المحبوب عبد السلام: الترابي اعتبر كارلوس هدية مسمومة من الأردن

أدار مكتب الشيخ وكتب خطب الرئيس ثم «تخرج» من المدرسة وصار مستقلاً (2)

TT

المحبوب عبد السلام: الترابي اعتبر كارلوس هدية مسمومة من الأردن

كارلوس بهيئتين كما بدا في نشرات الإنتربول (أ.ف.ب)
كارلوس بهيئتين كما بدا في نشرات الإنتربول (أ.ف.ب)

إلى متجر التحف في الخرطوم دخل رجل غريب وجذاب. لم يخطر في بال السيدة صاحبة المكان أن القدر رتب لها موعداً كبيراً. لاحظ الزائر صورة عسكري رفيع على الجدار فأوضحت السيدة أنها أرملته. وأشارت إلى أنه لو عاش لكان رئيساً للسودان.

كانت زينب مصطفى تتحدث عن زوجها الراحل الهادي المأمون المرضي الذي أسس التنظيم الإسلامي في الجيش وعُيّن وزيراً للأشغال بعد انقلاب «الإنقاذ» في 30 يونيو (حزيران) 1989 لكن المرض لم يمهله كثيراً.

لم تكن زينب تعرف خطورة الزائر. وأن أجهزة المخابرات الدولية تبحث عنه. وأن أجهزة فرنسا تبحث عن فرصة لاعتقاله أو القضاء عليه لأنه قتل في 1975 اثنين من رجال الأمن فيها ونجح في الفرار. انعقد خيط الود بين الزائر والسيدة. قال لها ذات زيارة إنه سياسي مهم ويريد اللقاء بالرئيس عمر البشير أو الدكتور حسن الترابي. وأعطاها كتاباً لديفيد يالوب عنوانه «حتى نهاية العالم» وطلب منها إرساله إلى مكتب الترابي.

صورة التقطت لكارلوس في السودان عام 1994 ووزعتها الداخلية الفرنسية خلال المحاكمة (أ.ف.ب)

ذهبت زينب وقابلت الدكتور المحبوب عبد السلام، مدير مكتب الترابي، ونقلت إليه الطلب. وضع المحبوب الكتاب بين يدي الترابي الذي سأله هل يالوب هنا، فكان رده: لا، الموجود هنا هو كارلوس. وكان للخبر وقعه بالتأكيد. كارلوس هو الاسم الشهير للفنزويلي إيليتش راميريز سانشيز. إنه الرجل الذي أطلقه مهندس خطف الطائرات القيادي الفلسطيني الدكتور وديع حداد لينفذ عملية خطف وزراء «أوبك» في فيينا في 1975 تنفيذاً لأوامر حداد وانسجاماً مع رغبة معمر القذافي.

لهذا السبب يعرف المحبوب قصة كارلوس من الألف إلى الياء خصوصاً أنه تولى عملية الترجمة في المحادثات المعقدة بين المخابرات الفرنسية والمخابرات السودانية، التي انتهت بتسليم كارلوس في 15 أغسطس (آب) 1994 إلى فرنسا، حيث يهرم الآن في أحد سجونها.

شاهد المحبوب كارلوس في المستشفى وشاهده وهم يصعدون به إلى الطائرة الفرنسية التي استيقظ متأخراً على متنها، بفعل جرعة المهدئات التي أعطيت له، فاكتشف أن قصته أدركت فصلها الأخير.

خدع الأمن السوداني كارلوس ونقله من المستشفى إلى «مكان آمن» بذريعة وجود محاولة لاستهدافه ثم انقض الحراس عليه وسلموه للفرنسيين الذين أصعدوه إلى الطائرة.

في الثمانينات طاف كارلوس في عواصم أوروبا الشرقية. اكتشفت أجهزة الأمن صعوبة ضبط هذا الرجل المولع بحياة الليل مع كل ما يمكن أن يرافقها من شراب ومغامرات وتهورات. ومع سقوط الاتحاد السوفياتي لم تعد تلك الملاجئ متاحة. ولم يكن الذهاب إلى بغداد مغرياً فقد كان العراق محاصراً. استخدم نظام حافظ الأسد كارلوس في عمليات في فرنسا ولبنان، لكنه طلب منه لاحقاً المغادرة في سياق جهود تحسين الصورة مع الغرب. العقيد معمر القذافي فضل في النهاية صداقة صبري البنا «أبو نضال» على صداقة كارلوس المتعب والمحرج. الأردن أيضاً تعب من الضيف الثقيل وطالبه بالمغادرة فكانت الرحلة السودانية.

علمتني متابعتي لملف كارلوس درساً في الصبر. على مدى عقدين كان ملف هذا الرجل الشائك مفتوحاً على طاولة ضابط المخابرات الفرنسي فيليب روندو الذي سافر إلى بلدان كثيرة للاقتراب منه ونقله إلى السجن الفرنسي. كان كارلوس يمارس الرياضة في مسبح «الفندق الكبير» في الخرطوم. لم يخطر بباله أن سائحاً مزيفاً يسترق النظر إليه ويلتقط له صوراً واسم «السائح» فيليب روندو.

رئيس تحرير «الشرق الأوسط» خلال مقابلة مع الترابي (الشرق الأوسط)

شاءت المهنة أن أحاور الترابي وكارلوس. قال الأول إن كارلوس «جاءنا من بلاد قريبة من بلادكم» وكان يقصد الأردن. وقال الثاني إن الترابي والبشير باعاه في صفقة مع فرنسا. ضاعفت أجوبتهما أسئلتي، وها أنا أحملها بعد سنوات إلى السياسي والباحث الدكتور المحبوب عبد السلام.

* ما قصة الفنزويلي كارلوس مع السودان، وأنت تعرفها من الألف إلى الياء؟

- أعرفها بحكم أنني كنت المترجم بين جهاز الأمن السوداني وجهاز الأمن الفرنسي. فرنسا هي الدولة الوحيدة التي يحق لها بحكم قرار الإنتربول أن تتسلم كارلوس. هو جاء إلى السودان في عام 1993 من الأردن، ودخل المطار بصفته مواطناً عربياً بجواز سفر يمني جنوبي وأمضى عاماً في السودان.

