سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

خلافات إقصاء الإسلاميين وتمثيل القوى السياسية تطغى على مشاورات أديس أبابا

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

كشفت الاجتماعات التشاورية التي عقدتها الآلية الخماسية الدولية، بشأن السودان في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، خلال الفترة بين 3 و5 يونيو (حزيران) 2026 عن أنَّ الطريق إلى إنهاء الحرب المستمرة في السودان، منذ أكثر من 3 أعوام، لا يمر فقط عبر وقف إطلاق النار بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، بل عبر مواجهة أسئلة سياسية، أكثر تعقيداً تتعلق بشكل الدولة المقبلة، والقوى التي يحقُّ لها المشاركة في بنائها.

ورأى عدد من المراقبين أنَّ هذه الاجتماعات تمثل أول محاولة جادة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل (نيسان) 2023 لبناء توافق سياسي ومدني واسع ضد استمرار القتال. إلا أن المشاورات شهدت خلافاً حاداً بين المشاركين حول مشاركة «الحركة الإسلامية» وحزب «المؤتمر الوطني»، الذي حكم السودان خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، في أي عملية سياسية مستقبلية، ليصبح هذا الملف الأكثر إثارة للجدل خلال الاجتماعات.

ونظمت الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي، ومنظمة إيغاد، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، هذه الاجتماعات؛ بهدف استكشاف السبل الكفيلة بإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة، وتشكيل لجنة تحضيرية تمهِّد لحوار وطني يقود إلى السلام والاستقرار.

أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين وحالياً في لقاءات أديس أبابا (إكس)

ووفقاً للوثائق التي نوقشت خلال الاجتماعات، اتفقت القوى المشارِكة على ضرورة التعامل مع الأزمة السودانية عبر 3 مسارات متوازية تشمل: معالجة الكارثة الإنسانية، والتوصُّل إلى وقف لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية تعالج جذور الأزمة وتؤسِّس لسلام مستدام. كما تَوافَقَ المشاركون على اتخاذ إجراءات لبناء الثقة، وتهيئة المناخ السياسي، وضمان مشاركة أوسع للقوى المدنية والمجتمعية.

الخلاف حول الإسلاميين

غير أنَّ هذا التوافق تعثر عند نقطة جوهرية تتعلق بمستقبل الإسلاميين وحزب «المؤتمر الوطني». فقد تضمَّنت إحدى مسودات الوثيقة الختامية نصاً يؤكد أنَّ العملية السياسية يجب أن تكون شاملة، باستثناء «المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية» والواجهات التابعة لهما. إلا أنَّ هذه الصياغة أثارت اعتراض بعض المشاركين؛ ما أدى إلى حذفها من النسخة التي وقَّعها تحالف «الكتلة الديمقراطية»، المؤيد للجيش السوداني.

في المقابل، تمسَّك تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، المقرب من «قوات الدعم السريع»، بموقفه الداعي إلى استبعاد «الحركة الإسلامية» و«المؤتمر الوطني» من أي عملية سياسية مقبلة، عادّاً أنَّ تحقيق السلام الحقيقي يتطلب معالجة الأسباب التي قادت إلى الحرب، ومحمِّلاً الإسلاميين جانباً من المسؤولية عن الأزمة الراهنة.

واتخذت «حركة تحرير السودان»، بقيادة عبد الواحد محمد نور موقفاً أكثر تشدداً، إذ رفضت التوقيع على الوثيقة المشتركة مع «الكتلة الديمقراطية»؛ بسبب اعتراض الأخيرة على النصِّ الخاص باستبعاد الإسلاميين. وعدّت الحركة أن السماح للإسلاميين بالمشاركة السياسية يمثِّل مكافأةً لهم على الحرب، وطالبت بحرمانهم من أي دور سياسي مستقبلي، ووصفتهم بأنهم «جماعة إرهابية».

