عميل فرنسا الأول في طرابلس زمن القذافي يصفي حساباته مع مخابرات بلاده الخارجية

موسى كوسا أوحى للمخابرات الفرنسية برغبته في اللجوء لباريس لكنه حطَّ في لندن وحصل على اللجوء السياسي

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)
غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

عميل فرنسا الأول في طرابلس زمن القذافي يصفي حساباته مع مخابرات بلاده الخارجية

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)
غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

ثمة أسرار تلف السياسة الفرنسية إزاء ليبيا زمن رئاسة العقيد معمر القذافي، رغم مرور 12 عاماً على الإطاحة بنظامه وقتله وهو ما ساهمت به باريس بشكل فاعل عندما كان يرأسها نيكولا ساركوزي.

ولا يفهم المتابعون، الأسباب التي دفعت ساركوزي الذي استقبل القذافي في باريس، وفرش تحت قدميه السجاد الأحمر، وأتاح له أن ينصب خيمته في حدائق «بيت الضيوف» التابع للرئاسة والواقع في الجانب المقابل لقصر الإليزيه، إلى تعبئة بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والحلف الغربي ومجلس الأمن، لإتاحة التدخل العسكري الدولي في ليبيا.

ساركوزي والقذافي في طرابلس 15 يوليو 2007 (غيتي)

وما كاد مجلس الأمن يصوت على القرار 1973 الصادر بتاريخ 17 مارس (آذار) الذي يمنح حق التدخل العسكري «لحماية المدنيين الليبيين»، حتى كانت الطائرات المقاتلة الفرنسية تطلع من مطاراتها، وتوجه أول ضربة لدبابات العقيد المقتربة من بنغازي.

وقبل ذلك، كانت العلاقات بين باريس وطرابلس (الغرب) في أحسن حالاتها، والتعاون الأمني والاستخباري قائم على قدم وساق. كذلك كانت باريس ترغب في بيع السلاح لليبيا وتحديداً طائرات «رافال» المقاتلة، التي لم تكن وقتها قد وجدت أول زبون خارجي لها. من هنا، الحاجة إلى فهم التحول الجذري في سياسة باريس، وهو ما سعى إلى توضيحه جان فرنسوا لويلييه، في كتابه الصادر حديثاً عن منشورات «دار ماروي» تحت عنوان: «رجل طرابلس» والعنوان الفرعي: «مذكرات عميل سري». وترك لويلييه المخابرات الخارجية في عام 2014 وهو برتبة ضابط، ولم يتردد لاحقاً في توجيه انتقادات لاذعة لطريقة عملها.

تكمن أهمية الكتاب في أمرين: الأول، أنه يصدر عن شخص يروي من الداخل كيفية عمل المخابرات الفرنسية الخارجية التي كان عميلاً لها لفترة طويلة من حياته. بمعنى أن يخبر قصة حياته بصيغة المتكلم. والثاني، أنه كان في ليبيا، مديراً لمكتب مخابرات بلاده، وذلك بعلم المخابرات الليبية التي كان يتعاون معها في مسائل تخص الإرهاب وشؤوناً أخرى أفريقية.

القذافي وساركوزي في الإليزيه 10 ديسمبر 2007 (غيتي)

كذلك يروي لنا، أن مكاتب مخابرات أخرى كانت بدورها قوية الحضور في طرايلس، أكانت المخابرات الأميركية أو البريطانية أو الإيطالية. ويعطي أسماء ممثليها، الذين كان كل واحد منهم، يتمتع بتغطية دبلوماسية، كما كان الحال معه هو، العميل الفرنسي. من هنا، فائدة الكتاب الذي يصور لحظة بدء انفراط عقد النظام، والتحول الذي أصاب الدبلوماسية الدولية على وقع «الربيع العربي»، وسقوط نظامي زين العابدين في تونس وحسني مبارك في مصر، والتسابق بين الدول الغربية لإقامة علاقات مع «القوى الثورية» الطالعة التي تعد رهان الغد.

