السودان: الأسر البديلة... حلّ فرضته الحرب لأزمة الأطفال فاقدي السند

وزير: إعادة إنشاء مؤسسات الإيواء حالياً «انتحار وفشل»

آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)
آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)
TT

السودان: الأسر البديلة... حلّ فرضته الحرب لأزمة الأطفال فاقدي السند

آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)
آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)

مع انهيار الخدمات الأساسية بفعل الحرب في السودان، أصبحت المؤسسات التي كانت تؤوي مئات الأطفال فاقدي السند عاجزة عن أداء دورها، فيما أخذت الوفيات تزداد بين هذه الفئة الأشد هشاشة.

وأمام هذا الواقع القاتم، اضطرت حكومة ولاية الخرطوم إلى التخلي عن نموذج الرعاية المؤسسية الذي ظل معمولاً به لسنوات، والتوجه نحو الكفالة الأسرية، بوصفها الخيار الأكثر أماناً واستدامة.

وفرض إغلاق دور الرعاية اختباراً عملياً لنظام الأسر البديلة، وأعاد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل يستطيع السودان بناء منظومة حماية اجتماعية تجعل الأسرة، لا المؤسسة، الملاذ الأول للأطفال فاقدي الرعاية، مع ضمان الرقابة وصون حقوقهم؟

«أوضاع مأساوية»

وتحدّث وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، عن تفاقم معاناة الأطفال فاقدي السند والرعاية الوالدية جرّاء الحرب، وما أفرزته من أوضاع مأساوية داخل دور الرعاية، في ظل توقّف المستشفيات، وانقطاع الكهرباء، وشحّ الوقود، وتراجع التمويل، وانتشار التهاب السحايا.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كانت الولاية تفقد في بعض الفترات نحو 14 طفلاً يومياً، قبل أن يبلغ إجمالي الوفيات 69 طفلاً، ما دفع السلطات إلى إجلاء 301 طفل إلى ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، وتوفي أحدهم أثناء الرحلة، ثم جرى دمج عدد منهم في أسر كافلة بولايتي الجزيرة وسنار، ونُقل نحو 253 طفلاً إلى ولاية كسلا. ولم يتبقَّ حالياً سوى 26 طفلاً بعد نجاح برنامج الكفالة الأسرية».

وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم صديق فريني (الشرق الأوسط)

واستطرد: «تراجع الرقابة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وضعف قدرة الأسر على الرعاية، وانتشار المخدرات، كلها أسهمت في زيادة أعداد الأطفال فاقدي الرعاية»، لافتاً إلى أن دور الإيواء التي كانت تستقبل أطفالاً من مختلف الولايات دُمّرت، ما دفع الحكومة، بالتنسيق مع المنظمات الدولية، إلى اعتماد الكفالة الأسرية بديلاً للرعاية المؤسسية.

وأضاف أن الحكومة كانت تُخصص نحو 80 في المائة من ميزانية الولاية لرعاية هؤلاء الأطفال، مشيراً إلى أن كثيراً منهم كان يُعثر عليهم في مكبات النفايات، أو أماكن مهجورة، وبعضهم تعرّض لهجمات من الحيوانات، ما استدعى رعاية طبية ونفسية مكثفة.

وأكد أن إعادة إنشاء مؤسسات الإيواء في الظروف الحالية تُمثل «انتحاراً وفشلاً جماعياً»، منوِّها بأن تجربة الكفالة الأسرية في الجزيرة وكسلا «أثبتت نجاحها في توفير بيئة أسرية مستقرة تضمن للأطفال التعليم والصحة والتنشئة السليمة».

آثار الحرب واضحة على إحدى دور الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)

وكشف عن خطة لتخصيص عنابر بالمستشفيات لاستقبال الأطفال الذين يُعثر عليهم، قبل إلحاقهم بأسر كافلة، بمشاركة أمهات بديلات وباحثين اجتماعيين لمتابعة أوضاعهم.

وأشار إلى استمرار تسجيل ما بين 6 و7 حالات تخلٍّ عن أطفال أسبوعياً، مؤكداً مواصلة التنسيق مع الشركاء الدوليين، والاستفادة من توصيات «اليونيسف» لتطوير سياسات الحماية، وقال: «التحدي الأكبر يتمثل في محدودية الإمكانات، لا غياب الإرادة».

