المحبوب عبد السلام: الترابي اعتبر كارلوس هدية مسمومة من الأردن

أدار مكتب الشيخ وكتب خطب الرئيس ثم «تخرج» من المدرسة وصار مستقلاً (2)

TT

المحبوب عبد السلام: الترابي اعتبر كارلوس هدية مسمومة من الأردن

كارلوس بهيئتين كما بدا في نشرات الإنتربول (أ.ف.ب)
كارلوس بهيئتين كما بدا في نشرات الإنتربول (أ.ف.ب)

إلى متجر التحف في الخرطوم دخل رجل غريب وجذاب. لم يخطر في بال السيدة صاحبة المكان أن القدر رتب لها موعداً كبيراً. لاحظ الزائر صورة عسكري رفيع على الجدار فأوضحت السيدة أنها أرملته. وأشارت إلى أنه لو عاش لكان رئيساً للسودان.

كانت زينب مصطفى تتحدث عن زوجها الراحل الهادي المأمون المرضي الذي أسس التنظيم الإسلامي في الجيش وعُيّن وزيراً للأشغال بعد انقلاب «الإنقاذ» في 30 يونيو (حزيران) 1989 لكن المرض لم يمهله كثيراً.

لم تكن زينب تعرف خطورة الزائر. وأن أجهزة المخابرات الدولية تبحث عنه. وأن أجهزة فرنسا تبحث عن فرصة لاعتقاله أو القضاء عليه لأنه قتل في 1975 اثنين من رجال الأمن فيها ونجح في الفرار. انعقد خيط الود بين الزائر والسيدة. قال لها ذات زيارة إنه سياسي مهم ويريد اللقاء بالرئيس عمر البشير أو الدكتور حسن الترابي. وأعطاها كتاباً لديفيد يالوب عنوانه «حتى نهاية العالم» وطلب منها إرساله إلى مكتب الترابي.

صورة التقطت لكارلوس في السودان عام 1994 ووزعتها الداخلية الفرنسية خلال المحاكمة (أ.ف.ب)

ذهبت زينب وقابلت الدكتور المحبوب عبد السلام، مدير مكتب الترابي، ونقلت إليه الطلب. وضع المحبوب الكتاب بين يدي الترابي الذي سأله هل يالوب هنا، فكان رده: لا، الموجود هنا هو كارلوس. وكان للخبر وقعه بالتأكيد. كارلوس هو الاسم الشهير للفنزويلي إيليتش راميريز سانشيز. إنه الرجل الذي أطلقه مهندس خطف الطائرات القيادي الفلسطيني الدكتور وديع حداد لينفذ عملية خطف وزراء «أوبك» في فيينا في 1975 تنفيذاً لأوامر حداد وانسجاماً مع رغبة معمر القذافي.

لهذا السبب يعرف المحبوب قصة كارلوس من الألف إلى الياء خصوصاً أنه تولى عملية الترجمة في المحادثات المعقدة بين المخابرات الفرنسية والمخابرات السودانية، التي انتهت بتسليم كارلوس في 15 أغسطس (آب) 1994 إلى فرنسا، حيث يهرم الآن في أحد سجونها.

شاهد المحبوب كارلوس في المستشفى وشاهده وهم يصعدون به إلى الطائرة الفرنسية التي استيقظ متأخراً على متنها، بفعل جرعة المهدئات التي أعطيت له، فاكتشف أن قصته أدركت فصلها الأخير.

خدع الأمن السوداني كارلوس ونقله من المستشفى إلى «مكان آمن» بذريعة وجود محاولة لاستهدافه ثم انقض الحراس عليه وسلموه للفرنسيين الذين أصعدوه إلى الطائرة.

في الثمانينات طاف كارلوس في عواصم أوروبا الشرقية. اكتشفت أجهزة الأمن صعوبة ضبط هذا الرجل المولع بحياة الليل مع كل ما يمكن أن يرافقها من شراب ومغامرات وتهورات. ومع سقوط الاتحاد السوفياتي لم تعد تلك الملاجئ متاحة. ولم يكن الذهاب إلى بغداد مغرياً فقد كان العراق محاصراً. استخدم نظام حافظ الأسد كارلوس في عمليات في فرنسا ولبنان، لكنه طلب منه لاحقاً المغادرة في سياق جهود تحسين الصورة مع الغرب. العقيد معمر القذافي فضل في النهاية صداقة صبري البنا «أبو نضال» على صداقة كارلوس المتعب والمحرج. الأردن أيضاً تعب من الضيف الثقيل وطالبه بالمغادرة فكانت الرحلة السودانية.

علمتني متابعتي لملف كارلوس درساً في الصبر. على مدى عقدين كان ملف هذا الرجل الشائك مفتوحاً على طاولة ضابط المخابرات الفرنسي فيليب روندو الذي سافر إلى بلدان كثيرة للاقتراب منه ونقله إلى السجن الفرنسي. كان كارلوس يمارس الرياضة في مسبح «الفندق الكبير» في الخرطوم. لم يخطر بباله أن سائحاً مزيفاً يسترق النظر إليه ويلتقط له صوراً واسم «السائح» فيليب روندو.

رئيس تحرير «الشرق الأوسط» خلال مقابلة مع الترابي (الشرق الأوسط)

شاءت المهنة أن أحاور الترابي وكارلوس. قال الأول إن كارلوس «جاءنا من بلاد قريبة من بلادكم» وكان يقصد الأردن. وقال الثاني إن الترابي والبشير باعاه في صفقة مع فرنسا. ضاعفت أجوبتهما أسئلتي، وها أنا أحملها بعد سنوات إلى السياسي والباحث الدكتور المحبوب عبد السلام.

* ما قصة الفنزويلي كارلوس مع السودان، وأنت تعرفها من الألف إلى الياء؟

- أعرفها بحكم أنني كنت المترجم بين جهاز الأمن السوداني وجهاز الأمن الفرنسي. فرنسا هي الدولة الوحيدة التي يحق لها بحكم قرار الإنتربول أن تتسلم كارلوس. هو جاء إلى السودان في عام 1993 من الأردن، ودخل المطار بصفته مواطناً عربياً بجواز سفر يمني جنوبي وأمضى عاماً في السودان.

