المخدرات تغزو الخرطوم والحرب تعمّق الأزمة وتهدد الشباب

توسع شبكات الترويج في الشوارع والمقاهي ومحيط المؤسسات التعليمية، والسلطات تخوض معركة خفية لا تقل عن الحرب

السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات  (الجمارك السودانية)
السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات (الجمارك السودانية)
TT

المخدرات تغزو الخرطوم والحرب تعمّق الأزمة وتهدد الشباب

السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات  (الجمارك السودانية)
السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات (الجمارك السودانية)

تشهد تجارة المخدرات وتعاطيها في العاصمة السودانية الخرطوم توسعاً متسارعاً، في ظل تحذيرات رسمية من تحولها إلى تهديد مباشر لمستقبل الشباب، بينما أسهمت الحرب في إضعاف أجهزة الرقابة والعلاج، ووفرت بيئة مواتية لنشاط شبكات التهريب والترويج داخل الشوارع والمقاهي ومحيط المؤسسات التعليمية.

وكشفت جولة ميدانية أجرتها «الشرق الأوسط» في مواقع مطلة على نهر النيل بالخرطوم، عن توافد عشرات الأشخاص، غالبيتهم من الشباب، إلى المنطقة يومياً بين التاسعة صباحاً والواحدة ظهراً للحصول على جرعاتهم المخدرة، وذلك رغم عودة الحكومة إلى العاصمة بعد استعادتها من «قوات الدعم السريع».

وقال مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، اللواء محمد أحمد الأمين، إن شبكات الترويج تعمل عادة في الخفاء، إلا أن الجولة الميدانية أظهرت أن عمليات البيع والتعاطي تتم في العلن، حتى إن دخان الحشيش يغطي المكان.

السلطات السودانية تمكنت من ضبط أماكن تصنيع حبوب الكبتاغون (أ.ف.ب)

ورصدت «الشرق الأوسط» أحد المروجين، وهو رجل في الخمسين من عمره يرتدي ملابس أنيقة ونظارة سوداء ويحمل حقيبة تبدو وكأنها لحاسوب محمول، لكنها كانت تحتوي على أنواع مختلفة من المخدرات الطبيعية والمصنعة. وشاهدت أحد الشباب يقترب منه، ويتبادل معه التحية، ثم يسلمه مبلغاً من المال مقابل حبوب يُرجح أنها مواد مخدرة.

وفي موقع آخر بين الأشجار التي نجت من نيران الحرب، توقفت شابة عشرينية بسيارتها التي بدت عليها آثار الرصاص، وتبادلت المزاح مع أحد الأشخاص قبل أن يسلمها كيساً أبيض صغيراً ويهمس لها بشيء، لتغادر المكان سريعاً.

وأكد شهود عيان أن عمليات الشراء تتم في غضون دقائق بعد مكالمة هاتفية مسبقة لتحديد نوع المخدر ومكان التسليم، فيما يغيّر المروجون مواقعهم باستمرار لتفادي كمائن الشرطة.

كما تنشط تجارة المخدرات داخل بعض المقاهي، حيث تُسلَّم المواد المطلوبة عبر خدمة «الدليفري»، مقابل أسعار أعلى بسبب مخاطر التوصيل، وتتراوح تكلفة الجرعة الواحدة بين 15 و50 جنيهاً، أي ما يعادل نحو 3 إلى 10 دولارات أميركية.

وسبق لوالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة أن أقر بوجود تجارة وتعاطٍ للمخدرات داخل بعض المقاهي، محذراً من امتداد الظاهرة إلى المؤسسات التعليمية والأطفال، ومشيراً إلى أن الطبيعة الجغرافية للعاصمة واتساعها أسهما في تنامي نشاط التصنيع والاتجار والتعاطي.

3 أصناف للمخدرات

ويصنف مدير دائرة الشؤون الفنية بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات، المقدم زاهر خلف الله، المواد المخدرة إلى ثلاث فئات رئيسية: مخدرات طبيعية مصدرها النباتات، مثل القنب الذي يُستخرج منه الحشيش، وأخرى شبه مصنعة تنتج عبر معالجة مواد طبيعية كيميائياً، وثالثة صناعية أو تخليقية تُركب داخل المختبرات. وأوضح أن مصطلح «المخدرات» يُستخدم هنا بمعناه الشائع ليشمل مواد متفاوتة التأثير، من بينها المثبطات والمنشطات والمواد المهلوسة.

