «كثيراً ما يطرح علي هذا السؤال: هل أنت تلميذ للترابي؟ وأنا ذكرت لهم أكثر من مرة، نعم أنا تلميذ للترابي وتلميذ نجيب. لكن تخرجت في هذه المدرسة وأصبحت شخصاً مستقلاً ولدي أفكار ولدي تجارب، وربما تكون أوسع من تجارب قادة الحركة الإسلامية من قبلي». سألته متى اكتشف أخطاء الترابي وتولد لديه حس نقدي تجاه تجربته، فأجاب: «ربما في عام 2011، مع ثورات (الربيع العربي) ومع الثورة المصرية على وجه التحديد والتحول الذي حدث في مصر».

* كيف كانت علاقة الترابي بالرئيس حسني مبارك؟

- التقى الرئيس مبارك عام 1986 عندما ذهب إلى مؤتمر الأزهر حول السيرة النبوية، وآنذاك كان النظام المصري على عداء، أو على تحفظ شديد حيال حكم (رئيس الوزراء السوداني) الصادق المهدي. كان لقاء أشبه بالمجاملة، ولكن بعد ذلك تأزمت العلاقة نتيجة الخدعة (التي رافقت الاستيلاء على السلطة في 1989) ثم تأزمت أكثر عندما حدثت محاولة الاغتيال (للرئيس مبارك) في أديس أبابا عام 1995.

الرئيس مبارك مستقبلاً الرأس المدبر لمحاولة اغتياله علي عثمان طه في القاهرة عام 2005 (أ.ف.ب)

بعد محاولة الاغتيال عُقد اجتماع مهم. لم يكن اجتماعاً أمنياً. كان اجتماعاً سياسياً على أرفع مستوى وأشمل مستوى. حضر الاجتماع الترابي والبشير وكل القادة السياسيين وكان ذلك في منزل الأستاذ علي عثمان محمد طه. في تلك اللحظة عرف الرئيس والترابي للمرة الأولى أن أجهزتهما ونائب الترابي، الذي سيصبح لاحقاً نائباً للرئيس، تورطوا في هذه المحاولة من دون علمهما، فكانت هذه صدمة كبيرة طبعاً.

* هل تقصد أن البشير لم يكن على علم بمحاولة الاغتيال؟

- نعم.

* والترابي لم يكن على علم؟

- نعم. جرت من ورائهما.

* لكن علي عثمان طه اعترف في الاجتماع بأن الأجهزة ضالعة؟

- نعم.

* ثم تبين أنه ضالع؟

- نعم. نعم.

* هل صحيح أن الترابي رفض قتل المنفذين العائدين من محاولة الاغتيال؟

- نعم، ثار ثورة عنيفة ضد هذا المقترح الذي تقدم به الشيخ علي عثمان بأنه في مثل هذه الأحوال، عندما تفشل محاولات، لا بد من أن تقضي على آثارها كلها حتى تحفظ سر النظام. فالترابي كان يعد هذا الأمر خارج السياسة وخارج الشريعة فانتفض انتفاضة هائلة، ويشير الدكتور علي الحاج (خليفة الترابي في رئاسة حزبه) إلى أنه في هذا اليوم حدثت المفاصلة. علي عثمان كسب الرئيس، إذ التقاه قبل الاجتماع وأيده فوراً، لذا انتفض الترابي عليهما معاً.

* البشير أيد علي عثمان طه المتورط في العملية؟

- في إعدام الذين دخلوا إلى السودان.

* في اقتراح إعدامهم؟

- نعم.

* قيل إن مجموعة من التصفيات حدثت لاحقاً ولها علاقة بطمس الأدلة؟

- هذه كانت قناعة عند قادة الأجهزة الأمنية وعند الشيخ علي عثمان لأنه متى ما فشلت مثل هذه العملية فلا بد من أن تطمس الأدلة كلها بتحييد هؤلاء الذين كانوا بعضاً من العملية.

* لكن علي عثمان طه قابل الرئيس مبارك لاحقاً؟

- بعد ذلك حدث تطور كبير في العلاقات. التقت الأجهزة الأمنية في السودان جهاز المخابرات المصري، وحدث تبادل وتصارح كبيران، وكان النظام في ذلك الوقت ينحو المنحى الواقعي ويريد أن يكون بعضاً من الإقليم.

* على أي مستوى كانت علاقات الأجهزة؟

- على مستوى رؤساء الأجهزة.

* مثل من؟

- مثل عمر سليمان وصلاح قوش.

* كيف كانت علاقة عمر سليمان بالسودان؟

- هو أرسل رسالة، كنت شاهداً عليها، عن طريق المخابرات الفرنسية، وقال إن محاولة اغتيال مبارك تمت من قبل الجماعات المصرية الإسلامية.

* «الجماعة الإسلامية»؟

- نعم، ولكن السودان دعمهم بما يسمى الدعم اللوجيستي، وفر لهم المال والمكان والسلاح وكذا، لكن لم يكن هو المخطط أو المنفذ، فعندئذ الحكومة المصرية تحفظت في أن تقوم بعمل كبير ضد السودان، لكن لو تأكد لهم أن السودان كان مخططاً عندئذ كان الرد سيكون قاسياً وكبيراً.

