«نأكل حتى لا نموت»... يوميات الجوع في السودان

سعر الصرف المنخفض وتآكل الدخول والخدمات تدفع الملايين لحافة الفناء

نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم للنازحين قرب مدينة الأُبيّض بشمال كردفان 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم للنازحين قرب مدينة الأُبيّض بشمال كردفان 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

«نأكل حتى لا نموت»... يوميات الجوع في السودان

نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم للنازحين قرب مدينة الأُبيّض بشمال كردفان 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم للنازحين قرب مدينة الأُبيّض بشمال كردفان 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

استيقظت «نهلة خليفة» صباح 15 أبريل (نيسان) 2023 على أصوات المدافع في أم درمان، هي لم تكن تعرف أن الحرب التي دفعتها مع أطفالها الخمسة إلى الاختباء تحت الأسرّة والطاولات، ستغير حتى أبسط تفاصيل حياتهم «الطعام، الماء، العلاج».

في الأيام الأولى، عاشت أسرة نهلة على ما تبقى من مؤونة رمضان، الشهر الذي اندلعت فيه الحرب، لكنها لم تكن مؤونة كبيرة، فالضائقة الاقتصادية كانت قد سبقت الحرب بسنوات، والرواتب لم تكن تكفي احتياجات كثير من الأسر.

نأكل حتى لا نموت

دفعت الضائقة المتطاولة معظم السودانيين إلى الاعتياد على تقليص الطعام إلى وجبتين يومياً، ومع امتداد القتال واشتداده، نفد الخزين وتحول الخبز اليابس وقليل من العدس أو الفول الذي توفره «التكية» إلى الوجبة الأساسية.

تقول نهلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نأكل فقط حتى لا نموت جوعاً، فقد اختفت اللحوم والحليب والخضراوات والفواكه من المنزل، وأصبح كوب الشاي نفسه ترفاً، فيما نام أطفالي ليالي كثيرة جائعين وخائفين، وتدهورت صحة زوجي المصاب بالسكري مع نقص الطعام، وصعوبة الحصول على العلاج».

وبعد أكثر من ثلاثة أعوام، لم تعد قصة نهلة مجرد أثر من آثار الأيام الأولى للحرب، فقد تحول نقص الغذاء إلى أزمة واسعة تتغذى على استمرار القتال وانهيار الجنيه وفقدان مصادر الدخل وتراجع الخدمات.

انهيار الجنيه

تجاوز سعر صرف الجنيه السوداني حاجز 6000 جنيه في السوق الموازية خلال الأيام الماضية، مقابل أسعار تراوحت بين 3500 و4000 جنيه في صرافات البنوك.

يقول تاجر عملة لـ«الشرق الأوسط» إن هبوط الجنيه إلى هذه المستويات انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، في وقت تآكلت فيه دخول المواطنين بصورة غير مسبوقة.

وحسب الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير، حافظ سعر صرف الجنيه على استقرار نسبي خلال نحو الثلاثة أشهر الماضية، بسعر صرف يتراوح بين 5500 و5800 جنيه للدولار، قبل أن يعاود التراجع هذا الأسبوع.

يقول الناير لـ«الشرق الأوسط» إن التضخم والفقر والبطالة، وتدهور سعر الصرف نتائج متوقعة لاقتصاد يعيش حرباً، لكنه يرى أن انحسار القتال في مناطق محددة سمح لبعض الأنشطة بالعودة تدريجياً.

ويربط الناير بين أي تحسن مستدام للجنيه بالسيطرة على موارد الذهب بقوله: «الإنتاج الرسمي المعلن للذهب بلغ العام الماضي نحو 70 طناً، في حين لم تتجاوز الصادرات المعلنة 20 طناً»، ويرى أن الحد من التهريب واحتفاظ البنك المركزي بجزء من الإنتاج بوصفه احتياطياً يمكن أن يدعم العملة، فيما يحذر من اتساع الفجوة بين سعر البنوك والسوق الموازية، وتأثيراتها على تحويلات المغتربين.

الأزمة مزمنة

يرى أستاذ الاقتصاد والتمويل في جامعة الخرطوم، إبراهيم أحمد أونور، أن المشكلة أعمق من حركة السوق نفسها، ويعزو استمرار تدهور الجنيه إلى غياب سياسة نقدية فاعلة وضعف التنسيق بينها وبين السياسة المالية.