بيد أن العميل السابق يستفيد من كتابه كذلك، لتصفية حسابات شخصية مع المخابرات الخارجية الفرنسية، متهماً إياها أحياناً بـ«عدم الكفاءة»، وأحياناً أخرى بالمحاباة، فضلاً عن البيروقراطية. ويعد كتاب «عميل في طرابلس»، إلى حد بعيد، سيرة ذاتية تتضمن وصف حالاته النفسية وتنويعاتها، وأحياناً أخرى تظلمه لأنه لم يحصل على تعيين أو ترقية أو مهمة. والأطرف في كتابه أنه يخبرنا أن زوجته «أنياس» بعد اضطرارهما السريع إلى الخروج من طرابلس عندما بدأ الحراك الثوري يدق أبوابها، بناء على طلب الإدارة المركزية، كانت قريبة من الانهيار العصبي لأنها تركت وراءها أثاث المنزل، واضطرت إلى السكن مع ابنتيها في شقة ضيقة قريبة من ساحة الباستيل في باريس. والأطرف إصابتها بالكآبة لأن هرتها «بابوش» بقيت في ليبيا، ولم ترحل مع من رحلوا.

بالتوازي يمكن اعتبار الكتاب بمثابة «دليل» يكشف طريقة عمل المخابرات الفرنسية من الألف إلى الياء. إذ إنه يشرح بالتفصيل القواعد التي يتعين على العميل التقيد بها، والتسلسل الهرمي والأقسام الفاعلة فيها، والتنافس بين أفرادها، وأحياناً كثيرة قادتها، حيث إن لكل منهم حاشية ومحظيين. ويسهب المؤلف في شرح كيفية تجنيد العملاء والقواعد المفترض التقيد بها، ويحدثنا عن أشخاص حاول تجنديهم شخصياً، مسمياً منهم «غابي العجيب» وفيصل وبشير وياسمين، ولا يتردد في تعريفنا بفلسفته في الحياة، والعمل حيث قضى سني حياته باحثاً عن إنجازات. وأحياناً يمل القارىء ويضيع في متابعة تفاصيل عمل المؤلف في طرابلس حيث يصيبه النجاح أحياناً والخيبة أحياناً أخرى.

وزير الخارجية الليبي السابق موسى كوسا (غيتي)

لطمة موسى كوسا للمخابرات الفرنسية

يكشف الكتاب الواقع في 359 صفحة، مجموعة من الأسرار التي يعرف بعضها للمرة الأولى، وأحدها محاولة المخابرات الفرنسية إقناع موسى كوسا، وزير الخارجية الليبي وقتها، والرجل المقرب من القذافي، بالانشقاق عن النظام والانتقال إلى باريس، مما كان سيشكل «نصراً سياسياً» لسياسة ساركوزي. ويروي المؤلف أن طلب لقاء مسؤولين فرنسيين كبار في جهاز المخابرات الخارجية هما إيرارد كوربان دو مانغو، مدير عام الأمن الخارجي وباتريك كالفار، مدير المخابرات، جاء من الطرف الليبي عبر «وسيط» لبناني اسمه س. ر. ويقدمه الكتاب كالتالي: س. ر. لبناني مسيحي، صحافي التكوين ورجل أعمال، سبق له أن انضم إلى «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، التي كان يقودها نايف حواتمة، نجح في التقرب من المسؤولين الليبيين، وعمل وسيطاً لهم مع دول أفريقية وأوروبية، وخصوصاً بريطانيا.

وحصل س. ر المقيم في فرنسا، على الجنسية الفرنسية، وبفضل علاقاته، نجح في التقرب من المخابرات الفرنسية التي كان يبيعها معلومات تتناول ليبيا. وقد أسر لكلود غيان، وزير الداخلية، والمسؤول الأقرب لساركوزي، أن موسى كوسا يود الانشقاق، وهو بإمكانه الحصول بسهولة على إذن من القذافي للقاء الفرنسيين، من أجل «مناقشات سياسية» سرية في جربا. وهذا ما حصل. وجرت اللقاءات على مرحلتين: الأولى بين دو مانغو وكالفار من جهة، ومن جهة أخرى، موسى كوسا وعبد اللطيف العبيدي، مسؤول الملفات الأوروبية في وزارة الخارجية الليبية. وجرت «مسرحية» المحادثات السياسية كما هو مكتوب لها: الجانب الفرنسي يريد من النظام «وقف عدوانه» على المدنيين، ووقف إطلاق النار، وانسحاب القذافي من السلطة، الأمر الذي رفضه المسؤولان الليبيان باعتبار أنه شأن «وطني». لم يرفضا وقف النار، لكنهما أصرا على مشاركة مراقبين من الاتحاد الأفريقي. وهكذا دواليك.