* قصف بالطائرات؟

- مثلاً. لكن عندما عرفوا أن السودان كان مساعداً تراجعوا، فكانت هذه أكبر رسالة مريحة للأمن السوداني، وكانت بمثابة باب فتح لإصلاح العلاقات إصلاحاً جوهرياً، وكذلك كانت الحكومة السودانية في ذلك الوقت، وبعد المفاصلة والتخلص من الترابي، تطرح نفسها كحكومة عادية واقعية لا تحمل برنامجاً إسلامياً.

أسلحة صادرها الأمن الإثيوبي مع متورطين في محاولة اغتيال مبارك (أ.ف.ب)

* هذه الأمور ساهمت في تدهور العلاقة بين البشير والترابي والطلاق؟

- هذه أتت بعد الطلاق. المصالحة الكاملة مع مصر والإقليم حدثت بعد 1999. بعد زيارة علي عثمان نفسها، كانت بعد 1999. بين زيارة علي عثمان وزيارة قوش، وكان وزير الخارجية مصطفى عثمان يتردد على مصر وكان صديقاً لوزير الخارجية المصري فطابت العلاقات عند ذلك المنعطف.

* في العلاقة الشخصية بين البشير والترابي، متى ظهرت أقسى درجات الكيدية من جانب البشير؟

- بعد مذكرة العشرة في أكتوبر (تشرين الأول) 1998.

* كيف تجلت هذه الكيدية؟

- كان الترابي يريد أن يرأس اجتماعاً للشورى وكان اجتماعاً كبيراً جداً فيه كل قادة الحركة، كل حكام الولايات، كامل قيادات الحزب، وأمناء الحزب في الولايات، والقيادات الأهلية، وهؤلاء 600 شخص يمثلون شورى حزب «المؤتمر الوطني»، ففي هذا المحفل الضخم تعرض الترابي لمفاجأة لم يكن يتوقعها.

* وهي؟

- وهي أن 10 من أعضاء الشورى تقدموا بمذكرة، جوهر المذكرة يطلب تنحية الترابي وتنصيب البشير رئيساً للدولة ورئيساً للحركة، والقضاء على هذه الثنائية. المذكرة فيها الكثير من البنود التي تتحدث عن الإصلاح وعن الشورى. لكن هذا كان جوهر الموضوع الذي جعل الرئيس يتآمر مع العشرة ويقبل هذه المفاجأة الضخمة في هذا المحفل الكبير للترابي.

* أنت تقول بوضوح أن البشير تآمر على الترابي؟

- نعم، في تلك اللحظة طبعاً، مؤامرة معلنة وظاهرة جداً.

* كان يريد أن يدفعه إلى المنفى؟ إلى السجن؟ إلى ماذا؟

- حتى ذلك الوقت كان يريد أن يجعله رئيساً رمزياً، والترابي يعلم ذلك لأن بعض العسكريين من زملاء البشير وأصدقائه في السلطة جاءوا إلى الترابي وطلبوا منه أن يبقى شيخاً. هم يتخذون القرارات وكل السياسة في أيديهم ثم يعودون إليه ويخُبَر ويعطي البركة، وهذا الدور طبعاً لا يقبله الترابي.

* الترابي يحب السلطة أيضاً؟

- يحب ممارستها وله شغف كبير بالسياسة، ولكن في السلطة، لا يقبل أن يعطي المباركات كما يعطي الشيوخ التقليديون.

* ماذا كان الوضع الحقيقي للترابي في السنوات العشر الأولى من عهد نظام الإنقاذ؟

- كانت كل الاستراتيجيات تصدر منه، القرارات الكبيرة. لكن هي دولة وحكومة وفيها أكثر من 30 وزيراً، ونحو ذلك من وزراء الدولة، فكانت تدير عملها اليومي بمعزل عنه وكان في السنوات الأولى متحفظاً جداً في أن يظهر في أي محفل رسمي أو حتى أن يتصل بوزير هاتفياً.

* في أي مرحلة هذه؟

- من عام 1990 إلى 1995، أو من 1989 إلى 1994. السنوات الخمس الأولى، كان متحفظاً جداً. بعد ذلك، بدأ يظهر بالتدريج، لا سيما أنه أصبح في 1996 رئيس المجلس الوطني.

* متى بدأ ظل الترابي في الانحسار؟

- هو لم ينحسر طبعاً. أصلاً الترابي بالكاريزما العالية، بالشخصية المهيمنة والمعرفة الكبيرة وبالخطاب واللغة القوية لم ينحسر، ويصعب جداً أن يكون الترابي في السلطة وتستطيع أن تحاصر دوره. وكان هذا يسبب إزعاجاً كبيراً لهم، ولم ينحسر دوره إلا عندما أخذوه إلى السجن بعد المفاصلة.

حسن الترابي (أ.ف.ب)

* متى دخل السجن؟

- بعدما وقعنا مذكرة تفاهم في فبراير (شباط) 2001 مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان». هذه كانت نقلة كبيرة جداً.

* وقعتها شخصياً؟

- نعم.