حمدوك وعبد الواحد محمد نور خلال لقاء سابق في باريس (الشرق الأوسط)

واستند هذا الموقف أيضاً إلى قرار وزارة الخارجية الأميركية الصادر في مارس (آذار) 2026، والذي صنَّف ما وصفتها بـ«الحركة الإسلامية السودانية» أو «الإخوان المسلمين السودانيين» تنظيماً إرهابياً، وهو القرار الذي استندت إليه بعض القوى السودانية في مطالبتها بإبعاد الإسلاميين عن أي ترتيبات تخصُّ مستقبل البلاد.

من جانبه، أبدى «التيار الثوري الديمقراطي»، بقيادة ياسر عرمان، وهو أحد مكونات تحالف «صمود»، اعتراضه على حذف النص المتعلق باستبعاد «المؤتمر الوطني»، عادّاً أنَّ ذلك يثير تساؤلات حول الوجهة النهائية للعملية السياسية. كما جدَّد «حزب الأمة»، بقيادة مبارك الفاضل رفضه عودة «المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية» إلى قيادة المشهد السياسي.

تباينات «الكتلة الديمقراطية»

أما الكتلة الديمقراطية، فقد تبنَّت موقفاً مختلفاً، إذ أعلنت موافقتها شفهياً، على استبعاد حزب «المؤتمر الوطني» من العملية السياسية، لكنها اعترضت على تضمين نص صريح يستبعد «الحركة الإسلامية»، كما رفضت الجلوس مع تحالف «تأسيس» الذي تعدّه مظلةً سياسيةً لـ«قوات الدعم السريع».

وأظهر هذا التباين أن الخلاف لم يعد مقتصراً على الموقف من الحرب أو أطرافها العسكرية، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمَن يملك حقَّ المشاركة في صياغة مستقبل السودان بعد توقف القتال.

ولم تقتصر الخلافات على العلاقة بين «الكتلة الديمقراطية» وبقية القوى المشاركة، بل امتدت إلى داخل الكتلة نفسها. فقد رفض تيار يضم قوى مقربة من وزير المالية ورئيس حركة «العدل والمساواة»، جبريل إبراهيم، وحلفائه وعلى رأسهم ناظر عموم قبائل الهدندوة محمد الأمين ترك، المشارَكة في اجتماعات أديس أبابا من الأساس، عادّاً أنَّ الوفد الذي شارك لا يمثل «الكتلة الديمقراطية» بكل مكوناتها.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش رفض المشاركة في الاجتماعات (رويترز)

وتبادل طرفا الخلاف بيانات متعارضة بشأن شرعية التمثيل داخل الكتلة، في وقت عكست فيه هذه الأزمة صراعاً أوسع حول مَن يملك حقَّ التحدُّث باسم المعسكر السياسي المؤيِّد للجيش ضمن العملية السياسية المرتقبة.

كما زادت حدة الجدل بعد استقالة القيادية في «الكتلة الديمقراطية» ومساعدة رئيس مجلس السيادة سالي زكي، وإعلانها اعتزال العمل السياسي عقب مشاركتها في الاجتماعات. وأشارت في بيان نشرته عبر صفحتها على موقع «فيسبوك» إلى وجود تكتلات داخل التحالف، مؤكدة في الوقت نفسه دعمها القوات المسلحة.

ويشير هذا الانقسام إلى أنَّ أزمة أديس أبابا لم تكن مرتبطةً فقط بمستقبل الإسلاميين أو بمشاركة تحالف «تأسيس»، بل شملت أيضاً التنافس على تمثيل القوى المتحالفة مع الجيش، وحدود التفويض الذي تمتلكه الأطراف المشاركة باسمها.

وخلال المشاورات برز أيضاً دور «تنسيقية القوى الوطنية»، بقيادة محمد سيد أحمد المعروف بـ«الجكومي»، التي سعت إلى تثبيت حضورها داخل العملية السياسية بوصفها ممثلةً لشريحة من القوى المؤيدة للجيش.

