المحبوب عبد السلام: الترابي اعتبر كارلوس هدية مسمومة من الأردن

أدار مكتب الشيخ وكتب خطب الرئيس ثم «تخرج» من المدرسة وصار مستقلاً (2)

TT

المحبوب عبد السلام: الترابي اعتبر كارلوس هدية مسمومة من الأردن

كارلوس بهيئتين كما بدا في نشرات الإنتربول (أ.ف.ب)
كارلوس بهيئتين كما بدا في نشرات الإنتربول (أ.ف.ب)

إلى متجر التحف في الخرطوم دخل رجل غريب وجذاب. لم يخطر في بال السيدة صاحبة المكان أن القدر رتب لها موعداً كبيراً. لاحظ الزائر صورة عسكري رفيع على الجدار فأوضحت السيدة أنها أرملته. وأشارت إلى أنه لو عاش لكان رئيساً للسودان.

كانت زينب مصطفى تتحدث عن زوجها الراحل الهادي المأمون المرضي الذي أسس التنظيم الإسلامي في الجيش وعُيّن وزيراً للأشغال بعد انقلاب «الإنقاذ» في 30 يونيو (حزيران) 1989 لكن المرض لم يمهله كثيراً.

لم تكن زينب تعرف خطورة الزائر. وأن أجهزة المخابرات الدولية تبحث عنه. وأن أجهزة فرنسا تبحث عن فرصة لاعتقاله أو القضاء عليه لأنه قتل في 1975 اثنين من رجال الأمن فيها ونجح في الفرار. انعقد خيط الود بين الزائر والسيدة. قال لها ذات زيارة إنه سياسي مهم ويريد اللقاء بالرئيس عمر البشير أو الدكتور حسن الترابي. وأعطاها كتاباً لديفيد يالوب عنوانه «حتى نهاية العالم» وطلب منها إرساله إلى مكتب الترابي.

صورة التقطت لكارلوس في السودان عام 1994 ووزعتها الداخلية الفرنسية خلال المحاكمة (أ.ف.ب)

ذهبت زينب وقابلت الدكتور المحبوب عبد السلام، مدير مكتب الترابي، ونقلت إليه الطلب. وضع المحبوب الكتاب بين يدي الترابي الذي سأله هل يالوب هنا، فكان رده: لا، الموجود هنا هو كارلوس. وكان للخبر وقعه بالتأكيد. كارلوس هو الاسم الشهير للفنزويلي إيليتش راميريز سانشيز. إنه الرجل الذي أطلقه مهندس خطف الطائرات القيادي الفلسطيني الدكتور وديع حداد لينفذ عملية خطف وزراء «أوبك» في فيينا في 1975 تنفيذاً لأوامر حداد وانسجاماً مع رغبة معمر القذافي.

لهذا السبب يعرف المحبوب قصة كارلوس من الألف إلى الياء خصوصاً أنه تولى عملية الترجمة في المحادثات المعقدة بين المخابرات الفرنسية والمخابرات السودانية، التي انتهت بتسليم كارلوس في 15 أغسطس (آب) 1994 إلى فرنسا، حيث يهرم الآن في أحد سجونها.

شاهد المحبوب كارلوس في المستشفى وشاهده وهم يصعدون به إلى الطائرة الفرنسية التي استيقظ متأخراً على متنها، بفعل جرعة المهدئات التي أعطيت له، فاكتشف أن قصته أدركت فصلها الأخير.

خدع الأمن السوداني كارلوس ونقله من المستشفى إلى «مكان آمن» بذريعة وجود محاولة لاستهدافه ثم انقض الحراس عليه وسلموه للفرنسيين الذين أصعدوه إلى الطائرة.

في الثمانينات طاف كارلوس في عواصم أوروبا الشرقية. اكتشفت أجهزة الأمن صعوبة ضبط هذا الرجل المولع بحياة الليل مع كل ما يمكن أن يرافقها من شراب ومغامرات وتهورات. ومع سقوط الاتحاد السوفياتي لم تعد تلك الملاجئ متاحة. ولم يكن الذهاب إلى بغداد مغرياً فقد كان العراق محاصراً. استخدم نظام حافظ الأسد كارلوس في عمليات في فرنسا ولبنان، لكنه طلب منه لاحقاً المغادرة في سياق جهود تحسين الصورة مع الغرب. العقيد معمر القذافي فضل في النهاية صداقة صبري البنا «أبو نضال» على صداقة كارلوس المتعب والمحرج. الأردن أيضاً تعب من الضيف الثقيل وطالبه بالمغادرة فكانت الرحلة السودانية.

علمتني متابعتي لملف كارلوس درساً في الصبر. على مدى عقدين كان ملف هذا الرجل الشائك مفتوحاً على طاولة ضابط المخابرات الفرنسي فيليب روندو الذي سافر إلى بلدان كثيرة للاقتراب منه ونقله إلى السجن الفرنسي. كان كارلوس يمارس الرياضة في مسبح «الفندق الكبير» في الخرطوم. لم يخطر بباله أن سائحاً مزيفاً يسترق النظر إليه ويلتقط له صوراً واسم «السائح» فيليب روندو.

رئيس تحرير «الشرق الأوسط» خلال مقابلة مع الترابي (الشرق الأوسط)

شاءت المهنة أن أحاور الترابي وكارلوس. قال الأول إن كارلوس «جاءنا من بلاد قريبة من بلادكم» وكان يقصد الأردن. وقال الثاني إن الترابي والبشير باعاه في صفقة مع فرنسا. ضاعفت أجوبتهما أسئلتي، وها أنا أحملها بعد سنوات إلى السياسي والباحث الدكتور المحبوب عبد السلام.

* ما قصة الفنزويلي كارلوس مع السودان، وأنت تعرفها من الألف إلى الياء؟

- أعرفها بحكم أنني كنت المترجم بين جهاز الأمن السوداني وجهاز الأمن الفرنسي. فرنسا هي الدولة الوحيدة التي يحق لها بحكم قرار الإنتربول أن تتسلم كارلوس. هو جاء إلى السودان في عام 1993 من الأردن، ودخل المطار بصفته مواطناً عربياً بجواز سفر يمني جنوبي وأمضى عاماً في السودان.

