المحبوب عبد السلام: الترابي اعتبر كارلوس هدية مسمومة من الأردن

أدار مكتب الشيخ وكتب خطب الرئيس ثم «تخرج» من المدرسة وصار مستقلاً (2)

TT

المحبوب عبد السلام: الترابي اعتبر كارلوس هدية مسمومة من الأردن

كارلوس بهيئتين كما بدا في نشرات الإنتربول (أ.ف.ب)
كارلوس بهيئتين كما بدا في نشرات الإنتربول (أ.ف.ب)

إلى متجر التحف في الخرطوم دخل رجل غريب وجذاب. لم يخطر في بال السيدة صاحبة المكان أن القدر رتب لها موعداً كبيراً. لاحظ الزائر صورة عسكري رفيع على الجدار فأوضحت السيدة أنها أرملته. وأشارت إلى أنه لو عاش لكان رئيساً للسودان.

كانت زينب مصطفى تتحدث عن زوجها الراحل الهادي المأمون المرضي الذي أسس التنظيم الإسلامي في الجيش وعُيّن وزيراً للأشغال بعد انقلاب «الإنقاذ» في 30 يونيو (حزيران) 1989 لكن المرض لم يمهله كثيراً.

لم تكن زينب تعرف خطورة الزائر. وأن أجهزة المخابرات الدولية تبحث عنه. وأن أجهزة فرنسا تبحث عن فرصة لاعتقاله أو القضاء عليه لأنه قتل في 1975 اثنين من رجال الأمن فيها ونجح في الفرار. انعقد خيط الود بين الزائر والسيدة. قال لها ذات زيارة إنه سياسي مهم ويريد اللقاء بالرئيس عمر البشير أو الدكتور حسن الترابي. وأعطاها كتاباً لديفيد يالوب عنوانه «حتى نهاية العالم» وطلب منها إرساله إلى مكتب الترابي.

صورة التقطت لكارلوس في السودان عام 1994 ووزعتها الداخلية الفرنسية خلال المحاكمة (أ.ف.ب)

ذهبت زينب وقابلت الدكتور المحبوب عبد السلام، مدير مكتب الترابي، ونقلت إليه الطلب. وضع المحبوب الكتاب بين يدي الترابي الذي سأله هل يالوب هنا، فكان رده: لا، الموجود هنا هو كارلوس. وكان للخبر وقعه بالتأكيد. كارلوس هو الاسم الشهير للفنزويلي إيليتش راميريز سانشيز. إنه الرجل الذي أطلقه مهندس خطف الطائرات القيادي الفلسطيني الدكتور وديع حداد لينفذ عملية خطف وزراء «أوبك» في فيينا في 1975 تنفيذاً لأوامر حداد وانسجاماً مع رغبة معمر القذافي.

لهذا السبب يعرف المحبوب قصة كارلوس من الألف إلى الياء خصوصاً أنه تولى عملية الترجمة في المحادثات المعقدة بين المخابرات الفرنسية والمخابرات السودانية، التي انتهت بتسليم كارلوس في 15 أغسطس (آب) 1994 إلى فرنسا، حيث يهرم الآن في أحد سجونها.

شاهد المحبوب كارلوس في المستشفى وشاهده وهم يصعدون به إلى الطائرة الفرنسية التي استيقظ متأخراً على متنها، بفعل جرعة المهدئات التي أعطيت له، فاكتشف أن قصته أدركت فصلها الأخير.

خدع الأمن السوداني كارلوس ونقله من المستشفى إلى «مكان آمن» بذريعة وجود محاولة لاستهدافه ثم انقض الحراس عليه وسلموه للفرنسيين الذين أصعدوه إلى الطائرة.

في الثمانينات طاف كارلوس في عواصم أوروبا الشرقية. اكتشفت أجهزة الأمن صعوبة ضبط هذا الرجل المولع بحياة الليل مع كل ما يمكن أن يرافقها من شراب ومغامرات وتهورات. ومع سقوط الاتحاد السوفياتي لم تعد تلك الملاجئ متاحة. ولم يكن الذهاب إلى بغداد مغرياً فقد كان العراق محاصراً. استخدم نظام حافظ الأسد كارلوس في عمليات في فرنسا ولبنان، لكنه طلب منه لاحقاً المغادرة في سياق جهود تحسين الصورة مع الغرب. العقيد معمر القذافي فضل في النهاية صداقة صبري البنا «أبو نضال» على صداقة كارلوس المتعب والمحرج. الأردن أيضاً تعب من الضيف الثقيل وطالبه بالمغادرة فكانت الرحلة السودانية.

علمتني متابعتي لملف كارلوس درساً في الصبر. على مدى عقدين كان ملف هذا الرجل الشائك مفتوحاً على طاولة ضابط المخابرات الفرنسي فيليب روندو الذي سافر إلى بلدان كثيرة للاقتراب منه ونقله إلى السجن الفرنسي. كان كارلوس يمارس الرياضة في مسبح «الفندق الكبير» في الخرطوم. لم يخطر بباله أن سائحاً مزيفاً يسترق النظر إليه ويلتقط له صوراً واسم «السائح» فيليب روندو.

رئيس تحرير «الشرق الأوسط» خلال مقابلة مع الترابي (الشرق الأوسط)

شاءت المهنة أن أحاور الترابي وكارلوس. قال الأول إن كارلوس «جاءنا من بلاد قريبة من بلادكم» وكان يقصد الأردن. وقال الثاني إن الترابي والبشير باعاه في صفقة مع فرنسا. ضاعفت أجوبتهما أسئلتي، وها أنا أحملها بعد سنوات إلى السياسي والباحث الدكتور المحبوب عبد السلام.

* ما قصة الفنزويلي كارلوس مع السودان، وأنت تعرفها من الألف إلى الياء؟

- أعرفها بحكم أنني كنت المترجم بين جهاز الأمن السوداني وجهاز الأمن الفرنسي. فرنسا هي الدولة الوحيدة التي يحق لها بحكم قرار الإنتربول أن تتسلم كارلوس. هو جاء إلى السودان في عام 1993 من الأردن، ودخل المطار بصفته مواطناً عربياً بجواز سفر يمني جنوبي وأمضى عاماً في السودان.

