«الوحدة» الليبية تتأهب لعملية عسكرية لاستعادة معبر «رأس جدير»

الدبيبة يعد استئناف الرحلات التركية مؤشراً على «الاستقرار»

معبر «رأس جدير» الحدودي بين ليبيا وتونس (أرشيفية - داخلية الدبيبة)
معبر «رأس جدير» الحدودي بين ليبيا وتونس (أرشيفية - داخلية الدبيبة)
TT

«الوحدة» الليبية تتأهب لعملية عسكرية لاستعادة معبر «رأس جدير»

معبر «رأس جدير» الحدودي بين ليبيا وتونس (أرشيفية - داخلية الدبيبة)
معبر «رأس جدير» الحدودي بين ليبيا وتونس (أرشيفية - داخلية الدبيبة)

تتأهب قوات موالية لحكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، لاستعادة السيطرة التي فقدتها على معبر «رأس جدير» الحدودي، المشترك بين ليبيا وتونس، فيما عد الهادي برقيق رئيس «المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا»، «أنه في حال عدم التنسيق معهم ستكون الحرب هي النتيجة».

وتمهيداً على ما يبدو، لاقتحام وفرض السيطرة على المعبر، وجه صلاح النمروش معاون رئيس أركان القوات الموالية لحكومة «الوحدة»، 7 ألوية بتجهيز آلياتها وعتادها، بعد إعلان عماد الطرابلسي وزير الداخلية بالحكومة، عن عملية عسكرية مرتقبة، للسيطرة على رأس جدير الحدودي مع تونس.

اصطفاف السيارات أمام معبر «رأس جدير» الحدودي بين ليبيا وتونس (أرشيفية - وزارة الداخلية بحكومة الدبيبة)

وسرّب النمروش، مساء السبت، رسالة وجهها بصفته نائباً لرئيس الأركان العامة، تتضمن تكليف ألوية: «444 قتال»، و«111 مجحفل»، و«555 مشاة»، والكتيبة «103 مشاة»، وبعض القوى الأُخرى التابعة لحكومة «الوحدة»، بتجهيز قوة «بقوام سرية بكامل أفرادها وآلياتها» على وجه السرعة.

وسارع آمر «الكتيبة 310» في اللواء «51 مشاة»، لإعلان حالة الطوارئ الداخلية، واستدعاء سرية الحماية وأفراد كتيبة المدفعية، صباح (الأحد)، محذراً من إحالة من يتخلف إلى المحكمة العسكرية، بينما تزين المعبر الحدودي بأعلام الأمازيغ، رداً من بلدية زوارة على تصريحات الطرابلسي بشأن إزالة أي علم غير علم الدولة الليبية.

الهادي برقيق رئيس المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا (الشرق الأوسط)

في المقابل، عدّ الهادي برقيق رئيس «المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا»، «أنه في حال عدم التنسيق ستكون الحرب هي النتيجة». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعبر ما زال مغلقاً حتى الآن ولا توجد بوادر لفتحه، حتى يتم التفاهم بشكل نهائي مع الجهات المعنية».

وعدّ أن ما حدث في «رأس جدير، مفتعل، الغاية منه سيطرة ميليشيات الزنتان، على منطقة تنتمي لمكون الأمازيغ، بغرض السيطرة عليه وتحجيمه». وقال: «نحن لا نرفض تسليم المنفذ لوزير الداخلية أو رئيس الحكومة، لأنه طلب غير منطقي»، وتساءل: «كيف نسلم المنفذ وهو تلقائياً يتبع وزارة الداخلية ويخضع لسلطاتها، وهذا ما أكده الوزير في تصريحات له قبل مدة قليلة؟».

وروى الهادي أنه بمجرد انتهاء «حرب 2011»، تم تسليم المعبر للسلطات الأمنية الرئيسية في العاصمة طرابلس، من وزارة الداخلية إلى إدارة الجمارك إلى أجهزة الأمن الداخلي والمخابرات وغير ذلك من الأجهزة، مشيراً إلى أن العاملين بالمنفذ هم خليط من كل أبناء المنطقة الغربية وليس زوارة فقط التي يوجد المنفذ في حدودها الإدارية.