ويقول أونور لـ«الشرق الأوسط» إن محدودية أدوات البنك المركزي تركت سعر الصرف عرضة لمضاربات السوق الموازية، بينما لم تستثمر موارد الذهب بالقدر المطلوب لدعم العملة وتمويل استيراد القمح والوقود والأدوية.

ويدعو أونور إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإعادة تقييم أصول البنوك ورفع رؤوس أموالها أو دمج المتعثر منها، محذراً كذلك من أن غياب رؤية موحدة للسياسات النقدية والمالية سيبقي الضغط على الجنيه قائماً.

تجليات الأزمة

ما يقوله الاقتصاديون بالأرقام يظهر في الأسواق بصورة أبسط وأكثر قسوة، يقول صاحب البقالة إبراهيم إدريس لـ«الشرق الأوسط»، إن رأس ماله لم يعد يشتري الكميات نفسها، وإنه اضطر إلى التركيز على السلع الأساسية بعدما تراجع الطلب على منتجات أخرى.

ويضرب إدريس مثلاً بأن عبوة الزيت زنة 36 رطلاً ارتفع سعرها من نحو 170 ألف جنيه قبل الحرب، إلى نحو 350 ألفاً الآن، فيما قد يرتفع سعر كيس البصل من خمسة آلاف إلى سبعة آلاف جنيه خلال يوم واحد.

لكن المؤشر الأوضح بالنسبة إلى إدريس هو «دفتر الديون»، يقول: «أصبح عدد أكبر من الزبائن يشتري بالأجل، بينما يعجز كثيرون عن السداد بعد توقف أعمالهم أو فقدان مصادر دخلهم».

تراجع الدخول وفقدانها

لا تكفي الوظيفة دائماً لتغيير هذا الواقع، تقول آمال عبد الله، وهو اسم مستعار، إن كل أبنائها يعملون، لكن دخل الأسرة الإجمالي لا يكفي لتغطية الغذاء والعلاج، وأوضحت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أحصل قبل الحرب على أدوية زراعة الكلى مجاناً، لكني أصبحت مضطرة لشرائها على نفقتي، ونستجلب بعضها من مصر، مما اضطرها إلى الاستدانة من صاحب البقالة»، وتابعت: «أسرتي قد تكتفي في بعض الأيام بوجبة فقيرة واحدة».

وتنسجم هذه الشهادات مع مؤشرات الأمن الغذائي التي تظهر أن ملايين السودانيين يواجهون مستويات حادة من الجوع، فيما تبلغ الأزمة أشد مستوياتها في مناطق القتال في دارفور وكردفان، حيث لا يتعلق الأمر بارتفاع الأسعار وحده، وإنما بتعطل الأسواق والطرق والزراعة وصعوبة وصول المساعدات.

التكايا تسد أبوابها

وفي الخرطوم، سدت «التكايا» لبعض الوقت جزءاً من هذه الفجوة، ويقول عثمان الجندي، المشرف على عدد منها، إنهم كانوا يقدمون وجبة واحدة يومياً، لكنّ كثيراً منها توقف بسبب ضعف التمويل، وارتفاع تكلفة الغذاء وانصراف المتطوعين إلى أعمالهم ودراستهم.

ويضيف الجندي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «عودة السكان إلى بعض مناطق العاصمة لم تعنِ انتهاء الحاجة، إذ عاد كثيرون بلا عمل أو مصدر دخل، بينما أدت الحرب في كردفان إلى وصول نازحين جدد».

ويضيف: «الأطفال وكبار السن والنساء وذوو الإعاقة، من أكثر الفئات اعتماداً على تلك الوجبات»، ويلخص الجندي الوضع بقوله: «الحرب أفقرت الغني وزادت الفقير فقراً».

أزمة في كل شيء

لا ينهي حتى الحصول على الطعام معاناة الأسر، فانقطاع الكهرباء يوقف مضخات المياه ويعطل المخابز والورش والمتاجر، يقول المدير العام لشركة «كهرباء السودان القابضة»، أحمد عبد الله، لـ«الشرق الأوسط»، إن القطاع تكبد خسائر هائلة، وإن أعمال الصيانة تشمل خطوط النقل والتوزيع والمحولات وإعادة المناطق السكنية تدريجياً إلى الخدمة.