* دخل تحت اسم عبد الله بركات أو شيء من هذا القبيل؟

- نعم، بالضبط. أنا كنت أقول لفيليب روندو أن هذا الجواز مزور، وكان يقول لي ليس مزوراً، ويقصد أنه صدر فعلاً من وزارة الخارجية اليمنية. وأنا كنت أقصد أن ليس هذا اسمه الفعلي. السودان اكتشف كارلوس بعد وجوده في أراضيه. كان، كما وصف الترابي، هدية مسمومة من الأردن في ذلك الوقت، وقضينا تقريباً عاماً نتحدث إليه أن يخرج من السودان.

* هل التقيت كارلوس؟

- في اللحظة الأخيرة. في اللحظتين الأخيرتين، عندما كان في المستشفى وعندما سُلِم إلى الأمن الفرنسي في المطار.



* جاء كارلوس إلى الخرطوم. هل يعقل أن أجهزة الأمن السودانية احتاجت إلى كل هذا الوقت لتكتشف أن هذا الرجل هو خاطف وزراء «أوبك» في فيينا؟ هذه رواية يصعب تصديقها؟

- طبعاً، بالنسبة للأمن الأردني أو بالنسبة للأمن الليبي أو السوري فهذا أمن عريق له عشرات السنوات ويحفظ الملفات، ولكن بالنسبة إلى الأمن السوداني فنحن لسنا متاخمين لفلسطين، لسنا من دول المواجهة، وبالتالي معرفتنا بأبطال وموضوعات هذه القضية ليست بهذه الدقة. وكارلوس لم يكن مذكوراً عندنا، ولم يكن عندنا وزير بترول اختطف.

* كان كارلوس يذهب إلى النادي الأرمني في الخرطوم؟

- نعم.

* متى عرف الترابي بوجود هذه الهدية المسمومة التي اسمها كارلوس؟

- ربما في فترة مبكرة، بعد أشهر من وصوله. هو حاول أن يأتي إلى مكتبنا ويطلب مقابلة الترابي.

* طلب كارلوس مقابلة الترابي؟

- لكن لم يكن الحرس في الاستقبال يعلمون أنه كارلوس.

* جاء إلى المكتب؟

- جاء إلى المكتب وطلب أن يلتقي الترابي. لكن لم يكن أحد يعلم من هو إلى أن أخطرت الأجهزة الأمنية الترابي بأن الموجود عندنا هو فلان.

* لم يلتقه؟

- لم يلتقه قَطّ. هو كان ملفاً أمنياً محضاً. أي أنه يختلف عن ملف أسامة بن لادن الذي كانت معه علاقات اقتصادية وإسلامية.

* هل التقى كارلوس بن لادن في الخرطوم؟

- هذه المسألة لا أعلمها. لا أعلمها.

* كارلوس قال لي إنه عبر الشارع وكان أسامة بن لادن يعبر من الجهة الأخرى، وتبادلا تحية من بعيد.

- ربما، لا أعلم. لا أعلم.

* أجريت حواراً مع كارلوس فقال لي: باعني الترابي والبشير، هل صحيح؟

- ربما تقديره لحالة السودان يختلف عن فهم السودانيين لوضعهم. هو عندما التقى بالطبيب الذي كان يشرف على علاجه، أخبره بأنه سياسي كبير، أنه بمستوى الترابي والبشير، وعندما التقى زوجته السودانية أخبرها أنه يريد أن يلتقي البشير أو الترابي.

كان يظن أن هذا النظام إسلامي مثل النظام الإيراني ومعادٍ للغرب وسيقبله وسيستفيد من خبراته، كما ذكر هو أن عنده خبرات يمكن الاستفادة منها. لكن النظام في السودان لم يكن في تلك الحالة، أن يواجه الإقليم والعالم في مثل هذه المسألة. وهو ما دفع سوريا لتتخلص وليبيا أيضاً.

* قدم نفسه مسلماً؟

- أعتقد ذلك.

* وحاول بيع خبراته أو وضع خبرته في تصرف نظام البشير؟

- نعم.

* لم يلتقه الترابي، تستطيع أنت أن تجزم؟

- أجزم، أنه لم يلتق الترابي.

* عقد ذات يوم لقاء لحركات إسلامية، هل كان الأمين العام لمنظمة «ذو الفقار» الباكستانية مرتضى بوتو من الذين يذهبون إلى السودان؟

- مرتضى بوتو. هذا الاسم تحديداً لم يأت. تقصد ربما الدورة الأولى للمؤتمر التي حصلت بعد حرب الخليج، وهناك دورة ثانية حصلت بعد عامين من ذلك اللقاء الأول، كما وصفته الصحف الغربية بأن «كل الإرهابيين في العالم الآن في الخرطوم».

الترابي خلال مؤتمر الحركات الإسلامية في الخرطوم عام 1991 (أ.ف.ب)

* من كان مشاركاً في هذا اللقاء؟

- مثلاً كان هنالك ياسر عرفات ونايف حواتمة وراشد الغنوشي والمفتي العراقي وقادة إسلاميون وكل العالم الإسلامي الشعبي كان موجوداً في تلك اللحظة.

* كارلوس قال لي، بالمراسلة بيننا، إن أول من اقترح مهاجمة برج في أميركا هو مرتضى بوتو في لقاء للحركات القومية والإسلامية؟

- طبعاً كان هناك لقاء عام، أمام أجهزة الإعلام، في جلسات رسمية في قاعة الصداقة أكبر قاعة رسمية عندنا. ثم هناك لقاءات كثيرة، مثلاً، أنا شهدت لقاء بين (زعيم «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة في الجزائر) أنور هدام والمخابرات الفرنسية. آنذاك كان الترابي يتوسط بين حركة «الإنقاذ» الجزائرية والسلطة الجزائرية ولكن بدعم فرنسي.

* لنرجع إلى كارلوس. ربطتك علاقة جيدة بالجنرال فيليب روندو أحد أبرز ضباط المخابرات الفرنسية... ماذا تقول عنه؟

- شخصية استثنائية. ولد في تونس، كما كان يحكي لي وكما قرأت بعد ذلك. هو من أصحاب الأقدام السوداء (المستوطنون الفرنسيون في شمال أفريقيا)، وكان يأتينا أحياناً في رمضان ويصوم رمضان كله ولا يأكل إلا بعد الإفطار مثل المسلمين تماماً. وحدثني أنه قضى 30 عاماً يقوم بمهام خاصة، وتولى منصب مدير العمليات في السنوات الثلاث الأخيرة من العام الذي جاء فيه إلينا، ووجدته في افتتاح مسجد ليون في فرنسا.

