هل تتحول الحرب في السودان إلى سباق تسلح نوعي؟

خبراء عسكريون يتوقعون أن يتجه الجيش و«الدعم السريع» لتعزيز قدراتهما العسكرية

مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)
مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)
TT

هل تتحول الحرب في السودان إلى سباق تسلح نوعي؟

مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)
مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)

بعد موافقة باكستان على بيع أسلحة إلى الجيش السوداني بقيمة تُقدر بنحو 1.5 مليار دولار، في صفقة وُصفت بأنها الأضخم منذ اندلاع الحرب في البلاد، رأى خبراء عسكريون أن هذا التطور يمثّل فصلاً جديداً في سباق تسلح نوعي آخذ في التصاعد، من شأنه دفع الطرف الآخر، «قوات الدعم السريع»، إلى تعزيز ترسانته العسكرية، الأمر الذي قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب إلى أجل غير معلوم.

وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» في وقت سابق، تشمل الصفقة المرتقبة حصول الجيش السوداني على طائرات هجومية خفيفة، وطائرات مسيّرة مخصصة للاستطلاع والهجوم، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متطورة. وتتضمن الصفقة، وفق المصادر، نحو عشر طائرات من طراز «كاراكورام-8»، وأكثر من 200 طائرة مسيّرة، إلى جانب طائرات تدريب من طراز «سوبر مشاق»، مع احتمال إدراج مقاتلات من طراز «جيه إف - 7» ضمن الاتفاق.

لماذا التحول إلى المسيرات؟

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، تعرّضت القدرات العسكرية للجيش السوداني لشلل كبير على صعيد مخزون الأسلحة والذخائر، لا سيما بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» على مصنع «اليرموك»، الذي يُعد أكبر منشآت الجيش لإنتاج وتخزين الأسلحة. ويرى خبراء أن من أبرز التحولات الجوهرية التي فرضتها الحرب، اتجاه طرفي الصراع إلى الاعتماد بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة، نظراً لفاعليتها العالية وتأثيرها المباشر في ساحات القتال، مؤكدين أن من يفرض هيمنته الجوية يمتلك اليد العليا في مجريات الحرب.

عناصر من الجيش السوداني في مدينة صالحة جنوب أم درمان بعد يوم من استعادة المنطقة في 21 مايو 2025 (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قال اللواء المتقاعد بالجيش كمال إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» إن سباق التسلح لم يتوقف منذ اندلاع الحرب، وإن كل طرف يسعى باستمرار إلى تنمية قدراته القتالية، وأضاف: «بحسب علمي، حصل الجيش بالفعل على طائرات ومسيّرات من باكستان، إلا أن هذه الأسلحة لن تقلب موازين القوى بشكل جذري، كونها أسلحة مساندة تُستخدم لتمهيد الطريق أمام قوات المشاة للتقدم على الأرض، وتحقيق التفوق الميداني».

وأشار إسماعيل إلى أن «قوات الدعم السريع» قد تسعى بدورها إلى رفع قدراتها العسكرية وتحديث ترسانة أسلحتها، من خلال الحصول على مزيد من الطائرات المسيّرة الحديثة وأنظمة الدفاع الجوي، لكنه استبعد أن يتمكن أي طرف من حسم الحرب عسكرياً، مهما طال أمدها، في ظل وجود جهات خارجية تواصل تمويل ودعم أطراف الصراع بالسلاح، مستشهداً باستمرار الحرب الروسية الأوكرانية رغم التفوق العسكري الروسي.

صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته «قوات الدعم السريع» لعناصرها في منطقة شرق النيل بالخرطوم (أ.ف.ب)

وأوضح إسماعيل أنه على الرغم من القوة التدميرية الكبيرة التي تمتلكها الطائرات المسيّرة الحديثة، وما تؤديه من مهام عسكرية تشمل الهجمات، والتصوير، وجمع المعلومات الاستخباراتية عن العدو، فإنها لا تكفي وحدها لحسم المعركة. وأكد أن سلاح الطيران والمسيّرات والمدفعية يُستخدم عادة في الحروب لمساندة القوات البرية، عبر فتح ثغرات في دفاعات الخصم، بما يتيح التقدم والسيطرة على المواقع الأرضية. وأضاف أن سباق التسلح بات واقعاً ملموساً، وأن المؤشرات كافة تؤكد أن الطرفين يتجهان نحو تنافس مفتوح لامتلاك المسيّرات الحديثة التي تعزز قدراتهما العسكرية، غير أنها لن تحقق نصراً حاسماً لأي منهما.

وأجمع خبراء عسكريون على أن الحرب في السودان تدخل مرحلة تحول يمكن توصيفها بـ«سباق تسلح نوعي»، مشيرين إلى أن من أبرز دوافع هذا التوجه نحو «حروب السماء» التكلفة البشرية العالية التي فرضتها العمليات العسكرية البرية.

نازحون سودانيون من غرب السودان ينتظرون تلقي المساعدات في مخيم أبو النجا بولاية القضارف 30 ديسمبر (أ.ف.ب)

وفي هذا الإطار، تشير تقارير إعلامية إلى أن «قوات الدعم السريع» واصلت تلقي إمدادات عسكرية بصورة منتظمة، شملت طائرات مسيّرة متطورة وأنظمة تشويش. ويُرجع مراقبون هذا التطور إلى التقدم الذي أحرزته القوات في إقليم كردفان، وسيطرتها على مدن رئيسية، مقابل تعثر العمليات البرية التي قادها الجيش لأشهر بهدف استعادتها؛ ما دفعه إلى تغيير تكتيكاته والسعي لامتلاك أسلحة تمكّنه من تحقيق تفوق عسكري.

الجيش يكسب خطوة

من جانبه، قال الخبير العسكري اللواء معتصم عبد القادر إن حصول الجيش على هذه الصفقة الكبيرة من الطائرات والمسيّرات يمنحه القدرة على مهاجمة الخصم، وشل قدرته على تنفيذ هجمات مضادة، لافتاً إلى أن المنظومات الجديدة تمثل إضافة نوعية إلى القوة العسكرية للجيش السوداني. وأضاف أن الطيران الحربي يمتاز بقدرته على حمل صواريخ وقذائف ذات حمولة أكبر، متفوقاً بذلك على المسيّرات، رغم ما تتميز به الأخيرة من دقة عالية في الاستهداف. وأشار عبد القادر إلى أن الضغوط الإقليمية والدولية التي تمارسها بعض الدول الحليفة للجيش على دول الجوار السوداني، من شأنها أن تسهم في تجفيف مصادر الدعم التي كانت تتلقاها «قوات الدعم السريع» عبر الأجواء المفتوحة في السابق، متوقعاً في الوقت نفسه استمرار تدفق الأسلحة عبر المعابر البرية من بعض الدول الأفريقية إلى إقليم دارفور، الذي يُعد مركز ثقل لسيطرة «الدعم السريع».

وأوضح عبد القادر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن سلاح الجو السوداني نفّذ خلال الأسابيع الماضية عمليات قصف دقيقة استهدفت إمدادات عسكرية كانت في طريقها إلى «قوات الدعم السريع» في منطقة المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر. كما شن هجمات مماثلة على الحدود الشرقية مع إثيوبيا، بهدف إحباط هجوم كان يجري الترتيب له من قبل «قوات الدعم السريع» وحلفائها في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وفي ضوء هذا السباق المحموم نحو التسلح، والذي وُصف بأنه قد يشكل نقطة تحول في مسار الحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، تشير المؤشرات إلى أن المشهد في السودان لا يزال مفتوحاً على جميع الاحتمالات، بما في ذلك اندلاع موجة جديدة من القتال أشد ضراوة، لا سيما في مناطق العمليات الرئيسية، وعلى وجه الخصوص في إقليمي دارفور وكردفان.