* دخل تحت اسم عبد الله بركات أو شيء من هذا القبيل؟

- نعم، بالضبط. أنا كنت أقول لفيليب روندو أن هذا الجواز مزور، وكان يقول لي ليس مزوراً، ويقصد أنه صدر فعلاً من وزارة الخارجية اليمنية. وأنا كنت أقصد أن ليس هذا اسمه الفعلي. السودان اكتشف كارلوس بعد وجوده في أراضيه. كان، كما وصف الترابي، هدية مسمومة من الأردن في ذلك الوقت، وقضينا تقريباً عاماً نتحدث إليه أن يخرج من السودان.

* هل التقيت كارلوس؟

- في اللحظة الأخيرة. في اللحظتين الأخيرتين، عندما كان في المستشفى وعندما سُلِم إلى الأمن الفرنسي في المطار.



* جاء كارلوس إلى الخرطوم. هل يعقل أن أجهزة الأمن السودانية احتاجت إلى كل هذا الوقت لتكتشف أن هذا الرجل هو خاطف وزراء «أوبك» في فيينا؟ هذه رواية يصعب تصديقها؟

- طبعاً، بالنسبة للأمن الأردني أو بالنسبة للأمن الليبي أو السوري فهذا أمن عريق له عشرات السنوات ويحفظ الملفات، ولكن بالنسبة إلى الأمن السوداني فنحن لسنا متاخمين لفلسطين، لسنا من دول المواجهة، وبالتالي معرفتنا بأبطال وموضوعات هذه القضية ليست بهذه الدقة. وكارلوس لم يكن مذكوراً عندنا، ولم يكن عندنا وزير بترول اختطف.

* كان كارلوس يذهب إلى النادي الأرمني في الخرطوم؟

- نعم.

* متى عرف الترابي بوجود هذه الهدية المسمومة التي اسمها كارلوس؟

- ربما في فترة مبكرة، بعد أشهر من وصوله. هو حاول أن يأتي إلى مكتبنا ويطلب مقابلة الترابي.

* طلب كارلوس مقابلة الترابي؟

- لكن لم يكن الحرس في الاستقبال يعلمون أنه كارلوس.

* جاء إلى المكتب؟

- جاء إلى المكتب وطلب أن يلتقي الترابي. لكن لم يكن أحد يعلم من هو إلى أن أخطرت الأجهزة الأمنية الترابي بأن الموجود عندنا هو فلان.

* لم يلتقه؟

- لم يلتقه قَطّ. هو كان ملفاً أمنياً محضاً. أي أنه يختلف عن ملف أسامة بن لادن الذي كانت معه علاقات اقتصادية وإسلامية.

* هل التقى كارلوس بن لادن في الخرطوم؟

- هذه المسألة لا أعلمها. لا أعلمها.

* كارلوس قال لي إنه عبر الشارع وكان أسامة بن لادن يعبر من الجهة الأخرى، وتبادلا تحية من بعيد.

- ربما، لا أعلم. لا أعلم.

* أجريت حواراً مع كارلوس فقال لي: باعني الترابي والبشير، هل صحيح؟

- ربما تقديره لحالة السودان يختلف عن فهم السودانيين لوضعهم. هو عندما التقى بالطبيب الذي كان يشرف على علاجه، أخبره بأنه سياسي كبير، أنه بمستوى الترابي والبشير، وعندما التقى زوجته السودانية أخبرها أنه يريد أن يلتقي البشير أو الترابي.

كان يظن أن هذا النظام إسلامي مثل النظام الإيراني ومعادٍ للغرب وسيقبله وسيستفيد من خبراته، كما ذكر هو أن عنده خبرات يمكن الاستفادة منها. لكن النظام في السودان لم يكن في تلك الحالة، أن يواجه الإقليم والعالم في مثل هذه المسألة. وهو ما دفع سوريا لتتخلص وليبيا أيضاً.

* قدم نفسه مسلماً؟

- أعتقد ذلك.

* وحاول بيع خبراته أو وضع خبرته في تصرف نظام البشير؟

- نعم.

* لم يلتقه الترابي، تستطيع أنت أن تجزم؟

- أجزم، أنه لم يلتق الترابي.

* عقد ذات يوم لقاء لحركات إسلامية، هل كان الأمين العام لمنظمة «ذو الفقار» الباكستانية مرتضى بوتو من الذين يذهبون إلى السودان؟

- مرتضى بوتو. هذا الاسم تحديداً لم يأت. تقصد ربما الدورة الأولى للمؤتمر التي حصلت بعد حرب الخليج، وهناك دورة ثانية حصلت بعد عامين من ذلك اللقاء الأول، كما وصفته الصحف الغربية بأن «كل الإرهابيين في العالم الآن في الخرطوم».

الترابي خلال مؤتمر الحركات الإسلامية في الخرطوم عام 1991 (أ.ف.ب)

* من كان مشاركاً في هذا اللقاء؟

- مثلاً كان هنالك ياسر عرفات ونايف حواتمة وراشد الغنوشي والمفتي العراقي وقادة إسلاميون وكل العالم الإسلامي الشعبي كان موجوداً في تلك اللحظة.

* كارلوس قال لي، بالمراسلة بيننا، إن أول من اقترح مهاجمة برج في أميركا هو مرتضى بوتو في لقاء للحركات القومية والإسلامية؟

- طبعاً كان هناك لقاء عام، أمام أجهزة الإعلام، في جلسات رسمية في قاعة الصداقة أكبر قاعة رسمية عندنا. ثم هناك لقاءات كثيرة، مثلاً، أنا شهدت لقاء بين (زعيم «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة في الجزائر) أنور هدام والمخابرات الفرنسية. آنذاك كان الترابي يتوسط بين حركة «الإنقاذ» الجزائرية والسلطة الجزائرية ولكن بدعم فرنسي.