ضابط الاستخبارات الفرنسي فيليب روندو تولى ملف كارلوس وتسلمه من السودان (أ.ف.ب)

هو عنده دكتوراه في علم الاجتماع، وكذلك والده عالم اجتماع كبير وذو صلة وثيقة جداً بالعالم الإسلامي والعالم العربي على وجه الخصوص. وعنده علاقات خاصة بالمخابرات العربية كلها ويصفها وصفاً دقيقاً.

يصف المخابرات العراقية ويقول إنها تنطلق من أفكار، ويصف المخابرات الجزائرية بأنها لا تستطيع أن ترى إلا ما تريد أن تراه، ويصف المخابرات المصرية وله معرفة عميقة جداً.

* ماذا قال عن المخابرات العراقية تحديداً؟

- قال إنهم ينطلقون من آيديولوجيا ويشبهونكم.

* والسورية؟

- السورية لا أذكر أنه قال عنها شيئاً.

* والجزائرية؟

- قال إن مشكلتها أنها لا تحب أن ترى إلا ما تراه، أي لا ترى الواقع بالعين الموضوعية. تراه بعين ذاتية.

* أمضى فيلب روندو، كما قرأت في مذكراته، 20 عاماً يطارد كارلوس، وتيسر له أن يراه في أماكن أعتقد بينها الجزائر ومالطا. لكن تعذر عليه لأسباب قانونية أن يقترب منه أو أن يحاول اعتقاله، متى بدأت عملية تسليم كارلوس للفرنسيين؟

- بدأت بعد نحو 4 أشهر من وجوده في السودان. هو جاء في 12 أغسطس (آب) 1993 وربما في أكتوبر (تشرين الأول)، جاءنا فيليب روندو إلى الخرطوم بعد زيارة قام بها الدكتور نافع علي نافع، مدير جهاز المخابرات السوداني إلى فرنسا. منذ الشهر الرابع بدأت المفاوضات لتسليمه، لكن استمرت طويلاً.

* منذ اللحظة الأولى استفادوا من خبراتك بالفرنسية وكنت المترجم؟

- طبعاً لأن الموضوع حساس جداً. هناك مترجمون يعرفون الفرنسية في جهاز الأمن، وفي رئاسة الجمهورية لكنهم اختاروني لإبقاء الامر في حلقة ضيقة.

* تحتاج العملية إلى شخص موثوق يؤتمن على السر؟

- طبعاً.

* كان الترابي يرافق هذه العملية؟

- كان الملف كما ذكرت لك ملفاً أمنياً، ربما أنه استشير في لحظة التسليم، وأفتى فتوى قانونية وقال ما دمتم موقعين على اتفاق «الإنتربول»، فيبنغي أن تلتزموا بعهودكم ومواثيقكم وتقوموا بتسليمه.

* هناك لقاء عقد مع شارل باسكوا الذي كان وزيراً للداخلية الفرنسية؟

- اللقاء كان الهدف منه أن يُعاد كارلوس إلى الأردن.

* نريد تفاصيل هذه المسألة؟

- عندما استعصى علينا إيجاد طريقة يخرج بها كارلوس من السودان، والسودان كان محاصراً ومستهدفاً دولياً، فكان أنسب شيء أن يعود إلى المكان الذي جاء منه. عندئذ تدخل شارل باسكوا، وزير الداخلية الفرنسي، وتحدث إلى قمة هرم السلطة في الأردن، ولكنهم اعتذروا عن عدم قبوله.

* طلب باسكوا من الأردن استعادة كارلوس؟

- نعم، لأن السودان كان في خناق، ويريد أن يفك الخناق.

* رفضوا؟

- نعم.

* ماذا حدث بعد ذلك؟ صار اللقاء بين الترابي وباسكوا؟

- لا، الوساطة كان يقوم بها فيليب روندو الذي كان ينقل ما حدث إلى السودان الذي طلب أن يعود إلى حيث أتى. لا نحتمل هذه الهدية المسمومة أكثر من ذلك.

* كارلوس صندوق أسود مشارك في عمليات كثيرة ويعرف أشياء كثيرة. هل قامت المخابرات السودانية باستجوابه؟ هل أخذت منه المعلومات؟ هل حصلت على أشياء؟

- أظن أنه كان على وعي تام بأن الموضة التي كانت في السبعينات والعمليات التي كان يقوم بها والمحيط الذي يتحرك فيه والمعلومات التي يمتلكها قد تجاوزها الزمان. كان الهم كله متجهاً إلى أن يخرج من السودان.

كارلوس بهيئتين كما بدا في نشرات الإنتربول (أ.ف.ب)

* هل كان الضيف الأصعب؟

- إلى حد كبير. كان هناك ضيوف مسألتهم صعبة لكن لم يكن العالم مهتماً بهم كما هو مهتم بكارلوس، أو تطلبه دولة عظمى كبرى مثل فرنسا.

* متى ظهر أن عملية التسليم ممكنة؟

- عندما استعصى تماماً خروجه. قُدمت له عروض عدة، أن يذهب إلى أوغندا أو كينيا أو أوروبا الشرقية. كان يقول إن هناك خطراً إذا ذهب بالسفينة أو بالطائرة لأنه لا يمكن أن يصل، مثلاً، إلى إيران أو الاتحاد السوفياتي، روسيا أو إحدى دول أوروبا الشرقية، من دون أن يمر بمكان فيه خطر شديد عليه.

* هو كان يقترح؟

- كان هذا عملاً مشتركاً بينه وبين الأمن السوداني. ينظرون في خطوط الطيران والخطوط البحرية، وكان دائماً يثير الإشكال ما الذي سيقع إذا اتخذ هذا الخط أو ذاك.

* كان يؤجل ويناور؟

- كان يخاف.

* هل تزوج في السودان؟

- نعم ربما. هناك سيدة سودانية، ربما تزوجها.

* هل وصل إليه الأمن السوداني عبر وسيلة ما؟

- لا، لا أعتقد أنه كانت هناك خطة للوصول إليه. هو قدم نفسه مباشرة وبسرعة، بأنه فلان ويريد أن يتعاون. وعن طريق السيدة نفسها.