مقالات ذات صلة

مقتل أكثر من 500 مدني بضربات بمسيّرات في السودان هذا العام

شمال افريقيا سودانية تتلقى العلاج فى أحد مستشفيات أم درمان (رويترز)

مقتل أكثر من 500 مدني بضربات بمسيّرات في السودان هذا العام

أعلنت الأمم المتحدة أنَّ أكثر من 500 مدني قُتلوا بضربات نُفِّذت بمسيّرات في السودان بين يناير (كانون الثاني) ومنتصف مارس (آذار)، قضى معظمهم في منطقة كردفان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون في تشاد (رويترز - أرشيفية)

تشاد تنقل لاجئين سودانيين بشكل طارئ من منطقة حدودية

قال مسؤول في وكالة معنية بشؤون اللاجئين في تشاد لوكالة «رويترز» للأنباء، الاثنين، إن بلاده بدأت نقل لاجئين بشكل طارئ من منطقة محاذية لحدودها مع السودان.

«الشرق الأوسط» (نجامينا)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات فررن من العنف في إقليم دارفور السوداني يُحضِّرن وجبة الإفطار بجوار ملاجئهن المؤقتة قرب الحدود بين السودان وتشاد في كوفرون التشادية يوم 11 مايو 2023 (رويترز)

مقتل 15 شخصاً بقصف على مدينة لقاوة في السودان

قُتل 15 شخصاً على الأقل في قصف على مدينة لقاوة بولاية غرب كردفان، جنوب السودان، الاثنين، حسبما أفاد مصدر طبي «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا توزيع مساعدات غذائية من برنامج الغذاء العالمي في ضواحي أم درمان بالخرطوم يوم 11 مارس الحالي (أ.ف.ب)

قوات «تأسيس» تسيطر على بلدة وتتقدم نحو مدينة الكرمك

تواصل قوات تحالف «تأسيس»، بقيادة «قوات الدعم السريع»، تقدمها بوتيرة سريعة وتقترب من تطويق مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أرشيفية لمستشفى ميداني شمال دارفور (رويترز)

«الصحة العالمية»: 64 قتيلاً بهجوم على مستشفى في السودان

قُتل 64 شخصاً وأصيب العشرات بضربة أصابت مستشفى في السودان، وفق ما أفادت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة السبت.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

أميركا تحذر من «هجوم إرهابي» محتمل ضد سفارتها في نواكشوط

مقر السفارة الأميركية في نواكشوط (السفارة)
مقر السفارة الأميركية في نواكشوط (السفارة)
TT

أميركا تحذر من «هجوم إرهابي» محتمل ضد سفارتها في نواكشوط

مقر السفارة الأميركية في نواكشوط (السفارة)
مقر السفارة الأميركية في نواكشوط (السفارة)

أصدرت الولايات المتحدة الأميركية، مساء الاثنين، تحذيراً من «هجوم إرهابي محتمل» ضد مقر السفارة الأميركية في موريتانيا، أو ضد المصالح الأميركية في البلد، وذلك بعد «تهديدات مباشرة» تلقتها السفارة أمس (الاثنين).

وجاء في برقية نشرتها السفارة الأميركية بنواكشوط عبر موقعها الإلكتروني، أن «هناك ارتفاعاً في خطر وقوع هجمات إرهابية في موريتانيا، قد تستهدف سفارة الولايات المتحدة أو المواطنين الأميركيين»، وفق نصِّ البرقية.

وأضافت السفارة أن هذا التحذير يأتي «بناءً على تهديد حديث وُجِّه مباشرةً إلى السفارة يوم 23 مارس (آذار)» الحالي، مشيرة إلى أن «الأهداف قد تشمل، على سبيل المثال لا الحصر، السفارة الأميركية، أو الأماكن التي يُعرف بتجمع المواطنين الأميركيين فيها».