* دخل تحت اسم عبد الله بركات أو شيء من هذا القبيل؟

- نعم، بالضبط. أنا كنت أقول لفيليب روندو أن هذا الجواز مزور، وكان يقول لي ليس مزوراً، ويقصد أنه صدر فعلاً من وزارة الخارجية اليمنية. وأنا كنت أقصد أن ليس هذا اسمه الفعلي. السودان اكتشف كارلوس بعد وجوده في أراضيه. كان، كما وصف الترابي، هدية مسمومة من الأردن في ذلك الوقت، وقضينا تقريباً عاماً نتحدث إليه أن يخرج من السودان.

* هل التقيت كارلوس؟

- في اللحظة الأخيرة. في اللحظتين الأخيرتين، عندما كان في المستشفى وعندما سُلِم إلى الأمن الفرنسي في المطار.



* جاء كارلوس إلى الخرطوم. هل يعقل أن أجهزة الأمن السودانية احتاجت إلى كل هذا الوقت لتكتشف أن هذا الرجل هو خاطف وزراء «أوبك» في فيينا؟ هذه رواية يصعب تصديقها؟

- طبعاً، بالنسبة للأمن الأردني أو بالنسبة للأمن الليبي أو السوري فهذا أمن عريق له عشرات السنوات ويحفظ الملفات، ولكن بالنسبة إلى الأمن السوداني فنحن لسنا متاخمين لفلسطين، لسنا من دول المواجهة، وبالتالي معرفتنا بأبطال وموضوعات هذه القضية ليست بهذه الدقة. وكارلوس لم يكن مذكوراً عندنا، ولم يكن عندنا وزير بترول اختطف.

* كان كارلوس يذهب إلى النادي الأرمني في الخرطوم؟

- نعم.

* متى عرف الترابي بوجود هذه الهدية المسمومة التي اسمها كارلوس؟

- ربما في فترة مبكرة، بعد أشهر من وصوله. هو حاول أن يأتي إلى مكتبنا ويطلب مقابلة الترابي.

* طلب كارلوس مقابلة الترابي؟

- لكن لم يكن الحرس في الاستقبال يعلمون أنه كارلوس.

* جاء إلى المكتب؟

- جاء إلى المكتب وطلب أن يلتقي الترابي. لكن لم يكن أحد يعلم من هو إلى أن أخطرت الأجهزة الأمنية الترابي بأن الموجود عندنا هو فلان.

* لم يلتقه؟

- لم يلتقه قَطّ. هو كان ملفاً أمنياً محضاً. أي أنه يختلف عن ملف أسامة بن لادن الذي كانت معه علاقات اقتصادية وإسلامية.

* هل التقى كارلوس بن لادن في الخرطوم؟

- هذه المسألة لا أعلمها. لا أعلمها.

* كارلوس قال لي إنه عبر الشارع وكان أسامة بن لادن يعبر من الجهة الأخرى، وتبادلا تحية من بعيد.

- ربما، لا أعلم. لا أعلم.

* أجريت حواراً مع كارلوس فقال لي: باعني الترابي والبشير، هل صحيح؟

- ربما تقديره لحالة السودان يختلف عن فهم السودانيين لوضعهم. هو عندما التقى بالطبيب الذي كان يشرف على علاجه، أخبره بأنه سياسي كبير، أنه بمستوى الترابي والبشير، وعندما التقى زوجته السودانية أخبرها أنه يريد أن يلتقي البشير أو الترابي.

كان يظن أن هذا النظام إسلامي مثل النظام الإيراني ومعادٍ للغرب وسيقبله وسيستفيد من خبراته، كما ذكر هو أن عنده خبرات يمكن الاستفادة منها. لكن النظام في السودان لم يكن في تلك الحالة، أن يواجه الإقليم والعالم في مثل هذه المسألة. وهو ما دفع سوريا لتتخلص وليبيا أيضاً.

* قدم نفسه مسلماً؟

- أعتقد ذلك.

* وحاول بيع خبراته أو وضع خبرته في تصرف نظام البشير؟

- نعم.

* لم يلتقه الترابي، تستطيع أنت أن تجزم؟

- أجزم، أنه لم يلتق الترابي.

* عقد ذات يوم لقاء لحركات إسلامية، هل كان الأمين العام لمنظمة «ذو الفقار» الباكستانية مرتضى بوتو من الذين يذهبون إلى السودان؟

- مرتضى بوتو. هذا الاسم تحديداً لم يأت. تقصد ربما الدورة الأولى للمؤتمر التي حصلت بعد حرب الخليج، وهناك دورة ثانية حصلت بعد عامين من ذلك اللقاء الأول، كما وصفته الصحف الغربية بأن «كل الإرهابيين في العالم الآن في الخرطوم».

الترابي خلال مؤتمر الحركات الإسلامية في الخرطوم عام 1991 (أ.ف.ب)

* من كان مشاركاً في هذا اللقاء؟

- مثلاً كان هنالك ياسر عرفات ونايف حواتمة وراشد الغنوشي والمفتي العراقي وقادة إسلاميون وكل العالم الإسلامي الشعبي كان موجوداً في تلك اللحظة.

* كارلوس قال لي، بالمراسلة بيننا، إن أول من اقترح مهاجمة برج في أميركا هو مرتضى بوتو في لقاء للحركات القومية والإسلامية؟

- طبعاً كان هناك لقاء عام، أمام أجهزة الإعلام، في جلسات رسمية في قاعة الصداقة أكبر قاعة رسمية عندنا. ثم هناك لقاءات كثيرة، مثلاً، أنا شهدت لقاء بين (زعيم «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة في الجزائر) أنور هدام والمخابرات الفرنسية. آنذاك كان الترابي يتوسط بين حركة «الإنقاذ» الجزائرية والسلطة الجزائرية ولكن بدعم فرنسي.