* بدأت مفاوضات لعملية نقل كارلوس من السودان إلى فرنسا. ماذا قال فيليب روندو؟ من أعد الخطة، ما مساهمة الأمن السوداني في ذلك؟

- بمجرد أن أبدى السودان استعداده لتسليم كارلوس إلى فرنسا، وفق الفتوى القانونية التي ذكرتها لك، بدأت عملية الإعداد من قبل المخابرات الفرنسية أنهم سيصلون إلى الخرطوم في الواحدة صباحاً، وسيقوم جهاز «الإنتربول» الفرنسي بمقابلة جهاز «الإنتربول» السوداني وسيتم التوقيع على التسلم من قبل الأمن الفرنسي وسيصعد إلى طائرة خاصة، وطلبوا من السودان ألا يعلن الخبر إلا بعد 6 ساعات تكون الطائرة خلالها دخلت الأجواء الفرنسية.

* حسبما أعرف، نُقل إلى مستشفى؟ كان يعالج في مستشفى؟

- هي قصة طريفة. هو كان يعاني من مرض الدوالي، فأجريت له عملية. وكما وصفها مدير المستشفى، بأنها عملية ثانوية لكنها تحتاج إلى إشراف. لم يكن يعلم من هو المريض.

كان في مستشفى ابن خلدون في منطقة العمارات في السودان، ولحسن الحظ كان مدير العمليات في الجهاز السوداني هو الدكتور مطرف صدّيق، وكان طبيباً وكان يعمل في سنة الامتياز الأولى مع الطبيب نفسه، مدير المستشفى. هناك معرفة (بينهما)، فأخبره أنهم يريدون أن ينقلوه إلى مكان، لأن هذا شخص خطر على المستشفى، وإسرائيلي، ومصاب بالايدز.

كانت حيلة فقط لإقناعه فوافق على الفور أن ينقل، وذكر أنها عملية ثانوية لكن تعلم أنها تحتاج إلى طبيب يشرف عليها حتى تسليمه، فنقل. في اليوم الذي دخل فيه المستشفى لم يكن مدير الجهاز يعلم ولا مدير العمليات الذي يتابع الحالة، يعلم على وجه الدقة أين هو كارلوس. فللمرة الأولى لم يكن موجوداً في بيته لأنه لا يخرج بعد الساعة 11.

* ليلاً؟

- لا صباحاً. ولكن في ذلك اليوم خرج الثامنة. غير موجود فحدث قلق. لكن في الساعة الثانية اكتشفوا أنه موجود في مستشفى ابن خلدون وأجريت له هذه العملية.

* هل تم تخديره؟

- يقال إنه تم تخديره حتى يتم تسليمه، ولكن تعلم أن هذه مسألة حساسة في القانون الفرنسي تبطل الإجراءات كلها.

* أين كنت في هذا النهار؟

- أنا كنت ذلك اليوم في مكتب الدكتور نافع علي نافع، مدير جهاز الأمن وساد جو من التوتر. (كنا نتساءل) أين اختفى.

* لاحقاً عُثر عليه؟

- نعم. فحصل ارتياح.

كارلوس أمام محكمة فرنسية في 2009 (أ.ف.ب)

* لكن قمت بالترجمة قبل عملية نقله؟

- بين الشرطتين، شرطة «الإنتربول» السودانية، وشرطة «الإنتربول» الفرنسية.

* هل شاهدت كارلوس؟

- وهو ينقل إلى الطائرة.

* شاهدته وهو ينقل؟

- نعم.

* وانتهت بذلك قصة كارلوس. هل تقاضى السودان شيئاً في مقابل موافقته على تسليم كارلوس؟ هل ساعدته فرنسا؟

- أظن ساعدته في بعض التدريب على بعض الأجهزة الحديثة، أجهزة التصوير الليلي، ربما التسجيل والتصوير. في هذا المجال ربما ساعدت فرنسا أجهزة الأمن السوداني عبر تدريب بعض ضباطه.

* في مذكرات روندو ذكر أن كارلوس استيقظ في الطائرة؟

- قال إنه عندما استيقظ سمع أصواتاً تتحدث الفرنسية.

* هناك زائر آخر اسمه أسامة بن لادن. هل شكل وجوده إحراجاً كبيراً للسودان؟

- في السنوات الأولى من وجوده كان يظهر بصفته مستثمراً في بعض الطرق، في المطار بشرق السودان، ولكن بعد فشل محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في 1995، أصبحت السياسة مختلفة، أنه ينبغي الإذعان التام لمتطلبات المجتمع الدولي والإقليمي. ففي هذا الإطار كان واحداً من الهموم التي ينبغي التخلص منها.

* من كان مع الإذعان التام من القيادة: البشير أو مساعدوه؟

- كان الإذعان من الشيخ علي عثمان محمد طه، لأنه هو المتورط الأكبر في مسألة مبارك، فكان يرى أن تنتقل السياسة هذه المرة من أي تحديات ومواجهات إلى إذعان تام.

* فكان لا بد من إخراج أسامة بن لادن؟

- لتمر العاصفة.

- هل اشتكى بن لادن من أسلوب التعامل معه بعد خروجه من السودان؟

- نعم، بعث بوسيط وتحدث إلى الشيخ الترابي، وكنت شاهداً على ذلك الحديث، أنه ترك أموالاً لم ترد إليه وأنه خرج وعندما خرج أخبر السلطات السودانية أنه سيخرج، «ولكن خروجي لن يحميكم من الغرب ولا من الإمبريالية وستظلون مستهدفين». فكان يحمل في نفسه شيئاً.

* هل شهدت لقاءات بين الترابي وأسامة بن لادن، فقد قال لي الترابي «كنت أحاوره في قضايا فقهية»؟

- أظن شهدت لقاءات، وهناك لقاء فقط كان مختصاً بالإغاثة. وهذا أول لقاء، قبل حرب الخليج. كان السودان تعرض لنكبة كبيرة عام 1988، أمطار وسيول. ثم فعلاً الترابي كان يعتقد أن هذا المنهج يكفر ويقسّم العالم إلى فسطاطين ويتخذ من العنف وسيلة وليس الحوار وليس تحديث الإسلام وتجديده، وكان يريد أن يدفعه في هذا الاتجاه (التجديدي) وهذا المعنى الفقهي الذي قصده.

* لكنه لم يوفق في دفعه في ذلك الاتجاه؟

- ربما الظروف التي حدثت فيما بعد زادت من تطرفه.

* تعرض لضغوط للمغادرة، هل كان يدرب أناساً من «القاعدة»؟

- كان عنده مزارع ومعسكرات وكان فيها عدد من أفراد «القاعدة» وكانوا أحياناً يخرجون، يركضون، لزوم التدريبات العسكرية، في الأحياء من حولهم. لكن كان نشاطاً محدوداً جداً.