* دخل تحت اسم عبد الله بركات أو شيء من هذا القبيل؟

- نعم، بالضبط. أنا كنت أقول لفيليب روندو أن هذا الجواز مزور، وكان يقول لي ليس مزوراً، ويقصد أنه صدر فعلاً من وزارة الخارجية اليمنية. وأنا كنت أقصد أن ليس هذا اسمه الفعلي. السودان اكتشف كارلوس بعد وجوده في أراضيه. كان، كما وصف الترابي، هدية مسمومة من الأردن في ذلك الوقت، وقضينا تقريباً عاماً نتحدث إليه أن يخرج من السودان.

* هل التقيت كارلوس؟

- في اللحظة الأخيرة. في اللحظتين الأخيرتين، عندما كان في المستشفى وعندما سُلِم إلى الأمن الفرنسي في المطار.



* جاء كارلوس إلى الخرطوم. هل يعقل أن أجهزة الأمن السودانية احتاجت إلى كل هذا الوقت لتكتشف أن هذا الرجل هو خاطف وزراء «أوبك» في فيينا؟ هذه رواية يصعب تصديقها؟

- طبعاً، بالنسبة للأمن الأردني أو بالنسبة للأمن الليبي أو السوري فهذا أمن عريق له عشرات السنوات ويحفظ الملفات، ولكن بالنسبة إلى الأمن السوداني فنحن لسنا متاخمين لفلسطين، لسنا من دول المواجهة، وبالتالي معرفتنا بأبطال وموضوعات هذه القضية ليست بهذه الدقة. وكارلوس لم يكن مذكوراً عندنا، ولم يكن عندنا وزير بترول اختطف.

* كان كارلوس يذهب إلى النادي الأرمني في الخرطوم؟

- نعم.

* متى عرف الترابي بوجود هذه الهدية المسمومة التي اسمها كارلوس؟

- ربما في فترة مبكرة، بعد أشهر من وصوله. هو حاول أن يأتي إلى مكتبنا ويطلب مقابلة الترابي.

* طلب كارلوس مقابلة الترابي؟

- لكن لم يكن الحرس في الاستقبال يعلمون أنه كارلوس.

* جاء إلى المكتب؟

- جاء إلى المكتب وطلب أن يلتقي الترابي. لكن لم يكن أحد يعلم من هو إلى أن أخطرت الأجهزة الأمنية الترابي بأن الموجود عندنا هو فلان.

* لم يلتقه؟

- لم يلتقه قَطّ. هو كان ملفاً أمنياً محضاً. أي أنه يختلف عن ملف أسامة بن لادن الذي كانت معه علاقات اقتصادية وإسلامية.

* هل التقى كارلوس بن لادن في الخرطوم؟

- هذه المسألة لا أعلمها. لا أعلمها.

* كارلوس قال لي إنه عبر الشارع وكان أسامة بن لادن يعبر من الجهة الأخرى، وتبادلا تحية من بعيد.

- ربما، لا أعلم. لا أعلم.

* أجريت حواراً مع كارلوس فقال لي: باعني الترابي والبشير، هل صحيح؟

- ربما تقديره لحالة السودان يختلف عن فهم السودانيين لوضعهم. هو عندما التقى بالطبيب الذي كان يشرف على علاجه، أخبره بأنه سياسي كبير، أنه بمستوى الترابي والبشير، وعندما التقى زوجته السودانية أخبرها أنه يريد أن يلتقي البشير أو الترابي.

كان يظن أن هذا النظام إسلامي مثل النظام الإيراني ومعادٍ للغرب وسيقبله وسيستفيد من خبراته، كما ذكر هو أن عنده خبرات يمكن الاستفادة منها. لكن النظام في السودان لم يكن في تلك الحالة، أن يواجه الإقليم والعالم في مثل هذه المسألة. وهو ما دفع سوريا لتتخلص وليبيا أيضاً.

* قدم نفسه مسلماً؟

- أعتقد ذلك.

* وحاول بيع خبراته أو وضع خبرته في تصرف نظام البشير؟

- نعم.

* لم يلتقه الترابي، تستطيع أنت أن تجزم؟

- أجزم، أنه لم يلتق الترابي.

* عقد ذات يوم لقاء لحركات إسلامية، هل كان الأمين العام لمنظمة «ذو الفقار» الباكستانية مرتضى بوتو من الذين يذهبون إلى السودان؟

- مرتضى بوتو. هذا الاسم تحديداً لم يأت. تقصد ربما الدورة الأولى للمؤتمر التي حصلت بعد حرب الخليج، وهناك دورة ثانية حصلت بعد عامين من ذلك اللقاء الأول، كما وصفته الصحف الغربية بأن «كل الإرهابيين في العالم الآن في الخرطوم».

الترابي خلال مؤتمر الحركات الإسلامية في الخرطوم عام 1991 (أ.ف.ب)

* من كان مشاركاً في هذا اللقاء؟

- مثلاً كان هنالك ياسر عرفات ونايف حواتمة وراشد الغنوشي والمفتي العراقي وقادة إسلاميون وكل العالم الإسلامي الشعبي كان موجوداً في تلك اللحظة.

* كارلوس قال لي، بالمراسلة بيننا، إن أول من اقترح مهاجمة برج في أميركا هو مرتضى بوتو في لقاء للحركات القومية والإسلامية؟

- طبعاً كان هناك لقاء عام، أمام أجهزة الإعلام، في جلسات رسمية في قاعة الصداقة أكبر قاعة رسمية عندنا. ثم هناك لقاءات كثيرة، مثلاً، أنا شهدت لقاء بين (زعيم «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة في الجزائر) أنور هدام والمخابرات الفرنسية. آنذاك كان الترابي يتوسط بين حركة «الإنقاذ» الجزائرية والسلطة الجزائرية ولكن بدعم فرنسي.