بينما تروي نهلة أن شباب حيها اضطروا في إحدى فترات انقطاع المياه إلى فتح آبار قديمة للحصول على مياه الشرب، بينما أجبرت الحرارة وانقطاع الكهرباء الأسر أحياناً على الجلوس والنوم خارج منازلها بحثاً عن نسمة هواء.

انتشار الأوبئة

في موسم الأمطار تتحول أزمة المياه والكهرباء إلى خطر صحي، وهو ما دفع مدير الطب الوقائي بوزارة الصحة في ولاية الخرطوم محمد الحسن الأمير، للتحذير من انتشار الملاريا والإسهالات المائية وأمراض الجهاز الهضمي وحمى الضنك.

وأوضح المسؤول الصحي لـ«الشرق الأوسط» أن البرك وضعف التصريف وتكدس النفايات وعكارة المياه تساعد على انتشار الأمراض، فيما أدى توقف بعض عمليات المكافحة خلال الحرب إلى توسع رقعة البعوض الناقل لحمى الضنك.

أزمة استحكمت حلقاتها

وهكذا تتصل حلقات الأزمة ببعضها، فبينما عطلت الحرب الإنتاج والعمل، انهار سعر صرف الجنيه، وتبعه، بوصفه نتيجة ملازمة، ارتفاع الأسعار بمعدلات قياسية، ما أدى إلى تآكل الدخول، الذي أدى هو الآخر إلى تقليص نوعية وكمية الطعام، وعطل إغلاق «التكايا» آخر شبكات الحماية، فيما تزيد قطوعات الكهرباء والمياه من مخاطر المرض.

وهكذا تختصر نهلة أزمة سنوات الحرب في صورة أطفالها وهم ينامون جائعين، وزوجها المريض الذي يحتاج إلى الدواء، ومائدتها التي تقلصت حتى أصبحت وجبة العدس التي قد توفرها التكية، إن وجدت، هي الحد الفاصل بين الموت جوعاً، والبقاء على قيد الحياة ليوم آخر.


مقالات ذات صلة

عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

تقرير إخباري مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)

عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

في الخرطوم التي تحاول استعادة إيقاع الحياة بعد سنوات الحرب لا تزال أبواب كثيرة مغلقة أمام العمال الذين كانوا يعتمدون على ما يكسبونه نهاية كل يوم

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
خاص سودانية تعد طعاماً لتوزيعه بالخرطوم يوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

خاص مسؤول محلي: وفاة أكثر من 500 بسبب الجوع في دارفور

قال مسؤول محلي لـ«الشرق الأوسط» إن أكثر من 500 شخص توفوا بسبب الجوع وسوء التغذية في مخيم طويلة للنازحين بولاية شمال دارفور في غرب السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا فتى سوداني يمسك وعاء للحصول على طعام من مطبخ خيري بالخرطوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

قوى سودانية تبحث مع «الآلية الخماسية» سبل وقف الحرب

بحث وفد «إعلان المبادئ السوداني» بأديس أبابا مع «الآلية الخماسية» إنهاء الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

تحذيرات رسمية في مصر من محاولات إحداث «وقيعة» مع السودان

تواترت التحذيرات المصرية من محاولات «الوقيعة» مع السودان على خلفية الجدل الذي صاحب استهداف «منقبين عن الذهب والمعادن» قرب الحدود المصرية - السودانية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس مجلس السيادة السوداني في مدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)

تأكيد مصري - سوداني على «صون السيادة والاحترام المتبادل»

أكدت مصر والسودان على عمق العلاقات الثنائية، وشدد البلدان على الاحترام المتبادل بينهما، بما في ذلك احترام سيادة كل دولة ووحدة وسلامة أراضيها وحدودها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«مورغان ستانلي» يتجاوز توقعات الأرباح بدعم من قفزة تداول الأسهم

خلال الإعلان عن اكتتاب شركة «سبايس إكس» على واجهة مقر بنك «مورغان ستانلي» في ضاحية مانهاتن بولاية نيويورك (أرشيفية - أ.ف.ب)
خلال الإعلان عن اكتتاب شركة «سبايس إكس» على واجهة مقر بنك «مورغان ستانلي» في ضاحية مانهاتن بولاية نيويورك (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«مورغان ستانلي» يتجاوز توقعات الأرباح بدعم من قفزة تداول الأسهم