* ذات يوم أوفد صدام حسين مسؤولاً في جهاز المخابرات لديه اسمه فاروق حجازي، وقال لي مسؤول في مخابرات صدام إن الترابي كان الوسيط من أجل ترتيب لقاء بين فاروق حجازي وأسامة بن لادن، وإن هذا اللقاء استخدم لاحقاً لتبرير الغزو الأميركي للعراق؟

- أظن هذا كان في فترة مبكرة جداً. مع أول وصول بن لادن بعد حرب الخليج مباشرة، عندما جاء إلى السودان في أول وصوله، وجاء هذا المبعوث العراقي ولم يكن حتى الأمن السوداني يعرف جيداً من هو، وأنا سمعت هذه القصة.

* أعدم لاحقاً لكن في قضية ثانية...

- هو جاء فعلاً إلى السودان، واستقبلته المخابرات السودانية وكان هذا فاتحة لعلاقات كبيرة بينها وبين الأمن العراقي، والتقى نائب الترابي الشيخ علي عثمان والتقى الترابي طبعاً بعد ذلك.

* هل التقى الرئيس البشير؟

- لا أدري، ولا أعتقد، لأن الرئيس البشير، في تلك السنوات، لم يكن آنذاك ضالعاً في هذه الملفات والعلاقات الإسلامية.

* فشل اللقاء أو نجح؟

- لا أعلم.

* لكن اللقاء عقد بوساطة من الترابي؟

- هذا شيء طبيعي طبعاً، إذا بعث صدام بشخص والتقى قيادة الدولة والتقى الترابي فأقرب شخص لبن لادن في ذلك الوقت هو الشيخ الترابي.

* وزار مسؤولو الأجهزة السودانية بغداد لاحقاً؟

- كما ذكرت لك فتحت العلاقات مع بغداد بعد ذلك.

* هل هذا كل شيء حول هذه المهمة؟

- في معرفتي. أنا لست رجلاً أمنياً، أنا كادر فكري وثقافي ولست رجلاً أمنياً.

* بماذا تشعر، نظام «الإنقاذ» سار في اتجاهات متعاكسة في مراحل، وتلاعب بالأخطار حين استقبل ضيوفاً من قماشة كارلوس وأسامة بن لادن ومصطفى حمزة وغيرهم. هل تعتقد أن السودان حالياً يدفع ثمن ما ارتكب في مراحل سابقة؟

- بالتأكيد، بالتأكيد. ليس فقط في العلاقات الخارجية حتى في العلاقات الداخلية. إنشاء الميليشيات التي أدت إلى هذه الحرب، هذا بعض من سياسات «الإنقاذ».

* أنت تعتقد أن «الإنقاذ» استوردت إلى السودان فكرة الميليشيات التي لم تكن موجودة بهذا الشكل المنظم؟

- كانت موجودة لكن ليس بهذا المعنى المنظم. الاستخبارات العسكرية دائماً لها «قوات صديقة»، من حربها في الجنوب، من القبائل الجنوبية، ولكن أن تكون هناك قوة موازية. الفكرة كانت أشبه بفكرة «الحرس الثوري الإيراني» في حالة «الدعم السريع». أنشئ له قانون خاص في مرحلة البشير، كان يجعله تحت إشراف القائد العام والقوات المسلحة ولكن بعد ذلك، بعدما أصبح قوة ضاربة تستطيع أن تواجه الجيش في مرحلة من المراحل سُن له قانون يحرره حتى من القائد العام وهذا كان سبباً مباشراً للحرب.

حقائق

رواية كارلوس عن «فخ» الترابي والبشير: وزير رافقني في رحلتي من عمّان

قبل سنوات سألت كارلوس المقيم في سجنه الفرنسي إن كان أخطأ في التوجه إلى السودان فأجاب: «من الواضح بحكم النتيجة التي أدى إليها أن هذا القرار كان خطأ... كانت هناك جهات متعددة يمكن اللجوء إليها من دون أي مخاطر لكنها جميعها كانت تشترط أن أبقى ساكناً».

سألته إن كان دخل السودان باسم عبد الله بركات ومن دون علم سلطاته كما سمعت من الترابي، فقال إن «السلطات السودانية كانت على علم بمجيئي. وزير الشؤون الخارجية السوداني كان معنا في الرحلة التي انطلقت من عمّان وكان على علم بالأمر».

ورداً على سؤال عما إذا كان رفض نصيحة سودانية بالمغادرة أجاب: «السلطات السودانية طلبت مني بالفعل مغادرة البلاد لأسباب أمنية وكان ذلك في ربيع 1994. أنا لم أرفض مغادرة السودان بل رفضت فقط التجاوب مع فخ أراد أن ينصبه لي الترابي والبشير وعلمت به بفضل المتعاطفين معي من داخل النظام في الخرطوم».

سألته عن ملامح ما يسميه «صفقة» أوقعته في أيدي الأمن الفرنسي، فقال إن «الولايات المتحدة الأميركية كانت بمثابة قائد الأوركسترا في الصفقة التي أشرفت على تنفيذها شخصيات خليجية. أما الفرنسيون فلم يتم إشراكهم إلا في المرحلة الأخيرة».


مقالات ذات صلة

الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

الولايات المتحدة​ الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

أقرَّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مشروع قانون يرسم مساراً لفرض عقوبات على مسؤولين في «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني.