مبادرة «طيور الجنة»

ويقول علي جباي، المتطوع بوزارة الرعاية الاجتماعية ومستشفى النو، وصاحب مبادرة «طيور الجنة» لرعاية الأطفال فاقدي الرعاية الأبوية، إن الدولة بدأت منذ عام 2004 في التحول من نظام الإيواء المؤقت داخل دور الرعاية إلى نظام الأسر البديلة، موضحاً أن دور الرعاية كانت تستقبل الأطفال لفترة محدودة قبل نقلهم إلى أسر بديلة بعد استكمال الإجراءات اللازمة.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب أدت إلى توقف عمل دار رعاية الأطفال فاقدي الرعاية الأبوية، الأمر الذي سرّع إجراءات إلحاق الأطفال بالأسر البديلة.

جثمان طفل حديث الولاية عثر عليه في حي الثورة بأم درمان بعد وفاته في الحضَّانة (مبادرة «طيور الجنة»)

وقال: «في السابق كان الطفل يمكث في الدار نحو شهرين، أما الآن فينتقل إلى أسرة دائمة خلال أسبوع تقريباً، بعد استكمال الدراسات الاجتماعية والتحقق من أهلية الأسرة»؛ مؤكداً أن الهدف الأساسي هو دمج الطفل في بيئة أسرية مستقرة بأسرع وقت ممكن، حتى ينشأ في ظروف أقرب إلى الطبيعية.

وأوضح أن مبادرة «طيور الجنة» تعمل على توفير الاحتياجات الأساسية للأطفال، بما في ذلك الحليب والملابس والحفاضات والعلاج، إلى جانب ترشيح الأسر الراغبة في الكفالة، وتوفير أمهات متطوعات لرعاية الأطفال ومرافقتهم إلى حين اكتمال إجراءات التسليم للأسر البديلة.

اختبار للمجتمع والدولة

وتسرد الباحثة الاجتماعية رندا حسن المزايا وكذلك الشروط الواجب توافرها في نظام الأسر البديلة، فتقول إنه يمكن أن يوفر بيئة أكثر استقراراً للأطفال فاقدي الرعاية الأبوية، مشيرة إلى أن بعض الأسر تتقدم للكفالة بدافع الحرمان من الإنجاب، ورغبتها في احتضان طفل.

وأكدت أن نجاح التجربة يعتمد على إخضاع الأسر الراغبة في الكفالة لتقييم دقيق يضمن قدرتها على تربية الطفل في بيئة آمنة وسليمة، وتوفير حقوقه الأساسية، وفي مقدمتها الرعاية والتعليم والاستقرار النفسي.

وشددت على أن دور الجهات المختصة ينبغي ألا ينتهي بمجرد تسليم الطفل للأسرة، بل يجب أن يستمر عبر الزيارات الدورية والمفاجئة للتأكد من أن الطفل يعيش في بيئة مناسبة، وأن حقوقه مصونة.

طفل عُثر عليه في حي الشهداء بمدينة أم درمان (مبادرة «طيور الجنة»)

وأضافت أن من المهم أيضاً إجراء مقابلات مع الطفل بعيداً عن الأسرة الكافلة، لإتاحة الفرصة له للتعبير بحرية عن شعوره ومدى ارتياحه، موضحة أن الباحثين الاجتماعيين يستطيعون من خلال هذه اللقاءات رصد أي مؤشرات تدل على تعرض الطفل لسوء المعاملة أو الإهمال.

ولفتت إلى أن بعض الأسر قد تبدو مستوفية الشروط خلال مرحلة التقييم، لكنها قد تستغل الأطفال أو لا توفر لهم الرعاية المطلوبة، وهو ما يجعل المتابعة الميدانية المستمرة أداة أساسية للتحقق من مصداقية الأسرة، واتخاذ قرار بنقل الطفل إلى أسرة بديلة أخرى إذا ثبت أن مصلحته تقتضي ذلك.

ورغم نجاح التجربة فإن الأزمة لم تنتهِ؛ فلا تزال الحرب تُفرز أسبوعاً بعد آخر أطفالاً يُعثر عليهم في مكبات النفايات والأماكن المهجورة، في مشهد يعكس الانهيار العميق الذي أصاب مؤسسات الحماية الاجتماعية.

وبين محدودية الموارد واتساع الاحتياجات، يبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة وشركائها هو الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى بناء منظومة مستدامة تكفل لكل طفل حقه في الحماية والانتماء والحياة الكريمة؛ فمصير هؤلاء الأطفال لن يُحدد مستقبلهم وحدهم، بل سيكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المجتمع والدولة على حماية الفئات الأكثر ضعفاً، وسط واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخ السودان الحديث.