ودعت التنسيقية إلى عملية سياسية لا تقوم على الإقصاء، مع رفضها مشاركة تحالفَي «صمود» و«تأسيس»، ورفض أي دور سياسي لـ«قوات الدعم السريع» أو مساواتها بالقوات المسلحة.

مؤشرات إيجابية... وتحديات مستقبلية

ورغم هذه التباينات، يرى مراقبون أنَّ اجتماعات أديس أبابا شكَّلت تطوراً مهماً في مسار البحث عن حل سياسي للحرب، إذ نجحت للمرة الأولى منذ اندلاع النزاع في جمع قوى سياسية ومدنية متعارضة حول طاولة واحدة لمناقشة مستقبل البلاد. كما أظهرت الوثائق المتداولة وجود أرضية مشتركة واسعة بشأن وقف الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف اللازمة لإطلاق حوار سياسي شامل.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

لكن الاجتماعات كشفت في الوقت نفسه عن أنَّ التحدي الأكبر قد لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب، وإنما في إدارة الخلافات السياسية التي ستبرز فور توقفها. فبينما ترى قوى كثيرة أن إبعاد الإسلاميين شرط أساسي لمنع إعادة إنتاج الأزمة التي قادت إلى الحرب، تعتقد أطراف أخرى أنَّ فرض هذا الشرط مسبقاً قد يقوِّض فرص التوافق الوطني، ويؤدي إلى انقسامات جديدة.

وبذلك تبدو مشاورات أديس أبابا أقرب إلى نواة أولية لأوسع توافق سوداني ضد استمرار الحرب منذ اندلاعها، لكنها كشفت أيضاً عن أنَّ معركة السلام قد تكون أقل تعقيداً من معركة تحديد الأطراف التي ستجلس إلى طاولة السياسة للمشارَكة في رسم مستقبل السودان بعد انتهاء الحرب.

وشارك في المشاورات ممثلون لـ«تحالف قوى الثورة المدنية (صمود)»، بقيادة عبد الله حمدوك، وتحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، و«الكتلة الديمقراطية»، وحزب «الأمة» بقيادة مبارك الفاضل، وحزب «البعث العربي الاشتراكي»، و«حركة تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد محمد نور، إضافة إلى شخصيات مستقلة ومنظمات مجتمع مدني ومجموعات نسوية وشبابية. كما أجرى «الحزب الشيوعي السوداني» مشاورات منفصلة مع الآلية الخماسية بشأن تصميم العملية السياسية ومستقبل المرحلة الانتقالية في السودان.


مقالات ذات صلة

روبيو: الاتفاق مع إيران يتطلب جهداً شاقاً... وترمب يملك خيارات عسكرية

الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال ندوة صحافية بعد اجتماعه مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: الاتفاق مع إيران يتطلب جهداً شاقاً... وترمب يملك خيارات عسكرية

قال روبيو إن الاتفاق مع إيران يتطلب جهداً شاقاً، داعياً إلى وقف إنساني للنار في السودان، ومؤكداً رفض واشنطن توترات جديدة بالضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي (أرشيفية)

واشنطن تندد بغياب سلطة «شرعية» في السودان

انتقدت الولايات المتحدة، الثلاثاء، غياب سلطة «شرعية» في السودان، معتبرة أن القوتين العسكريتين المتنافستين لم تقدما التزامات جدية لإنهاء الحرب في البلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

البرهان: حان الوقت لوضع نهاية دائمة للحرب

قال رئيس مجلس السيادة، القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، إن «الوقت حان» لوضع حد للحرب الدائرة في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يلقي كلمة أمام الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك عام 2023 (رويترز) p-circle

تقرير: أميركا تمتنع عن منح تأشيرة للبرهان بسبب مقترح هدنة في السودان

‌طالب السفير السوداني لدى الأمم المتحدة في رسالة إلى المنظمة الدولية بالتدخل لأن الولايات المتحدة تمتنع عن منح تأشيرة دخول لقائد الجيش السوداني.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