* لنرجع إلى كارلوس. ربطتك علاقة جيدة بالجنرال فيليب روندو أحد أبرز ضباط المخابرات الفرنسية... ماذا تقول عنه؟

- شخصية استثنائية. ولد في تونس، كما كان يحكي لي وكما قرأت بعد ذلك. هو من أصحاب الأقدام السوداء (المستوطنون الفرنسيون في شمال أفريقيا)، وكان يأتينا أحياناً في رمضان ويصوم رمضان كله ولا يأكل إلا بعد الإفطار مثل المسلمين تماماً. وحدثني أنه قضى 30 عاماً يقوم بمهام خاصة، وتولى منصب مدير العمليات في السنوات الثلاث الأخيرة من العام الذي جاء فيه إلينا، ووجدته في افتتاح مسجد ليون في فرنسا.

ضابط الاستخبارات الفرنسي فيليب روندو تولى ملف كارلوس وتسلمه من السودان (أ.ف.ب)

هو عنده دكتوراه في علم الاجتماع، وكذلك والده عالم اجتماع كبير وذو صلة وثيقة جداً بالعالم الإسلامي والعالم العربي على وجه الخصوص. وعنده علاقات خاصة بالمخابرات العربية كلها ويصفها وصفاً دقيقاً.

يصف المخابرات العراقية ويقول إنها تنطلق من أفكار، ويصف المخابرات الجزائرية بأنها لا تستطيع أن ترى إلا ما تريد أن تراه، ويصف المخابرات المصرية وله معرفة عميقة جداً.

* ماذا قال عن المخابرات العراقية تحديداً؟

- قال إنهم ينطلقون من آيديولوجيا ويشبهونكم.

* والسورية؟

- السورية لا أذكر أنه قال عنها شيئاً.

* والجزائرية؟

- قال إن مشكلتها أنها لا تحب أن ترى إلا ما تراه، أي لا ترى الواقع بالعين الموضوعية. تراه بعين ذاتية.

* أمضى فيلب روندو، كما قرأت في مذكراته، 20 عاماً يطارد كارلوس، وتيسر له أن يراه في أماكن أعتقد بينها الجزائر ومالطا. لكن تعذر عليه لأسباب قانونية أن يقترب منه أو أن يحاول اعتقاله، متى بدأت عملية تسليم كارلوس للفرنسيين؟

- بدأت بعد نحو 4 أشهر من وجوده في السودان. هو جاء في 12 أغسطس (آب) 1993 وربما في أكتوبر (تشرين الأول)، جاءنا فيليب روندو إلى الخرطوم بعد زيارة قام بها الدكتور نافع علي نافع، مدير جهاز المخابرات السوداني إلى فرنسا. منذ الشهر الرابع بدأت المفاوضات لتسليمه، لكن استمرت طويلاً.

* منذ اللحظة الأولى استفادوا من خبراتك بالفرنسية وكنت المترجم؟

- طبعاً لأن الموضوع حساس جداً. هناك مترجمون يعرفون الفرنسية في جهاز الأمن، وفي رئاسة الجمهورية لكنهم اختاروني لإبقاء الامر في حلقة ضيقة.

* تحتاج العملية إلى شخص موثوق يؤتمن على السر؟

- طبعاً.

* كان الترابي يرافق هذه العملية؟

- كان الملف كما ذكرت لك ملفاً أمنياً، ربما أنه استشير في لحظة التسليم، وأفتى فتوى قانونية وقال ما دمتم موقعين على اتفاق «الإنتربول»، فيبنغي أن تلتزموا بعهودكم ومواثيقكم وتقوموا بتسليمه.

* هناك لقاء عقد مع شارل باسكوا الذي كان وزيراً للداخلية الفرنسية؟

- اللقاء كان الهدف منه أن يُعاد كارلوس إلى الأردن.

* نريد تفاصيل هذه المسألة؟

- عندما استعصى علينا إيجاد طريقة يخرج بها كارلوس من السودان، والسودان كان محاصراً ومستهدفاً دولياً، فكان أنسب شيء أن يعود إلى المكان الذي جاء منه. عندئذ تدخل شارل باسكوا، وزير الداخلية الفرنسي، وتحدث إلى قمة هرم السلطة في الأردن، ولكنهم اعتذروا عن عدم قبوله.

* طلب باسكوا من الأردن استعادة كارلوس؟

- نعم، لأن السودان كان في خناق، ويريد أن يفك الخناق.

* رفضوا؟

- نعم.

* ماذا حدث بعد ذلك؟ صار اللقاء بين الترابي وباسكوا؟

- لا، الوساطة كان يقوم بها فيليب روندو الذي كان ينقل ما حدث إلى السودان الذي طلب أن يعود إلى حيث أتى. لا نحتمل هذه الهدية المسمومة أكثر من ذلك.

* كارلوس صندوق أسود مشارك في عمليات كثيرة ويعرف أشياء كثيرة. هل قامت المخابرات السودانية باستجوابه؟ هل أخذت منه المعلومات؟ هل حصلت على أشياء؟

- أظن أنه كان على وعي تام بأن الموضة التي كانت في السبعينات والعمليات التي كان يقوم بها والمحيط الذي يتحرك فيه والمعلومات التي يمتلكها قد تجاوزها الزمان. كان الهم كله متجهاً إلى أن يخرج من السودان.

كارلوس بهيئتين كما بدا في نشرات الإنتربول (أ.ف.ب)

* هل كان الضيف الأصعب؟

- إلى حد كبير. كان هناك ضيوف مسألتهم صعبة لكن لم يكن العالم مهتماً بهم كما هو مهتم بكارلوس، أو تطلبه دولة عظمى كبرى مثل فرنسا.

* متى ظهر أن عملية التسليم ممكنة؟

- عندما استعصى تماماً خروجه. قُدمت له عروض عدة، أن يذهب إلى أوغندا أو كينيا أو أوروبا الشرقية. كان يقول إن هناك خطراً إذا ذهب بالسفينة أو بالطائرة لأنه لا يمكن أن يصل، مثلاً، إلى إيران أو الاتحاد السوفياتي، روسيا أو إحدى دول أوروبا الشرقية، من دون أن يمر بمكان فيه خطر شديد عليه.