صورة وزعها مجلس بلدية زوارة لاجتماع أمازيغي

وتابع: «من الواجب حماية هذا المنفذ لتقديم الخدمات إلى كل الليبيين من دون تمييز، حتى جاء الطرابلسي، على هرم وزارة الداخلية، والذي كان يحمل نزعة قبلية وجهوية، ويسعى إلى السيطرة على المنفذ، مستخدماً بذلك صلاحيات الوزارة».

وأوضح أن ما جرى مؤخراً، هو قيام الوزير بتكليف قوة تتبع إنفاذ القانون بالتوجه للمنفذ، «ووصلت وبدأت تقوم بتجهيز بعض الأعمال، ولكن تفاجأنا بالتعدي على الأجهزة الأمنية، وهنا تدخل المجلس البلدي في زوارة بحكم التبعية الإدارية، ولكن تمت مواجهة هذا التدخل وإطلاق النار على الأطراف التي تسعى لإنهاء الأزمة».

وأكد الهادي أن «جميع المشاكل سببها عدم وجود حكومة موحدة للدولة الليبية، تستمد شرعيتها من انتخابات حرة ونزيهة على المعايير الدولية».

وأضاف: «الحكومة في حالة تصريف أعمال، مع وجود حكومة موازية ووزير الداخلية مكلف، ليس من صلاحياته تغيير الوضع القائم، الذي يتطلب وحدة مؤسسات الدولة قبل الشروع فيها».

ورأى أن البعثة الأممية هي من «جعلت من ليبيا دولة ميليشيات ومحاصصة بين أمراء الحرب، والدليل أن المكون الأمازيغي بكل مدنه، والطوارق لم يتسلموا أي حقيبة سيادية في كل الحكومات»، مشيراً إلى ضرورة «أن تكون المعايير الدولية حاضرة في كتابة الدستور وتكوين الحكومات لتكتسب الشرعية والاستقرار».

وأكد أن «المعيق لكل ذلك، هو أن الموجودين في السلطة، متورطون في جرائم، لذلك يعرقلون التغيير ويفضلون الفوضى، كما أن دول مجلس الأمن مستفيدة من هذه الفوضى عبر عملائها الليبيين، وتعرقل البعثة الأمامية وجهودها».

وتابع: «لا بد من وجود حكومة موحدة، حتى نستطيع الذهاب إلى الانتخابات»، لافتاً إلى أن «مشروع الانتخابات أيضاً، يجب أن يكون مبنياً على قاعدة قانونية واضحة وسليمة توافقية تضمن تمثيلاً عادلاً لكل مكونات الأمة الليبية».

ووصف الميليشيات المسلحة، الموجودة حالياً على الساحة في غرب البلاد، بأنها «مجرد أدوات»، تستعمل من أطراف خارجية، وهنا كما قلت لا بد للبعثة أن تعتمد على المعايير الدولية لتكوين أي حكومة، على حد قوله.

أعلام الأمازيغ تزين معبر رأس جدير (وسائل إعلام محلية)

وكان مجلس بلدية زوارة الكبرى، أعلن أن اجتماعاً ضم الشخصيات الأمازيغية الفاعلة بالدولة، وممثلي «مجلس الحكماء والشورى»، وغرفة العمليات العسكرية، أكد «أن التصرفات الفردية والتوجهات العرقية وتصفية الحسابات، يجب ألا يكون لها مكان في سياسات الدولة والمؤسسات الحكومية».

وقال بيان للمجلس، إن عميده وأعضاءه أبلغوا الحضور، «بأن موقف الدفاع عن أرضهم من التعديات سيكون راسخاً وممتداً على جميع المكونات العسكرية والمدنية والأجيال المقبلة».