اختار أكثر من خمسة ملايين نازح العودة إلى ديارهم في السودان، رغم الحرب الأهلية المستمرة والصعوبات القصوى، وفق ما كشفت الأمم المتحدة، الاثنين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

المغاربة يصوتون في انتخابات تحدد شكل الحكومة قبل كأس العالم

مركز اقتراع خلال الانتخابات التشريعية في الرباط (ا.ب)
مركز اقتراع خلال الانتخابات التشريعية في الرباط (ا.ب)
TT

المغاربة يصوتون في انتخابات تحدد شكل الحكومة قبل كأس العالم

مركز اقتراع خلال الانتخابات التشريعية في الرباط (ا.ب)
مركز اقتراع خلال الانتخابات التشريعية في الرباط (ا.ب)

أدلى الناخبون في المغرب بأصواتهم، الأربعاء، في انتخابات برلمانية ستحدد شكل الحكومة التي ستشرف على المراحل النهائية لخطة تبلغ قيمتها 20 مليار دولار استعدادا لاستضافة ​نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2030، وعلى مشروعات تهدف إلى توجيه المكاسب الاقتصادية نحو الشبان المحبطين في البلاد.

وذكرت وزارة الداخلية في بيان بعد إغلاق مراكز الاقتراع، في الساعة السابعة مساء بالتوقيت المحلي، أن نسبة المشاركة بلغت 38.02 بالمئة، مشيرة إلى أن «عملية الاقتراع جرت في ظروف عادية على صعيد كافة جهات المملكة». وعادة ما تُعلن النتائج الأولية في اليوم التالي للانتخابات.

امرأة تدلي بصوتها في مركز اقتراع بالرباط (ا.ب)

ومن غير المتوقع أن تحدث الانتخابات تغييرا جوهريا في ميزان القوى بالمغرب، حيث يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.

لكن مجلس النواب المقبل سيكون مكلفا بتنفيذ مبادرات تركز بصورة متزايدة على التعامل مع استياء الشبان، وهو ما تجلى في محاولة عبور جماعية للحدود نحو جيب سبت وفي احتجاجات قادها جيل زد وأسفرت عن سقوط قتلى العام الماضي.

وتتألف الحكومة ‌الحالية من ثلاثة ‌أحزاب، من بينها حزبان أسسهما مقربون من القصر الملكي، وأطاحت هذه الأحزاب بحزب ​إسلامي ‌معتدل ⁠كان وصل إلى ​السلطة ⁠قبلها بعشر سنوات عقب احتجاجات الربيع العربي عام 2011.

وأدت تلك الاحتجاجات إلى منح البرلمان المنتخب مزيدا من الصلاحيات، قبل أن يعيد الملك لاحقا بسط سيطرته على مجالات مثل الشؤون الخارجية ووزارة الداخلية.

وبموجب دستور أُقر عام 2011، يعين الملك رئيس الوزراء من الحزب الذي يفوز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان البالغ عددها 395 مقعدا.

ويتوجب على رئيس الوزراء بعد ذلك إجراء مشاورات لتشكيل ائتلاف حكومي قبل تقديم قائمة بأسماء الوزراء للحصول على موافقة الملك.

ويبلغ عدد المغاربة في سن التصويت نحو 27 مليونا، لكن المسجلين في القوائم الانتخابية لا يتجاوزون 15.8 مليون، بانخفاض يقارب 12 بالمئة مقارنة بانتخابات عام 2021.

رجل يدلي بصوته في مركز اقتراع في العاصمة المغربية الرباط (إ.ب.أ)

وقالت نعيمة مصباحي (46 عاما) التي ذهبت للإدلاء بصوتها في مركز اقتراع ⁠داخل مدرسة في حي شعبي بوسط الرباط «دائما أتوجه إلى مكاتب التصويت أملا في التغيير ‌وغد أفضل لنا ولأولادنا.. ما نريده بالفعل على وجه الاستعجال هو إصلاح الصحة ‌والتعليم».