مقالات ذات صلة

تحذيران أمميان من انفجار الأزمة الإنسانية في السودان

شمال افريقيا سودانية خُطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه (أرشيفية - أ.ب)

تحذيران أمميان من انفجار الأزمة الإنسانية في السودان

أطلقت منظمتان أمميتان، تحذيرات متزامنة من أن يؤدي النقص الحاد في التمويل إلى تقليص المساعدات الغذائية، وانهيار نظام لإيصال مواد الإغاثة خلال أسابيع بالسودان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا ازدحام عند محطة وقود في مدينة بورتسودان مع ارتفاع أسعار البنزين بشكل كبير يوم الأحد الماضي (أ.ف.ب)

ماذا وراء توافد المبعوثين الدوليين على السودان؟

شهدت العاصمة السودانية الخرطوم حراكاً دبلوماسياً لافتاً خلال الفترة من 6 إلى 12 من الشهر، أثار تساؤلات بشأن دلالات توقيته وأهميته.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يستقبل المبعوث الأممي للسودان الاثنين (الخارجية المصرية)

تنسيق مصري - أممي لدعم جهود إنهاء الصراع في السودان

أكدت مصر مجدداً دعمها الثابت لوحدة السودان وسيادة وسلامة أراضيه، خلال اجتماع وزير الخارجية بدر عبد العاطي، مع مبعوث السكرتير العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)

معارك عنيفة في النيل الأزرق... وتحركات دبلوماسية لإنهاء الحرب

تصاعدت العمليات العسكرية في النيل الأزرق، متزامنة مع حراك دبلوماسي وسياسي تضمن لقاءات بين الحكومة وقوى مدنية سياسية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا البرهان لدى مخاطبته مجموعة من الإعلاميين في مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يدعو واشنطن للتحقيق بمزاعم «الكيماوي»

دعا قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الولايات المتحدة إلى إرسال فريق للتحقيق في أي مزاعم باستخدام الجيش للسلاح الكيماوي في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)

قمة مصرية - فلسطينية في القاهرة غداً

السيسي وعباس على هامش الاحتفالات بـ«يوم النصر» في العاصمة الروسية خلال مايو 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي وعباس على هامش الاحتفالات بـ«يوم النصر» في العاصمة الروسية خلال مايو 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

قمة مصرية - فلسطينية في القاهرة غداً

السيسي وعباس على هامش الاحتفالات بـ«يوم النصر» في العاصمة الروسية خلال مايو 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي وعباس على هامش الاحتفالات بـ«يوم النصر» في العاصمة الروسية خلال مايو 2025 (الرئاسة المصرية)

تتجه الأنظار إلى قمة جديدة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الفلسطيني محمود عباس، الأربعاء، بشأن ملفات القضية الفلسطينية، في ظل تعثر يواجه اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي دخل حيز التنفيذ منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن القمة تأتي ضمن مسار محاولة لبحث مستقبل قطاع غزة واتفاق وقف إطلاق النار بعد انتخابات إسرائيل المقبلة في أكتوبر المقبل، متوقعين أن تتحرك مصر مع رام الله في إنجاز ملف المصالحة وتهيئة الأمور لتحقيق دفعة للاتفاق بعد الانتخابات.

وبحسب وكالة «الأنباء الفلسطينية» الرسمية، وصل عباس، مساء الثلاثاء، للقاهرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، مساء الثلاثاء، أن السيسي، سيستقبل عباس، الأربعاء، في إطار «التشاور القائم مع مصر إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث من المقرر أن يعقد الرئيسان مباحثات حول العلاقات الثنائية ومستجدات القضايا الإقليمية والدولية».

وأشار القائم بأعمال سفارة فلسطين لدى مصر، السفير ناجي الناجي، أن على جدول أعمال القمة «سبل إنجاح الجهود الحثيثة التي تبذلها مصر والشركاء الآخرون لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني وإغاثته، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب المستمرة على الشعب الفلسطيني، وحشد الجهود كافة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين، وتجسيد دولة فلسطين المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية».

ويعتقد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن زيارة الرئيس الفلسطيني للقاهرة تحمل أهمية بشأن مستقبل القضية الفلسطينية وما يمكن التوصل له الآن في إطار الجهود المصرية المستمرة والمتواصلة لتوحيد الصف الوطني الفلسطيني ومناقشة مجمل التطورات في الأراضي المحتلة.

وتهدف المحادثات، بحسب هريدي، إلى الاستماع لرؤية رئيس السلطة الفلسطينية حول كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة، وإعداد الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات والمستجدات عقب الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية المرتقبة في أكتوبر المقبل، والتوصل إلى توافق في الرؤى بشأن كيفية إدارة قطاع غزة، وتحديد دور السلطة الوطنية الفلسطينية واللجنة الوطنية المكلفة بإدارة القطاع.

شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (رويترز)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني أيمن الرقب أن القمة، التي تأتي قبيل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مهمة في إطار بحث مستقبل القضية الفلسطينية، سواء على مستوى ملف المصالحة، والانتخابات، والترتيبات المتعلقة باتفاق غزة.

ويخيم الجمود على مسار الاتفاق، لكن القمة تأتي بعد إشادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بجهود مبعوثيه الخاصين؛ ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن في غزة العام الماضي،

وردّاً على أسئلة الصحافيين على متن طائرة الرئاسة، قال ترمب: «انظروا إلى غزة، على سبيل المثال، انظروا إلى حقيقة أننا استعدنا جميع الرهائن... لا يوجد قتال كبير في غزة الآن... وحركة (حماس) مستعدة للتخلي عن أسلحتها».

ورغم تلك الإشادة الدبلوماسية من ترمب، يتوقع هريدي أن تشهد جهود التهدئة واتفاق غزة حالة من التجمد السياسي والتعثر جراء الموقف الإسرائيلي، حيث يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى منع أي تحرك إيجابي لتنفيذ الخطة على الأرض، مقتصراً على خطوات حدّها الأدنى مراعاةً لعدم إغضاب ترمب.

ورجّح هريدي أن يستمر الجمود الحقيقي في ملف غزة والترتيبات الأمنية والسياسية إلى حين الانتهاء من انتخابات الكنيست الإسرائيلية وتشكيل الحكومة الجديدة.

جانب من محادثات السيسي وعباس على هامش الاحتفالات بـ«يوم النصر» بالعاصمة الروسية في مايو 2025 (الرئاسة المصرية)

ويرى الرقب أن جمود مسار التهدئة نتيجة تهرب الاحتلال الإسرائيلي من التزاماته، رغم تجاوب «حماس» الواضح مع اتفاق غزة، والدليل إشادة ترمب، مؤكداً أن الكرة باتت في ملعب الإدارة الأميركية، مشيراً إلى أنه باتت هناك قناعة بأن واشنطن ترجئ ضغوطها للوصول إلى حلول جادة انتظاراً لما ستسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية.

وبالتالي، سيكون لقاء السيسي وعباس، بحسب الرقب، محاولة للتفكير في مستقبل ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر المقبل، وما تتلوه من مشاورات لتشكيل الحكومة.


غلاء المعيشة يثقل كاهل الليبيين في ظل تصاعد الدولار

وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)
وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)
TT

غلاء المعيشة يثقل كاهل الليبيين في ظل تصاعد الدولار

وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)
وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)

شكت سيدة ليبية - رمزت لنفسها باسم «فاطمة» - من صعوبات المعيشة، في ظل تخوفها من ارتفاع سعر صرف الدولار، الذي يقارب تخطي حاجز الـ10 دنانير. وقالت هذه السيدة، وهي أرملة وأم لأربعة أبناء، لـ«الشرق الأوسط»، متحفظة على ذكر اسمها، إنها قلّصت استهلاكها من المواد الغذائية بدرجة كبيرة، وباتت تضطر للاقتراض مجدداً لشراء متطلبات باقي الشهر.

حال فاطمة يعكسه مواطنون آخرون، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، من بينهم «سامي» الذي قال إنه يعمل في وظيفتين، حكومية وخاصة، ليغطي نفقاته، مشيراً إلى أنه «لا خيار أمامنا سوى التكيف والاستغناء عن سلع كانت تُعد أساسية».

وأوضح سامي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن كل رب أسرة «بات مجبراً على إجراء حساب شهري معقد للتعايش مع راتب ثابت، مقابل فاتورة معيشية تتضخم، وسط مخاوف من أي طارئ، كعطل جهاز منزلي أو السيارة، في ظل غياب شبكة مواصلات عامة، وحينها قد تلتهم تكلفة الإصلاح ربما نصف ميزانية الشهر».

تواجه ليبيا تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة بسبب قفزة واسعة في سعر الدولار وموجات غلاء (أ.ف.ب)

ورغم تمتع البلاد بثروة نفطية كبيرة، تعد عوائدها المصدر الرئيسي للدخل، لكن ليبيا باتت تعاني مؤخراً من عدد من الأزمات الاقتصادية، أبرزها تراجع الدينار وتصاعد السوق الموازية، حيث يُباع الدولار بنحو 9.5 دينار مقابل سعر رسمي يبلغ 6.33 دينار.

ورصد رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، «زيادة في أسعار السلع الأساسية بين 10 في المائة و15 في المائة، تزامناً مع تصاعد الدولار تدريجياً من 8 دنانير الشهر الماضي إلى سعره الراهن، لاعتماد السوق على الاستيراد».

وقال بوزعكوك لـ«الشرق الأوسط» إن الزيادات «شملت اللحوم والأرز والزيت والبيض والمياه المعدنية، وغيرها من السلع، مما يثقل كاهل أرباب الأسر، خاصة من العاملين بالقطاع الحكومي الذي يضم أكثر من مليوني مواطن، أغلبهم في درجات وظيفية تتراوح رواتبها بين 1000 و2500 دينار شهرياً»، لافتاً إلى «تزايد أعباء هؤلاء المعيشية بسبب تكبدهم شراء مستلزمات العام الدراسي الجديد، التي قفزت أسعارها تأثراً بالدولار أيضاً».

ويرى بوزعكوك أن «حصر الاستيراد في السلع الضرورية سيسهم في محاربة الاعتمادات الوهمية، حيث يحصل بعض التجار على الدولار بسعر منخفض دون استيراد بضاعة فعلية، بل يبيعونه في السوق السوداء». معتقداً أن «توسع الحكومتين المتنازعتين في الإنفاق، وخاصة بمشاريع الإعمار بعقود ضخمة، وتصاعد مستويات الفساد، وضعف الرقابة والملاحقة القانونية جراء الانقسام، يُضعف أثر أي إجراء رسمي».

وحذر بو زعكوك من أن استمرار «ارتفاع الدولار في ظل توجيه الأسر 70 في المائة من ميزانيتها للطعام والدواء، سيصيب أسواق الملابس والأجهزة بالركود الحاد»، وأشار إلى «ظواهر غير معتادة أفرزها الغلاء، كطلب بعض الأسر المساعدة للعلاج عبر منصات التواصل».

زيادات الأسعار شملت اللحوم والأرز والزيت والبيض والمياه المعدنية ما أثقل كاهل أرباب الأسر (أ.ف.ب)

ووفقاً لأحدث بيان لمصرف ليبيا المركزي، يغطي الفترة من بداية العام الحالي وحتى نهاية أغسطس (آب) الماضي، سجلت الميزانية فائضاً ظاهرياً بالعملة المحلية، بإيرادات بلغت 98.9 مليار دينار مقابل إنفاق قدره 68.6 مليار دينار، التهم باب الرواتب الحصة الكبرى منه بنحو 47 مليار دينار.

بدوره، أرجع أستاذ الاقتصاد بجامعة درنة، صقر الجيباني، «تخوف الشارع من وصول الدولار بالسوق الموازية لحاجز العشرة دنانير إلى تداعياته على أسعار السلع الأساسية، خاصة أن استمرار التضخم أنهك مداخيل الشريحة الأوسع من السكان».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شكك الجيباني في البيانات الرسمية لنسب التضخم وذلك «لعدم مطابقتها للأسعار المرصودة في الأسواق»، معبراً عن تفهمه لتساؤلات كثير من الليبيين حول عدم انعكاس الطفرة النفطية عالمياً على حياتهم، واصفاً الأمر بـ«المفارقة الكبرى».

وفسر الأمر في إطار ما ترصده التقارير الرقابية عن استنزاف ملف المحروقات المدعومة، وتهريبها لنسبة كبيرة من العوائد النفطية بالعملة الأجنبية، كما لفت إلى شكاوى المصرف المركزي من عدم تحويل كامل الإيرادات النفطية إليه، ما يحد من قدرته على الدفاع عن الدينار.

ويرى أستاذ الاقتصاد أن الحل يكمن في «إنهاء الانقسام وإيجاد حكومة موحدة بميزانية موحدة، تخضع للرقابة، وهو ما قد يُنهي السوق الموازية تدريجياً».

وحذّر من «التداعيات الاجتماعية للتضخم من جراء استمرار تصاعد سعر الدولار»، ومن «تزايد الأسر الواقعة تحت خط الفقر، وتراكم الديون عليهم، وظهور إضرابات في قطاعات حيوية».

على الرغم من تفهمه لمشروعية هذه المطالب «بسبب عدم كفاية المداخيل أمام الأسعار المتصاعدة، ما تسبب في تآكل القدرة الشرائية»، وأشار الجيباني إلى أن «أي زيادة في الرواتب سيلتهمها التضخم طالما بقي أصل المشكلة قائماً».

كما حذّر من تداعيات الوضع برمته على «تزايد التفاوت الطبقي، وهي ظاهرة جديدة في المجتمع الليبي، بين قلة تملك المليارات، وأغلبية تكافح يومياً لتأمين الخبز».


«العفو الدولية» تدعو الجزائر إلى التخلي عن خطط توسيع حكم الإعدام

الرئيس تبون أمر بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الذين يشعلون حرائق الغابات (د.ب.أ)
الرئيس تبون أمر بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الذين يشعلون حرائق الغابات (د.ب.أ)
TT

«العفو الدولية» تدعو الجزائر إلى التخلي عن خطط توسيع حكم الإعدام

الرئيس تبون أمر بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الذين يشعلون حرائق الغابات (د.ب.أ)
الرئيس تبون أمر بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الذين يشعلون حرائق الغابات (د.ب.أ)

دعت منظمة العفو الدولية، الثلاثاء، الجزائر إلى عدم توسيع استخدام عقوبة الإعدام، بعدما تعهّدت السلطات بإنزال هذه العقوبة بحق مفتعلي حرائق الغابات المميتة. وأصدر القضاء الجزائري أحكاماً بالإعدام، بما في ذلك في قضايا مرتبطة بالإرهاب والقتل العمد، دون تنفيذ العقوبة منذ عام 1993.

وقبل شهر، أمر الرئيس عبد المجيد تبون، وزير العدل، بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الأشخاص الذين يشعلون حرائق الغابات.

وجاء القرار بعد أن واجهت الجزائر موجة حرائق مميتة اجتاحت شمال شرقي البلاد، وحصدت أرواح 12 شخصاً، وفق حصيلة رسمية، بينما تحدّث شهود عن عشرات القتلى.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، قالت منظمة العفو الدولية، في بيان: «يجب على السلطات الجزائرية التخلي فوراً عن أي خطط لتوسيع نطاق عقوبة الإعدام، أو استئناف تنفيذ الإعدامات، بعد أكثر من ثلاثة عقود من توقفها».

وأضاف الرئيس تبون أن الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام يجب أن يُنفَّذ فيهم الحكم فور استنفادهم حقّهم في الطعن «ليأخذ المجتمع حقه منهم».

وبدأت الحكومة الجزائرية دراسة مشاريع تعديلات على قانون العقوبات، في وقت سابق من هذا الشهر، حين قال الرئيس إن «خاطفي الأطفال والمنكّلين بهم» سيواجهون أيضاً عقوبة الإعدام.

ودعت منظمة العفو الدولية الجزائر إلى «إقرار وقف رسمي لتنفيذ أحكام الإعدام، كخطوة أولى نحو الإلغاء التام لعقوبة الإعدام».

وشهدت مناطق شمال الجزائر حرائق غابات، بصفة منتظمة، خلال فصل الصيف، غير أن التغيّر المناخي فاقم آثارها من خلال التسبب في موجات جفاف متكررة وحرارة شديدة. ومع ذلك قال الرئيس تبون إن في الحرائق الأخيرة «شيئاً إجرامياً».

شهدت مناطق شمال الجزائر حرائق غابات بصفة منتظمة خلال فصل الصيف (الحماية المدنية)

كما قالت منظمة العفو الدولية إن «مصادر موثوقة أفادت، منذ ذلك الحين، بسقوط عدد أكبر بكثير من الضحايا»، مقارنة بالحصيلة الرسمية في أحدث موجة حرائق، «بما في ذلك أكثر من 70 وفاة في بلدية واحدة».

وقضى أكثر من 30 شخصاً، في يوليو (تموز) 2023، عندما اجتاحت الحرائق آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية، فضلاً عن مئات المنازل، في منطقة بجاية ومحيطها.

وفي عام 2023، أصدرت الجزائر أحكاماً بالإعدام على أكثر من 50 شخصاً من منطقة تيزي وزو، بعضهم غيابياً، على خلفية حادثة قتل ناشط، يبلغ 38 عاماً، والتنكيل بجثته، بعدما اتّهمه سكان من المنطقة خطأ بإشعال حرائق غابات.