رنا أبتر (واشنطن)
شمال افريقيا لقطة لفندق تضرر من الحرب في الخرطوم (أ.ب)

دفاعات الجيش السوداني تتصدى لمسيرات استهدفت الخرطوم

أفادت تقارير بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدت لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مناطق في مدينة أم درمان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

أزمة اللجوء السودانية... وطنان في قلب طفل واحد

تجسّد قصص الأطفال صورة مصغرة لما تعيشه آلاف الأسر السودانية التي دفعتها الحرب إلى اللجوء، حيث بدأ الأطفال ينظرون إلى الوطن والانتماء والعودة بعيون مختلفة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا البرهان يلتقي المبعوث الأممي بيكا هافيستو في الخرطوم يوم الأحد (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يبحث مع مبعوث الأمم المتحدة جهود إنهاء الحرب في السودان

بحث رئيس «مجلس السيادة» الانتقالي والقائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، الأحد في الخرطوم، مع المبعوث الأممي جهود إنهاء الحرب.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا حميدتي يقرع جرس الامتحانات الموازية في مدينة نيالا صباح الأحد (إعلام «تأسيس»)

امتحانات موازية في السودان تُعمّق مخاوف الانقسام

انطلاق امتحانات الشهادة الثانوية في مناطق سيطرة «تأسيس» بدارفور وكردفان يثير مخاوف من ترسيخ الانقسام الإداري والسياسي في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)

القاهرة تُطالب بتفعيل «مجلس البحر الأحمر» سريعاً لحفظ الأمن الجماعي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
TT

القاهرة تُطالب بتفعيل «مجلس البحر الأحمر» سريعاً لحفظ الأمن الجماعي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على ضرورة الإسراع في تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، باعتباره إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الاستقرار الإقليمي.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي، الأربعاء، مع نظيره الإريتري عثمان صالح، وأكد فيه أن المرحلة الحالية تتطلب وضع آليات واضحة للأمن الجماعي، وفي مقدمتها تفعيل «مجلس البحر الأحمر» في أسرع وقت ممكن، بما يُسهم في مواجهة التحديات المشتركة، ويُعزز التعاون بين دول المنطقة.

ومجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن هو تكتل إقليمي تأسس في يناير (كانون الثاني) عام 2020، ويهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي، وتأمين الملاحة الدولية، وتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي بين الدول المشاطئة لأحد أهم الممرات المائية في العالم.

ويتشكل المجلس من دول عربية وأفريقية، هي السعودية ومصر والأردن واليمن والسودان وإريتريا والصومال وجيبوتي.

وقال عبد العاطي إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإريتري أسياس أفورقي اتفقا على الأهمية القصوى للالتزام بالمبادئ الراسخة للقانون الدولي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها.

والتقى السيسي رئيس إريتريا، الاثنين؛ حيث بحثا الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، والتعاون القائم بين البلدين من أجل ضمان أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة البحرية به.

ووفق بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية، التقى عبد العاطي نظيره الإريتري، الأربعاء، وناقشا سُبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتنسيق المواقف إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، بأن عبد العاطي شدد «على دعم مصر الكامل لدولة إريتريا من أجل الحفاظ على سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها»، وجدد تأكيد حرصها على مواصلة البناء على الزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، بما يُحقق مصالح الشعبين.

وفيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، شدد الوزيران، وفق بيان «الخارجية»، على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وجددا رفضهما الكامل لأي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق، أو لفرض نفاذها البحري بالمخالفة لأحكام القانون الدولي، مع دعم رؤية إريتريا بشأن إدارة البحر الأحمر، لا سيما تأكيد وحدة وسيادة الدول المطلة على البحر الأحمر».

وأضاف المتحدث الرسمي أن الوزيرين تبادلا الرؤى حول تطورات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي؛ حيث استعرض عبد العاطي رؤية مصر تجاه تطورات الأوضاع في السودان والصومال، مؤكداً موقفها الثابت تجاه الحفاظ على أمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي، باعتبارها امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري.

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري ونظيره الإريتري في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

وازداد التنسيق بين القاهرة وأسمرة خلال السنوات الأخيرة، في ظل خلافات تجمع البلدين ضد إثيوبيا التي ترفض طلب مصر إبرام اتفاق ملزم بشأن ملء وتشغيل «سد النهضة»، إضافة إلى التوتر القائم بين إريتريا وإثيوبيا، والتلويح بتصعيد عسكري.

وزار السيسي العاصمة الإريترية أسمرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وسط تفعيل آلية التنسيق الثلاثي بين مصر وإريتريا والصومال.

وفي مارس (آذار) الماضي، نقل عبد العاطي رسالة شفهية من السيسي إلى نظيره الإريتري بشأن «تعزيز العلاقات وتطويرها في مختلف المجالات». وفي مايو (أيار) الماضي، التقى عبد العاطي ووزير النقل كامل الوزير مع أفورقي في أسمرة لبحث تعزيز التعاون وتطورات البحر الأحمر. وشدد وزير الخارجية المصري حينها على أنه لا يجوز لأي أطراف غير مشاطئة الانخراط في ترتيبات أو تفاهمات تخص البحر الأحمر.

وبعد نحو أسبوع من الزيارة، وإثر تأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر.


مصر تدعم وساطة الكونغو الديمقراطية وتراهن على تفاهمات بين دول حوض النيل

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تدعم وساطة الكونغو الديمقراطية وتراهن على تفاهمات بين دول حوض النيل

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)

تصدر ملف نهر النيل والأوضاع الإنسانية والأمنية في شرق الكونغو الديمقراطية محادثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي الذي يزور القاهرة، الأربعاء، وتشهد بلاده اضطرابات أمنية كما تعاني من تفشي فيروس «إيبولا».

وهذه هي الزيارة الثانية من نوعها خلال أقل من عام، بعد زيارة أخرى في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ويرى خبير في الشأن الأفريقي أن الزيارة تحمل في طياتها فرصة لتعزيز التعاون مع الكونغو الديمقراطية التي لم توقّع، مثلها مثل مصر، على «اتفاقية عنتيبي» للمياه وسط خلافات بشأن بنودها، مما يزيد التنسيق في مواجهات التحديات المائية، بالإضافة إلى إمكانية أن تلعب القاهرة دوراً مهماً في مساعي حل أزمة شرق الكونغو المتصاعدة للعام الثاني على التوالي.

ووفقاً لبيان الرئاسة المصرية، ناقش الرئيسان تطورات التعاون بين دول حوض النيل، وشددا على ضرورة احترام القانون الدولي المنظم للأنهار الدولية العابرة للحدود.

مصر تدعم وساطة شرق الكونغو وتؤكد على أهمية التوافق بين دول حوض النيل (الرئاسة المصرية)

وعقب المباحثات، شهد الرئيسان التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، تضمنت مذكرة لإنشاء جناح طبي مصري في مستشفى بالكونغو الديمقراطية، والتعاون في التطوير العمراني، واتفاقية لتعزيز العلاقات الاستثمارية، وفق البيان الرئاسي المصري.