معمر القذافي (غيتي)

أما في الواقع، فإن المسؤولين الفرنسيين، كانا يتحينان الفرصة لإبلاغ موسى كوسا، أن باريس مستعدة لإعطائه اللجوء السياسي حال انفصاله، وأن طائرة حكومية فرنسية تنتظره في مطار جربا. وبعد جلسة محادثات ثانية لم يحضرها موسى كوسا، سأل الفرنسيان س. ر، عما إذا كان موسى كوسا لا يزال راغباً في الانشقاق والرحيل عن ليبيا. وكان الجواب بتأكيد ذلك. وكم كانت مفاجأة الفرنسيين كبيرة، عندما علموا بعد ساعات قليلة، أن كوسا صعد على متن طائرة تجارية متجهة إلى لندن، وحصل على اللجوء السياسي حال هبوطه من الطائرة.

وبذلك تكون المخابرات الفرنسية قد خدعت، ولم تكن اجتماعات جربا سوى حجة، لتمكين موسى كوسا من طلب اللجوء إلى بريطانيا بتواطؤ من س . ر.

يسرد المؤلف قصة خروج الدبلوماسيين الفرنسيين من طرابلس، مع اقتراب الأحداث من العاصمة، ورحيل الغربيين باستثناء الإيطاليين الذين كانوا آخر من خرج، الأمر الذي فاجأ مدير مكتب المخابرات الفرنسية الذي كان على تواصل دائم مع الجنرال سالم كركا، رئيس مكتب العلاقات الخارجية في المخابرات الليبية ومع عبد الله السنوسي، الرجل الثاني في النظام. ويشير الكاتب إلى أن استعجال ترحيل الفرنسيين مرده لكون باريس تحضر لتدخل عسكري سريع في ليبيا. وقد حصل الترحيل صبيحة يوم 26 فبراير (شباط) عام 2011، وسبق ذلك إتلاف المستندات الموجودة كافة في مكتب المخابرات، وتعطيل ماكينات المراسلة المشفرة حتى لا تقع بأيد غير صديقة.

وجاء في الكتاب: «أطلقت فرنسا عملية (هارماتان) منذ 19 مارس (آذار ) والغموض الذي أحاط بقرار مجلس الأمن أصبح اليوم واضحاً . إذ إن فرنسا أطلقت العمليات الحربية، وطلب تدمير الأرشيف سببه، أن العملية تهدف إلى تدمير نظام القذافي»، بينما يدعو قرار مجلس الأمن لحماية المدنيين.

وقبل بدء العملية العسكرية، طلب من العميل أن يساعد على تحديد إحداثيات المواقع المهمة في ليبيا، والقواعد العسكرية، والمضادات الجوية التي تحميها والشخصيات المسؤولة، والغريب في الأمر أن الليبيين كانوا يعيشون في كوكب آخر، والدليل على ذلك، أن عبد الله السنوسي، الشخصية الثانية في النظام وقريب القذافي، طلب مباشرة من عميل المخابرات الفرنسية «مساعدة فرنسا» لمحاربة الإسلاميين في بنغازي ودرنة وطبرق والبيضاء، محذراً من قيام «إمارة إسلامية» في الجبل الأخضر، والسطو على مخازن سلاح الجيش في هذه المناطق.

وفي آخر لقاء له مع الكاتب، طلب السنوسي «مساعدة لوجستية ومسلحة فرنسية باعتبار أن الحرب على الإرهاب مشتركة»، مما يعكس جهلاً تاماً بسياسة باريس وخططها، بالنسبة إلى ليبيا، إذ تجدر الإشارة إلى أن فرنسا كانت الأكثر استعجالاً للتدخل العسكري ضد النظام والتخلص من القذافي. ويكشف الكتاب أمرين: الأول، أن فرنسا زودت «الثوار» بأسلحة متنوعة، إضافة إلى الضربات الجوية التي وجهتها طائراتها المقاتلة لقوات النظام، ومنها الضربة التي أصابت موكب القذافي وأدت إلى القبض عليه ثم قتله والتنكيل بجثته التي دفنت لاحقاً في مكان غير معلوم. والثاني، أن أفراداً من القوات الخاصة الفرنسية، عملوا إلى جانب «الثوار»، وهو أمر لم تعترف به فرنسا أبداً.