خلال الإعلان عن اكتتاب شركة «سبايس إكس» على واجهة مقر بنك «مورغان ستانلي» في ضاحية مانهاتن بولاية نيويورك (أرشيفية - أ.ف.ب)
خلال الإعلان عن اكتتاب شركة «سبايس إكس» على واجهة مقر بنك «مورغان ستانلي» في ضاحية مانهاتن بولاية نيويورك (أرشيفية - أ.ف.ب)

تجاوز «مورغان ستانلي» توقعات الأرباح خلال الربع الثالث من العام، مدعوماً بقفزة في إيرادات تداول الأسهم، مع زيادة تقلبات الأسواق بفعل قرارات أسعار الفائدة والحرب الأميركية - الإيرانية، إلى جانب تحسن دخل الخدمات المصرفية الاستثمارية من الاستشارات وصفقات الاندماج والاستحواذ.

وأعلن البنك، الأربعاء، تحقيق أرباح صافية عائدة للمساهمين بلغت 4.91 مليار دولار، أو 3.03 دولار للسهم، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في 30 سبتمبر (أيلول)، مقارنةً بـ4.61 مليار دولار، أو 2.80 دولار للسهم، في الفترة نفسها من العام الماضي. وجاءت الأرباح أعلى من متوسط توقعات المحللين البالغ 2.91 دولار للسهم، وفق بيانات «إل إس إي جي» (LSEG).

وارتفعت الإيرادات الإجمالية إلى 20.34 مليار دولار، مقارنةً بـ18.22 مليار دولار قبل عام، متجاوزةً توقعات المحللين البالغة 19.95 مليار دولار.

تداول الأسهم يقود النمو

جاءت القفزة في تداول الأسهم المحرك الأبرز لنتائج البنك، إذ ارتفعت إيرادات هذا النشاط بنحو 41 في المائة على أساس سنوي إلى 5.8 مليار دولار، مع إعادة المستثمرين ترتيب محافظهم الاستثمارية وسط تقلبات الأسواق، ما عزز أحجام التداول والإيرادات.

في المقابل، تراجعت إيرادات تداول أدوات الدخل الثابت بنسبة 7.3 في المائة إلى 2.01 مليار دولار، في أداء يعكس ضعفاً نسبياً في هذا النشاط مقارنةً بتداول الأسهم. وشهد «غولدمان ساكس» بدوره ارتفاعاً مماثلاً في إيرادات تداول الأسهم خلال الربع، بعدما أعلن نتائج فاقت التوقعات في اليوم السابق.

وقال دانيال كوتسوورث، رئيس الأسواق لدى «إيه جيه بيل»، إن نشاط تداول الأسهم أدى دوراً رئيسياً في دعم الأداء الإجمالي للبنك خلال الربع.

الخدمات المصرفية الاستثمارية

وفي الخدمات المصرفية الاستثمارية، ارتفعت الإيرادات بنسبة 2 في المائة إلى 2.16 مليار دولار، بدعم من أتعاب الاستشارات وصفقات الاندماج والاستحواذ، رغم تباطؤ نشاط الصفقات عالمياً. وأظهرت بيانات «إل إس إي جي» أن القيمة الإجمالية للصفقات العالمية تراجعت بنسبة 41 في المائة مقارنةً بالربع السابق، إلى 993 مليار دولار، لتنخفض دون مستوى التريليون دولار الفصلي للمرة الأولى منذ الربع الثاني من عام 2025.

كما ظل نشاط الطروحات العامة الأولية محدوداً، مع سحب عدد من الشركات عروضها في ظل ظروف السوق الصعبة. ومع ذلك، تولى «مورغان ستانلي» أدواراً استشارية في صفقات كبيرة، من بينها صفقة استحواذ «أوبر» على الشركة الألمانية «دليفري هيرو»، بقيمة لحقوق الملكية تبلغ 14.8 مليار دولار، إلى جانب صفقة استحواذ «جي إي إيروسبيس» على شركة «كونسوليديتد بريسيجن برودكتس» بقيمة 11.75 مليار دولار.

وحصل البنك أيضاً على أدوار في ترتيب الطروحات العامة الأولية المتوقعة لشركتي الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، في وقت تظل فيه آفاق هذا النشاط مرتبطة بظروف السوق وشهية المستثمرين للمخاطرة.