* لنرجع إلى كارلوس. ربطتك علاقة جيدة بالجنرال فيليب روندو أحد أبرز ضباط المخابرات الفرنسية... ماذا تقول عنه؟

- شخصية استثنائية. ولد في تونس، كما كان يحكي لي وكما قرأت بعد ذلك. هو من أصحاب الأقدام السوداء (المستوطنون الفرنسيون في شمال أفريقيا)، وكان يأتينا أحياناً في رمضان ويصوم رمضان كله ولا يأكل إلا بعد الإفطار مثل المسلمين تماماً. وحدثني أنه قضى 30 عاماً يقوم بمهام خاصة، وتولى منصب مدير العمليات في السنوات الثلاث الأخيرة من العام الذي جاء فيه إلينا، ووجدته في افتتاح مسجد ليون في فرنسا.

ضابط الاستخبارات الفرنسي فيليب روندو تولى ملف كارلوس وتسلمه من السودان (أ.ف.ب)

هو عنده دكتوراه في علم الاجتماع، وكذلك والده عالم اجتماع كبير وذو صلة وثيقة جداً بالعالم الإسلامي والعالم العربي على وجه الخصوص. وعنده علاقات خاصة بالمخابرات العربية كلها ويصفها وصفاً دقيقاً.

يصف المخابرات العراقية ويقول إنها تنطلق من أفكار، ويصف المخابرات الجزائرية بأنها لا تستطيع أن ترى إلا ما تريد أن تراه، ويصف المخابرات المصرية وله معرفة عميقة جداً.

* ماذا قال عن المخابرات العراقية تحديداً؟

- قال إنهم ينطلقون من آيديولوجيا ويشبهونكم.

* والسورية؟

- السورية لا أذكر أنه قال عنها شيئاً.

* والجزائرية؟

- قال إن مشكلتها أنها لا تحب أن ترى إلا ما تراه، أي لا ترى الواقع بالعين الموضوعية. تراه بعين ذاتية.

* أمضى فيلب روندو، كما قرأت في مذكراته، 20 عاماً يطارد كارلوس، وتيسر له أن يراه في أماكن أعتقد بينها الجزائر ومالطا. لكن تعذر عليه لأسباب قانونية أن يقترب منه أو أن يحاول اعتقاله، متى بدأت عملية تسليم كارلوس للفرنسيين؟

- بدأت بعد نحو 4 أشهر من وجوده في السودان. هو جاء في 12 أغسطس (آب) 1993 وربما في أكتوبر (تشرين الأول)، جاءنا فيليب روندو إلى الخرطوم بعد زيارة قام بها الدكتور نافع علي نافع، مدير جهاز المخابرات السوداني إلى فرنسا. منذ الشهر الرابع بدأت المفاوضات لتسليمه، لكن استمرت طويلاً.

* منذ اللحظة الأولى استفادوا من خبراتك بالفرنسية وكنت المترجم؟

- طبعاً لأن الموضوع حساس جداً. هناك مترجمون يعرفون الفرنسية في جهاز الأمن، وفي رئاسة الجمهورية لكنهم اختاروني لإبقاء الامر في حلقة ضيقة.

* تحتاج العملية إلى شخص موثوق يؤتمن على السر؟

- طبعاً.

* كان الترابي يرافق هذه العملية؟

- كان الملف كما ذكرت لك ملفاً أمنياً، ربما أنه استشير في لحظة التسليم، وأفتى فتوى قانونية وقال ما دمتم موقعين على اتفاق «الإنتربول»، فيبنغي أن تلتزموا بعهودكم ومواثيقكم وتقوموا بتسليمه.

* هناك لقاء عقد مع شارل باسكوا الذي كان وزيراً للداخلية الفرنسية؟

- اللقاء كان الهدف منه أن يُعاد كارلوس إلى الأردن.

* نريد تفاصيل هذه المسألة؟

- عندما استعصى علينا إيجاد طريقة يخرج بها كارلوس من السودان، والسودان كان محاصراً ومستهدفاً دولياً، فكان أنسب شيء أن يعود إلى المكان الذي جاء منه. عندئذ تدخل شارل باسكوا، وزير الداخلية الفرنسي، وتحدث إلى قمة هرم السلطة في الأردن، ولكنهم اعتذروا عن عدم قبوله.

* طلب باسكوا من الأردن استعادة كارلوس؟

- نعم، لأن السودان كان في خناق، ويريد أن يفك الخناق.

* رفضوا؟

- نعم.

* ماذا حدث بعد ذلك؟ صار اللقاء بين الترابي وباسكوا؟

- لا، الوساطة كان يقوم بها فيليب روندو الذي كان ينقل ما حدث إلى السودان الذي طلب أن يعود إلى حيث أتى. لا نحتمل هذه الهدية المسمومة أكثر من ذلك.

* كارلوس صندوق أسود مشارك في عمليات كثيرة ويعرف أشياء كثيرة. هل قامت المخابرات السودانية باستجوابه؟ هل أخذت منه المعلومات؟ هل حصلت على أشياء؟

- أظن أنه كان على وعي تام بأن الموضة التي كانت في السبعينات والعمليات التي كان يقوم بها والمحيط الذي يتحرك فيه والمعلومات التي يمتلكها قد تجاوزها الزمان. كان الهم كله متجهاً إلى أن يخرج من السودان.

كارلوس بهيئتين كما بدا في نشرات الإنتربول (أ.ف.ب)

* هل كان الضيف الأصعب؟

- إلى حد كبير. كان هناك ضيوف مسألتهم صعبة لكن لم يكن العالم مهتماً بهم كما هو مهتم بكارلوس، أو تطلبه دولة عظمى كبرى مثل فرنسا.

* متى ظهر أن عملية التسليم ممكنة؟

- عندما استعصى تماماً خروجه. قُدمت له عروض عدة، أن يذهب إلى أوغندا أو كينيا أو أوروبا الشرقية. كان يقول إن هناك خطراً إذا ذهب بالسفينة أو بالطائرة لأنه لا يمكن أن يصل، مثلاً، إلى إيران أو الاتحاد السوفياتي، روسيا أو إحدى دول أوروبا الشرقية، من دون أن يمر بمكان فيه خطر شديد عليه.

* هو كان يقترح؟

- كان هذا عملاً مشتركاً بينه وبين الأمن السوداني. ينظرون في خطوط الطيران والخطوط البحرية، وكان دائماً يثير الإشكال ما الذي سيقع إذا اتخذ هذا الخط أو ذاك.