وفي حي أكدال الراقي بالرباط، قالت لمياء حسني (27 عاما) لرويترز «صحيح الحكومة المقبلة ​ستكون أمام تحديات كبيرة، على رأسها إصلاح الصحة والتعليم، وخفض ‌الأسعار، لكن المشاركة في عملية التصويت مهمة حتى لا نترك الباب مفتوحا أمام المتلاعبين بالأصوات».

ولدى آخرين شعور كبير بالإحباط، ‌لكنهم يأملون في تحسن الأحوال ولو بالقدر القليل.

وقال توفيق، وهو رجل في مقتبل العمر طلب عدم نشر اسمه بالكامل، لدى خروجه من مركز للاقتراع «ليست لي القناعة بأن الحكومة المقبلة قد تغير شيئا بالفعل في واقع المغاربة، لأن هنالك عوامل أخرى خارجية وداخلية تتحكم في مصائر الشعوب».

وأضاف وهو يفرك يديه للتخلص من أثر حبر التصويت «لكن أتمنى أن تحسن الحكومة المقبلة من ظروف عيش المغاربة ولو قليلا».

* خطط الإنفاق

تعهد ‌كل من الحزبين الأكبر في البرلمان الحالي، وهما حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، بتوفير حوالي مليون فرصة عمل خلال الولاية التشريعية المقبلة التي تمتد خمس سنوات، وقدما وعودا ⁠بتحسين الإسكان والأجور والمستشفيات.

ويحكم ⁠الحزبان معا في إطار ائتلاف، لكنهما تبادلا الاتهامات خلال الحملة الانتخابية بشأن الإخفاق في كبح ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغيرها من أوجه القصور في السياسات.

وبسبب هذه الخلافات، استبعد قادة حزب الأصالة والمعاصرة الانضمام إلى ائتلاف آخر مع التجمع الوطني للأحرار في حال تصدر نتائج الانتخابات.

أما رئيس الوزراء عزيز أخنوش، رجل الأعمال الملياردير الذي يقود الحكومة منذ عام 2021، فلن يترشح مرة أخرى وذلك بعد تنحيه عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار هذا العام.

وانضم فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم (الاتحاد المغربي لكرة القدم) والوزير المنتدب لدى وزارة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، قبل أسابيع من الانتخابات إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة. ويترأس لقجع اللجنة المنظمة لنهائيات كأس العالم لكرة القدم 2030.

ويضخ المغرب استثمارات ضخمة في الملاعب والسكك الحديدية وغيرها من البنى التحتية قبل كأس العالم، التي سيستضيفها بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال، ويهدف إلى مضاعفة نصيب الفرد من الناتج الاقتصادي بحلول عام 2035.

وقدر صندوق النقد الدولي الإنفاق المزمع بنحو 190 مليار درهم، أو حوالي 20 مليار دولار، وهو ما يمثل قرابة 12 بالمئة من الناتج المحلي ​الإجمالي للمغرب في عام 2024.

ومن بين الأحزاب الأخرى ​المتنافسة حزب الاستقلال ذو التوجه القومي المحافظ وهو شريك في الائتلاف الحاكم، وحزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي تعرض لهزيمة ساحقة في الانتخابات السابقة، بالإضافة إلى عدد من الأحزاب اليسارية.


الانتخابات أولاً أم الدستور؟... فصل جديد للأزمة السياسية في ليبيا

الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)
TT

الانتخابات أولاً أم الدستور؟... فصل جديد للأزمة السياسية في ليبيا

الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)

اتسعت مساحة التباين داخل المشهد السياسي في غرب ليبيا بشأن الطريق إلى الانتخابات المؤجلة، بعدما أبدى رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة دعماً لمسار لجنة الحوار المصغر «4+4»، في وقت جدد فيه رئيس «المجلس الأعلى للدولة » محمد تكالة تمسكه بالمسار الدستوري والاستفتاء على مشروع الدستور المُنجَز عام 2017.