* هو كان يقترح؟

- كان هذا عملاً مشتركاً بينه وبين الأمن السوداني. ينظرون في خطوط الطيران والخطوط البحرية، وكان دائماً يثير الإشكال ما الذي سيقع إذا اتخذ هذا الخط أو ذاك.

* كان يؤجل ويناور؟

- كان يخاف.

* هل تزوج في السودان؟

- نعم ربما. هناك سيدة سودانية، ربما تزوجها.

* هل وصل إليه الأمن السوداني عبر وسيلة ما؟

- لا، لا أعتقد أنه كانت هناك خطة للوصول إليه. هو قدم نفسه مباشرة وبسرعة، بأنه فلان ويريد أن يتعاون. وعن طريق السيدة نفسها.

* بدأت مفاوضات لعملية نقل كارلوس من السودان إلى فرنسا. ماذا قال فيليب روندو؟ من أعد الخطة، ما مساهمة الأمن السوداني في ذلك؟

- بمجرد أن أبدى السودان استعداده لتسليم كارلوس إلى فرنسا، وفق الفتوى القانونية التي ذكرتها لك، بدأت عملية الإعداد من قبل المخابرات الفرنسية أنهم سيصلون إلى الخرطوم في الواحدة صباحاً، وسيقوم جهاز «الإنتربول» الفرنسي بمقابلة جهاز «الإنتربول» السوداني وسيتم التوقيع على التسلم من قبل الأمن الفرنسي وسيصعد إلى طائرة خاصة، وطلبوا من السودان ألا يعلن الخبر إلا بعد 6 ساعات تكون الطائرة خلالها دخلت الأجواء الفرنسية.

* حسبما أعرف، نُقل إلى مستشفى؟ كان يعالج في مستشفى؟

- هي قصة طريفة. هو كان يعاني من مرض الدوالي، فأجريت له عملية. وكما وصفها مدير المستشفى، بأنها عملية ثانوية لكنها تحتاج إلى إشراف. لم يكن يعلم من هو المريض.

كان في مستشفى ابن خلدون في منطقة العمارات في السودان، ولحسن الحظ كان مدير العمليات في الجهاز السوداني هو الدكتور مطرف صدّيق، وكان طبيباً وكان يعمل في سنة الامتياز الأولى مع الطبيب نفسه، مدير المستشفى. هناك معرفة (بينهما)، فأخبره أنهم يريدون أن ينقلوه إلى مكان، لأن هذا شخص خطر على المستشفى، وإسرائيلي، ومصاب بالايدز.

كانت حيلة فقط لإقناعه فوافق على الفور أن ينقل، وذكر أنها عملية ثانوية لكن تعلم أنها تحتاج إلى طبيب يشرف عليها حتى تسليمه، فنقل. في اليوم الذي دخل فيه المستشفى لم يكن مدير الجهاز يعلم ولا مدير العمليات الذي يتابع الحالة، يعلم على وجه الدقة أين هو كارلوس. فللمرة الأولى لم يكن موجوداً في بيته لأنه لا يخرج بعد الساعة 11.

* ليلاً؟

- لا صباحاً. ولكن في ذلك اليوم خرج الثامنة. غير موجود فحدث قلق. لكن في الساعة الثانية اكتشفوا أنه موجود في مستشفى ابن خلدون وأجريت له هذه العملية.

* هل تم تخديره؟

- يقال إنه تم تخديره حتى يتم تسليمه، ولكن تعلم أن هذه مسألة حساسة في القانون الفرنسي تبطل الإجراءات كلها.

* أين كنت في هذا النهار؟

- أنا كنت ذلك اليوم في مكتب الدكتور نافع علي نافع، مدير جهاز الأمن وساد جو من التوتر. (كنا نتساءل) أين اختفى.

* لاحقاً عُثر عليه؟

- نعم. فحصل ارتياح.

كارلوس أمام محكمة فرنسية في 2009 (أ.ف.ب)

* لكن قمت بالترجمة قبل عملية نقله؟

- بين الشرطتين، شرطة «الإنتربول» السودانية، وشرطة «الإنتربول» الفرنسية.

* هل شاهدت كارلوس؟

- وهو ينقل إلى الطائرة.

* شاهدته وهو ينقل؟

- نعم.

* وانتهت بذلك قصة كارلوس. هل تقاضى السودان شيئاً في مقابل موافقته على تسليم كارلوس؟ هل ساعدته فرنسا؟

- أظن ساعدته في بعض التدريب على بعض الأجهزة الحديثة، أجهزة التصوير الليلي، ربما التسجيل والتصوير. في هذا المجال ربما ساعدت فرنسا أجهزة الأمن السوداني عبر تدريب بعض ضباطه.

* في مذكرات روندو ذكر أن كارلوس استيقظ في الطائرة؟

- قال إنه عندما استيقظ سمع أصواتاً تتحدث الفرنسية.

* هناك زائر آخر اسمه أسامة بن لادن. هل شكل وجوده إحراجاً كبيراً للسودان؟

- في السنوات الأولى من وجوده كان يظهر بصفته مستثمراً في بعض الطرق، في المطار بشرق السودان، ولكن بعد فشل محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في 1995، أصبحت السياسة مختلفة، أنه ينبغي الإذعان التام لمتطلبات المجتمع الدولي والإقليمي. ففي هذا الإطار كان واحداً من الهموم التي ينبغي التخلص منها.

* من كان مع الإذعان التام من القيادة: البشير أو مساعدوه؟

- كان الإذعان من الشيخ علي عثمان محمد طه، لأنه هو المتورط الأكبر في مسألة مبارك، فكان يرى أن تنتقل السياسة هذه المرة من أي تحديات ومواجهات إلى إذعان تام.

* فكان لا بد من إخراج أسامة بن لادن؟

- لتمر العاصفة.

- هل اشتكى بن لادن من أسلوب التعامل معه بعد خروجه من السودان؟

- نعم، بعث بوسيط وتحدث إلى الشيخ الترابي، وكنت شاهداً على ذلك الحديث، أنه ترك أموالاً لم ترد إليه وأنه خرج وعندما خرج أخبر السلطات السودانية أنه سيخرج، «ولكن خروجي لن يحميكم من الغرب ولا من الإمبريالية وستظلون مستهدفين». فكان يحمل في نفسه شيئاً.

* هل شهدت لقاءات بين الترابي وأسامة بن لادن، فقد قال لي الترابي «كنت أحاوره في قضايا فقهية»؟

- أظن شهدت لقاءات، وهناك لقاء فقط كان مختصاً بالإغاثة. وهذا أول لقاء، قبل حرب الخليج. كان السودان تعرض لنكبة كبيرة عام 1988، أمطار وسيول. ثم فعلاً الترابي كان يعتقد أن هذا المنهج يكفر ويقسّم العالم إلى فسطاطين ويتخذ من العنف وسيلة وليس الحوار وليس تحديث الإسلام وتجديده، وكان يريد أن يدفعه في هذا الاتجاه (التجديدي) وهذا المعنى الفقهي الذي قصده.

* لكنه لم يوفق في دفعه في ذلك الاتجاه؟

- ربما الظروف التي حدثت فيما بعد زادت من تطرفه.

* تعرض لضغوط للمغادرة، هل كان يدرب أناساً من «القاعدة»؟

- كان عنده مزارع ومعسكرات وكان فيها عدد من أفراد «القاعدة» وكانوا أحياناً يخرجون، يركضون، لزوم التدريبات العسكرية، في الأحياء من حولهم. لكن كان نشاطاً محدوداً جداً.

* ذات يوم أوفد صدام حسين مسؤولاً في جهاز المخابرات لديه اسمه فاروق حجازي، وقال لي مسؤول في مخابرات صدام إن الترابي كان الوسيط من أجل ترتيب لقاء بين فاروق حجازي وأسامة بن لادن، وإن هذا اللقاء استخدم لاحقاً لتبرير الغزو الأميركي للعراق؟

- أظن هذا كان في فترة مبكرة جداً. مع أول وصول بن لادن بعد حرب الخليج مباشرة، عندما جاء إلى السودان في أول وصوله، وجاء هذا المبعوث العراقي ولم يكن حتى الأمن السوداني يعرف جيداً من هو، وأنا سمعت هذه القصة.

* أعدم لاحقاً لكن في قضية ثانية...

- هو جاء فعلاً إلى السودان، واستقبلته المخابرات السودانية وكان هذا فاتحة لعلاقات كبيرة بينها وبين الأمن العراقي، والتقى نائب الترابي الشيخ علي عثمان والتقى الترابي طبعاً بعد ذلك.

* هل التقى الرئيس البشير؟

- لا أدري، ولا أعتقد، لأن الرئيس البشير، في تلك السنوات، لم يكن آنذاك ضالعاً في هذه الملفات والعلاقات الإسلامية.

* فشل اللقاء أو نجح؟

- لا أعلم.

* لكن اللقاء عقد بوساطة من الترابي؟

- هذا شيء طبيعي طبعاً، إذا بعث صدام بشخص والتقى قيادة الدولة والتقى الترابي فأقرب شخص لبن لادن في ذلك الوقت هو الشيخ الترابي.

* وزار مسؤولو الأجهزة السودانية بغداد لاحقاً؟

- كما ذكرت لك فتحت العلاقات مع بغداد بعد ذلك.

* هل هذا كل شيء حول هذه المهمة؟

- في معرفتي. أنا لست رجلاً أمنياً، أنا كادر فكري وثقافي ولست رجلاً أمنياً.

* بماذا تشعر، نظام «الإنقاذ» سار في اتجاهات متعاكسة في مراحل، وتلاعب بالأخطار حين استقبل ضيوفاً من قماشة كارلوس وأسامة بن لادن ومصطفى حمزة وغيرهم. هل تعتقد أن السودان حالياً يدفع ثمن ما ارتكب في مراحل سابقة؟

- بالتأكيد، بالتأكيد. ليس فقط في العلاقات الخارجية حتى في العلاقات الداخلية. إنشاء الميليشيات التي أدت إلى هذه الحرب، هذا بعض من سياسات «الإنقاذ».

* أنت تعتقد أن «الإنقاذ» استوردت إلى السودان فكرة الميليشيات التي لم تكن موجودة بهذا الشكل المنظم؟

- كانت موجودة لكن ليس بهذا المعنى المنظم. الاستخبارات العسكرية دائماً لها «قوات صديقة»، من حربها في الجنوب، من القبائل الجنوبية، ولكن أن تكون هناك قوة موازية. الفكرة كانت أشبه بفكرة «الحرس الثوري الإيراني» في حالة «الدعم السريع». أنشئ له قانون خاص في مرحلة البشير، كان يجعله تحت إشراف القائد العام والقوات المسلحة ولكن بعد ذلك، بعدما أصبح قوة ضاربة تستطيع أن تواجه الجيش في مرحلة من المراحل سُن له قانون يحرره حتى من القائد العام وهذا كان سبباً مباشراً للحرب.

حقائق

رواية كارلوس عن «فخ» الترابي والبشير: وزير رافقني في رحلتي من عمّان

قبل سنوات سألت كارلوس المقيم في سجنه الفرنسي إن كان أخطأ في التوجه إلى السودان فأجاب: «من الواضح بحكم النتيجة التي أدى إليها أن هذا القرار كان خطأ... كانت هناك جهات متعددة يمكن اللجوء إليها من دون أي مخاطر لكنها جميعها كانت تشترط أن أبقى ساكناً».

سألته إن كان دخل السودان باسم عبد الله بركات ومن دون علم سلطاته كما سمعت من الترابي، فقال إن «السلطات السودانية كانت على علم بمجيئي. وزير الشؤون الخارجية السوداني كان معنا في الرحلة التي انطلقت من عمّان وكان على علم بالأمر».

ورداً على سؤال عما إذا كان رفض نصيحة سودانية بالمغادرة أجاب: «السلطات السودانية طلبت مني بالفعل مغادرة البلاد لأسباب أمنية وكان ذلك في ربيع 1994. أنا لم أرفض مغادرة السودان بل رفضت فقط التجاوب مع فخ أراد أن ينصبه لي الترابي والبشير وعلمت به بفضل المتعاطفين معي من داخل النظام في الخرطوم».

سألته عن ملامح ما يسميه «صفقة» أوقعته في أيدي الأمن الفرنسي، فقال إن «الولايات المتحدة الأميركية كانت بمثابة قائد الأوركسترا في الصفقة التي أشرفت على تنفيذها شخصيات خليجية. أما الفرنسيون فلم يتم إشراكهم إلا في المرحلة الأخيرة».


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

أعلن الجيش السوداني أنه كثّف ضرباته في عدد من محاور القتال ضد «قوات الدعم السريع»، مؤكداً إلحاق خسائر بالأفراد والعتاد.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان

شمال افريقيا محمد سمير أحد ذوي الاحتياجات الخاصة بالسودان (الشرق الأوسط)

ذوو الاحتياجات الخاصة في السودان... معاناة فاقمتها الحرب

يواجه ذوو الإعاقة ظروفاً قاسية وبالغة التعقيد بالسودان، في ظل انهيار شامل في البلاد بسبب الحرب.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
TT

بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)

أثار «التوقيت الصيفي» في مصر، ويبدأ عند منتصف ليل الخميس، تساؤلات بشأن مواعيد «غلق المحال» التجارية التي تم إقرارها سابقاً ضمن إجراءات استثنائية اتخذتها الحكومة لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية.

ويكون تطبيق «التوقيت الصيفي» بتقديم الساعة 60 دقيقة. وعن موقف مواعيد غلق المحال مع التوقيت الجديد، قال رئيس الوزراء، الخميس، إن «لجنة إدارة الأزمات ستعقد اجتماعاً قريباً لتحديد القرار».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وشهدت الأسابيع الماضية مطالبات برلمانية بإلغاء «التوقيت الصيفي»، وانتقد وكيل «لجنة القوى العاملة» بمجلس النواب إيهاب منصور تطبيقه وجدواه، وتقدم بسؤال برلماني للحكومة، الخميس، مطالباً بالكشف عن البيانات الرسمية حول حجم توفير استهلاك الطاقة عند تطبيق «التوقيت الصيفي».

في حين طالب الإعلامي المصري أحمد موسى بإعادة النظر في مواعيد غلق المحال التجارية خلال فصل الصيف، ودعا خلال برنامجه التلفزيوني، مساء الأربعاء، إلى تمديد مواعيد إغلاق المحال من 11 مساء إلى الواحدة صباحاً مع بدء التوقيت الصيفي، بما يتناسب مع طبيعة الموسم السياحي والحركة التجارية.

مدى توفير الطاقة

الخبير الاقتصادي المصري أحمد حنفي يرى أن «التوقيت الصيفي» يساهم في توفير استهلاك الطاقة بنسبة صغيرة ليس لها تأثير. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه مع بدء التوقيت الصيفي وتقاطعه مع إجراءات الترشيد الحكومية يجب تعديل مواعيد غلق المحال حتى 12 مساءً؛ لأن التوقيت الجديد «يخصم ساعة يومياً من فترة عمل هذه المحال، ولا يتناسب مع طبيعة الأنشطة المختلفة والحركة التجارية خلال الصيف».

محال تجارية تنتظر القرار الحكومي الجديد بشأن المواعيد بعد تطبيق «التوقيت الصيفي» (وزارة التموين)

وخلال كلمته أمام مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، تحدث مدبولي عن خطة «التقشف الحكومي» لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، مؤكداً أن «ترشيد الطاقة خلال الفترة الماضية خيار، لكن كان ضرورة فرضتها علينا معطيات الأزمة».

وأضاف: «خطة ترشيد الاستهلاك لا تزال تحت التقييم لدراسة حجم الوفر الذي حققته، وإن كانت المؤشرات الأولية لها تشير إلى تحقيق وفر خلال الأسبوع الأول بلغ 18 ألف ميغاوات / ساعة، وتحقيق وفر في الوقود بلغ 3.5 مليون متر مكعب، ووفر في يوم العمل عن بُعد بلغ 4700 ميغاوات / ساعة، و980 ألف متر مكعب وفراً في الوقود».

وأضاف أن «انتهاء أزمة الحرب - حتى وإن تحقق من الناحية الشكلية - لا يعني بالضرورة زوال آثارها، التي من المرجح أن تستمر تداعياتها الاقتصادية لفترة تمتد على الأقل حتى نهاية العام الجاري».

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

ويرجح حنفي «استمرار الحكومة في تطبيق إجراءات الترشيد، وتمديد قرار الإغلاق المبكر للمحال لفترة أخرى كونه نوعاً من التحوط الاقتصادي».

وتثير خطة «التقشف الحكومي» والإغلاق المبكر جدلاً واسعاً في مصر منذ بدء تطبيقها.

وقال الخبير الاقتصادي المصري وائل النحاس لـ«الشرق الأوسط» إن تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة الطاقة «تتطلب استمرار خطة التقشف والترشيد، لأن القادم أصعب»، وفق رأيه، مؤكداً أن «الأزمة تستدعي إجراءات أكثر حدة؛ لأن العالم مقبل على أزمة طاقة كبيرة، وتأثر في سلاسل الإمدادات خاصة للمواد الغذائية».

ويرى النحاس أنه «لا يوجد معنى الآن للحديث عن تأثر المحال بالإغلاق المبكر ساعة أو ساعتين، بسبب تصاعد تداعيات الأزمة»، لكنه أشار إلى أن «الحكومة المصرية ملتزمة بخطة الترشيد والحد من نفقاتها غير الضرورية».