وطلبت السفارة من المواطنين الأميركيين الموجودين في موريتانيا «توخي الحذر في المناطق التي شهدت احتجاجات، ومتابعة وسائل الإعلام المحلية للحصول على آخر المستجدات، مع الانتباه لما يحيط بهم في جميع الأوقات»، مضيفة أن على الأميركيين «تجنب لفت الانتباه، وتجنب الوجود خارج المنزل بعد حلول الظلام، وتوخي الحذر في حال الوجود بشكل غير متوقع قرب تجمعات كبيرة أو احتجاجات، مع البقاء في حالة يقظة بالأماكن التي يرتادها الأميركيون أو الزوار الأجانب».

وترابط أمام مبنى السفارة الأميركية في نواكشوط تعزيزات من الشرطة الموريتانية، بينما لم يصدر أي تعليق من طرف الجهات الرسمية الموريتانية حول هذا التحذير، كما لم يكشف الأميركيون عن طبيعة «التهديد» الذي تلقته السفارة.

ويعود آخر هجوم إرهابي شهدته موريتانيا إلى عام 2011، أي قبل 15 عاماً، وهو هجوم خطط له تنظيم «القاعدة»، حاول فيه آنذاك تفجير القصر الرئاسي والسفارة الفرنسية، عبر 3 سيارات مفخخة مقبلة من معاقله في شمال مالي، وتمكَّنت واحدة منها من الوصول إلى مشارف العاصمة نواكشوط، حيث فجَّرها الجيش، دون أن تخلف أي ضحايا.

وبعد هذا الهجوم، شنَّ الجيش الموريتاني عمليةً عسكريةً واسعةً ضد معاقل تنظيم «القاعدة» في شمال مالي، ووجَّه ضربات موجعة للتنظيم، لتبدأ منذ ذلك الوقت ما يمكن وصفها بأنها «هدنة غير معلنة» بين الطرفين.

وبالتزامن مع التحذير الأميركي، قال المفوض الأوروبي المكلف الشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر، بعد لقاء مع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في نواكشوط أمس (الاثنين)، إن موريتانيا «تمثل عنصر استقرار في منطقة تشهد تحديات كبيرة»، في إشارة إلى منطقة الساحل الأفريقي.

وأضاف المسؤول الأوروبي أن «الاستقرار الذي تعرفه موريتانيا، يزيد من أهمية التعاون معها في قضايا الهجرة والأمن»، مشيراً إلى أن التعاون بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي في مجال محاربة الهجرة غير النظامية «يقوم على الثقة المتبادلة، ويشمل جهوداً مشتركةً لمكافحة الجريمة المنظمة، وتهريب المهاجرين، والاتجار بالمخدرات، لما لهذه الظواهر من تأثيرات سلبية على المجتمعات، خصوصاً فئة الشباب»، وفق تعبيره.

وأكد أنه أجرى مباحثات مع الرئيس الموريتاني حول «تعميق التعاون في مجال الأمن ومحاربة الهجرة غير النظامية». وشدَّد على أن «الاتحاد الأوروبي حريص على دعم موريتانيا، والاستثمار في شراكة أكثر عمقاً ومنفعة متبادلة، بما يخدم المصالح المشتركة للطرفين».


نواكشوط تعلن فتح تحقيق في مقتل موريتانيين داخل مالي

وزير خارجية مالي في لقاء سابق مع الرئيس الموريتاني (الرئاسة الموريتانية)
وزير خارجية مالي في لقاء سابق مع الرئيس الموريتاني (الرئاسة الموريتانية)
TT

نواكشوط تعلن فتح تحقيق في مقتل موريتانيين داخل مالي

وزير خارجية مالي في لقاء سابق مع الرئيس الموريتاني (الرئاسة الموريتانية)
وزير خارجية مالي في لقاء سابق مع الرئيس الموريتاني (الرئاسة الموريتانية)

قررت الحكومة الموريتانية، أمس الاثنين، منع الانتجاع في أراضي مالي على جميع المنمين الموريتانيين، وخاصة في المنطقة الحدودية التي تشهد تصاعداً في التوتر منذ عدة أيام، على أثر مقتل مواطنيْن موريتانيين بعد توقيفهما من طرف الجيش المالي، وقرار الحكومة فتح تحقيق في الحادثة.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وينشط أغلب سكان المحافظات الشرقية من موريتانيا في مجال التنمية الحيوانية، ويعتمدون، بشكل كبير، على الانتجاع في مناطق داخل أراضي مالي، خاصة حين تتأخر الأمطار وينتشر الجفاف في مناطق موريتانيا، حتى إن البلدين وقَّعا اتفاقية تُنظم انتجاع المواشي والحيوانات الموريتانية في محافظات مالي.