من جهة أخرى، عدّ عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، أن عودة الخطوط الجوية التركية، لاستئناف رحلاتها إلى ليبيا، ابتداءً من الأسبوع المقبل، بعد توقف لنحو 10 سنوات، بمثابة «مؤشر إضافي على تعزيز الاستقرار، بكل أشكاله رغم التحديات».

وأشاد الدبيبة في بيان عبر «إكس»، مساء السبت، بجهود قطاع المواصلات والطيران المدني، وكل من أسهم في تسهيل حركة النقل الجوي، وتحقيق الاشتراطات الفنية لعودة الشركات الكبرى إلى البلد.

في شأن آخر، نفى «المجلس الأعلى للقضاء»، صحة بيان منسوب إليه، بشأن إعلانه «بطلان قرار مجلس النواب بفرض ضريبة على العملة الأجنبية»، وتحذير المواطنين من التعهد بدفع قيمة الضريبة، لافتاً إلى أن البيان المتداول عبر بعض صفحات التواصل الاجتماعي، «لم يصدر من قبل المجلس».


مقالات ذات صلة

«الخطوط الجوية الجزائرية» تستأنف رحلاتها إلى العاصمة الليبية

شمال افريقيا «الخطوط الجوية الجزائرية» تقرر استئناف رحلاتها إلى طرابلس (الخطوط الجوية الجزائرية)

«الخطوط الجوية الجزائرية» تستأنف رحلاتها إلى العاصمة الليبية

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دولياً في ليبيا، أن الخطوط الجوية الجزائرية استأنفت، اليوم الأربعاء، رحلاتها المباشرة إلى طرابلس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)

الإدارة الجديدة لـ«المركزي الليبي» أمام مهمة عاجلة لـ«إنقاذ الدينار»

سارع محافظ مصرف ليبيا المركزي المكلف فوزي بوخزام، خلال الأيام الأولى من توليه منصبه، إلى تكثيف مشاوراته مع مؤسسات اقتصادية وسياسية ليبية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا بوتين مستقبلاً المنفي خلال زيارته العاصمة الروسية موسكو الثلاثاء (رويترز)

روسيا تزاحم المبادرات الأميركية والأممية للحل في ليبيا

سلَّطت مباحثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، في وقت متأخر الثلاثاء، الضوء على فرص تنشيط الدور الروسي في تسوية الأزمة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا قوات تابعة لحكومة «الوحدة» في طرابلس (أ.ف.ب)

تقرير: تركيا استضافت الأسبوع الماضي محادثات لتوحيد ليبيا

استضافت تركيا محادثات، الأسبوع الماضي، بين إدارتي الشرق والغرب الليبيتين بهدف توحيدهما، لكنها لم تُفضِ إلى اتفاق، وفق ما أفاد مسؤول تركي رفيع مطلع على المحادثات

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شمال افريقيا صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» في أبريل الماضي (صفحات مقربة من الطرفين)

غموض يلف مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية

تباينت القراءات حول مخرجات مباحثات أنقرة بين صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية».

جاكلين زاهر (القاهرة)

المسيّرات توسّع ضرباتها على منشآت الطاقة في السودان

سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)
سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)
TT

المسيّرات توسّع ضرباتها على منشآت الطاقة في السودان

سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)
سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)

واصلت الطائرات المسيّرة، الأربعاء، استهداف منشآت الكهرباء والوقود في مناطق جديدة خاضعة لسيطرة الجيش السوداني، شملت مدينتي المناقل بولاية الجزيرة وهيا بولاية البحر الأحمر، بعد سلسلة هجمات عطّلت محطات تحويل الكهرباء في عدد من الولايات، وأغرقت مناطق واسعة في الظلام. وحذرت الأمم المتحدة من التداعيات الخطيرة لاستهداف منشآت الطاقة على الخدمات الأساسية، فيما قال أمينها العام أنطونيو غوتيريش إن الصراع السوداني تحول من صراع على السلطة إلى «حرب على المدنيين». وفي المقابل.