إدارة الثروات تنمو

وفي نشاط إدارة الثروات، ارتفعت الإيرادات الصافية بنسبة 10.1 في المائة إلى 9.07 مليار دولار، فيما أعلن البنك تسجيل صافي أصول جديدة بقيمة قياسية بلغت 232 مليار دولار، ارتبط أكثر من نصفها بتدفقات ذات صلة بالطروحات العامة الأولية.

لكن الإيرادات جاءت أقل قليلاً من توقعات المحللين، وهو ما لفت إليه كوتسوورث، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا النشاط في تعزيز مصادر الدخل الأكثر استقراراً وتقليل الاعتماد على تقلبات التداول والخدمات المصرفية الاستثمارية.

في المقابل، تراجعت الإيرادات الصافية لوحدة إدارة الاستثمارات إلى 1.46 مليار دولار، مقارنةً بـ1.65 مليار دولار قبل عام، وسط استمرار الضغوط على بعض صناديق الائتمان الخاص.

وطلب المستثمرون سحب 11.4 في المائة من حصص صندوق «نورث هيفن برايفت إنكم فاند» التابع للبنك في أحدث عرض لإعادة شراء الحصص، مقارنةً بـ11.6 في المائة في الربع السابق. ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع الائتمان الخاص مخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على شركات البرمجيات الموجودة ضمن محافظه الاستثمارية، رغم تراجع طلبات الاسترداد لدى عدد من الصناديق الكبرى الأخرى خلال الربع الثالث.

السهم دون أداء السوق الأوسع

وعلى صعيد أداء السهم، ارتفعت أسهم «مورغان ستانلي» بنحو 5.1 في المائة منذ بداية عام 2026، متخلفةً عن أداء السوق الأوسع، لكنها تفوقت على أسهم «غولدمان ساكس». وكان السهم يتداول على انخفاض طفيف قبيل افتتاح جلسة الأربعاء.

تأتي النتائج في وقت تعرضت فيه أسهم البنوك الأميركية لضغوط خلال الربع الثالث، مع صعود عوائد سندات الخزانة إلى مستويات مرتفعة منذ عقود، مما أثار مخاوف بشأن ارتفاع تكاليف التمويل واحتمال استمرار تباطؤ صفقات الاندماج والاستحواذ.

وتبرز نتائج «مورغان ستانلي» أهمية تنوع مصادر الإيرادات لدى البنوك الاستثمارية؛ فبينما وفّرت تقلبات الأسواق دفعة قوية لتداول الأسهم، لا تزال وحدات إدارة الثروات وإدارة الاستثمارات تواجه تحديات مختلفة، من حساسية الإيرادات لتوقعات المحللين إلى استمرار طلبات الاسترداد في بعض صناديق الائتمان الخاص.


تاكايتشي تواجه اختبار الإنتاجية و«أزمة حكومية»

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
TT

تاكايتشي تواجه اختبار الإنتاجية و«أزمة حكومية»

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

تواجه رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، تحديات متزامنة بشأن كفاءة العمل الحكومي، وقدرتها على تنفيذ برنامجها الاقتصادي، بعدما أثارت تصريحاتها عن الأعباء المنزلية وساعات العمل البرلماني نقاشاً بشأن الإنتاجية في اليابان، بالتزامن مع تقارير عن اعتزامها إقالة وزير الزراعة، كازو يانا، وسط جدل بشأن تخصيص موازنات حكومية.

وتأتي هذه التطورات خلال دورة برلمانية استثنائية تسعى فيها الحكومة إلى تمرير إجراءات اقتصادية، أبرزها خفض مؤقت لضريبة الاستهلاك على الأغذية والمشروبات، في وقت تهدد فيه المعارضة بتعطيل مناقشة التشريع حتى مغادرة الوزير منصبه.

وأفادت صحيفة «ماينيتشي»، الأربعاء، بأن تاكايتشي قررت تغيير يانا، الذي واجه انتقادات واسعة بعد تصريحات ربط فيها خفض تمويل الطرق في بلديتين بدعمهما مرشحاً منافساً له في الانتخابات العامة التي جرت خلال فبراير (شباط) 2026.

وإذا تأكدت مغادرته، فستكون الأولى لوزير في حكومة تاكايتشي منذ توليها رئاسة الوزراء قبل عام، رغم احتفاظ حكومتها بمستويات تأييد مرتفعة نسبياً.

وكانت تاكايتشي قد عينت يانا وزيراً للزراعة والغابات ومصايد الأسماك خلال تعديل وزاري الشهر الماضي، قبل أن تُوجه إليه انتقادات علنية في البرلمان على خلفية تصريحاته.

وأقر الوزير بصحة تسجيل صوتي نشرته وسائل إعلام محلية، تحدث فيه عن أن أحد أسباب تقليص مخصصات الطرق في بلديتين ضمن دائرته الانتخابية كان دعمهما منافساً له، لكنه نفى لاحقاً امتلاك صلاحية التأثير في قرارات توزيع الموازنات.

وأظهرت نتائج استطلاع أجرته «هيئة الإذاعة والتلفزيون (إن إتش كيه)» اليابانية أن 78 في المائة من المشاركين عدّوا تفسير الوزير غير مقبول. كما تراجع تأييد حكومة تاكايتشي بنقطتين مئويتين إلى 51 في المائة مقارنة بالشهر السابق.

واعترف يانا أيضاً بأن حملته الانتخابية وفرت وسائل نقل مجانية لمؤيدين لحضور تجمع انتخابي؛ مما أثار انتقادات من نواب رأوا في الخطوة انتهاكاً محتملاً لقانون الانتخابات.

وتكتسب الأزمة أهمية اقتصادية بسبب ارتباطها بكفاءة تخصيص الموارد العامة، خصوصاً أن تمويل مشروعات الطرق والبنية التحتية المحلية يمثل أداة لتحسين الخدمات ودعم النشاط الاقتصادي في المناطق اليابانية.

كما أن استمرار الخلاف قد يعرقل تمرير إجراءات مالية تستهدف تخفيف أعباء المعيشة، في ظل ضغوط الأسعار وضعف القوة الشرائية للأسر.

وبدأت أحزاب المعارضة في مجلس المستشارين، حيث لا يمتلك الائتلاف الحاكم غالبية، الاستعداد لتقديم مذكرة لحجب الثقة عن الوزير، بينما هدد بعض النواب بتعطيل مناقشة خفض ضريبة الاستهلاك حتى استقالته.

وتراهن الحكومة على التخفيض المؤقت للضريبة المفروضة على الأغذية والمشروبات لدعم الاستهلاك المحلي، لكن فاعليته ستعتمد على نطاق الإجراء، ومدته، وانعكاسه على الأسعار، إلى جانب تأثيره في الإيرادات العامة.

وتواجه اليابان في هذا الملف معادلة دقيقة بين دعم الأسر والحفاظ على الانضباط المالي، خصوصاً مع ارتفاع أعباء الدين العام والحاجة إلى تمويل الإنفاق الاجتماعي.

وفي موازاة الأزمة الوزارية، أعادت تاكايتشي فتح النقاش بشأن إنتاجية العمل وكفاءة إدارة الوقت، بعدما كشفت عن أن مسؤولياتها المنزلية تستهلك ما بين 3 و4 ساعات إضافية يومياً مقارنة بأسلافها من الرجال.

وقالت أمام البرلمان، الأربعاء، إنها تبدأ يومها بالاستحمام وإعداد الإفطار وغسل الأطباق، إلى جانب الاستعدادات الشخصية، مشيرة إلى أن هذه المهام تقلص الوقت المتاح أمامها لمتابعة مسؤولياتها الحكومية.

وتسلط تصريحاتها الضوء على تحدٍ هيكلي في سوق العمل اليابانية بشأن توزيع الأعباء المنزلية وتأثيرها في قدرة النساء على المشاركة المهنية والوصول إلى المناصب القيادية.

وتواجه اليابان ضغوطاً متصاعدة ناجمة عن شيخوخة السكان وتقلص القوى العاملة؛ مما يجعل رفع الإنتاجية وتوسيع مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي من الأولويات الضرورية للحفاظ على النمو.

وقد تؤدي المسؤوليات المنزلية غير المتوازنة إلى تقليص الوقت المتاح للعمل والتدريب والتطوير المهني، بما يحد من الاستفادة الكاملة من الكفاءات النسائية.

وجاءت تصريحات تاكايتشي خلال مناقشة برلمانية بشأن الساعات الطويلة التي يقضيها رؤساء الحكومات اليابانية في حضور الجلسات والرد على استجوابات النواب، والتي قد تمتد إلى ما بين 5 و7 ساعات يومياً.