* لنرجع إلى كارلوس. ربطتك علاقة جيدة بالجنرال فيليب روندو أحد أبرز ضباط المخابرات الفرنسية... ماذا تقول عنه؟

- شخصية استثنائية. ولد في تونس، كما كان يحكي لي وكما قرأت بعد ذلك. هو من أصحاب الأقدام السوداء (المستوطنون الفرنسيون في شمال أفريقيا)، وكان يأتينا أحياناً في رمضان ويصوم رمضان كله ولا يأكل إلا بعد الإفطار مثل المسلمين تماماً. وحدثني أنه قضى 30 عاماً يقوم بمهام خاصة، وتولى منصب مدير العمليات في السنوات الثلاث الأخيرة من العام الذي جاء فيه إلينا، ووجدته في افتتاح مسجد ليون في فرنسا.

ضابط الاستخبارات الفرنسي فيليب روندو تولى ملف كارلوس وتسلمه من السودان (أ.ف.ب)

هو عنده دكتوراه في علم الاجتماع، وكذلك والده عالم اجتماع كبير وذو صلة وثيقة جداً بالعالم الإسلامي والعالم العربي على وجه الخصوص. وعنده علاقات خاصة بالمخابرات العربية كلها ويصفها وصفاً دقيقاً.

يصف المخابرات العراقية ويقول إنها تنطلق من أفكار، ويصف المخابرات الجزائرية بأنها لا تستطيع أن ترى إلا ما تريد أن تراه، ويصف المخابرات المصرية وله معرفة عميقة جداً.

* ماذا قال عن المخابرات العراقية تحديداً؟

- قال إنهم ينطلقون من آيديولوجيا ويشبهونكم.

* والسورية؟

- السورية لا أذكر أنه قال عنها شيئاً.

* والجزائرية؟

- قال إن مشكلتها أنها لا تحب أن ترى إلا ما تراه، أي لا ترى الواقع بالعين الموضوعية. تراه بعين ذاتية.

* أمضى فيلب روندو، كما قرأت في مذكراته، 20 عاماً يطارد كارلوس، وتيسر له أن يراه في أماكن أعتقد بينها الجزائر ومالطا. لكن تعذر عليه لأسباب قانونية أن يقترب منه أو أن يحاول اعتقاله، متى بدأت عملية تسليم كارلوس للفرنسيين؟

- بدأت بعد نحو 4 أشهر من وجوده في السودان. هو جاء في 12 أغسطس (آب) 1993 وربما في أكتوبر (تشرين الأول)، جاءنا فيليب روندو إلى الخرطوم بعد زيارة قام بها الدكتور نافع علي نافع، مدير جهاز المخابرات السوداني إلى فرنسا. منذ الشهر الرابع بدأت المفاوضات لتسليمه، لكن استمرت طويلاً.

* منذ اللحظة الأولى استفادوا من خبراتك بالفرنسية وكنت المترجم؟

- طبعاً لأن الموضوع حساس جداً. هناك مترجمون يعرفون الفرنسية في جهاز الأمن، وفي رئاسة الجمهورية لكنهم اختاروني لإبقاء الامر في حلقة ضيقة.

* تحتاج العملية إلى شخص موثوق يؤتمن على السر؟

- طبعاً.

* كان الترابي يرافق هذه العملية؟

- كان الملف كما ذكرت لك ملفاً أمنياً، ربما أنه استشير في لحظة التسليم، وأفتى فتوى قانونية وقال ما دمتم موقعين على اتفاق «الإنتربول»، فيبنغي أن تلتزموا بعهودكم ومواثيقكم وتقوموا بتسليمه.

* هناك لقاء عقد مع شارل باسكوا الذي كان وزيراً للداخلية الفرنسية؟

- اللقاء كان الهدف منه أن يُعاد كارلوس إلى الأردن.

* نريد تفاصيل هذه المسألة؟

- عندما استعصى علينا إيجاد طريقة يخرج بها كارلوس من السودان، والسودان كان محاصراً ومستهدفاً دولياً، فكان أنسب شيء أن يعود إلى المكان الذي جاء منه. عندئذ تدخل شارل باسكوا، وزير الداخلية الفرنسي، وتحدث إلى قمة هرم السلطة في الأردن، ولكنهم اعتذروا عن عدم قبوله.

* طلب باسكوا من الأردن استعادة كارلوس؟

- نعم، لأن السودان كان في خناق، ويريد أن يفك الخناق.

* رفضوا؟

- نعم.

* ماذا حدث بعد ذلك؟ صار اللقاء بين الترابي وباسكوا؟

- لا، الوساطة كان يقوم بها فيليب روندو الذي كان ينقل ما حدث إلى السودان الذي طلب أن يعود إلى حيث أتى. لا نحتمل هذه الهدية المسمومة أكثر من ذلك.

* كارلوس صندوق أسود مشارك في عمليات كثيرة ويعرف أشياء كثيرة. هل قامت المخابرات السودانية باستجوابه؟ هل أخذت منه المعلومات؟ هل حصلت على أشياء؟

- أظن أنه كان على وعي تام بأن الموضة التي كانت في السبعينات والعمليات التي كان يقوم بها والمحيط الذي يتحرك فيه والمعلومات التي يمتلكها قد تجاوزها الزمان. كان الهم كله متجهاً إلى أن يخرج من السودان.

كارلوس بهيئتين كما بدا في نشرات الإنتربول (أ.ف.ب)

* هل كان الضيف الأصعب؟

- إلى حد كبير. كان هناك ضيوف مسألتهم صعبة لكن لم يكن العالم مهتماً بهم كما هو مهتم بكارلوس، أو تطلبه دولة عظمى كبرى مثل فرنسا.

* متى ظهر أن عملية التسليم ممكنة؟

- عندما استعصى تماماً خروجه. قُدمت له عروض عدة، أن يذهب إلى أوغندا أو كينيا أو أوروبا الشرقية. كان يقول إن هناك خطراً إذا ذهب بالسفينة أو بالطائرة لأنه لا يمكن أن يصل، مثلاً، إلى إيران أو الاتحاد السوفياتي، روسيا أو إحدى دول أوروبا الشرقية، من دون أن يمر بمكان فيه خطر شديد عليه.

* هو كان يقترح؟

- كان هذا عملاً مشتركاً بينه وبين الأمن السوداني. ينظرون في خطوط الطيران والخطوط البحرية، وكان دائماً يثير الإشكال ما الذي سيقع إذا اتخذ هذا الخط أو ذاك.