وفي أحدث الهجمات، استهدفت مسيّرات يُرجح أنها تابعة لـ«الدعم السريع»، فجر الأربعاء، محطة كهرباء المناقل ومنشآت لتخزين الوقود وتوزيعه داخل المدينة. وأعلنت شركة توزيع الكهرباء خروج المحطة عن الخدمة، بينما أفادت مصادر محلية بانقطاع التيار عن المناقل والمناطق المجاورة. وقالت مصادر ميدانية إن فرق الدفاع المدني تمكنت من السيطرة على الحرائق، وسط معلومات متداولة عن تضرر ثلاث محطات وقود ومحوّل كهرباء رئيسي، من دون ورود تقارير عن خسائر بشرية.

وفي هجوم متزامن، تعرضت منشآت الوقود بمدينة هيا في ولاية البحر الأحمر لهجوم بثلاث مسيّرات استهدفت مضخة وقود رئيسية. ووفق معلومات أولية، أخطأت مسيّرتان هدفهما، فيما أصابت الثالثة الموقع من دون إحداث أضرار كبيرة. وتكتسب الهجمات على هيا أهمية خاصة لمرور خط رئيسي لنقل المشتقات النفطية عبر المدينة، يربط ميناء بورتسودان بالخرطوم وعدد من الولايات.

آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)

وجاءت الضربات بعد ساعات من استهداف محطة المرخيات التحويلية شمال غربي أم درمان، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة وانقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في الخرطوم وأجزاء من ولاية نهر النيل. ووصفت وزارة الطاقة والنفط الأضرار بأنها بالغة، وأعلنت بدء تقييم هندسي وفني تمهيداً للإصلاح. وكانت خمس محطات تحويلية في ولايات سنار والقضارف والنيل الأبيض والجزيرة قد تعرضت، الاثنين، لهجمات مماثلة، قالت شركة كهرباء السودان القابضة إنها تسببت في إظلام الشبكة الجنوبية الشرقية وتهديد استقرار الشبكة القومية.

وأفادت مجموعة «محامو الطوارئ» بإصابة اثنين من حراس محطة سنجة، وتضرر محوّل في محطة مشكور ومعدات بمحطة الحواتة، فيما خرجت محطة مصنع سكر الجنيد عن الخدمة. وسبقت هذه الموجة ضربة استهدفت محطة تندلتي بولاية النيل الأبيض في 20 أكتوبر (تشرين الأول)، وأدت إلى تدمير محولين رئيسيين وانقطاع الكهرباء عن تندلتي وأم روابة والأبيض.

تحذيرات أممية من انهيار الخدمات

وأعرب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» عن قلقه إزاء استمرار الهجمات على منشآت الكهرباء، محذراً من انعكاساتها على إمدادات المياه والخدمات الصحية وغيرها من المرافق الحيوية، ومشدداً على ضرورة حماية البنية التحتية المدنية بموجب القانون الدولي الإنساني. وفي موقف يعكس تصاعد القلق الدولي، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في منشور على منصة «إكس»، إن الحرب السودانية تحولت من صراع على السلطة، تغذيه جهات خارجية، إلى حرب على المدنيين. ودعا إلى وقف القتال وحماية السكان وضمان وصول المساعدات الإنسانية، مؤكداً ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته.

وفي السياق، حذر العميد المتقاعد طارق كجاب، المعروف بمواقفه المؤيدة للجيش، من احتمال اتساع انقطاع الكهرباء، مدعياً أن نحو 80 في المائة من منشآتها خرجت عن الخدمة، وأن إصلاح المحولات قد يستغرق أشهراً. غير أنه لم يقدم بيانات فنية تسند تقديراته. وأفاد سكان بعودة التيار تدريجياً، مساء الثلاثاء، إلى بعض أحياء الخرطوم وبحري وشرق النيل، فيما تواصل السلطات حصر الأضرار وإجراء الصيانة.