واستشهد النائب فوميتاكي فوجيتا، من حزب «الابتكار الياباني» المشارك في الائتلاف الحاكم، بدراسة أظهرت أن رئيس الوزراء الياباني حضر جلسات البرلمان لمدة 72 يوماً خلال عام 2022، مقابل 50 يوماً في بريطانيا، و13 يوماً في ألمانيا.

وعدّ فوجيتا هذا القدر من الوقت المخصص للجلسات البرلمانية «لا يتماشى والممارسات الدولية، رغم أهمية الرقابة التشريعية والمساءلة السياسية».

وأقرت تاكايتشي بأنها تستمتع بمراجعة الوثائق الحكومية ليلاً، لكنها تجد صعوبة في تخصيص وقت كافٍ للتفكير في مستقبل البلاد ووضع رؤية استراتيجية طويلة الأجل.

وكانت قد كشفت سابقاً عن أنها تنام أحياناً ما بين ساعتين و4 ساعات فقط، وأنها عقدت اجتماعات مع موظفيها في الـ3 فجراً، في انعكاس لثقافة عمل تتسم بكثافة ساعات الحضور.

ومن منظور اقتصادي، لا تعني زيادة ساعات العمل بالضرورة ارتفاع الإنتاجية؛ إذ تعتمد كفاءة المؤسسات على جودة القرارات، وتوزيع المسؤوليات، وتوجيه الوقت نحو المهام الأعلى قيمة.

وتبرز أهمية هذه القضية في اليابان، حيث يفرض التراجع الديموغرافي الحاجة إلى تحسين استغلال الموارد البشرية، بدلاً من الاعتماد على زيادة ساعات العمل لتعويض تقلص أعداد العاملين.

كما يعكس ضعف تمثيل النساء في الحياة السياسية تحديات أوسع تتعلق بتكافؤ الفرص؛ إذ فازت 68 امرأة فقط من أصل 465 مقعداً في انتخابات مجلس النواب الأخيرة خلال فبراير الماضي.

وقد يسهم تطوير خدمات رعاية الأطفال وكبار السن، وتحسين مرونة ساعات العمل، في زيادة مشاركة النساء اقتصادياً وتعزيز قدرتهن على التقدم المهني.

وتكشف التطورات الأخيرة عن ارتباط مباشر بين كفاءة الإدارة الحكومية والنتائج الاقتصادية؛ فالأزمة الوزارية تهدد بتأخير تشريع يستهدف دعم الاستهلاك، بينما يثير الجدل بشأن ساعات العمل تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات على تخصيص الوقت والموارد بصورة أعلى فاعلية.

وبالنسبة إلى المستثمرين، فستكون قدرة تاكايتشي على احتواء الأزمة السياسية واستئناف مناقشة خفض الضرائب مؤشراً على استقرار برنامجها الاقتصادي، في حين يمثل إصلاح ثقافة العمل مساراً أطول أجلاً لتعزيز الإنتاجية.

وفي المحصلة، لا يقتصر اختبار تاكايتشي على تغيير وزير أو إدارة خلاف برلماني، بل يمتد إلى قدرتها على تحسين كفاءة العمل الحكومي وتنفيذ سياسات تدعم النمو. وبينما قد تخفف مغادرة وزير الزراعة التوتر السياسي، فإن التحدي الأوسع سيظل هو تحويل النقاش بشأن الإنتاجية وإدارة الوقت إلى إصلاحات عملية تعزز تنافسية الاقتصاد الياباني.


سوق الأمن السيبراني في السعودية تتجاوز 4.3 مليار دولار خلال 2025

موظفون يعملون على أجهزة حواسيب (الهيئة الوطنية للأمن السيبراني)
موظفون يعملون على أجهزة حواسيب (الهيئة الوطنية للأمن السيبراني)
TT

سوق الأمن السيبراني في السعودية تتجاوز 4.3 مليار دولار خلال 2025

موظفون يعملون على أجهزة حواسيب (الهيئة الوطنية للأمن السيبراني)
موظفون يعملون على أجهزة حواسيب (الهيئة الوطنية للأمن السيبراني)

كشف تقرير حديث عن بلوغ حجم سوق الأمن السيبراني في المملكة نحو 16.3 مليار ريال (4.3 مليار دولار) خلال العام الماضي، وبمعدل نمو سنوي مركّب للأعوام الثلاثة الماضية قدره 10.7 في المائة.