السيسي في قبرص... محادثات تستعرض أزمات المنطقة وسبل دعم الاقتصاد

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي في قبرص... محادثات تستعرض أزمات المنطقة وسبل دعم الاقتصاد

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

يشارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القمة الأوروبية بقبرص، وسط توترات تشهدها المنطقة تسببت في أزمات اقتصادية عالمية كان للقاهرة نصيب كبير من تداعياتها.

وتحمل تلك القمة أهمية كبيرة لمصر وملفات التعاون مع أوروبا، وفي مقدمتها دعم الاقتصاد واحتواء أزمات المنطقة، حسبما قال عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية الأسبق، رخا أحمد حسن، لـ«الشرق الأوسط».

وتستقبل قبرص أعمال القمة غير الرسمية لقادة الاتحاد الأوروبي، تزامناً مع رئاستها مجلس الاتحاد الأوروبي في النصف الأول من عام 2026.

وتُعقد القمة على مدى يومين، الخميس والجمعة، حيث يبدأ البرنامج بعشاء عمل للقادة في منتجع آيا نابا الساحلي، قبل أن تنتقل يوم الجمعة إلى نيقوسيا، حيث سينضم إلى قادة الاتحاد الأوروبي رؤساء دول وحكومات من عدة دول في الشرق الأوسط، بينهم قادة عرب في خطوة تهدف إلى تعزيز التقارب السياسي والاقتصادي بين الجانبين، وهي إحدى الأولويات الأساسية للرئاسة القبرصية الحالية لمجلس الاتحاد الأوروبي.

وأفادت وسائل إعلام مصرية، الأربعاء، بأن القمة ستكون بمشاركة السيسي وبحضور عدد كبير من قادة دول الاتحاد الأوروبي، لافتة إلى أهميتها في ظل التطورات المتسارعة بالمنطقة.

الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والفنلندي ألكسندر ستوب خلال مؤتمر صحافي بالقاهرة يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

وكان الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، قد قال في مؤتمر صحافي بالقاهرة مع نظيره المصري، الثلاثاء، إن هناك اجتماعاً مهماً في قبرص مع القادة الأوروبيين بحضور الرئيس السيسي لمناقشة العديد من القضايا والملفات التي تهم الجانبين.

ويرى حسن أن القمة تحمل أهمية كبيرة لمصر في ظل تداعيات اقتصادية عالمية جراء توترات المنطقة، متوقعاً أن تُجرى محادثات بالغة الأهمية بشأن مساعي احتواء التصعيد ودعم الاقتصاد المصري وتعزيز التعاون.

وأشار إلى أن حرب إيران ستتصدر ملفات أزمات المنطقة بجانب ملف الطاقة، مع تقديرات بأن تبحث القمة ما بعد انتهاء الحرب بين واشنطن وطهران، خاصة والمنطقة ستأخذ فترة حتى تعود للاستقرار أمنياً واقتصادياً.

ولفت إلى أن ما يحدث في المنطقة، لا سيما لبنان جراء العدوان الإسرائيلي، سيكون مطروحاً على الطاولة في ظل نزوح تتضرر منه اليونان وقبرص بشكل خاص.

وتابع: «إضافة لذلك ستكون الأزمات المتواصلة كحرب السودان وغزة وملف الهجرة غير المشروعة على طاولة القمة».

الرئيس المصري خلال مؤتمر صحافي مشترك مع قادة أوروبيين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

وتأتي القمة الأوروبية وسط تنامي علاقات القاهرة ودول الاتحاد الأوروبي وتقديمها مساعدات مالية.

وكانت المفوضية الأوروبية قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) 2024 تقديم دعم مالي لمصر بقيمة مليار يورو، تم صرفه في يناير (كانون الثاني) 2025 باعتباره جزءاً من تمويل إجمالي يبلغ 7.4 مليار يورو (نحو 8.1 مليار دولار).

وفي 15 يناير 2026 أعلنت «المفوضية» صرف الشريحة الثانية بقيمة مليار يورو لمصر، وينتظر صرف شريحة ثالثة بقيمة 4 مليارات يورو.

وصدرت مطالبات مصرية متعددة لسرعة صرف الشريحة الثالثة، وذلك خلال اتصالين هاتفيين أجراهما وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو.

ويتوقع عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» أن يشهد الملف الاقتصادي والتعاون المشترك نقطة رئيسية في مسار المحادثات الثنائية أو على مستوى القمة التي يشارك فيها السيسي، مرجحاً أن تشهد مخرجات القمة تقديم مساعدات مالية أو تعجيل صرف شريحة مالية جديدة للقاهرة في ظل التداعيات الكبيرة للتوترات على الاقتصاد المصري.


«الطيّبات»... نظام غذائي يثير جدلاً واسعاً في مصر حتى بعد وفاة صاحبه

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)
TT

«الطيّبات»... نظام غذائي يثير جدلاً واسعاً في مصر حتى بعد وفاة صاحبه

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)

ابتدع نظاماً غذائياً للاستشفاء من الأمراض، ودعا إلى تحاشي العقاقير والأدوية حتى مع أصحاب الأمراض المزمنة، ونهى عن الإكثار من شرب الماء، ونصائح أخرى كثيرة أدرجها ضمن نظرية سماها «نظام الطيِّبات»... لاقت استحساناً لدى البعض، وانتقاداً شديداً من آخرين.

إنه الطبيب المصري ضياء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم، الذي أشعلت وفاته المفاجئة في الإمارات جدلاً واسعاً في مصر، ربما هدأت حدته بعدما أصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً رسمياً، الثلاثاء، يؤكد أن التحقيقات أثبتت أن الوفاة «طبيعية» وأنه لا توجد «أي شبهة جنائية»، لكن ظل النظام الغذائي الذي كان يروج له محور سجال على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقوم نظام «الطيبات» على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم ويكتفي بها، وأخرى «غير ملائمة» ينبغي الاستغناء عنها. ومن وسائل «الشفاء» التي كان يدعو لها صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، وثلاثة أيام من كل شهر هجري، أو اتباع الصيام المتقطع، مع الاكتفاء بالأكل عند الشعور بالجوع فقط، وشرب الماء عند العطش دون الإكثار منه كما ينصح كثير من الأطباء ومتخصصي التغذية مرضاهم.