وفي دارفور، أعلن تحالف «تأسيس» ارتفاع حصيلة ضحايا الغارات التي استهدفت مدينة نيالا إلى 102 قتيل و113 مصاباً، متهماً الجيش السوداني بتنفيذها. وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن مستشفى نيالا التعليمي، الذي تدعمه، استقبل جثامين 36 شخصاً وأكثر من 150 مصاباً عقب غارة استهدفت سوقاً مكتظة بالسكان غرب المدينة، بينما أصابت غارة ثانية حياً سكنياً. وأوضحت المنظمة أن 21 من القتلى الذين وصلت جثامينهم إلى المستشفى كانوا يرتدون ملابس مدنية، وأن الفرق الطبية واصلت علاج المصابين. وكانت وكالة الصحافة الفرنسية قد نقلت، الثلاثاء، حصيلة أولية بلغت 21 قتيلاً وأكثر من 40 جريحاً، مشيرة إلى تعذر تحديد عدد مقاتلي «الدعم السريع» بين الضحايا.


أزمة المياه في تونس... تهديد يطال الاقتصاد والأمن الغذائي

بحيرات كثيرة اختفت بفعل الجفاف في تونس (رويترز)
بحيرات كثيرة اختفت بفعل الجفاف في تونس (رويترز)
TT

أزمة المياه في تونس... تهديد يطال الاقتصاد والأمن الغذائي

بحيرات كثيرة اختفت بفعل الجفاف في تونس (رويترز)
بحيرات كثيرة اختفت بفعل الجفاف في تونس (رويترز)

حذر البنك الدولي من أن ندرة المياه قد تكلف تونس ‌ما يعادل 6.4 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2050، إذا لم تتخذ إجراءات كافية لمواجهة الأزمة، في بلد لا يتجاوز نصيب الفرد فيه 380 متراً مكعباً من المياه العذبة المتجددة سنوياً.

وفي تقريره «تحدِّي المياه في تونس: من الندرة إلى القدرة على التكيف»، الصادر في 22 سبتمبر (أيلول) الماضي، قدر البنك الدولي احتياجات البلاد بنحو 900 مليون ​دولار سنوياً حتى منتصف القرن لمواجهة التحديات المائية.

ولا تقتصر أزمة المياه في تونس على تقلبات الأمطار ومستويات مخزون السدود؛ إذ تشمل أيضاً استنزاف الموارد، وخسائر شبكات التوزيع والري، والضغوط على الإنتاج الزراعي والأسعار، إلى جانب صعوبة تحويل الخطط والتمويلات المعلنة إلى إصلاحات ملموسة.

ويرى التقرير أن أزمة المياه في تونس ذات طابع هيكلي وليست عابرة، وأن تحسن الأمطار وارتفاع مخزون السدود لا يوفران سوى انفراجة مؤقتة في ظل الضغوط المتزايدة على الموارد المائية.

قلة التساقطات ترغم سكان القرى على قطع مسافات طويلة للتزود بالمياه (أ.ف.ب)

يقول الخبير حسين الرحيلي، المتخصص في التنمية والتحكم في الموارد، الذي يعتبر أن المياه والطاقة من أهم محددات التنمية الاقتصادية في أي دولة، لـ«رويترز»، إن التقرير يتوافق مع تحذيرات أُطلقت قبل عشر سنوات.

وتشير وثائق البنك الدولي إلى أن تونس تستغل نحو 92 في المائة من مواردها المائية السطحية، فيما بلغ استغلال المياه الجوفية نحو 133 في المائة من قدرتها على التجدد، مما يزيد مخاطر استنزاف المخزون الجوفي وتملّح المياه.

ووصف الرحيلي صيف 2026 بأنه استثنائي، مشيراً ‌إلى أن توفير ‌مياه الشرب أصبح الأولوية القصوى، في ظل الضغوط التي يشهدها القطاع.

الفلاحة والأسعار تحت الضغط

يعمل ​في ‌الزراعة ⁠نحو 14 ​في المائة ⁠من القوى العاملة في تونس، وترتفع النسبة إلى نحو 50 في المائة في المناطق الريفية.

