المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

تورك: سمعت روايات عن إعدامات موجزة نفذتها «الدعم السريع» في الفاشر

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الأحد، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

وأعرب تورك عن «قلق بالغ» تجاه ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع... بما في ذلك تسليح المدنيين، وتجنيد الأطفال واستخدامهم».

وقال تورك إنه سمع روايات عن عمليات إعدام موجزة واسعة النطاق نفذتها «قوات الدعم السريع» في مدينة الفاشر عاصمة شمال ولاية دارفور، «بدافع الانتقام أو الاشتباه في انتمائهم للجيش وحلفائه في (القوة المشتركة)»، وذلك خلال زيارته إلى مخيمات النازحين في شمال السودان.

وعبّر تورك عن «قلق بالغ» إزاء الجرائم الفظيعة التي ارتكبت أثناء السيطرة على الفاشر وبعدها، محذراً من تكرارها في إقليم كردفان، الذي يشهد تصاعداً «غير مسبوق» في الصراع وبوتيرة متسارعة، تسبب في دمار واسع النطاق، وانهيار الخدمات الأساسية.

«أهوال وجحيم»

وشدد المسؤول الأممي في مؤتمر صحافي على أن السودانيين «مروا بأهوال وجحيم»، خصوصاً مع توسع المعارك في إقليم كردفان، قائلاً: «تشهد ولايات كردفان حالة من عدم الاستقرار الشديد مع استمرار العمليات العسكرية والقصف المدفعي الكثيف وقصف الطائرات المسيّرة... ما يُسبب دماراً واسع النطاق، وانهياراً للخدمات الأساسية».

ومنذ نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، وبعد سيطرتها على مدينة الفاشر في إقليم دارفور توسعت هجمات «قوات الدعم السريع» في إقليم كردفان المجاور لدارفور، ما أدَّى إلى «استمرار نزوح المدنيين... في سياق انعدام الأمن الغذائي الشديد مع تأكيد وجود المجاعة في كادوقلي واقتراب خطر المجاعة في مناطق أخرى منها الدلنج» في جنوب كردفان، حسب تورك. وأدت الهجمات في كردفان إلى نزوح أكثر من 65 ألف شخص، وفق أحدث بيانات الأمم المتحدة.

وقال تورك في مؤتمره الصحافي بمطار مدينة بورتسودان في ختام زيارته للبلاد التي استمرت 4 أيام: «التقيت أولئك الأكثر تضرراً جراء العنف الوحشي والظلم في هذه الحرب». وتابع: «يجب أن تدفع هذه التجارب المروعة التي مر بها هؤلاء الناجون إلى اتخاذ إجراءات لإنهاء هذا الصراع، ومنع تكرار هذه المأساة».

سودانيات نازحات من منطقة هجليج غرب السودان (أ.ف.ب)

«إنهاء هذا الجنون»

وكان الوفد الأممي قد زار مخيم النازحين بمنطقة العفاض شمال البلاد، الذي استقبل أعداداً كبيرة من النازحين من مناطق دارفور وكردفان.

وقال تورك: «خلال اجتماعاتي مع أكثر من 50 منظمة محلية ودولية في مدينتي دنقلا وبورتسودان، استمعت إلى مناشدات موجهة لمن يشنون هذه الحرب، وإلى المجتمع الدولي لإنهاء هذا الجنون، والسماح للمنظمات غير الحكومية والصحافيين والمحامين والعاملين في المجال الإنساني بأداء عملهم الأساسي دون قيود لا مبرر لها أو انتقامات».

ودعا طرفي النزاع في السودان -الجيش و«قوات الدعم السريع»- إلى وقف الهجمات على الأعيان المدنية، بما في ذلك الأسواق والمرافق الصحية والمدارس ومراكز إيواء النازحين، قائلاً: «إن الهجمات على البنية التحتية الحيوية تُعدّ انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب».

وشدد المسؤول الأممي على ضمان مثول مرتكبي هذه الجرائم أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.

وذكر تورك أن انتشار المعدات العسكرية المتقدمة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، أسهم في تعزيز القدرات القتالية لكل من الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أدى إلى إطالة أمد الأعمال العدائية وتفاقم معاناة المدنيين.

وقال: «من الشائن إنفاق أموال طائلة على شراء أسلحة تتزايد تطوراً باستمرار... وهي أموال كان الأجدر توجيهها لتخفيف معاناة السكان». كما أعرب عن «قلق عميق» إزاء تسليح المدنيين، وتجنيد الأطفال والزجّ بهم في القتال.

حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للمباني والبنية التحتية للبلاد (أ.ف.ب)

حماية المدنيين

وحضّ تورك أطراف النزاع إلى الالتزام بضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وتأمين ممرات آمنة للمدنيين لمغادرة مناطق النزاع، بما فيها مدينتا كادوقلي والدلنج في ولاية جنوب كردفان.

وكرر تورك دعوته التي أطلقها خلال زيارته إلى السودان قبل 3 سنوات، قائلاً: «أحث جميع الأطراف المعنية على تجاوز مواقفها المتصلبة، وصراعاتها على السلطة، ومصالحها الشخصية، والتركيز على المصالح المشتركة للشعب السوداني».

وعدّ البحث عن المفقودين والإفراج عن المدنيين المحتجزين بتهمة «التعاون مع الطرف الآخر» من الأولويات، قائلاً إن «آلاف المدنيين احتجزوا بتهم مماثلة، ما أثر على فاعلي المجتمع المدني والمدفاعين عن حقوق الإنسان».

وفي مستهل زيارته إلى السودان، الأسبوع الماضي، ولقائه عدداً من المسؤولين في الحكومة، أبدى المسؤول الأممي استعداده للعمل مع الأجهزة العدلية والآليات الوطنية المختصة في البلاد، من أجل تعزيز التعاون الفني وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو (حميدتي) في منتصف أبريل (نيسان) 2023. وأودت الحرب بحياة عشرات الآلاف وشردت أكثر من 11 مليوناً في «أسوأ أزمة إنسانية في العالم» حسب الأمم المتحدة. ودعت الأمم المتحدة مراراً الأطراف الدولية إلى عدم التدخل في حرب السودان.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.