المقدم شرطة زاهر خلف الله مدير الإدارة الفنية بمكافحة المخدرات (الشرق الأوسط)

وأشار خلف الله إلى أن أبرز المواد الصناعية المنتشرة في الخرطوم هي مادة «الآيس» أو الميثامفيتامين البلوري، المعروفة محلياً باسم «الشبو»، وهي منشط شديد التأثير في الجهاز العصبي المركزي، وتأتي على هيئة بلورات شفافة تشبه الثلج أو حجر الشب، لذلك يطلق عليها المتعاطون والمروجون أسماء مثل «الثلج» و«الشيطان». وأضاف أن تعاطي هذه المادة يتم عبر البلع أو الاستنشاق أو التدخين أو الحقن، وقد يسبب الهلوسة والاضطرابات النفسية، إلى جانب أضرار جسيمة تصيب الأنف والرئتين والكبد والكليتين والأسنان والقلب والدماغ، فيما قد تؤدي الجرعات الزائدة إلى الوفاة.

وأوضح المقدم خلف الله أن ارتفاع سعر «الآيس» دفع بعض المتعاطين إلى ممارسة سلوك بالغ الخطورة يتمثل في سحب دم شخص تعاطى المادة حديثاً وحقنه في أجسادهم، اعتقاداً بأن الدم يحتفظ بجزء من المادة المخدرة، وهو ما يعرضهم لخطر الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد الفيروسي والالتهابات البكتيرية.

اللواء شرطة محمد أحمد الأمين مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات (الشرق الأوسط)

ورغم أن تعاطي الجرعة الأولى من «الآيس» لا يعني بالضرورة تحول الشخص إلى مدمن، فإن الميثامفيتامين يتميز بقدرته العالية على إحداث الاعتماد النفسي والجسدي، بما يؤدي إلى فقدان السيطرة على التعاطي والاستمرار فيه رغم ما يخلّفه من أضرار صحية ونفسية واجتماعية.

وأكد اللواء محمد أحمد الأمين أن انتشار المخدرات ازداد بصورة ملحوظة عقب اندلاع الحرب، واصفاً الظاهرة بأنها «معركة خفية لا تقل خطورة عن الحرب»؛ لأنها تستهدف الطاقات البشرية. واتهم «قوات الدعم السريع» بتصنيع المخدرات وتوزيعها في المناطق التي كانت تخضع لسيطرتها، مشيراً إلى ضبط مصنع للمخدرات في منطقة الجيلي شمال مدينة بحري عقب استعادتها.

وأوضح أن استراتيجية المكافحة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في خفض العرض عبر منع وصول البذور إلى مناطق الزراعة، وإبادة المحاصيل، وملاحقة شبكات التهريب، وخفض الطلب من خلال حملات التوعية في المدارس ومراكز الشباب، إلى جانب علاج الإدمان بالتنسيق مع المؤسسات الصحية.

وكان اللواء الأمين قد أقر، في وقت سابق، بتورط عناصر نظامية مساندة للجيش في تجارة المخدرات، مؤكداً أن الشبكات الإجرامية تستخدم تقنيات متطورة، الأمر الذي يجعل من المستحيل على الشرطة تغطية نشاطها بالكامل.

وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم (إعلام الوزارة)

وعلى الصعيد العلاجي، كشف وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم عن توجه لإعادة تأهيل قسم علاج الإدمان بمستشفى التجاني الماحي، ومصحة عبد العال الإدريسي في الخرطوم، إلى جانب مراكز علاجية في بورتسودان. وأوضح أن 60 في المائة من الحالات التي تستقبلها العيادات النفسية ترتبط بالإدمان، مع تسجيل زيادة في نسب إدمان النساء، فيما بلغت نسبة التعاطي بين الفئة العمرية من 25 إلى 30 عاماً نحو 55 في المائة.

ونقلت «الشرق الأوسط» عن أحد المتعاطين أن بعض المروجين يستدرجون الشباب بمنحهم الجرعة الأولى من «الآيس» مجاناً، قبل مطالبتهم بدفع ثمن الجرعات اللاحقة، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى السرقة أو ارتكاب جرائم للحصول على المال. وأكد المقدم خلف الله تسجيل جرائم، من بينها جرائم قتل، ارتُكبت بهدف توفير ثمن المخدرات.