ويعكس الموقفان، بحسب مراقبين، خلافاً يتجاوز التفاصيل الإجرائية للانتخابات، إلى سؤال أوسع يتعلق بالترتيب الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة: هل يكون البدء بتوفير الإطار السياسي والقانوني لإجراء الانتخابات، كما يقترح اتفاق «4+4»؟ أم بإتمام الاستحقاق الدستوري عبر طرح مشروع الدستور على الليبيين للاستفتاء قبل الانتقال إلى مؤسسات دائمة؟

رئيس «المجلس الأعلى للدولة» محمد تكالة مجتمعاً مع رئيس هيئة صياغة الدستور (المجلس الأعلى للدولة)

وخلال لقاء عقده، مساء الثلاثاء، مع شخصيات سياسية واجتماعية فاعلة من مدينة مصراتة، أعطى الدبيبة إشارة ضمنية على موافقته على اتفاق «4+4» بين الطرفين الحاكمين في شرق وغرب ليبيا، عاداً إياه «يتوافق مع رؤية حكومته للذهاب إلى الانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية، والعبور إلى مرحلة سياسية مستقرة ودائمة»، وفق بيان صادر عن مكتبه.

وذهب إلى القول إن «الرؤية واضحة بأن يكون القرار للشعب الليبي عبر انتخابات تنهي حالة الانقسام وتمنح المؤسسات شرعيتها الحقيقية من إرادة المواطنين»، مشدداً على رفض ترتيبات من شأنها إعادة إنتاج المراحل والأجسام السياسية القائمة.

ويأتي موقف الدبيبة بعد توقيع لجنة «4+4» اتفاقها في 30 أغسطس (آب) بمقر بعثة الأمم المتحدة في طرابلس، بحضور ممثلين عن مجلسي النواب والدولة والمجلس الرئاسي وسفراء، وبرعاية المبعوثة الأممية هانا تيتيه.

وينص الاتفاق على معالجة القضايا العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، ووضع إطار زمني لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، مع حسم مسألة ترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين.

وسبق أن رحب «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر بالاتفاق الذي حظي برعاية من مسعد بولس، كبير مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية الذي يقود تحركاً يركز على توحيد المؤسسات ودفع المسار الانتخابي، في وقت تسعى فيه الأمم المتحدة إلى توسيع قاعدة الدعم للاتفاق والتواصل مع الأطراف السياسية الأخرى.

وفي المقابل، أعاد تكالة ملف الدستور إلى واجهة المشهد السياسي خلال اجتماعه، مساء الثلاثاء، في طرابلس مع رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور مراجع نوح، مؤكداً حرص المجلس على التواصل مع الهيئة باعتبارها الجهة المنتخبة والمختصة بصياغة الدستور.

وشدد تكالة على أهمية استكمال الاستحقاقات الدستورية وتمكين الليبيين من ممارسة حقهم في اختيار نظامهم الدستوري عبر استفتاء حرٍ ونزيه، فيما بحث الاجتماع سبل تجاوز الانسداد السياسي والوصول إلى قاعدة دستورية متفق عليها تمهد لإجراء الانتخابات الوطنية.

وانتخبت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور عام 2014، وأنجزت مشروع الدستور في يوليو (تموز) 2017، لكنه لم يُطرح للاستفتاء حتى الآن، ليبقى الخلاف قائماً حول أولوية الاستفتاء عليه أو اعتماد قاعدة دستورية مؤقتة تمهّد للانتخابات.

ويعيد موقف تكالة التذكير بخلاف سابق حول اتفاق «4+4»، حين رفض المسار باعتباره لا يستند، من وجهة نظره، إلى الإطار المؤسسي الكافي، ودعا إلى التمسك بالمسار الدستوري والقانوني والتنسيق مع مجلس النواب.