* كان يؤجل ويناور؟

- كان يخاف.

* هل تزوج في السودان؟

- نعم ربما. هناك سيدة سودانية، ربما تزوجها.

* هل وصل إليه الأمن السوداني عبر وسيلة ما؟

- لا، لا أعتقد أنه كانت هناك خطة للوصول إليه. هو قدم نفسه مباشرة وبسرعة، بأنه فلان ويريد أن يتعاون. وعن طريق السيدة نفسها.

* بدأت مفاوضات لعملية نقل كارلوس من السودان إلى فرنسا. ماذا قال فيليب روندو؟ من أعد الخطة، ما مساهمة الأمن السوداني في ذلك؟

- بمجرد أن أبدى السودان استعداده لتسليم كارلوس إلى فرنسا، وفق الفتوى القانونية التي ذكرتها لك، بدأت عملية الإعداد من قبل المخابرات الفرنسية أنهم سيصلون إلى الخرطوم في الواحدة صباحاً، وسيقوم جهاز «الإنتربول» الفرنسي بمقابلة جهاز «الإنتربول» السوداني وسيتم التوقيع على التسلم من قبل الأمن الفرنسي وسيصعد إلى طائرة خاصة، وطلبوا من السودان ألا يعلن الخبر إلا بعد 6 ساعات تكون الطائرة خلالها دخلت الأجواء الفرنسية.

* حسبما أعرف، نُقل إلى مستشفى؟ كان يعالج في مستشفى؟

- هي قصة طريفة. هو كان يعاني من مرض الدوالي، فأجريت له عملية. وكما وصفها مدير المستشفى، بأنها عملية ثانوية لكنها تحتاج إلى إشراف. لم يكن يعلم من هو المريض.

كان في مستشفى ابن خلدون في منطقة العمارات في السودان، ولحسن الحظ كان مدير العمليات في الجهاز السوداني هو الدكتور مطرف صدّيق، وكان طبيباً وكان يعمل في سنة الامتياز الأولى مع الطبيب نفسه، مدير المستشفى. هناك معرفة (بينهما)، فأخبره أنهم يريدون أن ينقلوه إلى مكان، لأن هذا شخص خطر على المستشفى، وإسرائيلي، ومصاب بالايدز.

كانت حيلة فقط لإقناعه فوافق على الفور أن ينقل، وذكر أنها عملية ثانوية لكن تعلم أنها تحتاج إلى طبيب يشرف عليها حتى تسليمه، فنقل. في اليوم الذي دخل فيه المستشفى لم يكن مدير الجهاز يعلم ولا مدير العمليات الذي يتابع الحالة، يعلم على وجه الدقة أين هو كارلوس. فللمرة الأولى لم يكن موجوداً في بيته لأنه لا يخرج بعد الساعة 11.

* ليلاً؟

- لا صباحاً. ولكن في ذلك اليوم خرج الثامنة. غير موجود فحدث قلق. لكن في الساعة الثانية اكتشفوا أنه موجود في مستشفى ابن خلدون وأجريت له هذه العملية.

* هل تم تخديره؟

- يقال إنه تم تخديره حتى يتم تسليمه، ولكن تعلم أن هذه مسألة حساسة في القانون الفرنسي تبطل الإجراءات كلها.

* أين كنت في هذا النهار؟

- أنا كنت ذلك اليوم في مكتب الدكتور نافع علي نافع، مدير جهاز الأمن وساد جو من التوتر. (كنا نتساءل) أين اختفى.

* لاحقاً عُثر عليه؟

- نعم. فحصل ارتياح.

كارلوس أمام محكمة فرنسية في 2009 (أ.ف.ب)

* لكن قمت بالترجمة قبل عملية نقله؟

- بين الشرطتين، شرطة «الإنتربول» السودانية، وشرطة «الإنتربول» الفرنسية.

* هل شاهدت كارلوس؟

- وهو ينقل إلى الطائرة.

* شاهدته وهو ينقل؟

- نعم.

* وانتهت بذلك قصة كارلوس. هل تقاضى السودان شيئاً في مقابل موافقته على تسليم كارلوس؟ هل ساعدته فرنسا؟

- أظن ساعدته في بعض التدريب على بعض الأجهزة الحديثة، أجهزة التصوير الليلي، ربما التسجيل والتصوير. في هذا المجال ربما ساعدت فرنسا أجهزة الأمن السوداني عبر تدريب بعض ضباطه.

* في مذكرات روندو ذكر أن كارلوس استيقظ في الطائرة؟

- قال إنه عندما استيقظ سمع أصواتاً تتحدث الفرنسية.

* هناك زائر آخر اسمه أسامة بن لادن. هل شكل وجوده إحراجاً كبيراً للسودان؟

- في السنوات الأولى من وجوده كان يظهر بصفته مستثمراً في بعض الطرق، في المطار بشرق السودان، ولكن بعد فشل محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في 1995، أصبحت السياسة مختلفة، أنه ينبغي الإذعان التام لمتطلبات المجتمع الدولي والإقليمي. ففي هذا الإطار كان واحداً من الهموم التي ينبغي التخلص منها.

* من كان مع الإذعان التام من القيادة: البشير أو مساعدوه؟

- كان الإذعان من الشيخ علي عثمان محمد طه، لأنه هو المتورط الأكبر في مسألة مبارك، فكان يرى أن تنتقل السياسة هذه المرة من أي تحديات ومواجهات إلى إذعان تام.

* فكان لا بد من إخراج أسامة بن لادن؟

- لتمر العاصفة.

- هل اشتكى بن لادن من أسلوب التعامل معه بعد خروجه من السودان؟

- نعم، بعث بوسيط وتحدث إلى الشيخ الترابي، وكنت شاهداً على ذلك الحديث، أنه ترك أموالاً لم ترد إليه وأنه خرج وعندما خرج أخبر السلطات السودانية أنه سيخرج، «ولكن خروجي لن يحميكم من الغرب ولا من الإمبريالية وستظلون مستهدفين». فكان يحمل في نفسه شيئاً.