المصالح المائية

ويرى خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط»، حسين البحيري، أن زيارة تشيسيكيدي تكتسب أهمية لعدة اعتبارات، منها «العلاقات المشتركة التي تجمع بين البلدين، وإدراك الكونغو الديمقراطية لمدى الثقل السياسي والاقتصادي والأمني الذي تمثله مصر في ظل التحديات المائية والأمنية بالقارة».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «وبالنسبة لمصر، فإن الكونغو الديمقراطية تمثل أهمية استراتيجية كبرى كونها إحدى الدول المطلة على حوض نهر النيل، وهي من الدول التي لم تصدق حتى الآن على (اتفاقية عنتيبي) التي تقودها إثيوبيا وبعض الدول الأفريقية الأخرى، في مسعى لإعادة تقسيم مياه نهر النيل بما يتوافق مع السياسات الإثيوبية».

وفي عام 1999، جرى الإعلان عن اتفاقية إطارية لدول حوض النيل، عرفت باسم «عنتيبي»، نسبة لمدينة عنتيبي الأوغندية؛ ثم في 2010 وقعت عليها إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي، وانضم إليها جنوب السودان في يوليو (تموز) 2024، وسط رفض مصري وسوداني، وعدم توقيع من جانب كينيا والكونغو الديمقراطية.

وقال البحيري: «تعزيز العلاقات مع الكونغو الديمقراطية يمثل أهمية بالغة لمصر لضمان ثبات موقف الكونغو الحالي وعدم توقيعها أو تصديقها على هذه الاتفاقية التي من شأنها الإضرار بالمصالح المائية المصرية».

وفيما يتعلق بتفشي «الإيبولا»، أعلنت السلطات الكونغولية، الثلاثاء، وفاة 100 شخص على الأقل من بين 550 حالة إصابة بالفيروس، وذلك بعد أقل من شهر على إعلان تفشي المرض في شرق الكونغو الذي يشهد نزاعات مسلحة للعام الثاني على التوالي وسط مساع أميركية وقطرية وأفريقية لإنهاء الصراع دون جدوى.

شراكة استراتيجية

وفي مؤتمر صحافي عقب اللقاء، أكد السيسي أنه أجرى مع تشيسيكيدي «مباحثات ثنائية مثمرة وبناءة، عكست إرادتنا السياسية المشتركة نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات».

كما أكد الرئيس المصري الحرص على الاستمرار في دعم جهود إحلال السلام، واستعادة الأمن والاستقرار في شرق الكونغو، ومساندة المساعي التي يبذلها الوسطاء الأفارقة والدوليون، معرباً عن الاستعداد لدعم إجراءات بناء الثقة، وبناء وتعزيز السلام وجهود إعادة الإعمار والتنمية في المراحل اللاحقة.

وتحاول أكثر من 100 جماعة مسلحة، أبرزها حركة «23 مارس» المدعومة من رواندا المجاورة، السيطرة على شرق الكونغو الغني بالمعادن. ومع وجود سبعة ملايين نازح في البلاد، وصفت الأمم المتحدة الصراع في شرق الكونغو الذي تصاعد منذ بداية 2025، بأنه «إحدى أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً وخطورة على وجه الأرض».

مؤتمر صحافي للرئيس المصري ونظيره الكونغولي في القاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

ويعتقد البحيري أنه يمكن لمصر أن تلعب دوراً في مساعدة جمهورية الكونغو الديمقراطية على تسوية أزمة شرق الكونغو، متوقعاً أن يبرز دور لها في قيادة جهود الوساطة من خلال مؤسسات الاتحاد الأفريقي، ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد، لدعم ودفع تسوية الأزمة ووقف تداعياتها في ظل أوضاع إنسانية متردية.

وبالإشارة إلى أن الزيارة تأتي بعد يومين من أخرى قام بها الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي، قال البحيري إن توافد رؤساء الدول والحكومات الأفريقية على مصر، والتنسيق والاتصال المستمر معها بشأن الأزمات الداخلية أو القضايا المثارة على مستوى القارة، من شأنه أن يعزز الدور المصري بصورة أكثر إيجابية وفاعلية لمساعدة هذه الدول على تجاوز التحديات وسط مخاطر عديدة بالقارة.


هل تنجح وصفة «الحوار المهيكل» في توحيد الجيش الليبي؟

تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء لجنة «5+5» العسكرية الليبية في أغسطس العام الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء لجنة «5+5» العسكرية الليبية في أغسطس العام الماضي (البعثة الأممية)
TT

هل تنجح وصفة «الحوار المهيكل» في توحيد الجيش الليبي؟

تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء لجنة «5+5» العسكرية الليبية في أغسطس العام الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء لجنة «5+5» العسكرية الليبية في أغسطس العام الماضي (البعثة الأممية)

أطل ملف توحيد المؤسسة العسكرية إلى واجهة المشهد الليبي مجدداً، عبر مقترح إحياء اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» وتوسيع صلاحياتها، في إطار توصيات ما يُعرف بـ«الحوار المهيكل»، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة، وسط استمرار الانقسام العسكري بين طرابلس وبنغازي.

وأوصى الحوار في تقريره النهائي، الصادر الأحد الماضي، بتوسيع مهام اللجنة لتتولى قيادة مسار توحيد الجيش الليبي، بعد جمود نسبي أصاب عملها، رغم دورها الأساسي في تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار عقب حرب العاصمة طرابلس (2019 - 2020).

مقر اللجنة العسكرية الليبية المشتركة في سرت (اللجنة)

وحتى الآن، لم تصدر اللجنة أي تعليق رسمي على هذه التوصيات، علماً بأنها لم تعقد اجتماعات دورية منتظمة منذ آخر اجتماع لها مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه في أغسطس (آب) العام الماضي، واقتصر نشاطها على اتصالات ولقاءات متفرقة، مما أثار التساؤلات عن فرص نجاحها وجدوى إعادة إحيائها.

وفي هذا السياق، ذكر مصدر عسكري في طرابلس، فضل عدم ذكر اسمه، أن مقترح توسيع صلاحيات اللجنة «قابل للنقاش، وقد يحظى بالقبول أو الرفض»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن فرص تنفيذه ترتبط بمدى توفر توافق إقليمي ودولي داعم لمسار توحيد المؤسسة العسكرية، إلى جانب ضغط واضح من مجلس الأمن الدولي.