* هل تشعر أحياناً بأنك شريك في ذنب استقلال جنوب السودان؟

- لا، لأن رأيي كان واضحاً. وكان هو من رأي الشيخ راشد الغنوشي أيضاً، التحدي الكبير الذي وضعه الجنوبيون أمام الوحدة وأمام الذهاب إلى استفتاء هو أن تلغى القوانين التي جاء بها (الرئيس جعفر النميري) والتي تعرف بقوانين الحدود. وأنا نقلت لهم رأياً واضحاً من الشيخ راشد أنه إذا وضعت وحدة السودان في مقابل الحدود، القوانين الخمسة، قطع اليد وجلد الشارب والزاني، إذا وضعت هذه تحدياً لوحدة السودان فنحوا القوانين جانباً وامضوا إلى وحدة السودان. وكان رأيي أن هذه التشريعات الإسلامية هي مثل كل قوانين المجتمعات، وقوانين المجتمع محكومة بظرفها النفسي والتاريخي وليست جامدة، لأن القانون العام ليس جامداً، المجتمع ليس جامداً، المجتمع متحرك. فكان هذا رأيي الأصولي، وكذلك رأيي السياسي.

* العلاقة بين الترابي وعلي عثمان طه، نائبه، علاقة معقدة؟

- نعم.

* تشبه تبادل الطعنات لو تشرح لنا هذه العلاقة؟

- علي عثمان طه لديه أفكار وتصورات مختلفة عن أفكار الترابي. عندما كان طالباً كان هناك صراع حاد بين قادة الحركة، بين الترابي والشيخ جعفر الشيخ إدريس، وكانت الحركة منقسمة انقساماً حاداً. هذا كان عام 1968. ففي هذا الانقسام الحاد، كان علي عثمان من الجناح المناوئ للترابي الذي كان يعدّ أن الترابي تضخم جداً بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) وبعد أن أصبح أمين الميثاق، وينبغي أن تؤخذ الحركة منه إلى شخص آخر. فكان هذا الصراع في أوجه، وكان علي عثمان في هذا الجانب.

لكن علي عثمان لديه نظرية تقول إنه إذا اختلف شخص مع التنظيم فهو ينحاز إلى التنظيم، لكن إذا اختلف التنظيم مع الدولة فهو ينحاز إلى الدولة، وإذا اختلفت الدولة مع الإسلام فهو ينحاز إلى الإسلام. هذا رأيه وسمعته منه شخصياً، ولكن الترابي لا ينهج هذا النهج. الترابي له رؤية وله أفكار محددة مهما خالفت الوقائع يحاول أن يمضي فيها، ولكن بعد أن جاء نظام النميري في 25 مايو (أيار) 1969 وأصبح الترابي أمين عام الحركة، أصبح علي عثمان جزءاً من الموالين للترابي.

الترابي وعلي عثمان طه

ثم عندما جاءت «الإنقاذ» كان الشخص الذي أعد إعداداً خاصاً لخلافة الترابي هو الأستاذ أحمد عثمان مكي، رحمه الله. لكنه ذهب إلى أميركا. وأحمد عثمان مكي قد لا يكون مناسباً أن يكون الشخص الثاني مع شخص مثل الترابي لأن أحمد عثمان مكي كانت له كاريزما عالية بصفته زعيماً. لكن علي عثمان يستطيع أن يخفي كثيراً من مشاعره وأن يقبل أن يؤدي دور الرجل الثاني، لذلك انسجم علي عثمان والترابي لفترة طويلة، فترة «الجبهة الاسلامية القومية»، ثم 1985 إلى 1989، ثم انسجما في أول سنوات «الإنقاذ». ليس انسجاماً كاملاً، وكان انسجاماً ظاهراً. ثم بعد ذلك ظهرت كل هذه الاختلافات العميقة في فترة لاحقة.

* علي عثمان طه كان شديد الإعجاب بصدام حسين مثلاً؟

- إلى حد كبير. كان يؤمن كما يؤمن كثير من النخب السودانية بالحكم الشمولي، أن مجتمعاتنا ليست مهيأة لليبرالية والتعددية، فكان نظام صدام بالنسبة له نظاماً شمولياً قابضاً قوياً، ولكنه نظام كذلك يتقدم في التنمية والاقتصاد وتأسيس البلاد، فكان هذا النموذج المثالي عندهم.

* هل كانت رياح «الربيع العربي» قاسية على السودان؟

- قاسية على الحركة الإسلامية طبعاً. تأخرت نحو 7 سنوات. «الربيع العربي» تقريباً اكتمل كله في عام 2012 لكن انتظرنا حتى عام 2019 حتى تتكرر تجربة «الربيع العربي» في السودان. فالثورة التي هبت كان قاسية جداً على الإسلاميين، ولكنها كانت تستجيب حقيقة لنبض كل الشارع السوداني، لا سيما شارع المدينة.

* هل تخطت حاجات الشارع السوداني أفكاراً كتلك التي تحملها الحركة الإسلامية أو النخب الأخرى التي نافستها؟

- الحركة الإسلامية في أثناء وجودها في السلطة كانت تحمل عداء خفياً معلناً للمجتمع المدني، للشباب للنساء للفن ولكل هذه المسائل. لكن الحركة الفكرية والأدبية وحركة المجتمع المدني كله كانت تحتوي في جوهرها على معارضة لنظام «الإنقاذ» وللممارسات الشمولية الطويلة. فلذلك، كان هذا التعارض واضحاً. عندما جاءت هذه الثورة بشعارات سلام حرية عدالة، هذه لم تكن مطروحة، هذه ليست ضمن شعارات «الإنقاذ». فكانت فعلاً، الحركة الإسلامية وهي في السلطة، تطورت باتجاه أفكار لم تكن في البداية أصل الحركة، لكنها تطورت إلى حالة مضادة للمجتمع السوداني.

* تطورت إلى حالة مضادة؟

- نعم.