* هل شهدت لقاءات بين الترابي وأسامة بن لادن، فقد قال لي الترابي «كنت أحاوره في قضايا فقهية»؟

- أظن شهدت لقاءات، وهناك لقاء فقط كان مختصاً بالإغاثة. وهذا أول لقاء، قبل حرب الخليج. كان السودان تعرض لنكبة كبيرة عام 1988، أمطار وسيول. ثم فعلاً الترابي كان يعتقد أن هذا المنهج يكفر ويقسّم العالم إلى فسطاطين ويتخذ من العنف وسيلة وليس الحوار وليس تحديث الإسلام وتجديده، وكان يريد أن يدفعه في هذا الاتجاه (التجديدي) وهذا المعنى الفقهي الذي قصده.

* لكنه لم يوفق في دفعه في ذلك الاتجاه؟

- ربما الظروف التي حدثت فيما بعد زادت من تطرفه.

* تعرض لضغوط للمغادرة، هل كان يدرب أناساً من «القاعدة»؟

- كان عنده مزارع ومعسكرات وكان فيها عدد من أفراد «القاعدة» وكانوا أحياناً يخرجون، يركضون، لزوم التدريبات العسكرية، في الأحياء من حولهم. لكن كان نشاطاً محدوداً جداً.

* ذات يوم أوفد صدام حسين مسؤولاً في جهاز المخابرات لديه اسمه فاروق حجازي، وقال لي مسؤول في مخابرات صدام إن الترابي كان الوسيط من أجل ترتيب لقاء بين فاروق حجازي وأسامة بن لادن، وإن هذا اللقاء استخدم لاحقاً لتبرير الغزو الأميركي للعراق؟

- أظن هذا كان في فترة مبكرة جداً. مع أول وصول بن لادن بعد حرب الخليج مباشرة، عندما جاء إلى السودان في أول وصوله، وجاء هذا المبعوث العراقي ولم يكن حتى الأمن السوداني يعرف جيداً من هو، وأنا سمعت هذه القصة.

* أعدم لاحقاً لكن في قضية ثانية...

- هو جاء فعلاً إلى السودان، واستقبلته المخابرات السودانية وكان هذا فاتحة لعلاقات كبيرة بينها وبين الأمن العراقي، والتقى نائب الترابي الشيخ علي عثمان والتقى الترابي طبعاً بعد ذلك.

* هل التقى الرئيس البشير؟

- لا أدري، ولا أعتقد، لأن الرئيس البشير، في تلك السنوات، لم يكن آنذاك ضالعاً في هذه الملفات والعلاقات الإسلامية.

* فشل اللقاء أو نجح؟

- لا أعلم.

* لكن اللقاء عقد بوساطة من الترابي؟

- هذا شيء طبيعي طبعاً، إذا بعث صدام بشخص والتقى قيادة الدولة والتقى الترابي فأقرب شخص لبن لادن في ذلك الوقت هو الشيخ الترابي.

* وزار مسؤولو الأجهزة السودانية بغداد لاحقاً؟

- كما ذكرت لك فتحت العلاقات مع بغداد بعد ذلك.

* هل هذا كل شيء حول هذه المهمة؟

- في معرفتي. أنا لست رجلاً أمنياً، أنا كادر فكري وثقافي ولست رجلاً أمنياً.

* بماذا تشعر، نظام «الإنقاذ» سار في اتجاهات متعاكسة في مراحل، وتلاعب بالأخطار حين استقبل ضيوفاً من قماشة كارلوس وأسامة بن لادن ومصطفى حمزة وغيرهم. هل تعتقد أن السودان حالياً يدفع ثمن ما ارتكب في مراحل سابقة؟

- بالتأكيد، بالتأكيد. ليس فقط في العلاقات الخارجية حتى في العلاقات الداخلية. إنشاء الميليشيات التي أدت إلى هذه الحرب، هذا بعض من سياسات «الإنقاذ».

* أنت تعتقد أن «الإنقاذ» استوردت إلى السودان فكرة الميليشيات التي لم تكن موجودة بهذا الشكل المنظم؟

- كانت موجودة لكن ليس بهذا المعنى المنظم. الاستخبارات العسكرية دائماً لها «قوات صديقة»، من حربها في الجنوب، من القبائل الجنوبية، ولكن أن تكون هناك قوة موازية. الفكرة كانت أشبه بفكرة «الحرس الثوري الإيراني» في حالة «الدعم السريع». أنشئ له قانون خاص في مرحلة البشير، كان يجعله تحت إشراف القائد العام والقوات المسلحة ولكن بعد ذلك، بعدما أصبح قوة ضاربة تستطيع أن تواجه الجيش في مرحلة من المراحل سُن له قانون يحرره حتى من القائد العام وهذا كان سبباً مباشراً للحرب.

حقائق

رواية كارلوس عن «فخ» الترابي والبشير: وزير رافقني في رحلتي من عمّان

قبل سنوات سألت كارلوس المقيم في سجنه الفرنسي إن كان أخطأ في التوجه إلى السودان فأجاب: «من الواضح بحكم النتيجة التي أدى إليها أن هذا القرار كان خطأ... كانت هناك جهات متعددة يمكن اللجوء إليها من دون أي مخاطر لكنها جميعها كانت تشترط أن أبقى ساكناً».

سألته إن كان دخل السودان باسم عبد الله بركات ومن دون علم سلطاته كما سمعت من الترابي، فقال إن «السلطات السودانية كانت على علم بمجيئي. وزير الشؤون الخارجية السوداني كان معنا في الرحلة التي انطلقت من عمّان وكان على علم بالأمر».

ورداً على سؤال عما إذا كان رفض نصيحة سودانية بالمغادرة أجاب: «السلطات السودانية طلبت مني بالفعل مغادرة البلاد لأسباب أمنية وكان ذلك في ربيع 1994. أنا لم أرفض مغادرة السودان بل رفضت فقط التجاوب مع فخ أراد أن ينصبه لي الترابي والبشير وعلمت به بفضل المتعاطفين معي من داخل النظام في الخرطوم».

سألته عن ملامح ما يسميه «صفقة» أوقعته في أيدي الأمن الفرنسي، فقال إن «الولايات المتحدة الأميركية كانت بمثابة قائد الأوركسترا في الصفقة التي أشرفت على تنفيذها شخصيات خليجية. أما الفرنسيون فلم يتم إشراكهم إلا في المرحلة الأخيرة».