كما روى أحد المتعافين، رفض كشف اسمه، أنه بدأ التعاطي قبل خمسة عشر عاماً بعد التحاقه بإحدى الجامعات العريقة في الخرطوم إثر استدراجه من قبل زميل في الكلية، وظل مدمناً طوال تلك السنوات إلى أن تلقى العلاج وتعافى في نهاية عام 2022.

وفي إطار تشديد المواجهة القانونية، أصدر مجلس الأمن والدفاع السوداني، خلال الأسبوع الحالي، قراراً بتشكيل محاكم خاصة للنظر في جرائم المخدرات، بينما تبقى مواجهة هذه الظاهرة مرهونة بتعزيز قدرات أجهزة المكافحة، وتوسيع مراكز العلاج، والتعامل مع الإدمان بوصفه قضية صحية واجتماعية وأمنية متداخلة تتطلب استجابة شاملة.


مقالات ذات صلة

«الخماسية الدولية»: لا حل عسكرياً لحرب السودان

شمال افريقيا أعضاء «الآلية الخماسية الدولية» الذين شاركوا في مؤتمر برلين حول السودان (إكس)

«الخماسية الدولية»: لا حل عسكرياً لحرب السودان

جدّدت «الآلية الخماسية»، المعنية بالسودان، رفضها الحل العسكري للحرب، ودعت من الخرطوم إلى مسار سياسي «موثوق وشامل»، يقود إلى حكومة ديمقراطية بقيادة مدنية.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من «محطة رمسيس» بالقاهرة (أرشيفية - مجلس الوزراء المصري)

مصر: ارتياح بين الوافدين بعد تمديد مهلة تقنين الأوضاع

رحب وافدون في مصر بمشروع قرار حكومي يمدد فترة تقنين إقامة الأجانب المقيمين بالبلاد بصورة غير شرعية لمدة عام إضافي.

أحمد جمال (القاهرة)
خاص من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

خاص «شهادتان» لوطن واحد... الحرب ترسم حدوداً جديدة لتعليم السودان

في غضون 48 ساعة، أعلن السودان نتيجتين لامتحانين يحملان الاسم نفسه، «الشهادة السودانية»، نظمتهما سلطتان متحاربتان؛ حيث بات التعليم يرسم حدوداً جديدة في السودان.

أحمد يونس (نيروبي)
خاص سودانيون في سوق بأم درمان 26 أبريل 2026 (أ.ب)

خاص الضروريات أثقل من الجيوب... كيف يدبّر السودانيون قوت يومهم؟

بالنسبة إلى ملايين السودانيين، أصبح تدبير الضروريات يستنزف ساعات اليوم... من الماء والخبز إلى الدواء. الغلاء يحول احتياجاتهم معركة يومية.

أحمد يونس (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد فوق المباني بعد قصف جوي في الخرطوم بالسودان عام 2023 (رويترز)

12 قتيلاً في هجوم بمسيّرة لـ«الدعم السريع» أمام محكمة بوسط السودان

قتل 12 شخصاً على الأقل في هجوم بطائرة مسيرة نُسب إلى «قوات الدعم السريع» أمام محكمة في مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان وسط السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

«الخماسية الدولية»: لا حل عسكرياً لحرب السودان

أعضاء «الآلية الخماسية الدولية» الذين شاركوا في مؤتمر برلين حول السودان (إكس)
أعضاء «الآلية الخماسية الدولية» الذين شاركوا في مؤتمر برلين حول السودان (إكس)
TT

«الخماسية الدولية»: لا حل عسكرياً لحرب السودان

أعضاء «الآلية الخماسية الدولية» الذين شاركوا في مؤتمر برلين حول السودان (إكس)
أعضاء «الآلية الخماسية الدولية» الذين شاركوا في مؤتمر برلين حول السودان (إكس)

جدّدت «الآلية الخماسية»، المعنية بالسودان، رفضها الحل العسكري للحرب، ودعت من الخرطوم إلى مسار سياسي «موثوق وشامل»، يقود إلى حكومة ديمقراطية بقيادة مدنية، في وقت أكد فيه مدير جهاز المخابرات العامة، أحمد إبراهيم مفضل، أهمية الحوار مع تشاد وإثيوبيا رغم اتهامه للبلدين بأدوار مرتبطة بالحرب.

وعقد رئيس مجلس السيادة، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، مباحثات مع وفد «الخماسية» تناولت جهود السلام والعملية السياسية. وتضم «الآلية الخماسية» كلاً من الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والجامعة العربية، ومنظمة «إيغاد».

وقال المتحدث باسم وفد «الآلية الخماسية» الذي يزور الخرطوم، محمد بن شمباس، إن المحادثات كانت «بناءة»، موضحاً أن زيارة الوفد للخرطوم تستهدف مد جسور التواصل بين جهود «الآلية الخماسية» خارج السودان والمبادرات السودانية في الداخل. وأضاف أن «الخماسية» تعتقد أن الجهود المشتركة يمكن أن تدفع نحو «مسار سياسي ذي مصداقية وشامل للجميع، يفضي إلى انتقال نحو حكومة ديمقراطية بقيادة مدنية تعكس تطلعات الشعب السوداني».

وشدّد بن شمباس على أنه «لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان»، داعياً إلى ترافق أي عملية سياسية مستدامة، مع خطوات ملموسة لحماية المدنيين وإنهاء الأعمال العدائية، وجدّد احترام «الخماسية» سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه ورفضها إقامة «هياكل موازية».

تعاون مع «الآلية الخماسية»

البرهان أثناء لقائه مؤخراً وفد الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (مجلس السيادة)

والتقى الوفد أيضاً رئيس الوزراء، كامل إدريس، الذي أبدى استعداد حكومته للتعاون مع «الآلية الخماسية» ودعم الحوار الوطني «السوداني – السوداني»، لكنه رفض تصوير الحرب باعتبارها صراعاً بين جنرالين، أو الحديث عن سيطرة الإسلاميين على الحكومة.

كما أجرى الوفد مشاورات مع لجنة تهيئة الحوار «السوداني - السوداني». وقال المتحدث باسم اللجنة، عثمان ميرغني، في تصريحات، إن الاجتماع تناول ضمانات المشاركين وضرورة توسيع المشاورات لتشمل النساء والشباب والنازحين واللاجئين والمتضررين من الحرب.

وتأتي زيارة «الخماسية» بعد أسابيع من خلافات سياسية حول مبادرة الحوار الداخلي. وكانت مفوضية الاتحاد الأفريقي قد رحّبت في 31 أغسطس (آب) بمبادرة هذا الحوار داخل السودان بإشراف لجنة مستقلة من الشخصيات السودانية، ودعت إلى إشراك مختلف القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، معتبرة أن المبادرة تعزز خريطة طريق الاتحاد الأفريقي ومسار «الآلية الخماسية».

لكن المبادرة قوبلت برفض قوى سياسية مناوئة للجيش، ووصف تحالف «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» موقف المفوضية بأنه يمثل انحيازاً إلى أحد طرفي الحرب، معتبراً أن الحوار المطروح يجري تحت سيطرة البرهان، ودعا بدلاً من ذلك إلى حوار لا يهيمن عليه أي من طرفي النزاع.

جذور الأزمة

عناصر من الجيش السوداني تشارك في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

كما رفض تحالف «صمود» الذي يقوده رئيس الوزراء المدني السابق عبد الله حمدوك، والقوى المتحالفة معه، المبادرة بصيغتها الحالية. واعتبر أي حوار لا يرتبط بوقف الحرب، ولا يتمتع بالاستقلال عن طرفيها، قد يؤدي إلى «شرعنة سلطة الأمر الواقع». وطالب تحالف صمود بعملية سلام شاملة تربط المسار الإنساني، ووقف العدائيات، ووقف إطلاق النار بمسار سياسي مدني يعالج جذور الأزمة.

وبالتزامن مع تحركات «الآلية الخماسية»، قال مدير جهاز المخابرات العامة أحمد إبراهيم مفضل، خلال ملتقى للإعلاميين في الخرطوم، إن الحوار مع تشاد على الحدود الغربية للسودان، وإثيوبيا على حدوده الشرقية، «مهم وأساسي» بحكم الجوار والمصالح المشتركة، رغم حديثه عن أدوار للبلدين في مساندة «قوات الدعم السريع».

وقال مفضل: «لا مناص من إدارة حوار موضوعي للوصول إلى نتائج ومصالح مشتركة»، مضيفاً أن «السودان وجارتيه لا يمكنها تغيير مواقعها الجغرافية، وأن المواطنين هم الأكثر تضرراً من استمرار التوتر». لكن مفضل أكد أيضاً أن الجيش ماضٍ في القتال، و«لن يتراجع عن هدف استعادة جميع مناطق البلاد»، رغم تأكيده في الوقت ذاته أن الدولة «لا تريد الحرب».

ووصف مفضل حرب أبريل (نيسان) 2023 بأنها «أسوأ حرب في تاريخ السودان»، محذراً من تعمق الصراعات المجتمعية، ومعتبراً أن معالجة أزمات البلاد ينبغي أن تتم عبر الحوار.


مصر: ارتياح بين الوافدين بعد تمديد مهلة تقنين الأوضاع

سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من «محطة رمسيس» بالقاهرة (أرشيفية - مجلس الوزراء المصري)
سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من «محطة رمسيس» بالقاهرة (أرشيفية - مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: ارتياح بين الوافدين بعد تمديد مهلة تقنين الأوضاع

سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من «محطة رمسيس» بالقاهرة (أرشيفية - مجلس الوزراء المصري)
سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من «محطة رمسيس» بالقاهرة (أرشيفية - مجلس الوزراء المصري)

رحب وافدون في مصر بمشروع قرار حكومي يمدد فترة تقنين إقامة الأجانب المقيمين بالبلاد بصورة غير شرعية بـ«نظام المستضيف» لمدة عام إضافي، وذلك بالتزامن مع استمرار الحكومة المصرية في إجراءاتها لتنفيذ «قانون اللجوء».

ووافق مجلس الوزراء المصري، الأربعاء، على مشروع قرار بذلك؛ إذ من المقرر انتهاء المهلة في 12 سبتمبر (أيلول) الحالي.

وفي عام 2023 أصدرت الحكومة المصرية قراراً «يُلزم الأجانب المتقدمين بطلبات للإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية للحصول على حق الإقامة لأغراض السياحة، أو غير السياحة، بتقديم إيصال يفيد بتحويلهم رسوم الإقامة أو غرامات التخلف أو تكاليف إصدار بطاقات الإقامة بالدولار، أو ما يعادله من عملات حرة للجنيه المصري، من أحد البنوك أو شركات الصرافة المعتمدة».

وألزم القرار الأجانب المقيمين في البلاد بصورة غير قانونية بـ«توفيق أوضاعهم وتقنين إقامتهم، شرط وجود مستضيف مصري، مقابل سداد مصروفات إدارية تعادل 1000 دولار تودع بالحساب المخصص لذلك، وفقاً للقواعد والإجراءات والضوابط المحددة من وزارة الداخلية».

واعتبر رئيس «جمعية الصداقة المصرية-السودانية» محمد جبارة، القرار الأخير بمنزلة «تسهيل جديد من الحكومة المصرية لتقنين أوضاع الوافدين بما يجعلهم يكتسبون إقامة شرعية بالبلاد، كما أن القرار يقلل من مخاوف وافدين يخشون من عدم قدرتهم على تقنين أوضاعهم بسبب مدة الإجراءات، وبالتالي فإن القرار يلقى ترحيباً لدى من يسعون لتقنين أوضاعهم ويواجهون صعوبات».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن القرار «يعبر عن موقف الحكومة المصرية التي تتخذ إجراءات من شأنها تقنين أوضاع الوافدين دون إرغام أحد على المغادرة في ظل استمرار التحديات الأمنية في السودان، وبما يؤكد أن إجراءات ملاحقة المخالفين تستهدف ضبط أوضاع المقيمين لتحقيق أهداف تتعلق بحماية الأمن القومي المصري».

سودانيون في مكتب شؤون اللاجئين بالقاهرة (مكتب مفوضية شؤون اللاجئين)

وخلال الأشهر الماضية، شددت السلطات المصرية من إجراءاتها في مواجهة الوافدين الأجانب المخالفين لشروط الإقامة، مع بدء تطبيق قانون «تنظيم لجوء الأجانب»، الذي يفرض اشتراطات خاصة لإقامة «الوافدين» داخل البلاد.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، اتخذت الحكومة المصرية قرارات جديدة تتعلق بملف لجوء وإقامة الأجانب على أراضيها، وأصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اللائحة التنفيذية لـ«قانون لجوء الأجانب».

ووضعت اللائحة خريطة طريق واضحة ومحددة زمنياً لتنظيم أوضاع المقيمين الحاصلين على بطاقات لجوء صادرة عن مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر؛ إذ تقرر استمرار سريان البطاقات الحالية حتى انتهاء مدتها، أو لحين قيام «اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين» بإصدار الوثائق وبطاقات التسجيل القومية الجديدة.

كما منحت اللائحة حماية مؤقتة للبطاقات التي تنتهي خلال الأشهر الستة الأولى من بدء العمل بالقانون؛ إذ تمتد صلاحيتها تلقائياً طوال الفترة الانتقالية.

أطفال في احتفالية بـ«مفوضية شؤون اللاجئين» بمصر (مفوضية شؤون اللاجئين)

لكن عضو «المجلس القومي لحقوق الإنسان» والمتخصص في قضايا الهجرة واللجوء أحمد بدوي، أوضح أن مشروع القرار الحكومي الأخير لا ينطبق على «قانون اللجوء»، والذي تستمر خطوات تنفيذ لائحته التي صدرت قبل عدة أشهر، مشيراً إلى أن القرار الأخير يهدف إلى تخفيف الضغط على «مصلحة الجوازات» وغيرها من الجهات الحكومية المسؤولة عن الإقامات، وكذلك التسهيل على المخالفين ومنحهم مزيداً من الوقت لتقنين أوضاعهم.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «مفوضية اللاجئين» ما زالت مسؤولة حتى الآن عن استقبال أوراق طالبي اللجوء، ولم تتسلم «اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين» عملها بعد، وأن هناك تنسيقاً بين الحكومة المصرية و«الأمم المتحدة» لتسهيل نقل ملفات اللاجئين خلال الفترة المقبلة.

ووفقاً للبيانات والإحصاءات الرسمية الصادرة عن الحكومة المصرية، فضلاً عن تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، فإن مصر تستضيف على أراضيها ما يزيد على 9 ملايين أجنبي لاجئ ومقيم ينتمون إلى أكثر من 133 دولة حول العالم.

وتتصدر الجنسية السودانية القائمة بأعداد تتجاوز 4 ملايين سوداني، تليها الجالية السورية بنحو 1.5 مليون شخص.


المنفي يرفض أي ترتيبات تعيد إنتاج الانقسام السياسي في ليبيا

المنفي مستقبلاً وفد المجلس العسكري - مصراتة (مكتب المنفي)
المنفي مستقبلاً وفد المجلس العسكري - مصراتة (مكتب المنفي)
TT

المنفي يرفض أي ترتيبات تعيد إنتاج الانقسام السياسي في ليبيا

المنفي مستقبلاً وفد المجلس العسكري - مصراتة (مكتب المنفي)
المنفي مستقبلاً وفد المجلس العسكري - مصراتة (مكتب المنفي)

كثّف محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، من تحشيد جبهة داخلية في مواجهة ما أسماه بـ«الإملاءات الخارجية»، رافضاً «أي ترتيبات من شأنها إطالة أمد المرحلة الانتقالية، أو إعادة إنتاج الانقسام السياسي والمؤسسي».

وواصل المنفي على مدى اليومين الماضيين لقاءاته مع قوى اجتماعية محلية، في تحرك بدا بمثابة تحشيد داخلي لمواجهة «المبادرة الأميركية»، الرامية إلى معالجة الانقسام السياسي والعسكري والاقتصادي في البلاد.

عناصر من وفد المناطق الشرقية والغربية والجنوبية الذي التقى المنفي (مكتب المنفي)

وقال مكتب المنفي إنه التقى، مساء الأربعاء، داخل مقر رئاسة المجلس في العاصمة طرابلس، وفداً ضم عدداً من أعيان وحكماء ونخب وفعاليات وقيادات المناطق الليبية، تناول مستجدات المشهد السياسي والاقتصادي والأمني في البلاد، إلى جانب بحث سبل الدفع بالعملية السياسية، وإنهاء المراحل الانتقالية. مشيراً إلى أن اللقاء بحث «تهيئة الظروف الملائمة للعبور إلى مرحلة الاستقرار الدائم، عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية شاملة، يشارك فيها جميع الليبيين دون إقصاء أو استثناء، وفي إطار سلطة مدنية موحدة».

ونقل مكتب المنفي عن وفد الأعيان والحكماء من المنطقة الشرقية والغربية والجنوبية، تأكيده «رفضه القاطع لأي تفاهمات أو ترتيبات سياسية تفتقر إلى السند الدستوري والقانوني، أو ما من شأنه تهميش أي طرف من أطراف المشهد الوطني»، مشدداً على أن «مستقبل العملية السياسية ينبغي أن يظل رهناً بإرادة الليبيين، وأن تستند مسارات الحل إلى ملكية وطنية خالصة، بعيداً عن التدخلات الخارجية أو الإملاءات، التي تنتقص من القرار السيادي للدولة».