* كان يؤجل ويناور؟

- كان يخاف.

* هل تزوج في السودان؟

- نعم ربما. هناك سيدة سودانية، ربما تزوجها.

* هل وصل إليه الأمن السوداني عبر وسيلة ما؟

- لا، لا أعتقد أنه كانت هناك خطة للوصول إليه. هو قدم نفسه مباشرة وبسرعة، بأنه فلان ويريد أن يتعاون. وعن طريق السيدة نفسها.

* بدأت مفاوضات لعملية نقل كارلوس من السودان إلى فرنسا. ماذا قال فيليب روندو؟ من أعد الخطة، ما مساهمة الأمن السوداني في ذلك؟

- بمجرد أن أبدى السودان استعداده لتسليم كارلوس إلى فرنسا، وفق الفتوى القانونية التي ذكرتها لك، بدأت عملية الإعداد من قبل المخابرات الفرنسية أنهم سيصلون إلى الخرطوم في الواحدة صباحاً، وسيقوم جهاز «الإنتربول» الفرنسي بمقابلة جهاز «الإنتربول» السوداني وسيتم التوقيع على التسلم من قبل الأمن الفرنسي وسيصعد إلى طائرة خاصة، وطلبوا من السودان ألا يعلن الخبر إلا بعد 6 ساعات تكون الطائرة خلالها دخلت الأجواء الفرنسية.

* حسبما أعرف، نُقل إلى مستشفى؟ كان يعالج في مستشفى؟

- هي قصة طريفة. هو كان يعاني من مرض الدوالي، فأجريت له عملية. وكما وصفها مدير المستشفى، بأنها عملية ثانوية لكنها تحتاج إلى إشراف. لم يكن يعلم من هو المريض.

كان في مستشفى ابن خلدون في منطقة العمارات في السودان، ولحسن الحظ كان مدير العمليات في الجهاز السوداني هو الدكتور مطرف صدّيق، وكان طبيباً وكان يعمل في سنة الامتياز الأولى مع الطبيب نفسه، مدير المستشفى. هناك معرفة (بينهما)، فأخبره أنهم يريدون أن ينقلوه إلى مكان، لأن هذا شخص خطر على المستشفى، وإسرائيلي، ومصاب بالايدز.

كانت حيلة فقط لإقناعه فوافق على الفور أن ينقل، وذكر أنها عملية ثانوية لكن تعلم أنها تحتاج إلى طبيب يشرف عليها حتى تسليمه، فنقل. في اليوم الذي دخل فيه المستشفى لم يكن مدير الجهاز يعلم ولا مدير العمليات الذي يتابع الحالة، يعلم على وجه الدقة أين هو كارلوس. فللمرة الأولى لم يكن موجوداً في بيته لأنه لا يخرج بعد الساعة 11.

* ليلاً؟

- لا صباحاً. ولكن في ذلك اليوم خرج الثامنة. غير موجود فحدث قلق. لكن في الساعة الثانية اكتشفوا أنه موجود في مستشفى ابن خلدون وأجريت له هذه العملية.

* هل تم تخديره؟

- يقال إنه تم تخديره حتى يتم تسليمه، ولكن تعلم أن هذه مسألة حساسة في القانون الفرنسي تبطل الإجراءات كلها.

* أين كنت في هذا النهار؟

- أنا كنت ذلك اليوم في مكتب الدكتور نافع علي نافع، مدير جهاز الأمن وساد جو من التوتر. (كنا نتساءل) أين اختفى.

* لاحقاً عُثر عليه؟

- نعم. فحصل ارتياح.

كارلوس أمام محكمة فرنسية في 2009 (أ.ف.ب)

* لكن قمت بالترجمة قبل عملية نقله؟

- بين الشرطتين، شرطة «الإنتربول» السودانية، وشرطة «الإنتربول» الفرنسية.

* هل شاهدت كارلوس؟

- وهو ينقل إلى الطائرة.

* شاهدته وهو ينقل؟

- نعم.

* وانتهت بذلك قصة كارلوس. هل تقاضى السودان شيئاً في مقابل موافقته على تسليم كارلوس؟ هل ساعدته فرنسا؟

- أظن ساعدته في بعض التدريب على بعض الأجهزة الحديثة، أجهزة التصوير الليلي، ربما التسجيل والتصوير. في هذا المجال ربما ساعدت فرنسا أجهزة الأمن السوداني عبر تدريب بعض ضباطه.

* في مذكرات روندو ذكر أن كارلوس استيقظ في الطائرة؟

- قال إنه عندما استيقظ سمع أصواتاً تتحدث الفرنسية.

* هناك زائر آخر اسمه أسامة بن لادن. هل شكل وجوده إحراجاً كبيراً للسودان؟

- في السنوات الأولى من وجوده كان يظهر بصفته مستثمراً في بعض الطرق، في المطار بشرق السودان، ولكن بعد فشل محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في 1995، أصبحت السياسة مختلفة، أنه ينبغي الإذعان التام لمتطلبات المجتمع الدولي والإقليمي. ففي هذا الإطار كان واحداً من الهموم التي ينبغي التخلص منها.

* من كان مع الإذعان التام من القيادة: البشير أو مساعدوه؟

- كان الإذعان من الشيخ علي عثمان محمد طه، لأنه هو المتورط الأكبر في مسألة مبارك، فكان يرى أن تنتقل السياسة هذه المرة من أي تحديات ومواجهات إلى إذعان تام.

* فكان لا بد من إخراج أسامة بن لادن؟

- لتمر العاصفة.

- هل اشتكى بن لادن من أسلوب التعامل معه بعد خروجه من السودان؟

- نعم، بعث بوسيط وتحدث إلى الشيخ الترابي، وكنت شاهداً على ذلك الحديث، أنه ترك أموالاً لم ترد إليه وأنه خرج وعندما خرج أخبر السلطات السودانية أنه سيخرج، «ولكن خروجي لن يحميكم من الغرب ولا من الإمبريالية وستظلون مستهدفين». فكان يحمل في نفسه شيئاً.