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

أعلن الجيش السوداني أنه كثّف ضرباته في عدد من محاور القتال ضد «قوات الدعم السريع»، مؤكداً إلحاق خسائر بالأفراد والعتاد.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان

شمال افريقيا محمد سمير أحد ذوي الاحتياجات الخاصة بالسودان (الشرق الأوسط)

ذوو الاحتياجات الخاصة في السودان... معاناة فاقمتها الحرب

يواجه ذوو الإعاقة ظروفاً قاسية وبالغة التعقيد بالسودان، في ظل انهيار شامل في البلاد بسبب الحرب.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

«الوطني الليبي» يعزز علاقته بقبائل «التبو» لإحكام قبضته على الجنوب

خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)
خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)
TT

«الوطني الليبي» يعزز علاقته بقبائل «التبو» لإحكام قبضته على الجنوب

خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)
خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)

تسعى القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي إلى توسيع قاعدتها الشعبية والأمنية والعسكرية بجنوب البلاد في مواجهة القوات التابعة لسلطات العاصمة طرابلس، مستهدفة بذلك إحكام قبضتها على الحدود الجنوبية المترامية، والقضاء على تمرد تقوده «غرفة تحرير الجنوب»، التي يقودها محمد وردقو.

قيادات أمنية من «التبو» خلال لقائهم خالد حفتر (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)

وأمام تحديات عديدة في الصحراء الجنوبية المترامية، اتجه «الجيش الوطني» إلى تعزيز علاقته مع بعض المكونات الاجتماعية، من بينها قبائل «التبو»، وإزالة أي شوائب قد علقت بعلاقتهما خلال السنوات الماضية.

وقالت رئاسة الأركان العامة للجيش إن رئيسها الفريق خالد حفتر، الذي التقى عدداً من قيادات «التبو»، شدد على «أهمية التنسيق المستمر، والتعاون بين القوى الأمنية والوحدات العسكرية بمناطق الجنوب».

ونقلت رئاسة الأركان أن خالد حفتر ثمّن جهود رجال الأمن من مختلف القبائل التي تساهم في ذلك، ومن بينهم أبناء «التبو»، وقال إنهم «لم يتأخروا في الدفاع عن الوطن وتقديم أرواحهم دونه، وقارعوا الإرهاب وساهموا في الانتصار عليه».

وخلال فبراير (شباط) الماضي تفجرت الأوضاع على نحو مفاجئ عند الحدود الجنوبية بين ليبيا والنيجر، كاشفة عن «لغم» أعاد التوتر الأمني إلى هذا الشريط الممتد على قرابة 340 كيلومتراً، بداية من النقطة الثلاثية مع الجزائر غرباً بالقرب من «ممر السلفادور»، وانتهاء عند النقطة الثلاثية مع تشاد شرقاً.

ويتمثل هذا «اللغم» فيما يسمى «غرفة تحرير الجنوب»، التي قادت هجوماً متزامناً في يناير (كانون الثاني) الماضي على ثلاث نقاط حدودية في الجنوب الليبي المحاذي للنيجر، والخاضعة لسيطرة «الجيش الوطني».

أحد أعيان قبيلة «أولاد سليمان» الليبية متحدثاً خلال لقاء صدام حفتر في سبتمبر 2025 (إعلام القيادة العامة)

وهذه النقاط الحدودية هي منفذ التوم الحدودي، ونقطة وادي بوغرارة، ونقطة السلفادور، الواقعة على الشريط الحدودي بين ليبيا والنيجر، حيث تتمركز قوات ركن حرس الحدود.

ومع تعاظم التحديات أمام «الجيش الوطني» بعمق الصحراء الجنوبية، بدأت قياداته في إذابة «خلافات الماضي» مع قبائل «التبو» والاهتمام بمشاكلها وأزماتها، من خلال لقاءات عديدة مع مشايخها.

وخلال لقائه بوزير الشؤون الأفريقية المفوض، عيسى عبد المجيد، وعدد من القيادات الأمنية من مكون «التبو» في مقر القيادة العامة بالرجمة، شدد خالد حفتر على أن الجيش «يثمّن تضحيات أهل الجنوب»، وقال بهذا الخصوص: «نعمل راهناً على حلحلة أي معوقات بهذه المنطقة الحيوية، حتى تزدهر وتتقدم وتنال نصيبها من الإعمار والأمن، وخصوصاً أنها مستهدفة».

ورغم تحدث خالد حفتر عن «صعوبة المهمة»، فإنه قال «إنها ليست مستحيلة؛ فبالإرادة والعزم والصدق يتحقق ما نريد، ويجب أن نكون يقظين وجاهزين دائماً لقطع الطريق على من يحاول النيل من قبائلنا، والزج بأبنائهم في صراعات وفتن لا تخدم الوطن، وتضر باستقراره».

ومن وقت لآخر، تطلّ ما تسمى قيادة «غرفة عمليات تحرير الجنوب» على الليبيين ببيان، تتحدث فيه عن «انتصارات جديدة»؛ إذ ادعت مؤخراً أن قواتها المرابطة على الثغور «تمكنت من تطهير كامل الشريط الحدودي مع دولة النيجر الشقيقة، وفرض السيطرة النارية الكاملة على جميع المنافذ، والمعابر الحدودية في هذا القطاع الواسع»، وهي الرواية التي دحضها الجيش.

وكانت قبائل «التبو» قد أعلنت في نهاية فبراير الماضي تبرؤها من العناصر، التي انضمت إلى صفوف من وصفتهم بـ«المرتزقة» التابعين لـ«غرفة تحرير الجنوب»، وشددت على رفضها جر أبناء «التبو» إلى ما وصفتها بـ«محرقة عبثية»، أو صدام داخلي مع «مكونات فزان الأخرى».

وحدات من «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي في فبراير الماضي (رئاسة الأركان البرية)

وحمّلت القبائل حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مسؤولية الزج بأبنائها في هذه الأحداث، وأكدت «التزامها بأمن واستقرار الجنوب الليبي ورفض الاقتتال».