ويقدر البنك أن الضغوط المناخية وقلة المياه قد تؤديان إلى فقدان ما لا يقل عن 30 في المائة من الوظائف الزراعية بحلول منتصف القرن.

وفي هذا السياق، قال الرحيلي إن الزراعة المروية تستهلك ما بين 75 و77 في المائة من إجمالي استهلاك المياه في تونس، مضيفاً أن تراجع الإنتاج الزراعي ساهم في ارتفاع أسعار الطماطم والفلفل والبطاطا والبصل بأكثر من 200 في المائة.

مواطنة تونسية في رحلة يومية للحصول على المياه في ظل ندرة التساقطات (رويترز)

وبلغ التضخم 5.9 في المائة في سبتمبر (أيلول) الماضي، فيما توقع الرحيلي أن يرتفع أكثر خلال أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، موضحاً أن عدد العاملين في الزراعة انخفض 30 في المائة، وأن النساء يمثلن 72 في المائة منها، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، أبعاداً اجتماعية عميقة للأزمة لا سيما على النساء.

وذكر الرحيلي أن الجفاف الذي شهدته البلاد عام 2023 أدى إلى انكماش القطاع ⁠الفلاحي بنحو 11 في المائة، مما أبقى النمو الاقتصادي قريباً من الصفر.

وقال مصدر من «اتحاد الفلاحين التونسيين» لـ«رويترز»، ‌طلب عدم الكشف عن اسمه، إن نحو 33 عطلاً في شبكات توزيع المياه بولاية نابل ‌(شمال شرق)، أكبر مناطق إنتاج الموالح (القوارص) في البلاد، أدت إلى تأخر بدء عمليات ​الري عن موعدها المعتاد، مما يعكس تداعيات نقص المياه، وضعف الاستعداد ‌للتغيرات المناخية على القطاع الزراعي.

وأضاف المصدر أن إنتاج الموالح قد يتراجع بنحو 10 في المائة في موسم 2026، مقارنة بإنتاج بلغ ‌نحو 270 ألف طن في الموسم السابق، وسط تحديات متزايدة تتعلق بالمياه والمناخ، وغياب استراتيجية واضحة لمواجهتها.

تسربات وتحلية وبدائل

تشير بيانات البنك الدولي إلى فقدان نحو 23 في المائة من مياه الشرب، و30 في المائة من مياه الري في الشبكات العمومية بسبب التسربات.

ودعا وزير الزراعة عز الدين بن الشيخ، خلال الندوة الدورية للمندوبين الجهويين للتنمية الفلاحية، الأسبوع الماضي، إلى التسريع في إنجاز المشاريع المائية، وإصلاح أعطال شبكات الري، وتحسين توزيع المياه وفق الحاجيات الفلاحية، للحد من ضياع الموارد المائية وتعزيز الأمن المائي.

نصيب المواطن التونسي لا يتجاوز 380 متراً مكعباً من المياه العذبة المتجددة سنوياً (رويترز)

ولا ‌تمثل تحلية مياه البحر سوى نحو 2 في المائة من إمدادات المياه في تونس، بينما لا تتجاوز حصة المياه المعالجة المعاد استخدامها 1 في المائة، بحسب وثائق البنك الدولي.

وأطلقت وزارة التجارة التونسية خطة لزيادة ⁠المخزون الاحتياطي من المياه المعبأة إلى نحو ⁠200 مليون لتر في أفق عام 2027، مقابل 70 مليون لتر في عام 2026، وذلك بعد أزمة غير مسبوقة شهدتها البلاد خلال صيف العام الحالي.

ويرى الرحيلي أن التحلية ينبغي أن تكون «آخر الحلول» بسبب كلفتها المرتفعة، ويقترح بدلاً من ذلك التوسع في استخدام المياه المعالجة، التي يتجاوز حجمها 300 مليون متر مكعب سنوياً، ولا يُستفاد سوى من 8 في المائة منها، إلى جانب استخدام الطاقة الشمسية لتشغيل محطات التحلية. كما دعا إلى استخدام تقنيات حديثة للحد من تبخر المياه في السدود، معتبراً أن الاعتماد على بناء السدود وحده لا يكفي لمواجهة التحديات المائية.