حسن الترابي والصادق المهدي وبينهما سلفاكير ميارديت رئيس جنوب السودان لاحقاً (أ.ف.ب)

* هل ساهمت جذور الحزب الشيوعي السوداني في المجتمع في تعزيز هذه المعارضة لتجربة «الإنقاذ»؟

- نعم، طبعاً. الحزب الشيوعي حدث فيه تحول كبير بعد إعدام قادته في 1971، ثم هو الأكثر استيعاباً لما يدور في العالم، ثم عندما انهار الاتحاد السوفياتي تبنى الليبرالية بالكامل. ولذلك، كان كثير من الشباب الذين يتطلعون إلى الحرية والعدالة وأن تؤدي المرأة دوراً كبيراً في المجتمع، كانوا يجدون الحزب الشيوعي في ممارسته في مواقفه وفي قناعته مجتمعاً أقرب إليهم وجدانياً من مجتمع الحركة الإسلامية الملتزمة دينياً والمحافظة. لذلك كان هذا التباين، فالحزب الشيوعي كأنما يكسب في هذا الجو والحركة الإسلامية كأنما تخسر بالتصاقها وتبنيها لكل مشاريع السلطة وحمايتها للسلطة. فكان الوضع من هذه الناحية معقداً جداً.

* هل نستطيع القول إن النميري أضاع عقوداً من عمر السودان، وإن نظام «الإنقاذ» أضاع عقوداً أيضاً؟

- كثير من السياسيين يتحدثون عن 60 عاماً من عمر الاستقلال فيها أكثر من 52 عاماً حكمها العسكريون، فكأنما يحمّلون المؤسسة العسكرية المسؤولية. لكن أنا ذكرت لك أن هذه مسؤولية النخبة. الضباط هم بعض من النخبة، الذين آزروهم واستوزروا لهم الوزارات وكتبوا لهم الخطب ووقعوا لهم الاتفاقيات كانوا من النخبة المدنية. فلذلك هذا فيه تبسيط للأمر، وكأنما المؤسسة العسكرية مسؤولة. العلة قائمة في أصل أحزابنا المدنية. أحزابنا المدنية ليست لها برامج واضحة لإزالة تشوهات الدولة السودانية التي بدأت منذ الاستعمار.

* ما أكثر المحطات حساسية كنت فيها إلى جانب الترابي؟

- لقاؤه مع البشير وعلي عثمان عشية المفاصلة.

* كيف كان هذا اللقاء، نريد أن نعرف شيئاً جديداً عنه؟

- ذلك اللقاء كان محاولة لإنقاذ الوضع من الانفصال التام، وأنا نجحت، وهذه مسألة شخصية، بأن أجمع الترابي والبشير. فكان هذا أول لقاء لهما بعد فراق وجفاء امتد لأشهر، وكان عشية المؤتمر. فطرح البشير في ذلك اللقاء أن نحتفظ بالخلافات وأن نجعل من المؤتمر تظاهرة سياسية فقط، وأحنى الترابي رأسه لهذا القرار الذي أنقذ الجلسة الأولى، ولكن سرعان ما تفجرت الخلافات في نهاية اليوم.

* كيف كانت علاقتك بالبشير؟

- جيدة جداً.

* على أي أساس؟

- أنا كنت أكتب خطاباته.

* تكتب خطاباته، يعني أنت مرتكب؟

- لا، الخطابات كانت تعبّر عن سياسة الحركة كلها وعن موقف.

* في أي سنوات كنت تكتب خطاباته؟

- تقريباً منذ أول عام 1990. أول خطاب كتبته كان عن مؤتمر المرأة.

* وآخر خطاب؟

- أظن أن آخر خطاب كان في أواخر التسعينات، ولا أذكر بالضبط موضوعه.

* غاب الود بين الترابي والبشير وأخذت جانب الترابي؟

- هو لم يكن غياب ود فقط، بل كان خلاف مواقف. الترابي كان مع الديمقراطية والحريات العامة، وكان مع الحكم الاتحادي وكان مع الالتزام باتفاقيات الجنوب. وأنا انحزت لهذا الموقف.

* هل تشبه تجربة الترابي مع البشير، تجربة الشيخ عبد الله حسين الأحمر مع علي عبد الله صالح، ولو في سياق مختلف؟

- يمكن طبعاً في حالة أن هناك شيخاً ورئيساً، ولكن بالنسبة للبشير، البشير أصلاً عضو في حركة إسلامية يرأسها الترابي، وكان يزعن لكل قراراته حتى بعدما أصبح رئيساً إلى أن بدأت المفاصلة الطبيعية، المباينة الطبيعية، بين سلطة حقيقية في الظاهر وسلطة باطنية.

* وسلطة الباطن تحرك السلطة الظاهرة؟

- بحكم أن هناك حركة تحكم.

حقائق

من هو المحبوب عبد السلام؟

  • ولد في 1958 في مدينة أم درمان.
  • تخرج عام 1981 في قسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة القاهرة.
  • درس علم الاجتماع في جامعة «باريس 3».
  • تخصص في الدراسات الإسلامية في جامعة لندن.
  • تولى إدارة مكتب الدكتور حسن الترابي لنحو عشرة أعوام.
  • كان أحد كتّاب خطابات الرئيس السوداني السابق عمر البشير.
  • آخر لقاء له مع الترابي كان في الأسبوع الأخير من فبراير (شباط) 2017 أي قبل وفاة الترابي بنحو أسبوعين.
  • آخر لقاء له مع البشير كان في منزل وزير الإعلام الأسبق علي شمو في يناير (كانون الثاني) 2017.


مقالات ذات صلة

«الصليب الأحمر»: 11 ألف مفقود خلال 3 سنوات من الحرب في السودان

شمال افريقيا أسر وعائلات في بلدة طويلة بولاية شمال دارفور فرّت من العنف في الفاشر (الهلال الأحمر)

«الصليب الأحمر»: 11 ألف مفقود خلال 3 سنوات من الحرب في السودان

عدد الأشخاص المفقودين في السودان الذين سُجّلوا حتى الآن بلغ 11 ألفاً، بزيادة قدرها 40 في المائة خلال عام 2025 وحده.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... والإعلام يدفع الثمن

مع دخول الحرب بالسودان عامها الرابع، لقي 35 صحافياً مصرعهم، وتعرض 500 صحافي ومؤسسة إعلامية لانتهاكات، بحسب نقابة الصحافيين السودانيين.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

«مؤتمر برلين»... تعهدات بمساعدات للسودان وآمال في دعم جهود السلام

تزامناً مع دخول حرب السودان عامها الرابع استضافت العاصمة الألمانية برلين الأربعاء مؤتمراً يهدف لدعم جهود السلام وحشد تعهدات بتقديم مساعدات للشعب السوداني

«الشرق الأوسط» (برلين)
شمال افريقيا 
لاجئون سودانيون في منطقة أدري الحدودية بين تشاد والسودان يوم 9 أبريل 2026 (اليونيسيف)

سكان الخرطوم يحلمون بـ«انتهاء المعاناة»

لم تكن حرب السودان، التي اندلعت بين عشية وضحاها بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، مجرد رصاص طائش أو قصف عشوائي، بل كانت زلزالاً هزّ.


انقسام مصري متصاعد إزاء ملف الوافدين

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
TT

انقسام مصري متصاعد إزاء ملف الوافدين

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي انقساماً متصاعداً إزاء تعامل الحكومة المصرية مع «ملف الوافدين»، تزامناً مع بروز مخالفات ارتكبها أجانب في مصر خلال الفترة الأخيرة.

وألقت الجهات الأمنية المصرية، مساء الأربعاء، القبض على أشخاص، قالت إنهم يحملون جنسية إحدى الدول -دون توضيح هويتهم- بعد انتشار مقطع مصور على منصات التواصل يُظهر قيامهم بحركات استعراضية والرقص ملوّحين بأسلحة بيضاء.

وأوضحت وزارة الداخلية في بيان أن المتهمين أقروا بارتكاب الواقعة في أحد شوارع القاهرة خلال احتفالهم بأعياد الربيع، مشيرةً إلى أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم.

جاء هذا بعد أسبوع من واقعة أخرى في محافظة أسوان بجنوب مصر، حيث ضبطت أجهزة الأمن أشخاصاً يحملون جنسية إحدى الدول -دون الإفصاح عن هويتهم- بعد تداول مقطع يصور مشاجرة استخدم أطرافها الأسلحة البيضاء لخلافات مالية بينهم، دون أن يؤدي الحادث إلى إصابات.

«التمكين الاقتصادي»

وانقسمت «تدوينات» المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين مدافعين عن إجراءات حكومية من شأنها «تمكين الوافدين اقتصادياً» لكي يتمكنوا من العيش خلال فترة إقامتهم المؤقتة، وآخرين يرون أن الوافدين تحولوا إلى «قنبلة موقوتة اقتصادياً وأمنياً»، وأن الأمر يتطلب ترحيل من يخالفون الإقامات وتحفيز عودتهم الطوعية إلى بلادهم.

ودخل إعلاميون على خط الجدال في برامجهم وعبر منصات التواصل الاجتماعي، وتطرقوا إلى الأزمات الاقتصادية التي تعانيها مصر مع ارتفاع فاتورة استيراد الغذاء والطاقة في وقت تُطرح مبادرات لدمج اللاجئين في برامج اقتصادية.

كما تضمنت التدوينات اتهامات للحكومة بأنها تساعد على دمج أشخاص قد يشكّلون خطورة أمنية، وذلك بعد بروز الحوادث الأخيرة، فيما التزمت الجهات الحكومية الصمت مكتفيةً بالتوضيحات التي أصدرتها مؤسسة «حياة كريمة» بشأن طبيعة برامجها لدعم الفئات الوافدة.

وقالت المؤسسة، التي تعمل في مشروعات مجتمعية وتنموية عديدة وتعتمد في جزء من مواردها على تبرعات منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، إن البرامج المخصصة لدعم الفئات الوافدة داخل مصر ممولة بالكامل من منح دولية مخصصة «دون أي مساس بموارد أو تبرعات المصريين، مع الالتزام بالفصل التام بين الحسابات وفق أعلى معايير الحوكمة، بما يُسهم في دعم جهود الدولة المصرية وتخفيف الأعباء عنها».

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

تحقيق «الانضباط»

مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، اللواء أشرف أمين، أكد أن الحكومة تتابع بشكل مكثف أي وقائع فردية تصدر عن الوافدين، وأنها تتعامل معها بحسم بما يسهم في تحقيق «حالة من الانضباط» بالمناطق التي يوجدون فيها.