وفي 24 أغسطس (آب) 2023 اشتكت قبائل «التبو» من اعتقالات تعسفية، طالت المئات من أبنائها على يد عناصر مسلحة شبه عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني»، احتجزتهم في قاعدة عسكرية في ظروف غير إنسانية، لكن القيادة العامة نفت الأمر في حينه.

ومنذ تصعيد خالد وصدام، نجلَي القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، إلى قيادة المؤسسة العسكرية، وهما يعملان على تعزيز النفوذ في الأوساط الاجتماعية، ومن بينها قبائل «التبو»، و«أولاد سليمان»، و«الدرسة»، و«أولاد علي».


اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»
صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»
TT

اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»
صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»

عقد وفدان عسكريان من الجزائر وموريتانيا اجتماعاً في مدينة تندوف، أقصى جنوب غربي الجزائر، بالقرب من الحدود بين البلدين، بهدف «تطوير التنسيق الأمني المشترك»، وفق ما أعلن الجيش الموريتاني في برقية إخبارية.

وقال الجيش الموريتاني في برقية عبر صفحته على «فيسبوك»، إن الاجتماع كان هو «اللقاء الأمني التنسيقي الأول لسنة 2026»، وذلك في إشارة إلى الاجتماعات الأمنية، التي يعقدها قادة المؤسسة العسكرية في البلدين.

الوفدان العسكريان بحثا سبل «تطوير التنسيق الأمني المشترك» بين البلدين (الجيش الموريتاني)

وأضاف الجيش أن اللقاء شارك فيه وفد من الجيش الموريتاني، يرأسه العقيد الشيخ سيدي بوي السالك؛ قائد المنطقة العسكرية الثانية، وهي المنطقة المحاذية للحدود مع الجزائر، كما شارك فيه وفد من الجيش الوطني الشعبي الجزائري، برئاسة اللواء مراجي كمال؛ قائد القطاع العملياتي الجنوبي بتندوف، المنطقة المحاذية للحدود مع موريتانيا.

وأوضح الجيش الموريتاني أن الجانبين ناقشا خلال اللقاء «سبل تطوير آليات التنسيق الأمني المشترك، القائم بين جيشي البلدين الشقيقين في المنطقة الحدودية المشتركة».

ويأتي هذا الاجتماع في وقت يواجه البلدان تحديات مشتركة، تتمثل في خطر التنظيمات الإرهابية المسيطرة على مناطق من دول الساحل القريبة، خصوصاً دولة مالي المحاذية لكل من الجزائر وموريتانيا، بالإضافة إلى خطر شبكات الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وشبكات تهريب المخدرات والبشر والسلاح، التي تنشط في منطقة الصحراء الكبرى.

تحية العلم الجزائري قبيل بدء الاجتماع (الجيش الموريتاني)

ومنذ 2016 ظهرت عمليات التنقيب الأهلي عن الذهب في موريتانيا، وأصبحت تستقطب عشرات آلاف الشبان، الذين يخاطرون بدخول مناطق عسكرية مغلقة، وتجاوز الحدود بين الجزائر وموريتانيا للتنقيب داخل أراضي الجزائر، وهو ما عرّض بعضاً منهم للاعتقال على يد الجيش الجزائري.

ويشكل التنقيب الأهلي عن الذهب واحداً من أهم الملفات التي تدار بحذر على طرفي الحدود بين البلدين، وذلك في ظل مخاوف من دخول تنظيمات متطرفة أو شبكات إجرامية على الخط، واستغلال نشاط التنقيب من أجل تمويل أنشطتها.

ولمواجهة هذا التحدي، وقع البلدان منذ أبريل (نيسان) 2021 بنواكشوط، مذكرة تفاهم لإنشاء لجنة حدودية مشتركة، تعني بتنسيق وتطوير التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد، والثقافة وتسيير الأزمات بالمناطق الحدودية.

وأعلن آنذاك أن الهدف من هذه اللجنة هو تعزيز التبادلات الاقتصادية والتجارية والثقافية والرياضية بين المناطق الحدودية، إلى جانب تأمين الحدود المشتركة، ومكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، في إطار مواجهة التحديات الأمنية والتنموية.

من جهة أخرى، يأتي هذا اللقاء الأمني بعد انعقاد اللجنة الثنائية للتعاون بين البلدين، مطلع أبريل الحالي في الجزائر، حيث ناقش البلدان ملفات التعاون المشترك، التي يعد من أهمها الطريق البري الرابط بين مدينة تندوف الجزائرية ومدينة أزويرات الموريتانية.

ويوصف هذا المشروع بأنه واحد من أهم المشاريع التنموية التي تربط البلدين، وتسعى الجزائر من ورائه للوصول إلى السوق في دول غرب أفريقيا عبر موريتانيا، كما ترغب نواكشوط في تنويع وارداتها المحلية عبر الانفتاح أكثر على السوق الجزائرية.

ويمتد الطريق على مسافة تصل إلى 850 كيلومتراً، وسط صحراء وعرة وغير مأهولة، ويتولى تنفيذه أكثر من 10 شركات جزائرية، ورغم أن الأشغال مستمرة في الطريق، فإنه يواجه تحديات كبيرة بسبب صعوبة البيئة التي يشيد فيها.

وأكدت السلطات الجزائرية العام الماضي، أنها تسعى لإكمال الأشغال في الطريق في أجل أقصاه شهر يوليو (تموز) من العام الحالي؛ أي في غضون 3 أشهر فقط، فيما تشير التوقعات إلى إمكانية تأخر موعد التسليم.


تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)

من المتوقع أن تشهد الساحة التشريعية المصرية زخماً حول ملفات الأسرة في الأسابيع المقبلة، بعدما وافقت الحكومة، الأربعاء، على مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين، تمهيداً لإحالته إلى مجلس النواب، في وقت تقدم نائب بمشروع قانون جديد يُجرّم «زواج القاصرات»، أحاله رئيس البرلمان إلى «لجنة نوعية» لمناقشته.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجه بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة للمسيحيين والمسلمين، وصندوق دعم الأسرة إلى البرلمان، وفق بيان للحكومة، أكد أنه «ستتم إحالة مشروعات القوانين الثلاثة تباعاً، بصفة أسبوعية، للبرلمان، بما يسهم في تلبية تطلعات المواطنين، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار الأسري والمجتمعي، ويحفظ حقوق جميع الأطراف».