وتعود نشأة لجنة «5+5» إلى مخرجات مؤتمر برلين عام 2020، باعتبارها آلية أممية تضم ممثلين عسكريين من شرق ليبيا وغربها، بهدف إدارة المسار العسكري بعد الحرب. إلا أن زخمها تراجع تدريجياً، خصوصاً بعد اجتماع عقد في القاهرة مطلع عام 2025، ما أعاد التساؤلات حول جدوى إعادة تفعيلها في ظل الانقسام السياسي والعسكري القائم.

نائب وزير الدفاع في غرب ليبيا عبد السلام الزوبي ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي صدام حفتر خلال حضورهما مناورة فلينتلوك بمدينة سرت الليبية أبريل الماضي (السفارة الأميركية)

وبحسب خلاصات «الحوار المهيكل»، فقد برز توجه واضح نحو الاعتماد على لجنة «5+5» باعتبارها أداة مركزية في ملف توحيد الجيش، مع مقترح منحها صلاحيات أوسع تتجاوز دورها التقليدي المرتبط بوقف إطلاق النار، لتشمل الإشراف على إعادة تنظيم وإدماج التشكيلات المسلحة على أسس مهنية، ومعالجة الاختلالات القانونية والتنظيمية داخل المؤسسة العسكرية، إضافة إلى وضع وتنفيذ خطط لإعادة الهيكلة والإصلاح.

كما أوصى المشاركون بإنشاء لجان فرعية متخصصة لمتابعة تنفيذ هذه الإصلاحات، مع توسيع المشاركة المجتمعية لتشمل مؤسسات المجتمع المدني والمرأة، والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة.

غير أن هذه التوصيات أعادت إلى السطح تساؤلات قديمة بشأن قدرة اللجنة على الانتقال من دورها التوافقي المحدود إلى قيادة مشروع معقد، يتعلق بتوحيد جيش منقسم، في ظل استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، وتعدد التشكيلات المسلحة، إلى جانب وجود قوات أجنبية ومرتزقة على الأرض الليبية.

ويرى مدير المركز الليبي للدراسات والأبحاث الأمنية، أشرف بوفردة، أن «إعادة إحياء لجنة (5+5) لن تحقق نتائج مختلفة عن السابق ما لم تتوافر بيئة سياسية وأمنية داعمة»، مشدداً على أن «نجاحها مرتبط بتوفر دعم دولي وإقليمي حقيقي، وإرادة سياسية وعسكرية لدى الأطراف الفاعلة في المشهد الليبي».

جانب من اجتماع سابق للجنة العسكرية الليبية المشتركة في أغسطس 2024 (البعثة الأممية)

وذهب بوفردة إلى الاعتقاد بأن اللجنة تحتاج إلى صلاحيات واضحة وأدوات تنفيذية فعالة، بدل الاكتفاء بدور تنسيقي أو استشاري محدود التأثير، مؤكداً أن غياب هذه الأدوات سيبقي أثرها محدوداً، مهما توسعت مهامها على الورق.

ورغم نجاح اللجنة في تثبيت وقف إطلاق النار، والحفاظ على قدر من الاستقرار النسبي منذ نهاية حرب طرابلس، فإنها لم تحقق تقدماً ملموساً في الملفات الجوهرية، وعلى رأسها توحيد المؤسسة العسكرية، ودمج التشكيلات المسلحة وإنهاء الوجود الأجنبي.

ويشير بوفردة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن اللجنة أُنشئت في ظرف محدد، وأدت مهمتها الأساسية بنجاح نسبي، وهي تثبيت وقف إطلاق النار، لكن محاولات توسيع مهامها لاحقاً اصطدمت بتعقيدات سياسية وعسكرية كبيرة. كما يعزو تعثر مسار التوحيد إلى «إشكالية بنيوية» داخل المنظومتين العسكريتين في الشرق والغرب، سواء من حيث هياكل القيادة أو التسلسل الهرمي، أو العقيدة القتالية.

على صعيد متصل، يبرز بقوة الدور الأميركي المتزايد في هذا الملف، خصوصاً بعد المناورة العسكرية «فلينتلوك»، التي رعتها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في مدينة سرت خلال أبريل الماضي، بمشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها. وأسفرت تلك المناورات عن تشكيل لجنة مشتركة ليبية جديدة باسم «3+3»، عقدت اجتماعاً لبحث ترتيبات نسخة أخرى من «فلينتلوك» العام المقبل.

ويرى المحلل العسكري الليبي، محمد الترهوني، أن الحديث عن صيغ مثل «5+5» أو «3+3»، رغم أهميتها، لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط»، غياب آليات حاسمة لتفكيك نفوذ الميليشيات في غرب البلاد، إضافة إلى وجود تيارات متشددة، تعرقل أي تقدم في مسار التوحيد.

ويأتي هذا النقاش في ظل استمرار الانقسام السياسي بين حكومتين متنافستين؛ الأولى حكومة «الوحدة» في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية حكومة مكلفة من مجلس النواب في بنغازي برئاسة أسامة حماد، وهو انقسام ينعكس بشكل مباشر على فرص توحيد المؤسسة العسكرية.

ويشير مراقبون إلى أن توحيد الجيش الليبي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإنهاء الانقسام السياسي أولاً، وهو ما دفع «الحوار المهيكل» إلى التوصية بتوحيد السلطة التنفيذية، عبر حكومة انتقالية لمدة 24 شهراً باعتبارها مدخلاً أساسياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وهنا يعتقد عضو الحوار المهيكل، أشرف بودوارة، أن «توحيد الجيش لا يمكن أن يتحقق بقرارات إدارية أو أمنية فقط، بل يحتاج إلى مظلة سياسية مستقرة ومؤسسات موحدة»، مشدداً على أن «تقدم المسار السياسي سيعزز فرص توحيد المؤسسة العسكرية».

وقال بودوارة لـ«الشرق الأوسط» إن «نجاح أي مسار لتوحيد السلطة التنفيذية وبناء الثقة بين الأطراف، وتوفير بيئة سياسية مستقرة، من شأنه تسريع جهود توحيد الجيش، بينما سيبقي استمرار الانقسام السياسي هذا الملف معلقاً أمام عقبات كبيرة».

وانتهى بودوارة بالتأكيد على أن الحديث عن حسم ملف توحيد المؤسسة العسكرية لا يزال مبكراً، لكنه يرى أن أي تقدم في مسار توحيد السلطة السياسية يمثل «بارقة أمل» يمكن البناء عليها لتهيئة الظروف اللازمة لإنهاء الانقسام العسكري.