وتابع: «بالتوازي مع ذلك، هناك مراجعة مستمرة لملف الوافدين والتعامل مع مخالفي الإقامات، وهو ما انعكس على تراجع أعداد المخالفين بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية».

وأضاف في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»: «الأجهزة الأمنية ترفع درجات اليقظة مع التوترات الراهنة في المنطقة، ووفقاً لما تشهده طبيعة الصراعات في دول الجوار. وهناك إجراءات مشددة لدخول الوافدين عبر الطرق الشرعية التي تكون في حالات عديدة بحاجة إلى موافقات أمنية مسبقة».

ورَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. ولا يوجد إحصاء رسمي معلن بأعداد المُرحَّلين حتى الآن.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وهو ما يكلّفها أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، وفق تقديرات حكومية مصرية.

أزمة اقتصادية ضاغطة

وانعكست الحملات الأمنية للتدقيق في أوضاع الوافدين، وكذلك الخطابات المناوئة لهم من جانب بعض المصريين، على أعداد السودانيين العائدين إلى بلادهم.

وحسب تصريح صحافي أدلى به الشهر الماضي العميد مبارك داوود سليمان، مدير معبر أرقين الواقع على الحدود المصرية - السودانية، والمشرف على المعابر، فإن «المعبر يشهد زيادة مستمرة في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن».

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بدايةً من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت إلى السودانيين المغادرين بقرار مماثل حتى مارس (آذار) الماضي.

ويرى الباحث في شؤون الهجرة ومؤسس «مركز الجنوب لحقوق الإنسان»، وجدي عبد العزيز، أن الانقسام بشأن أوضاع الوافدين في مصر آخذ في التصاعد نتيجة الأزمة الاقتصادية الحالية مع تداعيات حرب إيران وتراجع قيمة العملة المحلية؛ مشيراً إلى أن هذا أمر يحدث في كثير من دول العالم خلال الأزمات الاقتصادية الضاغطة.

ولفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الخطاب الحكومي في مصر، والذي يشير إلى تمتع الوافدين بالخدمات الحكومية من مياه وكهرباء وتعليم وغيرها، يمكن أن يعزز من الانقسامات بشأن آليات التعامل معهم في ظل أزمات معيشية يعانيها قطاع واسع من المصريين، كما أن الجدل يمكن أن توظفه الحكومة المصرية لمناشدة المجتمع الدولي تقاسم أعباء استقبال اللاجئين من دول الصراعات.


محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)
محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)
TT

محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)
محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)

هيمنت سياسات مكافحة غسل الأموال على المحادثات، التي عقدها ناجي عيسى، محافظ مصرف ليبيا المركزي، في واشنطن مع مسؤولين أميركيين، وذلك في ظل تعقّب النيابة العامة لقضايا «فساد».

وقال المصرف المركزي إن المحافظ استعرض جهود تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأنظمة الدفع الإلكتروني، واستحداث أدوات سياسة نقدية غير تقليدية، بما يتوافق مع المعايير الدولية، وهو ما عزّز ثقة المؤسسات المالية الدولية بالمصرف.

ناجي عيسى خلال مباحثاته مع المسؤولين الأميركيين (المصرف)

وأوضح المصرف في بيان، مساء الأربعاء، أن عيسى والوفد المرافق له عقدا اجتماعاً مع عدد من المسؤولين، من بينهم روبرت ب. ثومسون، النائب الأول لرئيس شركة «فيزا». مبرزاً أن اللقاء يأتي استكمالاً لسلسلة من الاجتماعات، التي تهدف إلى تعزيز الشمول المالي في ليبيا، من خلال تحفيز التوسع في خدمات المدفوعات الإلكترونية، ودعم مساعي المصرف المركزي لإحكام ضبط المعاملات المالية وتنظيمها، وفقاً للمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وتُعد ليبيا من بين أكثر خمس دول فساداً في العالم، وفق تقديرات منظمة الشفافية الدولية الصادرة مؤخراً. وتشير البيانات إلى تراجع ترتيب ليبيا في مؤشر مدركات الفساد إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في تصنيف عام 2025.

وقال المصرف المركزي إن عيسى شارك في اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا وباكستان (MENAP)، الذي عُقد مع مدير عام صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد، والبنك الدوليين لعام 2026 في العاصمة الأميركية.

محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع روبرت ب. ثومسون (المصرف)

وناقش الاجتماع حزمة واسعة من القضايا الاقتصادية والتنموية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها تباطؤ النمو العالمي، وضغوط التضخم، وتحديات أسعار السلع الأساسية والطاقة.

وأضاف المصرف موضحاً أنه تلقى دعوة رسمية من وزارة الخارجية الأميركية، وعقد «اجتماعاً رفيعاً» في مقر الوزارة بواشنطن مع كايل ليستون، مساعد وزير الخارجية الأميركي. ونقل عن ليستون إشادته بنتائج الجهود التي قادها المحافظ ومجلس إدارة المصرف، واصفاً إياها بأنها «نموذج يُحتذى به في الإدارة المالية رغم الظروف القاهرة».

وفيما يتعلق بجرائم الفساد المالي في ليبيا، أعلن «جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب» تفكيك شبكة محلية، وتوقيف خمسة موظفين في أحد المصارف، إثر تورطهم في عمليات اختلاس وتلاعب بحساب أحد المواطنين.

وقال الجهاز إن التحقيقات كشفت أن المتهمين استغلوا سلطتهم الوظيفية لشحن بطاقات دولية، بقيمة 12 ألف دولار، وتنفيذ تحويلات بقيمة 63 ألف دينار، دون علم صاحب الحساب، ما تسبب في إدراج اسمه ضمن قوائم الاشتباه. (الدولار يساوي 6.33 دينار في السعر الرسمي).

ومن خلال تقنيات التتبع الإلكتروني والتحليل المالي، بحسب النيابة، تبيّن ارتباط هذه الواقعة بشبكة أوسع، استغلت بيانات أكثر من 200 ألف شخص في أنشطة غسل أموال منظمة. وبناءً على ذلك، تم ضبط المتهمين وإحالتهم إلى نيابة مكافحة جرائم الفساد، مع تأكيد الجهاز فرض رقابة صارمة لحماية الاقتصاد الوطني.

في سياق متصل، أصدرت محكمة استئناف طرابلس، منتصف الأسبوع، حكماً بسجن المدير السابق لإدارة التسويق الدولي بالمؤسسة الوطنية للنفط لمدة عشر سنوات، مع إلزامه بدفع غرامة مالية تتجاوز ملياراً و825 مليون دولار، إضافة إلى حرمانه الدائم من حقوقه المدنية، وذلك إثر إدانته بمخالفات جسيمة في ملفات تسويق النفط وتوريد المحروقات.

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب النائب العام)

وتعود تفاصيل القضية إلى دعوى رفعتها النيابة العامة، تتهم فيها المسؤول السابق بالتقاعس عن تحصيل أثمان شحنات من النفط الخام، والمشتقات المبيعة بين عامي 2010 و2017، فضلاً عن تورطه عام 2013 في اعتماد عقود لتوريد وقود بنزين، غير مطابق للمواصفات القياسية المعتمدة في ليبيا، وفقاً لما أعلنه مكتب النائب العام.


«قانون استرجاع الممتلكات الثقافية» الفرنسي يعمق «أزمة الذاكرة» مع الجزائر

أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

«قانون استرجاع الممتلكات الثقافية» الفرنسي يعمق «أزمة الذاكرة» مع الجزائر

أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

يرى مراقبون أن أي تقارب محتمل بين الجزائر وفرنسا بات بعيد المنال، في ظل التعقيدات القانونية التي استحدثها البرلمان الفرنسي بخصوص «ملف استرداد الممتلكات الثقافية المنهوبة من مستعمرات فرنسا السابقة».

الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان الفرنسي)

جاء ذلك بعد أن اعتمدت «الجمعية الوطنية» الفرنسية الاثنين الماضي «قانوناً إطاراً» يتعلق باسترداد «الممتلكات الثقافية المنهوبة» من الدول المستعمرة سابقاً، على أن يتم إصدار النص نهائياً، بعد مروره عبر «لجنة مشتركة» من غرفتي البرلمان.

ووُصفت بنود القانون بأنها مخيبة للآمال، ولا ترقى لمستوى المطالب الجزائرية، حيث يشدد خبراء على أن النص يتجاهل جوهر الملف المتمثل في استعادة آلاف القطع، والرموز المنهوبة منذ بدايات الاحتلال الفرنسي.

يُعد استرداد القطع الرمزية أحد المقترحات الرئيسة في التقرير الذي سلمه المؤرخ الفرنسي الكبير بنجامين ستورا للرئيس إيمانويل ماكرون في يناير (كانون الثاني) 2021، والذي يتضمن خطوات نصح المؤرخ باريس باتخاذها لتفكيك «مشكلة الذاكرة» مع الجزائر.

مقصلة «الاستثناءات»

تحظى هذه القضية بمكانة بارزة في أعمال «اللجنة المشتركة» للمؤرخين الجزائريين، والفرنسيين (5 باحثين من كل جانب) التي تأسست مطلع عام 2023 بمبادرة من رئيسي البلدين؛ عبد المجيد تبون، وإيمانويل ماكرون. ومع ذلك، يستبعد القانون عملياً قائمة طويلة من القطع ذات الشحنة الرمزية القوية، وذلك من خلال إقرار إجراءات مقيدة للغاية لرفع صفة «عدم القابلية للتصرف» التي تحمي الممتلكات التابعة للمجال العام، كما ينص على أن نطاق تطبيقه لا يمتد ليشمل المصادرات العسكرية، أو القطع المملوكة لمؤسسات تخضع لنظام قانوني خاص.

المؤرخ الفرنسي الشهير بنجامين ستورا (حسابه الشخصي)

وذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية، بخصوص القانون، أن ما نجا من مقصلة الاستثناءات يبقى «متواضعاً في أبعاده السياسية»، واصفةً الأمر بأنه «تقدمٌ بلا شك، لكن تداعياته على الجزائر محدودة». وبناءً على بنود القانون المستقبلي الذي يتجاهل «محفوظات كاملة قادمة من الجزائر»، لن تكون أي من القطع ذات الرمزية العالية، مثل سيف الأمير عبد القادر، أو مدفع «بابا مرزوق»، معنية بالاسترداد.

ونقلت «لوموند» عن ماثيو ديلديك، مدير متحف كوندي في منطقة شانتيي (40 كيلومتراً شمال باريس)، أن مؤسسته غير معنية بالاسترداد بسبب «نظامها القانوني المتميز»، رغم أن هذا المتحف يزخر بممتلكات من تراث الأمير عبد القادر، قائد المقاومة الشعبية ضد الاستعمار خلال القرن الـ19، والذي قضى أربع سنوات في الأسر (1884–1852) بقصر أمبواز الشهير وسط فرنسا. ويحتفظ القصر حالياً بالعديد من أغراض الأمير، خصوصاً مصحفه، وسيفه، وبرنسه.

مدفع بابا مرزوق أحد الممتلكات الثقافية التي تطالب الجزائر باسترجاعها (بلدية برست بفرنسا)

وزيادة على الموجودات التي تعود للأمير، يقول باحثون إن دوق أومال الفرنسي استولى خلال سقوط «زمالة» الأمير عام 1843 على 37 مخطوطاً، وخمسة سيوف، ومدفعين فينيسيين، وثلاث بنادق، ومسدسين، وخنجر، بالإضافة إلى أحذية، وقطع معدنية، وحقائب مطرزة بالذهب، ومجوهرات، وصناديق، ومنسوجات، في انتهاك صارخ للقوانين الفرنسية آنذاك.

وفي عام 1886، أورث الدوق مجموعاته لـ«معهد فرنسا»، واشترط في وصيته أن تظل هذه الأشياء «على حالها»، مانعاً بذلك أي خروج لها، ولو على سبيل الإعارة.

وينص القانون، الذي يجري إعداده حالياً، على إمكانية استرداد القطع الناتجة عن هبات، أو وصايا فقط في حالة موافقة الواهب، أو ذوي حقوقه. كما تُستثنى الممتلكات العسكرية من الاسترداد، بذريعة أن غنائم الحرب، شريطة تملك الدولة لها، «لا يمكن اعتبارها غير مشروعة». وينطبق هذا على مجموعات كاملة في «متحف الجيش»، بما في ذلك 38 مدفعاً برونزياً، تم الاستيلاء عليها أثناء سقوط الجزائر العاصمة في 5 يوليو (تموز) 1830، وسبع قطع مدفعية من سقوط تلمسان بغرب الجزائر عام 1842.

الرئيسان الجزائري والفرنسي بالجزائر في 25 أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

في المقابل، يقع القفطان (أو البرنوس)، وبعض المخطوطات، ورايات الأمير، بالإضافة إلى «مفتاح مدينة الأغواط»، ضمن نطاق تطبيق القانون، وبالتالي ستكون قابلة للاسترداد.

وجرى مطلع مارس (آذار) الماضي عرض أسلحة كانت مملوكة للأمير عبد القادر في منطقة ستان بضواحي باريس، وهي الأسلحة التي اشترتها جمعية تسمى «الفيدرالية الفرنسية الجزائرية للتجديد»، حيث صرح المؤرخ بنجامين ستورا، المولود بقسنطينة شرق الجزائر، حينها أن هذه القطع ستُعاد إلى الجزائر «قريباً».

التهرب من الاعتراف بالجرائم

بينما لم يصدر أي رد فعل رسمي من الجزائر على القيود، التي يضعها البرلمان الفرنسي بشأن «الممتلكات المنهوبة» التي تطالب بها، أفادت صحيفة «الشروق» بأن التشريع «يقلل من فرص حدوث تقارب مع الجزائر»، مشيرة إلى أن «اللوبي المهووس بالفكر الاستعماري (في فرنسا) تمكن من تقييد هذا القانون بنصوص تحول دون استعادة الجزائر بعض الممتلكات التي سرقها جيش الاحتلال الفرنسي».

الباحث الجزائري المختص في تاريخ الاستعمار حسني قيتوني (حسابه الخاص بالاعلام الاجتماعي)

وقال الباحث الجزائري المتخصص في تاريخ الاستعمار، حسني قيتوني، إن «ثمة ثغرة فُتحت بالفعل بفضل القانون، تُنهي الحصانة المطلقة ضد التنازل عن الأملاك التابعة للمجال العام، غير أنها ثغرة تترك يد الجانب الفرنسي مطلقة للحفاظ على هيمنته، عبر إدارة ملف الاسترداد وفق مبدأ كل حالة على حدة»، لافتاً إلى وجود «قيود جوهرية على عمليات الاسترداد، يبدو أنها صيغت خصيصاً لعرقلة المطالب الجزائرية».

وأضاف قيتوني موضحاً: «خلف السجالات التقنية حول عدم القابلية للتصرف في الممتلكات العامة، أو مبدأ كل حالة على حدة في عمليات الاسترداد، تبرز مسألة أعمق بكثير؛ وهي مسألة الاعتراف الكامل والشامل بجرائم الاستعمار. وطالما ظلت فرنسا تتحصن خلف الذرائع القانونية الواهية لرفض إدانة هذه الجرائم بوضوح، فلن تتمكن أي قوانين معقدة من تهدئة الذاكرة، أو الاستجابة للمطالب المشروعة للشعوب المنهوبة».

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

وكان وزير المجاهدين الجزائري قد صرح نهاية 2022 بأن «ملف الذاكرة» يتضمن عدة ملفات، منها: فتح واستعادة الأرشيف والممتلكات، واسترجاع رفات شهداء المقاومة الشعبية، التي تحتفظ بها فرنسا في بعض متاحفها، ودراسة ملف ضحايا التجارب النووية (أجرتها فرنسا في صحراء الجزائر مطلع ستينات القرن الماضي)، وملف المفقودين خلال حرب التحرير.