وسيكون صندوق دعم الأسرة ضمانة لحصول الزوجة على نفقاتها ونفقات الأبناء بعد الطلاق، إذ تُسدد الدولة المستحقات، ثم تقوم بملاحقة الأزواج المتخلفين عنها، حتى تضمن عدم تحميل الأبناء نتيجة النزاعات بين الوالدين، وفق وسائل إعلام محلية.

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر في مصر، وشرعت أحزاب موالية للحكومة في فتح هذا الملف بالفعل، وإجراء حوار مجتمعي حوله.

الأحوال الشخصية للمسيحيين

وبخصوص قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، الذي افتتحت به الحكومة هذا الملف، فتعود المطالبات بتشريعه منذ عقود، إذ تحكم المسيحيين منذ 80 عاماً لائحة لا تلبي احتياجاتهم التشريعية، ما تسبب في تكدس قضايا الطلاق بينهم في المحاكم بنحو 270 ألف قضية، وفق رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، المستشار نجيب جبرائيل، الذي وصف الخطوة الحكومية الأخيرة بـ«القوية والجريئة».

وأشار جبرائيل، الذي اطَّلع على مشروع القانون، إلى أنه سيُحدث انفراجة كبيرة بين من ينتظرون التشريع الجديد، إذ أتاح للمسيحيين الطلاق للهجر بعد 3 سنوات لمن ليس لديهم أطفال، و5 سنوات لمن لديهم أطفال، وهو ما لم يكن موجوداً من قبل.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن المشروع الجديد استحدث أيضاً مادة تُمكن من الطلاق في حال «استحكام النفور والضرر الجسيم»، كأن يتم تغيير الملة أو في حالة تعرُّض الزوجة للضرر من زوجها كالضرب.

ويتميز مشروع القانون الجديد، وفق وزير العدل المصري المستشار محمود الشريف، بأنه جمع شتات جميع القواعد والأحكام التي تنظم شؤون الأسرة المسيحية في أداة تشريعية واحدة بمرتبة قانون، بعدما كانت مُبعثرة في ست أدوات تشريعية لا ترقى أي منها لتلك المرتبة.

وسبق إعداد مشروع القانون الجديد حوار مجتمعي، وجاء نابعاً من توافق تام بين جميع الطوائف المسيحية في مصر على كل ما تضمنه من أحكام، وفق بيان الحكومة.

وأشادت البرلمانية مها عبد الناصر بالاهتمام الحكومي بقضايا الأسرة، متمنية أن يحظى الأمر باهتمام مماثل من السلطة التشريعية، يُمكّن من صدور قوانين عدة خاصة بالأسرة، من شأنها أن تنعكس إيجابياً على حال المجتمع كله، واستطردت: «إحالة مشروع قانون لا يعني حتمية صدوره، فخلال الدورات التشريعية السابقة حُفظت مشاريع قوانين شبيهة في الأدراج».

وتابعت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل زخم الحديث عن قوانين الأحوال الشخصية الحالي، أتوقع أن تشهد تعاملاً مختلفاً ويتم إنجازها حتى تخرج للنور»، وأعربت عن أملها في أن تأتي هذه القوانين متوازنة.

مشروع قانون ينظم الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر (المركز الإعلامي للكنيسة الأرثوذكسية)

ويرى المحامي الحقوقي سامح سمير أن القوانين التي تتعلق بالمرأة عموماً تشهد حراكاً مستمراً منذ سنوات، لافتاً إلى أن استكمال ذلك بقوانين الأحوال الشخصية فعل محمود، خصوصاً مع المطالبة به لسنوات.

وينص الدستور المصري في المادة الثالثة على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية.

وقال سمير لـ«الشرق الأوسط» إنه قرأ اعتراضات لأصدقاء ونشطاء مسيحيين على بعض ما جاء في مشروع القانون، مطالبين بقانون مدني بعيد عن الكنيسة، مضيفاً: «حتى لو لم يخرج مُرضياً لجميع الأطراف، فهو توجُّه تأخر كثيراً».

زواج القاصرات

في غضون ذلك، تقدم النائب أحمد البرلسي بمشروع قانون لمجلس النواب، الأربعاء، خاص بتغليظ عقوبة زواج القاصرات، ويستهدف سد ثغرات القانون الحالي، بتجريم كل أشكال تزويج الأطفال، سواء تم بعقود رسمية أو عرفية، مع توسيع نطاق المسؤولية الجنائية لتشمل كل من شارك في إتمام الزواج أو ساعد عليه، بمن في ذلك أولياء الأمور والموثّقون.

ويحدد القانون المصري سن الزواج عند 18 عاماً، ويعاقب بالحبس مدة قد تصل إلى عامين لمن أدلى ببيانات غير صحيحة أمام المأذون أو زوَّر في البيانات لتوثيق عقد الزواج.

وعادة ما يجري تزويج الفتيات عرفياً في القرى المصرية دون السن القانونية، ثم يتم توثيق العقود رسمياً بعد بلوغ السن.

وعرّف القانون الزواج بأنه «كل عقد أو وثيقة تفيد الارتباط بين ذكر وأنثى، سواء تم بمعرفة مأذون شرعي أو محامٍ أو موثّق»، وعدّ كل من شارك في إجراءات زواج قاصر أو تحرير وثيقة رسمية أو عرفية تثبته، بما يشمل أولياء الأمور أو من لهم سلطة على القاصر، مرتكباً لجريمة زواج طفل.

وفيما يتعلق بالعقوبات، نص المشروع على الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة تتراوح بين 20 ألف و100 ألف جنيه (الدولار نحو 52 جنيهاً تقريباً)، أو إحدى العقوبتين، لكل من يشارك في تزويج طفل، مع تشديد العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة حال استخدام الإكراه أو التهديد أو تقديم مقابل مادي لإتمام الزواج.