لكن الحرب الدائرة في مالي بين الجيش والجماعات المسلَّحة جعلت دخول أراضي مالي ينطوي على خطورة كبيرة، حيث تعرَّض عشرات الموريتانيين للتصفية والقتل في حوادث أثارت كثيراً من الجدل خلال السنوات الأخيرة.

وقالت وزارة الداخلية الموريتانية، أمس، إنها على أثر «الحادثة الأليمة» التي أودت بحياة مواطنيْن موريتانييْن داخل الأراضي المالية، تعبّر عن «إدانتها واستنكارها الاعتداءات المتكررة على أرواح وممتلكات مواطنينا فى الأراضي المالية». وشددت على «ضرورة التزام كل المواطنين بتعليمات السلطات الإدارية والدبلوماسية بخصوص الانتجاع في الأراضي المالية، والتنقل خارج البلاد»، مشيرة إلى أنها «أصدرت تعميماً إلى السلطات الإدارية يقضي بمنع الانتجاع داخل الأراضي المالية».

وأضافت الوزارة أنها طلبت من السلطات الإدارية المحلية «إطلاق حملات تحسيس واسعة النطاق لحث المنمين على عدم التوجه إلى المناطق غير الآمنة؛ حفاظاً على أرواحهم وممتلكاتهم»، مبرزة أنها شكّلت «لجاناً قروية لليقظة» على مستوى المناطق الحدودية، ضِمن ما سمّته «جهود القطاع الهادفة إلى تعزيز الأمن وتحسين آليات الرصد والتنسيق في المناطق الحدودية». كما أوضحت الوزارة أن «هذه اللجان تُعد حلقة ربط بين السكان المحليين والسلطات الإدارية والمصالح الأمنية، وقد زوّدت هذه اللجان بهواتف ذكية مع رصيد للاتصال، بما يمكّنها من أداء مهامّها على أحسن وجه»، وفق نص البيان، مشيرة إلى ضرورة الابتعاد عن عبور الحدود مع مالي، وأكدت أن «الحكومة باشرت تنفيذ برنامج واسع لحفر الآبار في المناطق الرعوية، بهدف توفير المياه والحيلولة دون تنقل المواطنين».

صهاريج أحرقها «تنظيم القاعدة» وهي في طريقها إلى باماكو (تواصل اجتماعي)

وأعلنت وزارة الداخلية، في بيانها، أنها استدعت زعيم مؤسسة المعارضة الديمقراطية ورئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل»، حمادي ولد سيدي المختار، على خلفية بيان أصدره الحزب تحدّث فيه عن مقتل موريتانيين على يد الجيش المالي داخل أراضي موريتانيا، وهو ما نفاه الجيش الموريتاني، في وقت لاحق.

وقالت الوزارة إن زعيم المعارضة «جرى تنبيهه إلى أن من مسؤوليات الأحزاب السياسية تعبئة المواطنين حول ضرورة الالتزام بتوجيهات السلطات الإدارية على الشريط الحدودي، بدل التوظيف السياسي».

وأضافت أنها «تهيب بالأحزاب السياسية وكل القوى الحية؛ من مجتمع مدني، وإعلاميين ومدوِّنين وصُناع رأي، التركيز على توعية المواطنين وتحسيسهم حول كل ما له صلة بالمصلحة العامة، وخاصة حماية أمنهم وممتلكاتهم، وتفادي الانتجاع داخل الأراضي المالية خلال الفترة الحالية، بدل استغلال الحادثة لأغراض سياسية آنية».