خطط حكومية وتمويل دولي

تقول الحكومة التونسية إن استراتيجية المياه 2050 والبرامج المقترحة للفترة 2026 - 2030، تقوم على أربعة محاور تضم 43 برنامجاً ونحو 1200 إجراء، باستثمارات معلنة تبلغ 74.515 مليار دينار، خُصص 53 في المائة منها للمياه غير التقليدية.

ويتضمن البرنامج الاستعجالي، الذي أُعلن عنه في التاسع من يونيو (حزيران) الماضي حفر 38 بئراً عميقة وربطها بالشبكة، وصيانة وتجديد 26 محطة ضخ، وتجديد شبكات في إطار 22 مشروعاً، فضلاً عن تسريع تنفيذ 187 منظومة مائية بكلفة 147 مليون دينار، يستفيد منها نحو 248 ألف شخص.

مظاهر الجفاف الحاد جنوب تونس (رويترز)

ووافق البنك الدولي في الأول من أبريل (نيسان) الماضي على تمويل بقيمة 332.5 مليون دولار للمرحلة الأولى من برنامج الأمن المائي والصمود، ​ضمن إطار تمويلي تصل قيمته إلى 700 مليون دولار على ​مدى عشر سنوات.

ويشمل التمويل مشروعاً لمياه الشرب بقيمة 208.5 مليون دولار، يهدف إلى مضاعفة الطاقة الإنتاجية لمحطة الزارات لتحلية مياه البحر في قابس من 50 ألف متر مكعب إلى 100 ألف متر مكعب يومياً، وتركيب 100 ألف عداد ذكي، كما يشمل مشروعاً للري بقيمة 124 مليون دولار يستهدف نحو أربعة آلاف فلاح.


مصر تعزز جاهزيتها لحماية مخزون السلع من تداعيات التوترات الجيوسياسية

أكد مصطفى مدبولي الأربعاء «مواصلة حكومته العمل على توفر مستويات آمنة من المخزون الاستراتيجي للسلع» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
أكد مصطفى مدبولي الأربعاء «مواصلة حكومته العمل على توفر مستويات آمنة من المخزون الاستراتيجي للسلع» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
TT

مصر تعزز جاهزيتها لحماية مخزون السلع من تداعيات التوترات الجيوسياسية

أكد مصطفى مدبولي الأربعاء «مواصلة حكومته العمل على توفر مستويات آمنة من المخزون الاستراتيجي للسلع» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
أكد مصطفى مدبولي الأربعاء «مواصلة حكومته العمل على توفر مستويات آمنة من المخزون الاستراتيجي للسلع» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

تعزز مصر جاهزيتها لحماية مخزون السلع من تداعيات التوترات الجيوسياسية. وأكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الأربعاء، مواصلة حكومته «العمل على توفر مستويات آمنة من المخزون الاستراتيجي للسلع والمنتجات الأساسية».

كما شدد على«أهمية المتابعة المستمرة لتطورات الأسواق العالمية، وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية للدولة، وتعزيز الجاهزية للتعامل مع أي مستجدات قد تؤثر في توفر السلع أو تكاليف الحصول عليها».

تأتي جهود الحكومة المصرية في ظل استمرار تراجع سعر الصرف الجنيه أمام العملة الأميركية، حيث تداول الدولار بنحو 56 جنيهاً في البنوك، الأربعاء.

وخلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، لفت مدبولي إلى أنه تم عقد اجتماع «اللجنة المركزية لإدارة الأزمات» هذا الأسبوع لمتابعة تداعيات التطورات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، وانعكاساتها على الأسواق العالمية، في ضوء الضغوط الناجمة عن ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد الدولية، وكذا متابعة موقف المخزون الاستراتيجي من السلع والمنتجات الأساسية والأدوية والمستلزمات الطبية والأسمدة.