وذكر العوضي أنه طبَّق هذا النظام على مجموعة من المرضى لمدة تتراوح بين 4 و6 أسابيع، ولفت انتباهه تحسن حالتهم تحسناً ملحوظاً، مما أدى إلى تقليل الاعتماد على الأدوية.

وفي الأيام القليلة الماضية، أعادت حسابات عديدة نشر مقاطع له، دفاعاً عن نظريته، إلى جانب سرد بعض المستخدمين تجارب شخصية مع «الطيبات»، مؤكدين أن النظام ساعد على تحسين صحتهم والتخلص من آلام مزمنة. ودفع البعض بأن هذا النظام قدَّم نموذجاً مبسطاً يجمع بين الطب والدين.

تحذيرات من الخطورة واتهامات بالتضليل

في المقابل، انهال منتقدو «الطيبات» عليه بالهجوم، مستندين إلى غياب الأدلة العلمية، ومشيرين إلى أن اتباع أنظمة غذائية غير مثبتة تضر بالصحة العامة، وقد تكون لها تبعات صحية خطيرة. وذهب البعض إلى أن العوضي «قتل نفسه بوصفاته».

وتحت عنوان «فضح كذب نظام الطيبات علمياً»، تداول قطاع كبير من المغردين مقاطع فيديو لأطباء داخل مصر وخارجها ينفون مزاعم الشفاء من أمراض مزمنة دون علاج دوائي، ويحذرون من خطورة تجاهل الأدوية على المرضى، خاصة المصابين بالسكري والكلى والقولون التقرحي.

واستخدم فريق من المنتقدين لغة حادة تعبيراً عن استيائهم مما وصفوه بأنه «جهل وتخلف» من جانب من يؤيدون نظام «الطيبات» الذي رأوا فيه تضليلاً وخروجاً عن الضوابط المهنية، مشيرين إلى اتخاذ نقابة الأطباء المصرية إجراءات رسمية ضد صاحبه.

وكانت نقابة الأطباء قد أسقطت الشهر الماضي عضوية العوضي بسبب ما عَدّته «نشر معلومات طبية مضللة وغير مثبتة علمياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي»؛ وقالت حينها إن ما يقدمه «يشكل خطراً على صحة المواطنين».

وأوضح نقيب الأطباء في مصر، أسامة عبد الحي، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، أن «النقابة كانت قد قررت فصل الطبيب بعد إحالته للجنة التأديب النقابية، نتيجة لترويجه لنصائح طبية تخالف القواعد العلمية المعروفة».

كذلك هاجم مدونون بعض المشاهير الذين أعلنوا أنهم اتبعوا النظام الغذائي، قائلين إن الفنان يجب أن يدرك حجم مسؤوليته تجاه المجتمع والجمهور.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)

خوارزميات المنصات

الدكتور تامر فرج سلوم، استشاري التغذية وعضو الرابطة المصرية العامة لأطباء التغذية العلاجية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن وفاة العوضي وظروفها - اختفى قبلها لعدة أيام بحسب عائلته - عززت التعاطف معه، ودفعت البعض لاعتباره «شهيد علم».

وأضاف: «لكن هذا التعاطف لا يغيّر حقيقة أن النظام لم يستند إلى دراسات أو أبحاث موثوقة»، مشدداً على أن النقاش يجب أن يُحسم بالحجة والمعرفة لا بالمشاعر والانفعالات، خاصة أن نظام «الطيبات» لم يخضع بعد لدراسة علمية جادة لتقييم تأثيراته طويلة المدى.

واستطرد قائلاً إن انتشار نظام «الطيبات» لم يكن نتيجة أسس علمية، بل بفعل عوامل اجتماعية ونفسية، «إذ ساهمت مقاطع الفيديو المنتشرة لصاحبه على منصات التواصل في تحويل التجربة الشخصية إلى حالة عامة، كما أن العوضي ركّز على خطاب يلامس مشاعر المرضى، عبر مهاجمة شركات الأدوية والدعوة إلى الاكتفاء بالغذاء بوصفه علاجاً، وهو ما وجد صدى لدى جمهور يعاني ضعف الثقة في المنظومة الطبية، وهو ما منح النظام جماهيرية واسعة رغم غياب الدراسات العلمية».

وأضاف أن الرابطة المصرية العامة لأطباء التغذية العلاجية أصدرت بياناً رسمياً حول هذا النظام قبل نحو شهرين وأرسلته إلى نقابة الأطباء، مؤكداً أن المطلوب حالياً هو «خطاب منضبط من جهات متعددة يضع الأمور في إطار علمي واضح، ويمنع تضليل الجمهور عبر التجارب الفردية غير المثبتة».

الصحافي المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن منصات التواصل الاجتماعي ساهمت في تحويل نظام «الطيبات» من فكرة فردية إلى حالة جماهيرية، وذلك لوجود بعض المتابعين الذين يصدقون ما يُقال لهم ويتفق مع أهوائهم، خاصة في حالات الأمراض أو البحث عن علاج للتعافي، «وبالتالي يزداد التفاعل معها في أوساط تلك الفئات التي تريد سماع ما يعجبها فقط».

وحول سرعة انتشار المحتوى الطبي غير المثبت علمياً على المنصات مقارنة بالمحتوى الرسمي، أشار إلى تجارب سابقة أبرزها فترة جائحة كورونا، حين نشر البعض محتوى غير خاضع لمعايير طبية أو علمية تتعلق بالعلاج ومكافحة العدوى.

وتابع: «كل ما يثير الجدل مثل هذه الموضوعات الشائكة يصبح عُرضة للانتشار بسرعة البرق، إن جاز التعبير، عبر خوارزميات المنصات، التي تكافئ كل ما هو غير مألوف، وكأن المبدأ (خالف تُعرف)».