ولم يصدر أي توضيح من طرف حزب «تواصل» أو مؤسسة المعارضة الديمقراطية حول هذا «الاستدعاء» و«التنبيه».

في غضون ذلك، أعلن الوزير الناطق باسم الحكومة الموريتانية، الحسين ولد أمدو، خلال مؤتمر صحافي، مساء أمس الاثنين، أن السلطات «تبذل جهوداً مكثفة للتحقق من ملابسات هذه الحادثة»، في إشارة إلى مقتل الموريتانيين في مالي.

وأضاف الوزير أن الحكومة «تعمل على تعبئة المواطنين، وتعزيز وعيهم بالمخاطر المرتبطة بالوجود في المناطق التي تشهد اضطرابات أمنية»، مشيراً، في السياق نفسه، إلى أن «حرص موريتانيا على سيادتها الترابية لا يوازيه إلا حرصها على سلامة مواطنيها وكرامتهم أينما كانوا».

وتمر العلاقات بين موريتانيا ومالي بفترة من التوتر بسبب احتكاكات على الحدود، ناتجة عن تصاعد وتيرة الحرب بين الجيش المالي والجماعات المُوالية لـ«تنظيم القاعدة» في المنطقة، وهي حربٌ راح ضحيتها موريتانيون، تقول مصادر أهلية ومحلية إن الجيش المالي متورط في تصفيتهم.


نشاط دبلوماسي يعيد «مسار برلين» للواجهة لحلحلة الأزمة الليبية

المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)
المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)
TT

نشاط دبلوماسي يعيد «مسار برلين» للواجهة لحلحلة الأزمة الليبية

المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)
المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)

يستعيد «مسار برلين» حضورَه في المشهد الليبي عبر نشاط دبلوماسي يهدف إلى حلحلة الأزمة وكسر الجمود السياسي في البلاد، فيما تواصل البعثة الأممية تحركاتها لاستكمال مراحل «خريطة الطريق»، التي تعمل عليها.

ويستند المسار إلى مبادرة دولية انطلقت قبل 5 سنوات في ألمانيا، وتضم دولاً غربية وإقليمية لدعم الحل السياسي في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

ويرى دبلوماسيون وسياسيون ليبيون أن «مسار برلين»، الذي انطلق منذ عام 2020، «لعب دوراً محورياً» في إعادة هيكلة المؤسسات السياسية الليبية، ووضع اللبنات الأساسية لحكومة «الوحدة الوطنية»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة. غير أن تساؤلات مستمرة لا تزال تحيط بمدى قدرته على تحويل هذه الجهود الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة على الأرض.

سامي المنفي مستشار رئيس المجلس الرئاسي خلال لقاء مع المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي بول سولير في باريس الاثنين (إعلام المجلس الرئاسي)

ويرى الدبلوماسي الليبي والقائم السابق بأعمال السفارة الليبية لدى سوريا، محمد المرداس، أن «مسار برلين» هو «الأهم في الحالة الليبية»، معيداً التذكير بأن مؤتمر 2020 وأعضاء مساره «وضعوا الأساس» لخريطة الطريق، التي انتهى إليها اجتماع جنيف، وأسفرت عن تشكيل المجلس الرئاسي الحالي وحكومة «الوحدة»، بما يمنحه تأثيراً ملموساً لدى الأطراف الليبية.

وفي امتداد للرؤية نفسها، يشدِّد عضو الأمانة العامة لحزب «ليبيا النماء»، حسام فنيش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن «مسار برلين يجمع معظم القوى الدولية والإقليمية المؤثرة، ما يمنحه ثقلاً سياسياً يتيح تنسيق مواقفها، والحد من تضارب السياسات داخل الساحة الليبية».