وأكد المنفي أن «موقف المجلس الرئاسي ينطلق من قناعة راسخة بضرورة وضع حدّ للمراحل الانتقالية، وعدم السماح بتحولها إلى مسار سياسي دائم»، مشدداً على «استعداد المجلس لدعم أي تسوية جادة وواقعية، من شأنها تقليص أمد المؤسسات الانتقالية، وصولاً إلى استحقاقات انتخابية تعيد تجديد الشرعية السياسية، وتؤسس لمرحلة مستقرة».

كما أكد المنفي رفضه لأي ترتيبات «من شأنها إطالة أمد المرحلة الانتقالية؛ أو إعادة إنتاج الانقسام السياسي والمؤسسي»، مؤكداً أن «تجاوز الأزمة الراهنة يتطلب إرادة وطنية صلبة، وتوافقاً سياسياً مسؤولاً، ومساراً يقود إلى مؤسسات شرعية موحدة تستند إلى إرادة الشعب الليبي».

مشاركة وفد المناطق الشرقية والغربية والجنوبية في اللقاء مع المنفي (مكتب المنفي)

ويأتي لقاء المنفي مع وفد من الأعيان والمشايخ عقب لقائه بمقر رئاسة المجلس وفد «المجلس العسكري - مصراتة»، بحضور ممثلين عن جهات أخرى من المدينة وغيرها. واستعرض اللقاء «مستجدات المشهد الليبي، وتطوراته على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، وما يقتضيه الظرف الراهن من تحصين المسار الوطني، والحيلولة دون تمرير أي تفاهمات أو ترتيبات مشبوهة من شأنها تعقيد المشهد، أو إعادة إنتاج حالة الانقسام».

واصطدمت المساعي الأميركية لتحريك الجمود السياسي في ليبيا برفض عسكري معلن من قوى نافذة في مصراتة، في عقبة جدية أمام المبادرة التي يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات المنقسمة.

ونقل مكتب المنفي عن وفد مصراتة «دعمه للدفع باتجاه تسوية سياسية شاملة، تفضي إلى إنهاء المراحل الانتقالية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وفق قاعدة دستورية وقانونية واضحة»، مشدداً على أن المجلس العسكري - مصراتة «لن يقف مكتوف الأيدي إزاء أي اتفاقات أو ترتيبات مشبوهة تمس كرامة الليبيين أو تنتقص من إرادتهم»، وذلك في إشارة ضمنية إلى «المبادرة الأميركية».

وتفاقمت حدة التباينات حول التحرك الأميركي، في ظل تقارير تتحدث عن «صفقة لتوزيع السلطة»، تقضي بمنح صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، قيادة المجلس الرئاسي، بدلاً من المنفي، مع استمرار الدبيبة في رئاسة الحكومة.

وكان المنفي قد أطلع سفراء 14 دولة على مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد، وقال إنه أكد «دعم المجلس الرئاسي لكل توافق وطني حقيقي يقرب البلاد من الانتخابات، ويختصر المراحل الانتقالية، واستعداده لدعم أي اتفاق يستكمل مساراته القانونية والوطنية، ويحصّن العملية الانتخابية ومؤسساتها، بعيداً عن أي ترتيبات تُعيد إنتاج المراحل الانتقالية أو تمددها».

وسبق أن رحّب المنفي بـ«المبادرة الأميركية» المطروحة بشأن ليبيا، لكنه اشترط طرحها عبر المؤسسات الدستورية الوطنية. وقال، فيما يشبه الرفض المبطن، إن «الغموض المحيط بالمبادرة يثير مخاوف من تجاوز المؤسسات الدستورية الوطنية، واستبعاد الاتحاد الأفريقي، والمسار الذي ترعاه الأمم المتحدة، إلى جانب مختلف الأطراف السياسية الليبية».

المنفي خلال استقباله وفداً من المناطق الشرقية والغربية والجنوبية في ليبيا (مكتب المنفي)

وتعيش ليبيا على وقع انقسام حكومي وعسكري بين حكومتين متنافستين؛ «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، التي تسيطر على الشرق، وأجزاء واسعة من الجنوب بدعم من «الجيش الوطني».