ويشكو المؤلف، من أنه علم بهذا الأمر عن طريق عميل بريطاني وليس مباشرة من إدارته.

وبعد ليبيا، أعيد إرسال الكاتب عقب إقامة قصيرة في باريس، إلى تونس التي كانت الوجهة المفضلة للاجئين الليبيين وبعض رجالات النظام الراغبين في الانشقاق السياسي. وكانت مهمته «وفق توجيهات عليا»، أي من قصر الإليزيه، «البحث عن مسؤولين يودون الانفصال عن النظام» وجلبهم إلى فرنسا وإبرازهم كغنائم، ونظراً لمعرفته العميقة بأوضاع ليبيا، أعيد العميل إلى الميدان الليبي ليعمل إلى جانب «الثوار»، ويواصل المهمات التي كلف بها سابقاً.

بشير صالح (غيتي)

بشير صالح وعبد الله السنوسي

إذا كان القارىء يبحث عن تفاصيل مثيرة حول مقتل العقيد القذافي، الذي قصفت طائرات التحالف موكبه وهو يحاول الفرار مع أحد أبنائه (المعتصم) ومجموعة من أتباعه عقب سقوط طرابلس، فإنه يخرج فارغ الوفاض. كذلك تخيب آماله إذا منى النفس بالحصول على معلومات عن سر انقلاب ساركوزي على القذافي أو عن المعلومات التي تتحدث عن قيام الأخير بتمويل حملة الرئيس الأسبق في عام 2007، حيث أكد القذافي وسيف الإسلام، أن طرابلس مدت ساركوزي بالملايين.

وتجدر الإشارة، إلى أن محكمة باريسية وجهت اتهامات خطيرة للرئيس الأسبق بخصوص تمويل حملته وتلقيه أموالاً من ليبيا. مرة واحدة فقط، يلمح الكاتب عن بعد، لهذه المسألة حيث يتساءل عن «سر العلاقة بين بشير صالح، مدير مكتب العقيد القذافي وكلود غيان»، أمين عام رئاسة الجمهورية في عهد ساركوزي ثم وزير داخليته. كذلك، فإن شخصية أخرى هي عبد الله السنوسي، تحتل مكاناً بارزاً في رواية لويلييه.

يسهب الكاتب في سرد قصة اقتناص بشير صالح، مدير مكتب العقيد القذافي الخاص والمقرب منه، الذي شغل أواخر التسعينات منصب مدير «محفظة ليبيا وأفريقيا للاستثمار»، التي مكنته من إنشاء شبكة واسعة من العلاقات كانت مفيدة له لاحقاً. ويؤكد الكاتب أنه جمع، وهو في هذا المنصب، ثروة طائلة استثمرها في الغرب. بقي صالح وفياً للقذافي حتى قرب سقوط طرابلس. بعد ذلك، وعند شعوره بالخطر، سلَّم نفسه لكتيبة «ثوار زنتان»، واستفاد من حمايتها الأمنية، ومن علاقاته مع غيان ودومينيك دو فيلبان، رئيس الوزراء الأسبق، ليحصل على ترحيل عائلته إلى فرنسا على أيدي المخابرات الفرنسية. ثم إن الفرنسيين تدخلوا مجدداً لصالحه لدى مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الليبي الانتقالي (الحكومة) ليتاح له الخروج من ليبيا. وكانت «الأوساط العليا» في فرنسا تأمل أن يلتحق بعائلته. وبالفعل، سافر صالح إلى باريس حيث التقى عدداً من المسؤولين، إلا أنه لم يبق فيها، بل فضل التوجه إلى جنوب أفر يقيا. وعاد إلى الواجهة السياسية مجدداً عندما قدم ترشيحه لانتخابات رئاسة الجمهورية في عام 2021. بيد أن تلك الانتخابات لم تحصل أبداً.

عبد الله السنوسي (غيتي)

ثمة شخصية ليبية عسكرية من الطراز الأول، كانت تهم منذ البداية عبد الله السنوسي، رئيس المخابرات العسكرية ونسيب القذافي لأنه زوج أخت عقيلته ويده اليمنى. يروي الكاتب، أنه كان على علاقة مباشرة مع السنوسي الذي اتهم سابقاً بتدبير مجزرة سجن «أبو سليم» وإسقاط طائرة لوكربي، وبرغم ذلك، لم تتردد المخابرات الفرنسية في التعاطي معه لا بل العمل على دفعه للانشقاق عن النظام. بيد أن االسنوسي لم يستجب للإغراءات الفرنسية وبقي وفياً للقذافي حتى النهاية، مما شكل نكسة أخرى للمخابرات الفرنسية.