ووفق هذا التقدير، ينظر مراقبون باهتمام إلى اجتماع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، مع سفراء دول «مسار برلين» قبل أسبوع، حيث كانت أبرز مخرجاته تأكيد حرص الأطراف الدولية على تكثيف الدعم للمسار السياسي، بما يعكس استمرار دوره المحوري في المشهد السياسي الليبي، رغم الانشغال العالمي بالتطورات الإقليمية.

الكوني نائب رئيس المجلس الرئاسي في لقاء مع السفير البريطاني بتاريخ 11 مارس الحالي (مكتب الكوني)

ويضم «مسار برلين» مجموعةً واسعةً من الدول والمنظمات الدولية، منها ألمانيا، والولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، ومصر، والجزائر، وتونس، وتركيا، والصين، وهولندا، والإمارات العربية المتحدة، إلى جانب الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية. ويختلف حضور بعض الدول بحسب طبيعة الاجتماعات وتطورات الملف الليبي.

وتتميَّز باريس بنشاط ملحوظ ضمن «مسار برلين»، حيث التقى في باريس باول سولير المبعوثُ الخاص للرئيس الفرنسي، سامي المنفي مستشارَ رئيس المجلس الرئاسي وشقيقه؛ وذلك بهدف دعم توحيد المؤسسات، في صدارة المخرجات.

وسبقت ذلك لقاءات للسفير الفرنسي تيري فالا والمنفي ونائبه موسى الكوني، ومع وزير الخارجية المكلف بحكومة «الوحدة»، طاهر الباعور، بما يعكس حرص باريس على تعزيز تأثيرها في المسار، وفقاً لمتابعين.

واستكمالاً لذلك، شهدت ألمانيا، صاحبة المبادرة الأولى للمسار، نشاطاً دبلوماسياً تَمثَّل في اجتماع السفير الألماني رالف تراف، قبيل إجازة عيد الفطر، مع مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا هانا تيتيه. كما حرصت الصين على تسجيل حضورها في المشهد عبر لقاء سفيرها ما شيوي ليانغ مع تيتيه؛ سعياً إلى مواصلة التنسيق بين القوى الدولية ضمن المسار، مع الحفاظ على الدور المحوري للبعثة الأممية.

ومع ذلك، يبقى التساؤل قائماً حول مدى فاعلية «مسار برلين» على الأرض. وفي هذا السياق يعتقد المرداس أن «الضغوط الدولية على الأطراف الليبية، بالتوازي مع ضغط الشارع، سيكون لها تأثير قوي على المواقف السياسية».

تيتيه مستقبلة السفير الألماني لدى ليبيا رالف تراف في 18 مارس الحالي (البعثة الأممية)

من جهته، يعتقد الباحث السياسي الليبي مصطفى الفيتوري أن «مسار برلين جمع بين الإيجابيات والسلبيات، إذ أسهم في تفكيك جزء من الأزمة، لكنه فتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية عبر مسارات موازية، رغم اعتماد مجلس الأمن منذ 2015 على مبدأ أن الحل بيد الليبيين».

وقال الفيتوري، لـ«الشرق الأوسط»، إن المسار «يفتقر إلى أدوات تأثير حقيقية على الأرض، ولا يملك قدرةً تنفيذيةً واضحةً حتى داخل البعثة الأممية، رغم تبني بعض مخرجاته في ملفات الاقتصاد وحقوق الإنسان والحوكمة».

ووفق رؤية فنيش، فإنَّ «المشهد الليبي اعتاد على موجات من النشاط الدبلوماسي تتبعها فترات من الجمود»، ويرى أن «السؤال الحقيقي ليس عن كثافة اللقاءات، بل حول قدرتها على إنتاج تفاهمات واضحة حول قواعد العملية السياسية وآليات تنفيذها».

يُشار إلى أن «مسار برلين» استأنف اجتماعاته في يونيو (حزيران) الماضي بصيغة لجنة متابعة دولية، بعد غياب دام أكثر من 4 سنوات عن التحركات الدولية في المشهد الليبي. ووجَّه المشاركون حينها رسائل تحذيرية بأن «مَن يعرقلون العملية السياسية ستتم مساءلتهم، بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة».