بعد موافقة باكستان على بيع أسلحة إلى الجيش السوداني بقيمة تُقدر بنحو 1.5 مليار دولار، في صفقة وُصفت بأنها الأضخم منذ اندلاع الحرب في البلاد، رأى خبراء عسكريون أن هذا التطور يمثّل فصلاً جديداً في سباق تسلح نوعي آخذ في التصاعد، من شأنه دفع الطرف الآخر، «قوات الدعم السريع»، إلى تعزيز ترسانته العسكرية، الأمر الذي قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب إلى أجل غير معلوم.
وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» في وقت سابق، تشمل الصفقة المرتقبة حصول الجيش السوداني على طائرات هجومية خفيفة، وطائرات مسيّرة مخصصة للاستطلاع والهجوم، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متطورة. وتتضمن الصفقة، وفق المصادر، نحو عشر طائرات من طراز «كاراكورام-8»، وأكثر من 200 طائرة مسيّرة، إلى جانب طائرات تدريب من طراز «سوبر مشاق»، مع احتمال إدراج مقاتلات من طراز «جيه إف - 7» ضمن الاتفاق.
لماذا التحول إلى المسيرات؟
ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، تعرّضت القدرات العسكرية للجيش السوداني لشلل كبير على صعيد مخزون الأسلحة والذخائر، لا سيما بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» على مصنع «اليرموك»، الذي يُعد أكبر منشآت الجيش لإنتاج وتخزين الأسلحة. ويرى خبراء أن من أبرز التحولات الجوهرية التي فرضتها الحرب، اتجاه طرفي الصراع إلى الاعتماد بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة، نظراً لفاعليتها العالية وتأثيرها المباشر في ساحات القتال، مؤكدين أن من يفرض هيمنته الجوية يمتلك اليد العليا في مجريات الحرب.

وفي هذا السياق، قال اللواء المتقاعد بالجيش كمال إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» إن سباق التسلح لم يتوقف منذ اندلاع الحرب، وإن كل طرف يسعى باستمرار إلى تنمية قدراته القتالية، وأضاف: «بحسب علمي، حصل الجيش بالفعل على طائرات ومسيّرات من باكستان، إلا أن هذه الأسلحة لن تقلب موازين القوى بشكل جذري، كونها أسلحة مساندة تُستخدم لتمهيد الطريق أمام قوات المشاة للتقدم على الأرض، وتحقيق التفوق الميداني».
وأشار إسماعيل إلى أن «قوات الدعم السريع» قد تسعى بدورها إلى رفع قدراتها العسكرية وتحديث ترسانة أسلحتها، من خلال الحصول على مزيد من الطائرات المسيّرة الحديثة وأنظمة الدفاع الجوي، لكنه استبعد أن يتمكن أي طرف من حسم الحرب عسكرياً، مهما طال أمدها، في ظل وجود جهات خارجية تواصل تمويل ودعم أطراف الصراع بالسلاح، مستشهداً باستمرار الحرب الروسية الأوكرانية رغم التفوق العسكري الروسي.

وأوضح إسماعيل أنه على الرغم من القوة التدميرية الكبيرة التي تمتلكها الطائرات المسيّرة الحديثة، وما تؤديه من مهام عسكرية تشمل الهجمات، والتصوير، وجمع المعلومات الاستخباراتية عن العدو، فإنها لا تكفي وحدها لحسم المعركة. وأكد أن سلاح الطيران والمسيّرات والمدفعية يُستخدم عادة في الحروب لمساندة القوات البرية، عبر فتح ثغرات في دفاعات الخصم، بما يتيح التقدم والسيطرة على المواقع الأرضية. وأضاف أن سباق التسلح بات واقعاً ملموساً، وأن المؤشرات كافة تؤكد أن الطرفين يتجهان نحو تنافس مفتوح لامتلاك المسيّرات الحديثة التي تعزز قدراتهما العسكرية، غير أنها لن تحقق نصراً حاسماً لأي منهما.
وأجمع خبراء عسكريون على أن الحرب في السودان تدخل مرحلة تحول يمكن توصيفها بـ«سباق تسلح نوعي»، مشيرين إلى أن من أبرز دوافع هذا التوجه نحو «حروب السماء» التكلفة البشرية العالية التي فرضتها العمليات العسكرية البرية.

وفي هذا الإطار، تشير تقارير إعلامية إلى أن «قوات الدعم السريع» واصلت تلقي إمدادات عسكرية بصورة منتظمة، شملت طائرات مسيّرة متطورة وأنظمة تشويش. ويُرجع مراقبون هذا التطور إلى التقدم الذي أحرزته القوات في إقليم كردفان، وسيطرتها على مدن رئيسية، مقابل تعثر العمليات البرية التي قادها الجيش لأشهر بهدف استعادتها؛ ما دفعه إلى تغيير تكتيكاته والسعي لامتلاك أسلحة تمكّنه من تحقيق تفوق عسكري.
الجيش يكسب خطوة
من جانبه، قال الخبير العسكري اللواء معتصم عبد القادر إن حصول الجيش على هذه الصفقة الكبيرة من الطائرات والمسيّرات يمنحه القدرة على مهاجمة الخصم، وشل قدرته على تنفيذ هجمات مضادة، لافتاً إلى أن المنظومات الجديدة تمثل إضافة نوعية إلى القوة العسكرية للجيش السوداني. وأضاف أن الطيران الحربي يمتاز بقدرته على حمل صواريخ وقذائف ذات حمولة أكبر، متفوقاً بذلك على المسيّرات، رغم ما تتميز به الأخيرة من دقة عالية في الاستهداف. وأشار عبد القادر إلى أن الضغوط الإقليمية والدولية التي تمارسها بعض الدول الحليفة للجيش على دول الجوار السوداني، من شأنها أن تسهم في تجفيف مصادر الدعم التي كانت تتلقاها «قوات الدعم السريع» عبر الأجواء المفتوحة في السابق، متوقعاً في الوقت نفسه استمرار تدفق الأسلحة عبر المعابر البرية من بعض الدول الأفريقية إلى إقليم دارفور، الذي يُعد مركز ثقل لسيطرة «الدعم السريع».
اقرأ أيضاً
اقرأ أيضاً
وأوضح عبد القادر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن سلاح الجو السوداني نفّذ خلال الأسابيع الماضية عمليات قصف دقيقة استهدفت إمدادات عسكرية كانت في طريقها إلى «قوات الدعم السريع» في منطقة المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر. كما شن هجمات مماثلة على الحدود الشرقية مع إثيوبيا، بهدف إحباط هجوم كان يجري الترتيب له من قبل «قوات الدعم السريع» وحلفائها في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.
وفي ضوء هذا السباق المحموم نحو التسلح، والذي وُصف بأنه قد يشكل نقطة تحول في مسار الحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، تشير المؤشرات إلى أن المشهد في السودان لا يزال مفتوحاً على جميع الاحتمالات، بما في ذلك اندلاع موجة جديدة من القتال أشد ضراوة، لا سيما في مناطق العمليات الرئيسية، وعلى وجه الخصوص في إقليمي دارفور وكردفان.