والمعلوم أن السنوسي، الذي كان يعد بمثابة «البعبع» لليبيين وقد دارت بخصوصه أخبار متناقضة. وبحسب العميل الفرنسي، فإن مخابرات بلاده بذلت جهداً استثنائياً لوضع اليد عليه، وخططت مع المخابرات الليبية بعد قتل القذافي للقيام بعملية مشتركة للقبض على السنوسي في مالي. لكن الأخير توارى عن الأنظار، لترد أخبار تفيد بوجوده في النيجر أو الكاميرون وأيضاً في المغرب أو الجزائر. لكن السنوسي وقع في قبضة الأمن الموريتاني لدى نزوله من الطائرة في مطار نواكشوط. ويعترف الكاتب أن المخابرات الفرنسية لعبت دوراً في ذلك، ولكن ليس عن طريق مكتبها في طرابلس. وبعد إصرار المجلس الانتقالي وضغوط غربية، أبرمت الحكومة الموريتانية «صفقة» رابحة مع طرابلس سلمت بموجبها السنوسي إلى سلطاتها. وفي 2015، قضت محكمة ليبية بإعدامه. بيد أن الحكم لم ينفذ وفي عام 2019 طالبت قبيلة «المقارحة» التي ينتمي إليها بإطلاق سراحه لأسباب صحية.

طرابلس - ليبيا (شاترستوك)

في الفصل الأخير من الكتاب، يرخي المؤلف العنان لتوجيه انتقادات حادة للدولة الفرنسية، متهماً إياها بـ«الطيش والخداع» في ليبيا. فالعملية العسكرية التي دفعت بها باريس إلى الأمام «كان غرضها الرسمي حماية المدنيين في الشرق» . إلا أنها «تسببت في آلام ومآسٍ لشعب بأكمله». ويضيف الكاتب: «لقد قضينا على رجل (القذافي) ودمرنا بلداً من غير أن نأخذ بعين الاعتبار، أنه كان يشكل (حصناً بوجه الإسلاموية)». وفي نظره، فإن القضاء على النظام الليبي، أعقبه نسف الاستقرار في منطقة الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد) وحتى وسط أفريقيا والكاميرون. ويذهب أبعد من ذلك، ليؤكد أن «مروجي التدخل العسكري سعوا إلى التغطية على الحصيلة الكارثية (لتدخلهم) الذي زرع الفوضى والبؤس. ولكن ما همهم؟ لقد حققوا هدفهم وقضوا على القذافي. لكن مع دفنه وأدوا أيضاً الأخلاقيات الغربية . . . ».


مقالات ذات صلة

السلطات الليبية لاحتواء غضب الشارع من «التوطين»

شمال افريقيا تظاهرة مناهضة للتوطين في طرابلس (حركة نشطاء طرابلس ضد التوطين)

السلطات الليبية لاحتواء غضب الشارع من «التوطين»

تسابقت القيادات السياسية والعسكرية والأمنية في شرق ليبيا وغربها خلال الساعات الماضية، في إطلاق مواقف «تُظهر حزماً بشأن الهجرة غير النظامية».

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع لجنة «4+4» الليبية في تونس الخميس (البعثة الأممية)

حراك أممي يستبق إعلان توصيات الحوار المهيكل بليبيا

يترقب الليبيون، الأحد، إعلان مخرجات الحوار المهيكل الذي رعته بعثة الأمم المتحدة منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ضمن مساعيها للدفع بـ«خريطة طريق».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مشايخ وأعيان مدينة الزاوية خلال إلقاء بيان استنكار لفوضى الميليشيات (وسائل إعلام محلية)

أهالي الزاوية الليبية ينتفضون ضد تصاعد فوضى الميليشيات المسلحة

شنّت المكونات القبلية والاجتماعية في مدينة الزاوية، غرب ليبيا، السبت، هجوماً عنيفاً وغير مسبوق على ما وصفته بـ«فوضى متصاعدة» من قتل وتدمير للممتلكات.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

تحاول مدينة درنة الليبية، التي كادت أن تُمحى بفعل إعصار دانيال عام 2023، النهوض من جديد، من خلال عملية إعمار متسارعة، تشمل تشييد جسور ومبانٍ سكنية ومنشآت صحية.

