ما السيناريوهات المُحتملة لتعامل قناة السويس مع تهديدات البحر الأحمر؟

عقب إعلان الهيئة تراجع حركة الملاحة بنسبة 30 %

الهجمات الحوثية في البحر الأحمر تؤثر على قناة السويس (أرشيفية - رويترز)
الهجمات الحوثية في البحر الأحمر تؤثر على قناة السويس (أرشيفية - رويترز)
TT

ما السيناريوهات المُحتملة لتعامل قناة السويس مع تهديدات البحر الأحمر؟

الهجمات الحوثية في البحر الأحمر تؤثر على قناة السويس (أرشيفية - رويترز)
الهجمات الحوثية في البحر الأحمر تؤثر على قناة السويس (أرشيفية - رويترز)

جدد إعلان الهيئة العامة لقناة السويس المصرية «تراجع حركة الملاحة بالقناة بنسبة 30 في المائة»، التساؤلات بشأن السيناريوهات المُحتملة لتعامل القناة مع التهديدات الأمنية في البحر الأحمر، لا سيما في أعقاب الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة الأميركية على مواقع تابعة لجماعة «الحوثي» في اليمن، فجر الجمعة.

وبينما رجح خبراء في مصر أن «سيناريو عودة حركة الملاحة لطبيعتها قريباً في قناة السويس، هو السيناريو الأرجح خلال الفترة المقبلة». تواصل القاهرة اتصالاتها مع شركات الشحن لاستئناف حركة الملاحة بالقناة.

وقال رئيس الهيئة العامة لقناة السويس، الفريق أسامة ربيع، في تصريحات متلفزة، مساء الخميس، إن «عائدات القناة بالدولار انخفضت بنسبة 40 المائة منذ بداية العام مقارنة بعام 2023، بعد أن أدت هجمات الحوثيين في اليمن على السفن إلى تحويل مسار إبحارها بعيداً عن هذا الممر المائي».

وأضاف ربيع أن «حركة عبور السفن تراجعت بنسبة 30 في المائة في الفترة من الأول من يناير (كانون ثاني) الحالي وإلى 11 من الشهر نفسه على أساس سنوي». وأوضح أن «عدد السفن العابرة لقناة السويس انخفض إلى 544 سفينة حتى الآن هذا العام، مقابل 777 سفينة في الفترة نفسها من العام الماضي».

وتعد قناة السويس أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة في مصر، وبلغت إيراداتها العام الماضي 10.3 مليار دولار، حسب الإحصائيات الرسمية.

سفينة حاويات تابعة لشركة «MSC» (إ.ب.أ)

سفن كبرى

وغيّرت سفن شحن كبرى مسارها للدوران حول رأس الرجاء الصالح، إثر تهديدات أمنية من جماعة «الحوثي» للسفن المارة في البحر الأحمر، رداً على استمرار الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.

وقال رئيس الهيئة العامة لقناة السويس إن «السفن المضطرة لاستكمال رحلاتها على وجه السرعة، هي فقط التي حولت مسارها حول رأس الرجاء الصالح، أما السفن الأخرى فتنتظر استقرار الوضع»، متوقعاً: «عودة جزء كبير من السفن عقب استقرار الأوضاع، لا سيما وأن رأس الرجاء الصالح ليس الطرق المناسب، خصوصاً في الشتاء».

وتسببت هجمات «الحوثي» في البحر الأحمر في تراجع حركة التجارة العالمية بنسبة 1.3 في المائة، خلال الشهرين الماضيين، حسب تقرير معهد «آي إف دبليو» الألماني للاقتصاد، فيما أرسلت شركات شحن كبرى مثل «ميرسك» الدنماركية، و«هاباغ لويد» الألمانية، سفنها في رحلات أطول وأكثر تكلفة عبر طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا.

بدوره، توقع خبير الأمن القومي والشؤون الأفريقية المصري، اللواء محمد عبد الواحد، «عودة حركة الملاحة لطبيعتها في قناة السويس قريباً». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم تأثر القناة حالياً، فإنه لا توجد مخاوف كثيرة بشأنها»، موضحاً أنه «ليس من مصلحة الغرب وشركات الشحن الكبرى تعطيل حركة الملاحة في قناة السويس لما في ذلك من تأثيرات كبيرة على تكلفة الشحن العالمية وزيادة مدته». وأضاف: «لن يتحمل الغرب هذه التكلفة، ولا تعطيل وصول ناقلات النفط إلى أوروبا، وبالتأكيد سوف تسعى الدول الكبرى إلى تأمين حركة الملاحة في البحر الأحمر».

تأمين الملاحة

واتفق مع الرأي السابق مدير الكلية البحرية الأسبق في مصر، اللواء محمد إبراهيم خليل. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حركة المرور سوف تعود إلى طبيعتها قريباً في قناة السويس، فلن تتحمل شركات الشحن الكبرى تكلفة تغيير المسار»، مشيراً إلى أن «قرار عدد من شركات الشحن الكبرى وقف الملاحة في القناة، ما هو إلا محاولة للضغط على الدول الكبرى لتأمين ممر الملاحة في البحر الأحمر».

وفي السياق، أفادت شركة الشحن البحري الألمانية هاباغ لويد بأن «الهجمات التي يشنها الحوثيون على السفن في البحر الأحمر تسببت في تكبيدها تكاليف إضافية شهرية تقدر بعشرات الملايين من اليوروهات».

ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن متحدث باسم المجموعة، قوله، الجمعة، إن الهجمات «تؤثر على الصناعة بأكملها وعلى الشركة أيضاً بشكل كبير». وأضاف أن «التأخيرات الناجمة عن التحويل عبر رأس الرجاء الصالح، هائلة، حيث أدت إلى تأخير الرحلات إلى الولايات المتحدة بمقدار أسبوع إضافي وإلى أوروبا بمقدار أسبوعين إضافيين وإلى شرق البحر الأبيض المتوسط بمقدار 18 يوماً إضافياً».

وشنّت الولايات المتحدة وبريطانيا، فجر الجمعة، ضربات على أهداف في مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن، وتأتي الضربات عقب قرار لمجلس الأمن الدولي، مساء الأربعاء، بإدانة هجمات الحوثي على السفن، وفي سياق تحالف «حارس الازدهار» الذي شكلته الولايات المتحدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر الشهر الماضي.

مدمرة أميركية في البحر الأحمر لحماية الملاحة (أ.ف.ب)

أهداف جيوسياسية

وهنا قال عبد الواحد إن «مصر موقفها متحفظ من تحالف (حارس الازدهار) وهي تنأى بنفسها عن التورط في هجمات داخل اليمن، كما أنها لا تريد أن تكون عضواً في تحالف لحماية إسرائيليين». وأضاف أن «الولايات المتحدة ضخمت من هجمات (الحوثي) إعلامياً للحصول على قرار من مجلس الأمن في تصعيد خطير منح الدول التي تتعرض سفنها للهجمات حق الدفاع عن نفسها، وهو أمر غير مسبوق في القانون الدولي، لذلك احتجت روسيا وطلبت عقد اجتماع للتحقيق في الهجمات على اليمن»، لافتاً إلى أن «التحالف هدفه الأساسي الوجود في المنطقة لتحقيق أهداف جيوسياسية في إطار تنافس بين روسيا والصين من ناحية، والولايات والغرب من ناحية أخرى». وأشار إلى أن «قرار مجلس الأمن أغفل السبب الرئيسي لهجمات الحوثي وهو الحرب في غزة».

وهو ما أكده مدير الكلية الحربية الأسبق بقوله إن «الولايات المتحدة تستهدف من تحالف (حارس الازدهار) الوجود في المنطقة تحت ستار حماية الملاحة في مضيق باب المندب». وأشار إلى أن «هجمات جماعة (الحوثي) لم تستهدف تعطيل حركة الملاحة بقدر (مناكفة) السفن الإسرائيلية وتلك المتجهة إلى إيلات».

وعقب الهجمات الأميركية البريطانية على اليمن، رحبت شركتا الشحن «ميرسك» و«هاباغ لويد» بالإجراءات التي تهدف إلى تأمين المنطقة، لكنهما لم تشيرا إلى ما إذا كان «ذلك سيؤدي لعودة الملاحة إلى قناة السويس».

وكانت ردود فعل السوق على الضربات الأميركية لمعاقل «الحوثي» محدودة في البداية، الجمعة، غير أن أسعار النفط ارتفعت بينما هزت التوترات سندات الخزانة الأميركية وأسواق الأسهم بعد الضربات، حسب «رويترز»، التي نقلت عن محللين قولهم إن «المستثمرين سيسعون إلى تقليل التعامل مع الأسواق الأكثر خطورة وزيادة الملاذات الآمنة». وأظهرت بيانات الشحن من مجموعة بورصات لندن ومنصة «كبلر» لمعلومات التجارة العالمية أن أربع ناقلات نفط على الأقل حوّلت مسارها من البحر الأحمر منذ الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا على أهداف للحوثيين في اليمن.

مدبولي بحث مع شركة «ميرسك» الخميس استئناف الملاحة بقناة السويس (مجلس الوزراء المصري)

عودة الأمن

ولا يتوقع عبد الواحد أن تصعد جماعة «الحوثي» من هجماتها في البحر الأحمر أو ضد الولايات المتحدة. وقال إن «الجماعة استطاعت إثبات وجودها كرقم مهم في أي تسوية مقبلة في اليمن، ومن المتوقع أن تنصحها إيران بعدم التصعيد».

وبينما تترقب شركات الشحن عودة الأمن للبحر الأحمر تواصل القاهرة مساعيها لاستعادة حركة الملاحة الطبيعية في قناة السويس، عبر زيارات واتصالات مع شركات الشحن الكبرى.

لكن عبد الواحد يرى أن «الفاعل المؤثر في قرار شركات الشحن الكبرى، هو الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن «قرار وقف الرحلات عبر قناة السويس كان بضغوط أميركية وعودتها سيكون كذلك أيضاً».

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، عقد لقاء مساء الأربعاء، مع مسؤولي شركة «ميرسك» لبحث سبل استئناف الملاحة بقناة السويس، حيث شددت القاهرة على «محورية أمن الملاحة في البحر الأحمر في ضوء ارتباطه الوثيق بقناة السويس».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي 
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين إلى النزوح

قال خبراء في حقوق الإنسان والقانون إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون الاعتداء والتحرش الجنسي لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».