وتشهد مصر موجات غلاء متتابعة وارتفاعاً متواصلاً في أسعار معظم السلع، زادت من حدته التوترات الإقليمية في المنطقة.

«سوق اليوم الواحد» بأحد الأحياء المصرية (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وأكد وزير التموين والتجارة الداخلية، شريف فاروق، أن «مبادرة خفض الأسعار» التي أطلقت منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، وتستمر لمدة 6 أشهر، «تستهدف إتاحة 30 سلعة أساسية بنسب خفض تصل إلى نحو 25 في المائة تنفيذاً للتكليف الرئاسي بتوفير منفذ واحد على الأقل بكل مركز في المحافظات».

كما أشار، الثلاثاء، إلى «التوسع في (أسواق اليوم الواحد) حيث تم افتتاح ما يقرب من 600 سوق على 3 مراحل، بالتوازي مع العمل على إقامة أسواق دائمة بالمحافظات، بما يتيح وصول المنتجات إلى المواطنين بصورة مباشرة، ويحدّ من تعدد الحلقات الوسيطة وتكاليف التداول». ووفق مراقبين، فإن «مبادرة خفض الأسعار» ستسهم مؤقتاً في توفر السلع، لكنها «لن تحتوي موجة الغلاء». وتحدثوا عن أن «المؤشرات تلفت إلى أن أسعار معظم السلع الغذائية تشهد ارتفاعاً عالمياً، وهو ما سينعكس بدوره على الأسواق المصرية».

وزارة التموين المصرية تعمل عبر مسارين لضبط الأسواق ومواجهة ارتفاع الأسعار (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

ضبط الأسواق

وبحسب إفادة لوزارة التموين المصرية أخيراً، فإنها تعمل عبر مسارين لضبط الأسواق ومواجهة ارتفاع الأسعار؛ زيادة المعروض وإتاحة السلع بأسعار مناسبة، وتعزيز الرقابة ومواجهة الممارسات المخالفة بما يدعم حماية المستهلك وتحقيق الانضباط في الأسواق.

وتحدث وزير التموين أمام الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الثلاثاء، عن توجه الوزارة نحو تطوير منظومة رقابية أكثر استهدافاً وفاعلية، تعتمد على البيانات وسرعة الاستجابة للمخالفات، بالتوازي مع تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية.

وزير التموين المصري خلال جلسة «التحالف الزراعي الصناعي بين روسيا وأفريقيا» بموسكو الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

احتياطي آمن

وتؤكد الحكومة المصرية باستمرار، نجاحها في الحفاظ على مستويات آمنة من الاحتياطي الاستراتيجي للسلع الأساسية، بمتوسط يصل إلى نحو 6 أشهر، مع وجود أرصدة أعلى لبعض السلع، بما يوفر مزيداً من الأمان للتعامل مع الاضطرابات المفاجئة في الأسواق وسلاسل الإمداد.

في غضون ذلك، أكد وزير التموين خلال جلسة «التحالف الزراعي الصناعي بين روسيا وأفريقيا: مواجهة التحديات معاً» ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي والإنساني الروسي - الأفريقي بموسكو، الأربعاء، أن «المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الترابط بين التجارة والاستثمار من خلال مشروعات تدعم النقل والتصنيع والوصول إلى الأسواق، بما يسهم في انتظام الإمدادات الغذائية واستقرارها، ويحقق المصالح المشتركة للمنتجين والدول المستوردة والمستثمرين».

وأضاف أن مصر تدرس فرص تطوير مركز لوجستي للحبوب والزيوت، يجمع أنشطة التجارة والتخزين والتصنيع والتوزيع، بما يدعم تأمين الاحتياجات المحلية، ويتيح فرصاً للاستثمار والتشغيل وخدمة الأسواق الإقليمية، وذلك في ضوء نتائج الدراسات الفنية والاقتصادية للمشروع.