وبلغ إنفاق جهات القطاع الحكومي على منتجات وخدمات الأمن السيبراني نحو 5.1 مليار ريال، بما يمثل 31 في المائة من حجم السوق في المملكة، فيما سجل إنفاق جهات القطاع الخاص 11.2 مليار ريال، بنسبة تمثل 69 في المائة من حجم السوق.

وأصدرت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني تقريراً حول «أبرز المؤشرات الاقتصادية في قطاع الأمن السيبراني بالمملكة 2026» يغطي عدداً من المؤشرات الاقتصادية، ومنها حجم سوق الأمن السيبراني، وإسهام القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، وأبرز مؤشرات القوى العاملة فيه، وغيرها من المؤشرات التي تعكس نمو القطاع في البلاد.

الناتج المحلي الإجمالي

وبيّنت الهيئة أن إسهام قطاع الأمن السيبراني في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية للمملكة خلال عام 2025 بلغ نحو 20 مليار ريال وبمعدل نمو سنوي مركَّب قدره 13.2 في المائة؛ منها 9.7 مليار ريال مساهمة مباشرة لمقدمي منتجات وخدمات الأمن السيبراني، و10.3 مليارات ريال مساهمة غير مباشرة، كما تمثل هذه المساهمة 0.42 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، و0.71 في المائة من الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية.

وتناول التقرير حجم القوى العاملة في قطاع الأمن السيبراني بالمملكة؛ إذ بلغ أكثر من 22 ألف مختص خلال العام المنصرم، وبمعدل نمو سنوي مركَّب قدره 5.9 في المائة؛ وذلك نظير المبادرات والبرامج التدريبية المتخصصة في مجال الأمن السيبراني التي تتلاءم مع احتياجات ومتطلبات القطاعات الحيوية، لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة. وبينما وصل المعدل العالمي لمشاركة المرأة بالعمل في قطاع الأمن السيبراني إلى نحو 22 في المائة، تجاوزت نسبة مشاركة المرأة بالعمل في القطاع بالمملكة هذا المعدل العالمي لتسجل 33 في المائة من إجمالي المختصين العاملين في القطاع.

الإنفاق على المنتجات

واستعرض التقرير حجم سوق الأمن السيبراني حسب تصنيف منتجات وخدمات الأمن السيبراني، حيث بلغت نسبة الإنفاق على المنتجات 51 في المائة من إجمالي حجم السوق بقيمة 8.3 مليار ريال.

ووصلت نسبة الإنفاق على خدمات الأمن السيبراني 49 في المائة من إجمالي حجم السوق بقيمة 7.9 مليار ريال.

كما استعرض التقرير أبرز منتجات وخدمات الأمن السيبراني التي تمثلت في «أمن الأجهزة الطرفية وإدارتها، وتكامل أنظمة الأمن السيبراني، وأمن الشبكات، وأمن البيانات، وحلول عمليات الأمن السيبراني».

التكامل الحكومي والخاص

وأكد التقرير أن نمو حجم سوق الأمن السيبراني في المملكة يأتي في إطار الجهود والمبادرات الرامية إلى تعزيز التنافسية وتشجيع الاستثمار والابتكار في قطاع الأمن السيبراني، والتكامل بين القطاعين الحكومي والخاص للإسهام في تنمية القطاع بالمملكة.

وتجدر الإشارة إلى أن منهجية إعداد الدراسة قد تضمنت تصنيف جميع المنتجات والخدمات في قطاع الأمن السيبراني وفقاً لتصنيف الخدمات والمنتجات الذي اشتمل على 100 منتج وخدمة، وذلك باتباع أفضل المنهجيات والمعايير والممارسات الدولية في هذا الشأن.

وتُعد الهيئة الوطنية للأمن السيبراني الجهة المختصة بالأمن السيبراني في المملكة، والمرجع الوطني في شؤونه، وتهدف إلى تعزيزه؛ حمايةً للمصالح الحيوية للدولة وأمنها الوطني، إضافةً إلى حماية البنى التحتية الحساسة والقطاعات ذات الأولوية، والخدمات والأنشطة الحكومية.

وتختص الهيئة بتحفيز نمو قطاع الأمن السيبراني في المملكة وتشجيع الابتكار والاستثمار فيه، وإجراء الدراسات والبحوث والتطوير في الأمن السيبراني، وإعداد التقارير الدورية حول حالة الأمن السيبراني في المملكة على المستويين الوطني والقطاعي.