موجة ضد الأطباء العرب في إسرائيل كسباً للأصوات الانتخابية

بذريعة إهمالهم للجنود الجرحى في العمليات الحربية

مستشفى في تل أبيب بعد إطلاق «حماس» عملية «طوفان الأقصى» (أ.ف.ب)
مستشفى في تل أبيب بعد إطلاق «حماس» عملية «طوفان الأقصى» (أ.ف.ب)
TT

موجة ضد الأطباء العرب في إسرائيل كسباً للأصوات الانتخابية

مستشفى في تل أبيب بعد إطلاق «حماس» عملية «طوفان الأقصى» (أ.ف.ب)
مستشفى في تل أبيب بعد إطلاق «حماس» عملية «طوفان الأقصى» (أ.ف.ب)

بقيادة وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وعدد آخر من الوزراء والمسؤولين، تشهد إسرائيل حملة تحريض عنصرية جديدة على الأطباء والممرضين العرب في المستشفيات، بزعم أنهم لا يقدمون الخدمات الطبية اللازمة للمرضى اليهود، بل يقومون بالانتقام من الجنود الجرحى في العمليات الحربية.

وأوعز كاتس إلى الجيش بإجراء تحقيق عاجل في ادعاءات بشأن معاملة جنود إسرائيليين مصابين داخل مستشفى «رمبام» في حيفا، بعدما انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي منشورات تحريضية وعنصرية ركزت بصورة خاصة على كون أفراد الطاقم الطبي الذين تولوا علاجهم «ناطقين بالعربية». لكن إدارة المستشفى ردت بأن جميع المرضى يتلقون علاجاً مهنياً عالي الجودة، وأنه يفحص أي شكوى بشأن «معاملة غير لائقة».

وتعود القضية إلى أربعة جنود إسرائيليين أصيبوا بجروح خطيرة في تفجير وقع في مجدل زون جنوب لبنان، ونُقلوا للعلاج في مستشفى «رمبام»، قبل أن ينشر شقيق أحد المصابين سلسلة منشورات على «إنستغرام» قدّم فيها ادعاءات بشأن ظروف علاج أخيه، وربط بينها بصورة مباشرة وبين الهوية العربية لأفراد الطاقم الطبي.

«ناطقون بالعربية»

جنود إسرائيليون خلال محاصرة مستشفى نابلس التخصصي في الضفة الغربية يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وفي إحدى المنشورات قال إن شقيقه أُدخل المستشفى قبل ثلاثة أيام «مع ثلاثة آخرين من رفاقه المقاتلين»، وإنه كان تحت التخدير وموصولاً بأجهزة التنفس قبل أن يستعيد وعيه، مشيراً إلى أنه يعاني حروقاً وآلاماً وهلوسات.

لكن المنشورات انتقلت من عرض الحالة الطبية إلى التركيز على هوية الطاقم الذي تسلم المناوبة ليلاً، إذ كتب: «في الليل وصلت مناوبة جديدة إلى القسم، جميعهم ناطقون بالعربية»، قبل أن يدعي أن أفراد الطاقم أخرجوا عائلات المصابين من القسم وأغلقوا الأبواب.

ونقل عن شقيقه مزاعمه بأن أفراد الطاقم قلبوه في السرير «بقسوة»، وأن رأسه ارتطم بالسرير و«لم يكن أحد يكترث»، وفق ادعائه. وأضاف أن العائلة طلبت الدخول «لثانية واحدة فقط لرؤية أنه بخير»، مدعياً أن الطاقم رفض ذلك مراراً.

وكتب قائلاً: «أربعة مقاتلين مصابين بجروح خطيرة يجدون أنفسهم وحدهم طوال الليل، محاطين بطاقم ناطق بالعربية خلف أبواب مغلقة. هذا جنون كامل».

قصة سياسية كبرى

وقد تحول هذا الموضوع إلى قصة سياسية كبرى، فالوزراء والنواب من التيار اليميني الذين تخلى عنهم نتنياهو، ونصفهم لن يجدوا لهم مكاناً في قائمة الحزب الانتخابية، صعدوا على موجة التحريض محاولين كسب أصوات العنصريين الكثيرين من أعضاء حزب الليكود.

وفي أعقاب انتشار الادعاءات، أعلن كاتس أنه أوعز إلى الجيش بـ«فحص عاجل وشامل» لما وصفها بـ«الادعاءات الخطيرة بشأن سلوك غير لائق من جانب موظفين في مستشفى رمبام تجاه جنود الجيش المصابين».

وطلب كاتس، حسب بيان صادر عنه، فحص طريقة علاج الجنود والمعاملة التي تلقوها وعائلاتهم، وعرض نتائج التحقيق عليه، مضيفاً أنه إذا تبين أن الادعاءات صحيحة وأن «أفعالاً خطيرة» قد وقعت بالفعل، فينبغي اتخاذ إجراءات ضد المسؤولين واستخلاص العبر. وراح مرشحون آخرون ينافسونه في استخدام التعابير العنصرية.

تجاوز العنصرية

مروحية إسرائيلية تغادر مهبط طائرات بعدما نقلت مريضاً إلى مستشفى في تل أبيب (أرشيفية - رويترز)

وفي المجتمع العربي في إسرائيل، فتحت هذه الهجمة جرحاً ملتهباً، إذ يُعتبر الحقل الطبي في إسرائيل إحدى المناطق الخضراء النادرة التي يتعايش فيها اليهود والعرب بشكل إنساني، ويتم فيها تجاوز التعامل العنصري.

ويعمل في الجهاز الطبي نحو 200 ألف شخص، أكثر من 40 في المائة منهم عرب؛ إذ يشكل الأطباء العرب نحو 27 في المائة، وكذلك الممرضون، فيما تبلغ نسبة الصيادلة 45 في المائة، وبقية الطواقم 50 في المائة. وعلى الرغم من هذا الحضور الواسع والمحوري، فإن نسبتهم في المناصب الإدارية ومواقع اتخاذ القرار لا تتجاوز 3 في المائة.

ولكن منذ هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على إسرائيل، والرد الإسرائيلي بتدمير غزة وأجزاء واسعة من الضفة الغربية، حاولت قوى يمينية وعنصرية تسميم الأجواء ضد المواطنين العرب في إسرائيل عموماً، وفي الحقل الطبي بشكل خاص.

فهؤلاء يغتاظون من رؤية «بقعة خضراء» مثل هذه، يتعايش فيها اليهود والعرب بسلام ووئام؛ الطبيب اليهودي ينقذ حياة مريض عربي، والطبيب العربي ينقذ حياة مريض يهودي.

وتأثر عدد من الطواقم من هذه الأجواء السامة، فصار العرب يشعرون بالملاحقة، وبدأوا يمنعون استخدام اللغة العربية في المستشفيات والعيادات، وتم اعتقال عدد من الأطباء بسبب تعبيرهم عن انتقاد للسياسة الإسرائيلية الحربية، وطُرد العديد من أماكن عملهم.

تمييز صارخ

جندي إسرائيلي خلال محاصرة مستشفى نابلس التخصصي في الضفة (أ.ف.ب)

وأكد شهود لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تمييزاً صارخاً في قبول أطباء وممرضين جدد. فإذا كان هناك طبيبان يتنافسان على وظيفة، فإن الإدارة تختار اليهودي حتى لو كان العربي متفوقاً في مؤهلاته وخبرته المهنية، ما يشير إلى سلوك يستند إلى العنصرية في الاختيار.

وقالت طبيبة العائلة ورئيسة منظمة «أطباء لحقوق الإنسان»، الدكتورة لينا قاسم حسان، إن «هناك ازدواجية واضحة في المعايير؛ إذ يُصنَّف أي تعبير فلسطيني عن التعاطف مع ضحايا غزة على أنه دعم للإرهاب، في حين تمرّ تصريحات متطرفة تدعو إلى القتل أو قصف المستشفيات من دون محاسبة».

وأشارت إلى أن وزارة الصحة ساهمت في خلق بيئة عمل قائمة على الخوف والضغط النفسي، ما يطرح تساؤلات جدية حول التزام المؤسسات الصحية بقيم المساواة وأخلاقيات المهنة.