«الشرق الأوسط» (درنة (ليبيا))
شمال افريقيا الزادمة خلال اجتماعه مع وزراء ومسؤولين بحكومة «الوحدة» لبحث أزمات الجنوب (منصة «حكومتنا»)

«الوحدة» الليبية تتحرك لمعالجة أزمات الجنوب بـ«خطط عاجلة»

وسط معاناة الجنوب الليبي الممتدة منذ سنوات، تقول حكومة «الوحدة» إنها «تسعى إلى إيجاد حلول جذرية ومستدامة لإعادة إعمار البنية التحتية هناك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تأكيد أميركي بانضمام مصر لـ«قوات غزة»... وترقب لنشرها بالقطاع

عسكري مصري يصافح أحد أفراد القوات الأميركية (الخارجية الأميركية)
عسكري مصري يصافح أحد أفراد القوات الأميركية (الخارجية الأميركية)
TT

تأكيد أميركي بانضمام مصر لـ«قوات غزة»... وترقب لنشرها بالقطاع

عسكري مصري يصافح أحد أفراد القوات الأميركية (الخارجية الأميركية)
عسكري مصري يصافح أحد أفراد القوات الأميركية (الخارجية الأميركية)

جاء الإعلان الأميركي عن مشاركة مصر في «قوة الاستقرار الدولية» بقطاع غزة، ليطرح تساؤلات حول مدى مساهمة قوات مصرية في حلِّ أزمة تأخر نشر «القوة الدولية» بالقطاع حتى الآن، وإلى أي مدى سيتم تجاوز تحديات إعلان تشكيلها لمراقبة تنفيذ «اتفاق وقف إطلاق النار» بالقطاع.

وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية، مشاركة مصرية في «قوة الاستقرار الدولية» بغزة، ونشرت عبر حسابها الرسمي، صوراً لعسكريين مصريين لدى انضمامهم. وأكدت أن «المساهمة المصرية بالغة الأهمية من دولة جارة للقطاع».

ووفق عسكريين ودبلوماسيين مصريين، تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ «المساهمة المصرية في هذه القوات تُعدُّ خطوةً مهمةً، بالنظر إلى دور القوة الدولية في الإشراف على حركة المعابر ودخول المساعدات الإغاثية، والإشراف على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وعملية إعادة الإعمار والتعافي المبكر بالقطاع».

وتُعدُّ «قوات استقرار غزة»، أحد أبرز بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع، الذي جرى التوقيع عليه في «قمة السلام» بشرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، غير أنَّها لم ترَ النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية كثيرة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع، برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

«الخارجية الأميركية» تؤكد انضمام مصر إلى «قوة الاستقرار الدولية بغزة» (الخارجية الأميركية)

وخلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام العالمي» في واشنطن، في شهر فبراير (شباط) الماضي، قال قائد قوة الأمن الدولية في قطاع غزة جاسبر جيفرز: «إن 5 دول تعهَّدت بإرسال قوات للمشارَكة في قوة أمنية دولية لقطاع غزة». وأشار إلى أنَّ تلك الدول هي: إندونيسيا، والمغرب، وكازاخستان، وكوسوفو، وألبانيا، بينما تعهَّد الأردن ومصر بتدريب عناصر الشرطة الفلسطينية.

وأرفقت وزارة الخارجية الأميركية، صوراً لعسكريين مصريين، لدى انضمامهم لـ«قوة الاستقرار الدولية» بغزة.

وقالت: «بصفتها دولة مجاورة للقطاع، فإنَّ مشاركة مصر وقيادتها في هذا الجهد المشترك، تُعدُّ بالغة الأهمية لنجاح المهمة»، في حين لم تعلن القاهرة من جانبها، رسمياً مشاركة قوات في «قوة الاستقرار الدولية».

وفي أكثر من مناسبة، شدَّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، على أهمية «سرعة تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية»، إلى جانب «دعم نشر عناصر الشرطة الفلسطينية للاضطلاع بدورها في حفظ الأمن، واستكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن قطاع غزة».