ويكشف تباين مواقف الدبيبة وتكالة عن خلاف أوسع داخل المؤسسات السياسية في طرابلس بشأن كيفية تحويل التفاهمات السياسية إلى مسار انتخابي قابل للتنفيذ؛ إذ يتفق الطرفان في المبدأ على إنهاء المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات، لكنهما يختلفان حول الإطار السياسي والقانوني الذي ينبغي أن يقود إليها.


«الرباعي» يدعم «مؤسسات الدولة» والخرطوم ترفض موقف واشنطن

وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»
وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»
TT

«الرباعي» يدعم «مؤسسات الدولة» والخرطوم ترفض موقف واشنطن

وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»
وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»

دخلت التحركات الدولية لوقف الحرب في السودان مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والدبلوماسي، مع تمسك السعودية ومصر وتركيا وباكستان، بدعم «مؤسسات الدولة الوطنية الشرعية» ورفض الكيانات الموازية، ورفض الخرطوم الموقف الأميركي من شرعية طرفي الحرب، وسط قلق أممي من تواصل أزمة تأشيرة رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وتصاعد الخلاف بين واشنطن وقيادة الجيش حول هدنة إنسانية مقترحة لمدة 90 يوماً.

وأكد وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماع تشاوري على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، دعمهم «الثابت» لسيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، وشددوا على أهمية الحفاظ على «مؤسسات الدولة الوطنية الشرعية»، ورفض أي كيانات موازية من شأنها تقويض سيادة البلاد ووحدتها. كما طالب الوزراء بوقف التدفق غير المشروع للأسلحة والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى السودان، في وقت تتزايد فيه التحركات الدولية والإقليمية لإيجاد صيغة توقف الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

الخرطوم ترفض

وأعلنت الخارجية السودانية، الأربعاء، رفضها للموقف الأميركي الأخير من طرفي الحرب، وقالت إن أي مبادرة للسلام ينبغي أن تنطلق من احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه و«مؤسساته الوطنية الشرعية»، وأن تعالج التدخلات الخارجية ومصادر دعم «قوات الدعم السريع».

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال استقباله نظيره السوداني محيي الدين سالم أحمد إبراهيم في الرياض (واس)

ورفضت الخارجية مساواة الجيش بـ«الدعم السريع»، أو أن تفضي أي عملية تفاوضية إلى إضفاء الشرعية على واقع فرضته الحرب، مؤكدة في الوقت نفسه استعداد الخرطوم للتعامل مع الولايات المتحدة وشركاء إقليميين ودوليين من أجل تحقيق السلام.

وعدد البيان، إلى جانب الولايات المتحدة، السعودية ومصر وقطر وروسيا والصين وتركيا وباكستان، فضلاً عن الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي و«إيغاد» ومنظمة التعاون الإسلامي والمجموعة الأفريقية في مجلس الأمن، ضمن الجهات التي قالت الخرطوم إنها مستعدة للتعاون معها.

قلق غوتيريش

وفي موازاة ذلك، تصاعدت أزمة عدم حصول البرهان على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، بعدما نقل السودان الخلاف إلى الأمم المتحدة.

وكان مندوب السودان لدى المنظمة الدولية الحارث إدريس قد وجه رسالة، في 21 سبتمبر (أيلول)، إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش، طالبه فيها بـ«التدخل الفوري» لدى السلطات الأميركية لضمان إصدار التأشيرات للبرهان ووفده. وحذر إدريس من أن استمرار الوضع سيمنع رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة من المشاركة شخصياً في أعمال الجمعية العامة.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قلق بسبب رفض واشنطن منح تأشيرة للبرهان (أ.ب)

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن غوتيريش يشعر بـ«قلق بالغ» من عدم إصدار التأشيرة، وإن الأمانة العامة أثارت القضية على الفور مع السلطات الأميركية وتواصل اتصالاتها معها. وأفادت «رويترز» بأن البرهان أرجأ سفره إلى نيويورك، لكنه لم يتلق إخطاراً رسمياً برفض التأشيرة، فيما قال مصدر سوداني آخر للوكالة إن وزير الخارجية محيي الدين سالم سيلقي كلمة السودان أمام الجمعية العامة بدلاً منه.