* هل شهدت لقاءات بين الترابي وأسامة بن لادن، فقد قال لي الترابي «كنت أحاوره في قضايا فقهية»؟

- أظن شهدت لقاءات، وهناك لقاء فقط كان مختصاً بالإغاثة. وهذا أول لقاء، قبل حرب الخليج. كان السودان تعرض لنكبة كبيرة عام 1988، أمطار وسيول. ثم فعلاً الترابي كان يعتقد أن هذا المنهج يكفر ويقسّم العالم إلى فسطاطين ويتخذ من العنف وسيلة وليس الحوار وليس تحديث الإسلام وتجديده، وكان يريد أن يدفعه في هذا الاتجاه (التجديدي) وهذا المعنى الفقهي الذي قصده.

* لكنه لم يوفق في دفعه في ذلك الاتجاه؟

- ربما الظروف التي حدثت فيما بعد زادت من تطرفه.

* تعرض لضغوط للمغادرة، هل كان يدرب أناساً من «القاعدة»؟

- كان عنده مزارع ومعسكرات وكان فيها عدد من أفراد «القاعدة» وكانوا أحياناً يخرجون، يركضون، لزوم التدريبات العسكرية، في الأحياء من حولهم. لكن كان نشاطاً محدوداً جداً.

* ذات يوم أوفد صدام حسين مسؤولاً في جهاز المخابرات لديه اسمه فاروق حجازي، وقال لي مسؤول في مخابرات صدام إن الترابي كان الوسيط من أجل ترتيب لقاء بين فاروق حجازي وأسامة بن لادن، وإن هذا اللقاء استخدم لاحقاً لتبرير الغزو الأميركي للعراق؟

- أظن هذا كان في فترة مبكرة جداً. مع أول وصول بن لادن بعد حرب الخليج مباشرة، عندما جاء إلى السودان في أول وصوله، وجاء هذا المبعوث العراقي ولم يكن حتى الأمن السوداني يعرف جيداً من هو، وأنا سمعت هذه القصة.

* أعدم لاحقاً لكن في قضية ثانية...

- هو جاء فعلاً إلى السودان، واستقبلته المخابرات السودانية وكان هذا فاتحة لعلاقات كبيرة بينها وبين الأمن العراقي، والتقى نائب الترابي الشيخ علي عثمان والتقى الترابي طبعاً بعد ذلك.

* هل التقى الرئيس البشير؟

- لا أدري، ولا أعتقد، لأن الرئيس البشير، في تلك السنوات، لم يكن آنذاك ضالعاً في هذه الملفات والعلاقات الإسلامية.

* فشل اللقاء أو نجح؟

- لا أعلم.

* لكن اللقاء عقد بوساطة من الترابي؟

- هذا شيء طبيعي طبعاً، إذا بعث صدام بشخص والتقى قيادة الدولة والتقى الترابي فأقرب شخص لبن لادن في ذلك الوقت هو الشيخ الترابي.

* وزار مسؤولو الأجهزة السودانية بغداد لاحقاً؟

- كما ذكرت لك فتحت العلاقات مع بغداد بعد ذلك.

* هل هذا كل شيء حول هذه المهمة؟

- في معرفتي. أنا لست رجلاً أمنياً، أنا كادر فكري وثقافي ولست رجلاً أمنياً.

* بماذا تشعر، نظام «الإنقاذ» سار في اتجاهات متعاكسة في مراحل، وتلاعب بالأخطار حين استقبل ضيوفاً من قماشة كارلوس وأسامة بن لادن ومصطفى حمزة وغيرهم. هل تعتقد أن السودان حالياً يدفع ثمن ما ارتكب في مراحل سابقة؟

- بالتأكيد، بالتأكيد. ليس فقط في العلاقات الخارجية حتى في العلاقات الداخلية. إنشاء الميليشيات التي أدت إلى هذه الحرب، هذا بعض من سياسات «الإنقاذ».

* أنت تعتقد أن «الإنقاذ» استوردت إلى السودان فكرة الميليشيات التي لم تكن موجودة بهذا الشكل المنظم؟

- كانت موجودة لكن ليس بهذا المعنى المنظم. الاستخبارات العسكرية دائماً لها «قوات صديقة»، من حربها في الجنوب، من القبائل الجنوبية، ولكن أن تكون هناك قوة موازية. الفكرة كانت أشبه بفكرة «الحرس الثوري الإيراني» في حالة «الدعم السريع». أنشئ له قانون خاص في مرحلة البشير، كان يجعله تحت إشراف القائد العام والقوات المسلحة ولكن بعد ذلك، بعدما أصبح قوة ضاربة تستطيع أن تواجه الجيش في مرحلة من المراحل سُن له قانون يحرره حتى من القائد العام وهذا كان سبباً مباشراً للحرب.

حقائق

رواية كارلوس عن «فخ» الترابي والبشير: وزير رافقني في رحلتي من عمّان

قبل سنوات سألت كارلوس المقيم في سجنه الفرنسي إن كان أخطأ في التوجه إلى السودان فأجاب: «من الواضح بحكم النتيجة التي أدى إليها أن هذا القرار كان خطأ... كانت هناك جهات متعددة يمكن اللجوء إليها من دون أي مخاطر لكنها جميعها كانت تشترط أن أبقى ساكناً».

سألته إن كان دخل السودان باسم عبد الله بركات ومن دون علم سلطاته كما سمعت من الترابي، فقال إن «السلطات السودانية كانت على علم بمجيئي. وزير الشؤون الخارجية السوداني كان معنا في الرحلة التي انطلقت من عمّان وكان على علم بالأمر».

ورداً على سؤال عما إذا كان رفض نصيحة سودانية بالمغادرة أجاب: «السلطات السودانية طلبت مني بالفعل مغادرة البلاد لأسباب أمنية وكان ذلك في ربيع 1994. أنا لم أرفض مغادرة السودان بل رفضت فقط التجاوب مع فخ أراد أن ينصبه لي الترابي والبشير وعلمت به بفضل المتعاطفين معي من داخل النظام في الخرطوم».

سألته عن ملامح ما يسميه «صفقة» أوقعته في أيدي الأمن الفرنسي، فقال إن «الولايات المتحدة الأميركية كانت بمثابة قائد الأوركسترا في الصفقة التي أشرفت على تنفيذها شخصيات خليجية. أما الفرنسيون فلم يتم إشراكهم إلا في المرحلة الأخيرة».


مقالات ذات صلة

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

شمال افريقيا مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة نُسبت للجيش السوداني استهدفت مخيماً للنازحين بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور، في حين قالت منظمة حقوقية إن 6 قُتلوا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

استخرجت الفرق الميدانية، صباح الأحد، نحو 85 جثة من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة في حي جبرة جنوب الخرطوم تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)

حوافز مصرية لتوسيع استخدام الطاقة الشمسية وسط أزمة وقود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح محطة أبيدوس للطاقة الشمسية في ديسمبر 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح محطة أبيدوس للطاقة الشمسية في ديسمبر 2024 (مجلس الوزراء)
TT

حوافز مصرية لتوسيع استخدام الطاقة الشمسية وسط أزمة وقود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح محطة أبيدوس للطاقة الشمسية في ديسمبر 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح محطة أبيدوس للطاقة الشمسية في ديسمبر 2024 (مجلس الوزراء)

تتجه الحكومة المصرية إلى التوسع في استخدام الطاقة الشمسية داخل المنازل والمصانع بموازاة «خطة تقشفية» لترشيد استهلاك الكهرباء والبنزين، ضمن إجراءات لمواجهة أزمة سلاسل إمداد الطاقة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية.

وأعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي «إطلاق مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل لسرعة التحول إلى الطاقة الشمسية». وأكد خلال اجتماع حكومي، مساء الأحد، أن «حكومته تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها»، حسب إفادة لمجلس الوزراء المصري.

وتتخذ الحكومة إجراءات عدة لاحتواء تأثيرات حرب إيران، وأعلنت قرارات استثنائية تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة. كما أعلنت إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة.

ووفق وزارة الكهرباء المصرية، «تستهدف الحكومة المصرية التوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء، للوصول إلى نسبة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة، لتصل إلى 45 في المائة عام 2028 بدلاً من 42 في المائة عام 2030».

جانب من محطة أبيدوس للطاقة الشمسية (مجلس الوزراء المصري)

وتقيم الحكومة المصرية عدداً من مشروعات الطاقة الشمسية، من بينها محطة «الطاقة الشمسية في بنبان» بأسوان، التي تُصنّف الأكبر في أفريقيا والشرق الأوسط، بطاقة إنتاجية 2000 ميغاواط من الكهرباء، إلى جانب محطة «أبيدوس-1» لإنتاج الطاقة الشمسية في أسوان التي تضم مليوناً و22 ألفاً و896 خلية شمسية، بقدرة إنتاجية 500 ميغاواط، بحسب بيانات مجلس الوزراء المصري.

ويرى أستاذ هندسة البترول في الجامعة الأميركية بمصر، جمال القليوبي، أن هناك توجهاً حكومياً في مصر لتعجيل مشروعات الطاقة المتجددة، بسبب أزمة إمدادات الطاقة التي تواجهها المنطقة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة المصرية تضع في أولوياتها إنجاز مشروعات الطاقة النظيفة، بما في ذلك تسديد الالتزامات الخاصة بالشركاء الأجانب لسرعة إنجاز تلك المشروعات».

ومن بين إجراءات الحكومة المصرية زيادة اعتماد المصانع على الطاقة المتجددة، بما في ذلك الطاقة الشمسية، وفق القليوبي الذي أكد أن «الصناعات كثيفة استخدام الطاقة يجب أن تكون لديها خطط واضحة لاستخدام الطاقة المتجددة، بما يوفر الوقود المستخدم في إنتاج الكهرباء والإنتاج لهذه المصانع، ويساعد على تعزيز استخدامها بالقطاعات الخدمية التي تمس المواطن بشكل مباشر».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع «لجنة إدارة الأزمات» مساء الأحد (مجلس الوزراء)

وكان مجلس الوزراء المصري قد ذكر أن مدبولي شدد، مساء يوم الأحد، على «أهمية تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل تداعيات الأزمة الحالية على مختلف دول العالم»، مؤكداً أن ذلك «سيُسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

وقال القليوبي إنه يمكن للحكومة المصرية التوسع في استخدام الطاقة الشمسية بالمنازل في مشروعات المدن الجديدة، مضيفاً: «هذه المناطق يمكن أن تُطبّق سياسات معينة بالاعتماد على الطاقة النظيفة في توليد الكهرباء».

وحسب خبير الطاقة المصري، حافظ سلماوي، فإن الاستثمار في مشروعات الطاقة الشمسية الموزعة بالمصانع والمدن الجديدة يشجّع على حركة الاستثمار المحلي فيها، بما يساعد في زيادة الاعتماد عليها لتوليد الكهرباء.

وقال سلماوي لـ«الشرق الأوسط»: «نشر ثقافة استخدام الطاقة الشمسية والنظيفة بات ضرورياً في ظل اضطراب إمدادات وأسعار الطاقة والوقود الفترة الحالية»، مشيراً إلى تأثير أزمة إمدادات الطاقة على أسعار الكهرباء، ولافتاً إلى أن الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة سيُسهم في استقرار الأسعار لدى المستهلكين. وهو يرى أن تحفيز استخدامات الطاقة المتجددة في المنازل يحتاج إلى إجراءات تنظيمية من الحكومة حتى تُؤتي ثمارها.

وأكد وزير الكهرباء محمود عصمت أن مصر تستهدف تعجيل المدى الزمني للمشروعات الجاري تنفيذها في قطاع الطاقة المتجددة والنظيفة، إلى جانب إدخال مشروعات جديدة والتوسع في أنظمة تخزين الطاقة لتعظيم عوائد الطاقات المتجددة وتحقيق الاستقرار الشبكي والاستمرارية للتيار الكهربائي، حسب إفادة لوزارة الكهرباء، الجمعة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مصر وروسيا لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بمزيد من المشروعات

محادثات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نيكولاي باتروشيف في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نيكولاي باتروشيف في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
TT

مصر وروسيا لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بمزيد من المشروعات

محادثات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نيكولاي باتروشيف في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نيكولاي باتروشيف في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

تعمل مصر وروسيا على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية» باستكمال المشروعات القائمة، وتنفيذ أخرى جديدة ليمتد التعاون بين القاهرة وموسكو إلى الحبوب والملاحة البحرية.