وقال الدكتور أحمد الطيبي، رئيس الكتلة البرلمانية للجبهة العربية للتغيير، إن الجهاز الطبي في إسرائيل يعاني من تراجع كبير في الخدمات بسبب إخفاقات الحكومة، وهي تفتش عن طرق لإلهاء الناس عن رؤية هذا الخلل، فتفتعل هذه الموجة العنصرية ضد الكوادر الطبية العربية التي تعمل بإخلاص وتفانٍ والتزام أقصى بأخلاقيات المهنة.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: إسرائيل ربما ارتكبت «تطهيراً عرقياً» في الضفة الغربية

المشرق العربي سكان مخيم نور شمس يشاهدون منازلهم تُهدم عشية رأس السنة الميلادية على يد حفَّارة عسكرية إسرائيلية في المخيم شرق مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة: إسرائيل ربما ارتكبت «تطهيراً عرقياً» في الضفة الغربية

اتهمت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إسرائيل بتهجير أكثر من 33 ألف فلسطيني من 3 مخيمات في الضفة الغربية عام 2025.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي جنود إسرائيليون ينتشرون في مخيم للاجئين بالضفة الغربية (أ.ب) p-circle

هيئة فلسطينية: إسرائيل تستولي على 7500 متر مربع من أراضي شمال الضفة

أعلنت هيئة فلسطينية أن السلطات الإسرائيلية استولت، الجمعة، على 7500 متر مربع من أراضي بلدة قباطية في محافظة جنين بشمال الضفة الغربية بموجب أمر عسكري.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي أقارب قتلى فلسطينيين في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح بمدينة غزة (رويترز) p-circle

مقتل 5 فلسطينيين في غارتين إسرائيليتين على غزة

قُتل 5 فلسطينيين في غارتين إسرائيليتين على قطاع غزة، حسب مصادر طبية والدفاع المدني، في حين أفاد الجيش الإسرائيلي بأنه استهدف «عناصر من حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مستوطنون إسرائيليون بالقرب من منزل فلسطيني في قرية قصرة بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

مستوطنون إسرائيليون مسلحون يحتجزون ناشطاً بريطانياً في الضفة الغربية (فيديو)

احتجز مستوطنون إسرائيليون مسلحون، يوم السبت، ناشطاً بريطانياً في الضفة الغربية وسلموه للشرطة بعد أن اتهموه بالاعتداء على قاصر.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية على اليمين وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير وعلى اليسار عدد من الأسيرات الفلسطينيات خلال زيارة تمت قبل أسابيع (حساب بن غفير عبر «إنستغرام»)

معتقلات فلسطينيات: نتعرض لظروف احتجاز قاسية... وغفير: فخور بذلك

قال وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير إنه «فخور» بخفض ظروف احتجاز المعتقلات الفلسطينيات في السجون الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

«علي الطاهر» والأسرى يحركان المفاوضات

عربة تابعة للصليب الأحمر الدولي تقل أسرى لبنانيين أفرجت عنهم إسرائيل لدى وصولها إلى صور أمس (د.ب.أ)
عربة تابعة للصليب الأحمر الدولي تقل أسرى لبنانيين أفرجت عنهم إسرائيل لدى وصولها إلى صور أمس (د.ب.أ)
TT

«علي الطاهر» والأسرى يحركان المفاوضات

عربة تابعة للصليب الأحمر الدولي تقل أسرى لبنانيين أفرجت عنهم إسرائيل لدى وصولها إلى صور أمس (د.ب.أ)
عربة تابعة للصليب الأحمر الدولي تقل أسرى لبنانيين أفرجت عنهم إسرائيل لدى وصولها إلى صور أمس (د.ب.أ)

فتحت التطورات المتزامنة في جنوب لبنان الباب أمام تحريك المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، مع إعلان إسرائيل تحقيق «سيطرة عملياتية» على مرتفعات علي الطاهر، والإفراج عن أسرى لبنانيين، في وقت دفعت واشنطن باتجاه البناء على هذه التطورات قبل الجولة المقبلة من المحادثات.

ورحبت السفارة الأميركية في بيروت بإطلاق المحتجزين، ووصفت الخطوة بأنها «إيجابية»، داعية الطرفين إلى مواصلة البناء على هذا الزخم. وتزامن ذلك مع بحث الرئيس جوزيف عون مع السفير الأميركي ميشال عيسى وأعضاء في الكونغرس التحضيرات للجولة المقبلة، فيما شدد عون على استكمال تحرير المحتجزين ومتابعة ما تم الاتفاق عليه في المفاوضات الثلاثية و«اتفاق الإطار».

ويأتي الدفع الأميركي فيما تبقى الملفات الأساسية عالقة، لا سيما الانسحاب الإسرائيلي وسلاح «حزب الله»، بينما يضيف التطور في تلة علي الطاهر عنصراً ميدانياً جديداً إلى أي تفاوض مقبل، رغم تشكيك الحزب في اكتمال السيطرة الإسرائيلية على المرتفعات، وسط ترقب لكيفية انعكاس الوقائع الجديدة على موازين الجولة المقبلة وشروطها السياسية.


العراق: ضحايا «حراك تشرين» لمقاضاة زعيم منظمة «بدر»

هادي العامري (وكالة الأنباء العراقية)
هادي العامري (وكالة الأنباء العراقية)
TT

العراق: ضحايا «حراك تشرين» لمقاضاة زعيم منظمة «بدر»

هادي العامري (وكالة الأنباء العراقية)
هادي العامري (وكالة الأنباء العراقية)

أُفيد في العراق، أمس، بأن عائلات ضحايا ما يُعرف بـ«حراك تشرين» عام 2019، تحضّر لرفع دعاوى على خلفية تصريحات أدلى بها قبل أيام، زعيم منظمة «بدر»، هادي العامري، بخصوص مشاركة فصائل مسلحة في قمع الاحتجاجات التي بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام ضد النظام السياسي، ووصفها بـ«فتنة تشرين».

وأثار كلامه عاصفة انتقادات، في حين بدأت عشرات من عائلات ضحايا «الحراك» في استكمال الوثائق التي تثبت مقتل أو إصابة أبنائهم في مواجهات مع قوات الأمن خلال مشاركتهم في الاحتجاجات؛ لتقديمها ضمن دعاوى أمام المحاكم، على خلفية تصريحات زعيم «بدر».

ولم يرد هادي العامري زعيم منظمة «بدر» على التفسيرات التي قُدّمت لكلامه، لكن سياسياً شيعياً مقرباً من «الإطار التنسيقي» قال لـ«الشرق الأوسط» إن تصريحات العامري «مثلما أرادها، كانت دفاعاً عن موقف الفصائل في لحظة مفصلية».


رئيس الوزراء الإسرائيلي يقترح «مناطق تجريبية» في قطاع غزة


الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة أمس (أ.ب)
الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة أمس (أ.ب)
TT

رئيس الوزراء الإسرائيلي يقترح «مناطق تجريبية» في قطاع غزة


الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة أمس (أ.ب)
الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة أمس (أ.ب)

كلف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه، يسرائيل كاتس، الجيش بإعداد تصور لنقل نموذج «المناطق التجريبية» في جنوب لبنان إلى قطاع غزة، ما أثار جدلاً في تل أبيب بين من رأى مقترحاً جدياً للتقدم في تطبيق خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، ومن رأى ألعوبة جديدة لمزيد من المماطلة.

وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تقوم الفكرة على اختيار مناطق خارج «الخط الأصفر» لا ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي، على أن تدخل إليها قوات دولية للعمل على تفكيك البنى التحتية المسلحة وإقامة منظومة إدارة بديلة.

ولكن، في المقابل، ستحتفظ إسرائيل بقدرتها على مراقبة هذه المناطق والسيطرة عليها أمنياً،

بينما المشككون يؤكدون أن تطبيق النموذج في غزة دونه تحديات أكبر، خصوصاً في ظل عدم وجود جهة فلسطينية متفق عليها لتولي الإدارة المدنية والأمنية.