هدنة الـ90 يوماً

وتتداخل أزمة التأشيرة مع خلاف أوسع بشأن مقترح أميركي لهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً. ونقلت «رويترز» عن مصدر دبلوماسي سوداني ومحلل غربي مطلع على الاتصالات بين الجانبين أن إصدار التأشيرة يبدو مرتبطاً بموافقة البرهان على مقترح هدنة من 90 يوماً قدمه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية. ولم تعلن الخارجية الأميركية رسمياً أن إصدار التأشيرة مشروط بقبول الهدنة. وقال مصدر سوداني رفيع للوكالة إن البرهان يرفض التعامل مع المقترح بمنطق «اقبل أو ارفض»، ويرى أن أي مبادرة ينبغي أن تكون قابلة للنقاش والتعديل.

وكان إدريس قد قال إن البرهان أبلغ بولس، في يوليو (تموز)، استعداده للتفاوض وإعلان هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، لكنه ربطها بانسحاب «قوات الدعم السريع» من المناطق التي تسيطر عليها، ووضع آليات لمراقبة التنفيذ وضمان إيصال المساعدات. كما قال البرهان في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي»، الاثنين، إنه يرفض ما وصفه بالتوجيهات الخارجية بشأن الحرب، معتبراً أن اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة أتاحت لـ«الدعم السريع» وداعميه فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم.

واشنطن تصعّد

في المقابل، صعّدت واشنطن لهجتها تجاه طرفي الحرب. وقالت الخارجية الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب ملتزم بإنهاء ما وصفته بـ«أسوأ أزمة إنسانية في العالم»، متهمة الجيش و«الدعم السريع» بعدم إبداء التزام جدي بهدنة فورية، وبتكثيف العمليات القتالية وهجمات المسيّرات التي أوقعت ضحايا مدنيين.

مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (أ.ف.ب)

وقالت واشنطن إنها طلبت مراراً من الطرفين قبول هدنة إنسانية «بالصيغة المطروحة ومن دون شروط مسبقة»، والانخراط في حوار سياسي شامل يقود إلى الانتقال نحو حكومة مدنية.

وحذرت في الوقت نفسه من أنها ستسعى إلى «رفع تكلفة استمرار النزاع» على الأطراف المتحاربة والشبكات التي تغذي الحرب. وكرر بولس الموقف في نيويورك، قائلاً إن الشعب السوداني يستحق هدنة إنسانية تيسر «حواراً سودانياً - سودانياً»، وداعياً إلى توسيع حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.

سابقة البشير

وتعيد أزمة التأشيرة إلى الواجهة التزامات الولايات المتحدة بصفتها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، كما تستدعي سابقة سودانية تعود إلى سبتمبر 2013، عندما تقدم الرئيس السابق عمر البشير بطلب تأشيرة للسفر إلى نيويورك وسط جدل بسبب مذكرتي التوقيف الصادرتين بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية. وأعلن البشير آنذاك تمسكه بالسفر، لكن الزيارة لم تتم، وألقى وزير الخارجية في ذلك الوقت علي كرتي كلمة السودان أمام الجمعية العامة.

طبعت تقلبات علاقة البشير بالترابي مرحلة فارقة في تاريخ السودان (أ.ف.ب)

وبعد 13 عاماً، يتكرر جانب من المشهد مع البرهان، مع اتجاه محيي الدين سالم، وفق «رويترز»، لإلقاء كلمة السودان بدلاً منه، وإن اختلفت الظروف والأسباب المحيطة بالأزمتين.