وأعرب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال محادثات عقدها، الاثنين، في القاهرة مع مساعد الرئيس الروسي ورئيس مجلس الملاحة البحرية الروسية نيكولاي باتروشيف، عن «اعتزاز بلاده بالعلاقات الاستراتيجية مع روسيا»، بحسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي.

وثمَّن السيسي «الزخم المتنامي في العلاقات الثنائية، على صعيد التبادل التجاري والمشروعات المشتركة، وفي مقدمتها مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية، ومشروع إنشاء منطقة صناعية روسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس»، وفقاً للإفادة.

و«الضبعة» هي أول محطة للطاقة النووية في مصر، وتقع في مدينة الضبعة بمحافظة مرسى مطروح على ساحل البحر المتوسط. وكانت روسيا ومصر قد وقَّعتا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 اتفاقية للتعاون المشترك لإنشاء المحطة، ثم دخلت عقودها حيّز التنفيذ في ديسمبر (كانون الأول) 2017.

ومن المتوقع أن تُنتج المحطة نحو 35 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنوياً، بما يعادل 12 في المائة من احتياجات مصر من الكهرباء عام 2030، وهو ما يدعم تعزيز أمن الطاقة، وخفض استهلاك الغاز بما لا يقل عن 7 مليارات متر مكعب سنوياً، وفقاً لوزارة الكهرباء المصرية.

مجالات العمل المشترك

وأكد باتروشيف حرص روسيا على مواصلة العمل المشترك مع مصر لتفعيل بنود الشراكة الاستراتيجية، وتنفيذ التفاهمات التي جرى الاتفاق عليها بين قيادتي البلدين، فضلاً عن بحث أوجه التعاون الممكنة في المجالات المختلفة، وكذا في مجال الملاحة البحرية.

وقال متحدث الرئاسة المصرية إن «اللقاء تناول موقف المشروعات المشتركة القائمة، وتلك التي يمكن تنفيذها في مصر، واستعراض مجمل المباحثات التي يجريها الوفد الروسي مع الجهات الوطنية المعنية».

وسبق أن أعرب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء نظيره الروسي سيرغي لافروف، نهاية العام الماضي، عن تطلعه لـ«تسريع وتيرة العمل في المنطقة الصناعية الروسية». وعدّ محطة الضبعة النووية «لحظة تاريخيّة تؤكد عمق العلاقات بين مصر وروسيا، والتي اتخذت منحنى تصاعدياً ملموساً على المستويات كافة».

وخلال زيارته القاهرة، عقد باتروشيف لقاءً مع وزير النقل المصري كامل الوزير، تناول بحسب بيان الهيئة البحرية الروسية «آفاق إنشاء مركز روسي للحبوب والطاقة في مصر، وقضايا التعاون في مجال الملاحة التجارية، بما في ذلك تطوير المسارات الملاحية القائمة، وإنشاء مسارات جديدة، والتطوير المشترك للبنية التحتية للموانئ في كلا البلدين».

وقال باتروشيف: «مصر تدير قناة السويس، وروسيا تدير طريق البحر الشمالي (الممر العابر للقطب الشمالي). حساباتنا تؤكد أنهما قادرتان على العمل بتكامل وفاعلية».

وكان وزير الخارجية الروسي قد صرح، بداية الشهر الماضي، بأن استخدام ممر الملاحة الشمالي في ظل الظروف الدولية الراهنة سيكون ذا أهمية خاصة، مشيراً إلى أن موثوقيته تزداد.

الرئيس المصري خلال استقبال مساعد الرئيس الروسي في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

الملاحة العالمية

يقول الأمين العام لـ«اتحاد الموانئ البحرية العربية»، اللواء عصام الدين بدوي، لـ«الشرق الأوسط»: «مسار بحر الشمال عادة ما يُقدم بوصفه مساراً بديلاً لقناة السويس وليس مكملاً لها»، مؤكداً أنه «رغم تأثير الأوضاع الجيوسياسية على حركة الملاحة في قناة السويس، فإن القناة تظل المسار الملاحي الأسرع والأفضل والأكثر أماناً».

وأرجع رغبة روسيا في التعاون إلى «محاولة الاستعانة بمسار قناة السويس في الأوقات التي يشهد فيها مسار بحد الشمال إغلاقاً بسبب الظروف الجوية».

وتراجعت عائدات قناة السويس المصرية بنسبة تجاوزت 60 في المائة، بحسب التقديرات الرسمية، إثر تصاعد التوترات في البحر الأحمر، منذ نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، مع استهداف جماعة «الحوثي» اليمنية السفن المارة بالممر الملاحي.

وأشارت أستاذة العلوم السياسية وعضو مجلس الشيوخ المصري، نورهان الشيخ، إلى أن «التطورات في المنطقة باتت ضاغطة على أمن الغذاء والطاقة في العالم كله، كما أثرت في حركة الملاحة الدولية بعد غلق مضيق هرمز، وتهديدات الحوثي للملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التطورات «تستدعي إعادة رسم خريطة الملاحة في العالم، لا سيما مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتأثيرها في التضخم وأسعار السلع». وأضافت أنه «لا بد من العمل على تحقيق التكامل بين المسارين (قناة السويس وبحر الشمال) لخدمة حركة الملاحة العالمية».

الحبوب والغذاء

تطرقت زيارة باتروشيف إلى محطات أخرى للتعاون، وقال، بحسب بيان الهيئة البحرية الروسية: «لدينا مقترح لإنشاء مركز روسي للحبوب والطاقة في مصر، وذلك في إطار مبادرة أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخراً».

وأضاف أن بلاده، بوصفها المصدر الأول للغذاء عالمياً، تنوي توجيه حصة كبيرة من صادراتها نحو جنوب آسيا وأفريقيا عبر الأراضي المصرية، داعياً القاهرة للاستفادة من هذا التوجه لزيادة التبادل التجاري الثنائي.

وأشارت نورهان الشيخ إلى أهمية زيارة المسؤول الروسي لمصر في ظل التطورات المتصاعدة في المنطقة وتداعياتها على العالم، وقالت: «موسكو لديها مفاتيح لمساعدة العالم بوصفها أكبر مصدر للحبوب وثاني أكبر مصدر للنفط».

وأضافت: «مصر معنية بشكل أساسي بالتعاون مع روسيا، لتكون مركزاً لتوزيع الطاقة والحبوب لدول الجنوب». ولفتت إلى أن فكرة إنشاء مركز للحبوب سبق طرحها لكن تَعرقل تنفيذها، مشددة على أهمية الدفع قدماً بالمقترح الآن لضمان الأمن الغذائي لمصر ودول الجنوب.

وتابعت: «من المهم الدفع نحو تعزيز التعاون المصري - الروسي في مختلف المجالات التي باتت تشكل تحدياً أمنياً ملحاً في المنطقة».


قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)
مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)
TT

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)
مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة استهدف مخيم الحميدية للنازحين في مدينة زالنجي بوسط إقليم دارفور الواقع تحت سيطرة «قوات الدعم السريع»، وفقاً لـ«المنسقية العامة للنازحين واللاجئين» بدارفور العاملة في المنطقة؛ في حين ذكرت منظمة حقوقية أن القصف أسفر عن مقتل 6 أشخاص.

وقال المتحدث باسم «منسقية النازحين واللاجئين»، آدم رجال، إن من بين المصابين حالات خطرة، مضيفاً أن القصف دمر منازل، «وتسبب في حالة ذعر واسعة بين النساء والأطفال».

وذكر المتحدث على صفحة «المنسقية» الرسمية على «فيسبوك» أن استهداف قوافل المساعدات الإنسانية المُحملة بالغذاء والدواء ومواد الإيواء، إلى جانب ضرب أسواق ومراكز طبية، «خطوة تُعد تصعيداً خطيراً يهدد حياة المدنيين، ويعرقل وصول الإغاثة».

وأدانت «المنسقية العامة للنازحين واللاجئين»، وهي مجموعة مدنية طوعية تعمل في إقليم دارفور، بأشد العبارات هذه الاعتداءات، محذرة من استمرار استهداف المدنيين والبنية الإنسانية؛ لما يمثله ذلك من خطر مباشر على حياة النازحين.

ودعا المسؤول بـ«المنسقية» الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والمنظمات الحقوقية والإنسانية إلى التحرك العاجل لحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، وفتح تحقيق دولي مستقل لمحاسبة المسؤولين.

الوضع الإنساني

بدورها، قالت هيئة «محامي الطوارئ»، وهي منظمة حقوقية، إن القصف الجوي على مخيم الحميدية أسفر عن مقتل 6 أشخاص، وإصابة العشرات بجروح متفاوتة. وأضافت في بيان على «فيسبوك» أن المخيم يؤوي آلاف النازحين الفارين من الحرب، غالبيتهم من النساء والأطفال.

وعبَّرت الهيئة الحقوقية عن مخاوف جدية من تكرار استهداف البنية التحتية المدنية، الذي يفاقم من تدهور الوضع الإنساني في الإقليم، ويعرِّض حياة المدنيين لخطر مباشر.

وأوردت في البيان أن هذا القصف تترتب عليه «آثار إنسانية خطيرة تتجاوز لحظة الاستهداف، من خلال تعطيل الخدمات داخل المعسكر، وتهديد استمرارية الإيواء والرعاية الصحية والغذائية للنازحين، خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة من النساء والأطفال، بما يزيد تفاقم الأزمة الإنسانية القائمة». وجددت المجموعة مطالبتها بوقف فوري للقصف الجوي العشوائي، وفتح ممرات إنسانية عاجلة وآمنة لإيصال المساعدات والإخلاء الطبي، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية الإنسانية، وتحييدها بشكل كامل عن العمليات العسكرية، بما يكفل الحد الأدنى من متطلبات الحماية للمدنيين في مناطق النزاع. ويعد هذا أحدث هجوم يستهدف النازحين في دارفور بعد إدانة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين هجوماً بطائرة مسيرة استهدف شحنة محملة بمواد إغاثية وهي في طريقها إلى شمال دارفور، يوم الجمعة الماضي.

العمليات العسكرية

ميدانياً، أكد رئيس هيئة الأركان في «جيش تحرير السودان»، الفريق فيصل صالح زكريا، اكتمال جاهزية قواته في المحاور المختلفة، مشيراً إلى أنها على أتم الاستعداد لمواصلة العمليات العسكرية في إقليم دارفور، وفق متطلبات المرحلة الراهنة.

رئيس أركان حركة «جيش تحرير السودان» فيصل صالح زكريا (مكتب الناطق الرسمي للحركة)

وقال في إفادات نقلها مكتب الناطق الرسمي للحركة التي يرأسها حاكم دارفور، مني أركو مناوي، إن قواته «في انتظار تعليمات القيادة العسكرية للانطلاق نحو تنفيذ المهام»، مؤكداً أن معركة مدينة الفاشر تمثل «محطة مفصلية في مسار العمليات، وتحريرها سينعكس إيجاباً على مجمل الأوضاع الأمنية في الإقليم».

كما أشار إلى أن القوات في المحور الغربي بكردفان «على استعداد لخوض أي معارك مقبلة بعزيمة وثبات».

قوات من حركة «جيش تحرير السودان» (مكتب الناطق الرسمي للحركة)

وتابع قائلاً: «إن ما شهدته الفاشر من انتهاكات يستدعي التحرك العاجل من خلال تعزيز التنسيق بين الجيش السوداني و(القوة المشتركة) لحسم المعركة، واستعادة السيطرة الكاملة على أراضي الدولة».

وتتكون «القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح»، التي انضمت في وقت سابق للقتال في صفوف الجيش السوداني ضد «قوات الدعم السريع»، من قوات «حركة العدل والمساواة»، بقيادة جبريل إبراهيم، و«حركة جيش تحرير السودان» بزعامة أركو مناوي.