آثار قصف إسرائيلي لخان يونس صباح السبت (أ.ف.ب)

و«تعدُّ مصر شريكاً أساسياً في اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة»، وفق عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، والمستشار بـ«الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية»، اللواء عادل العمدة، الذي يضيف قائلاً: «أي مشاركة مصرية في دعم الأمن والاستقرار بغزة، تأتي من منطلق ارتباط ما يحدث في القطاع بأمن مصر القومي المباشر».

ويشير العمدة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّ «تنسيق الجهود بين القوات المشاركة في قوة الاستقرار الدولية، يتم وفق الأطر المحددة لها من جهة تشكيلها، وهي مجلس السلام العالمي». وقال: «إن جزءاً من تحديات عمل تلك القوة، يتمثل في مسألة نزع سلاح حركة حماس، التي من الصعب أن تتخلى عنه إلا بتوافر ضمانات كثيرة من الجانب الإسرائيلي، أهمها عدم العدوان على الفلسطينيين المدنيين».

ولتجاوز تحديات عمل القوة الدولية، يعتقد الخبير العسكري المصري، اللواء سمير فرج، أن «من المهم تحديد طبيعة مهمة قوت الاستقرار الدولية، ما إذا كانت لحفظ السلام والاستقرار، أو لفرض السلام»، مشيراً إلى أن «هذه خطوة ضرورية لأنه إذا كانت المهمة فرض السلام، فإنَّ ذلك يعني اللجوء لتدخل عسكري في مواجهة عناصر المقاومة الفلسطينية، وهو ما لا تريده القاهرة».

وتستهدف القاهرة دفع جهود استكمال استحقاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع، وفق فرج الذي يوضِّح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة أشرفت مع الأردن على تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية تمهيداً لنشرها داخل القطاع»، إلى جانب «استضافة اجتماعات الفصائل الفلسطينية؛ بهدف تهيئة المناخ الفلسطيني لاستكمال خطة السلام وإعادة الإعمار في القطاع».

العنف اليومي يهز قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأعلنت حركة «حماس»، الجمعة، وصول وفد من قيادة الحركة برئاسة خليل الحية، إلى القاهرة؛ استعداداً لبدء جولة جديدة من المفاوضات. وقالت: «إن وفد الحركة سيعقد لقاءات مع المسؤولين المصريين والوسطاء؛ بهدف استكمال تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار».

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد، أنه «لا يوجد تقاطع بين دور مصر في تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية، ومشاركتها في قوة الاستقرار الدولية». وأضاف: «هذه القوة سيكون دورها مُكمِّلاً لدور قوات الشرطة الفلسطينية في دعم الاستقرار بقطاع غزة»، عادّاً أن «المساهمة المصرية ستساعد على طمأنة الفلسطينيين داخل القطاع».

ويوضِّح أحمد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تعويل مصري على دور القوة الدولية لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار، كما أنه سيكون من بين أدوارها، الإشراف على حركة المعابر الخاصة بالقطاع، وضمان وصول المساعدات الإغاثية للفلسطينيين، إلى جانب مراقبة انسحاب الجانب الإسرائيلي من المناطق التي يسيطر عليها، وضمان إجراءات عملية التعافي المبكر، وإعادة الإعمار داخل القطاع».

وباعتقاد السفير رخا أحمد، أن «التحدي الرئيسي الذي يواجه قوة الاستقرار الدولية، يتمثل في ممارسات الجانب الإسرائيلي داخل القطاع، ومدى قبول تل أبيب بقيام هذه القوات بدورها».


«النيابة المصرية» تسند لصبري نخنوخ تهم «حيازة أسلحة والخطف»

مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
TT

«النيابة المصرية» تسند لصبري نخنوخ تهم «حيازة أسلحة والخطف»

مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)

أعلنت النيابة المصرية، السبت، تفاصيل قضية توقيف رجل الأعمال المثير للجدل صبري نخنوخ، على خلفية اتهامات تتعلق بـ«اقتحام أحد معارض السيارات في منطقة التجمع الخامس شرق القاهرة».

ومنذ منتصف الأسبوع الماضي، لا تزال قضية توقيف نخنوخ، الذي أُلقي القبض عليه، الثلاثاء الماضي، تحظى باهتمام واسع في مصر.

وسلطت النيابة الضوء على تفاصيل الواقعة التي بدأت «ببلاغات مقدمة من مالك معرض سيارات أفادت بقيام المتهم وآخرين باقتحام المعرض على خلفية خلافات مالية، والتعدي على أحد العاملين وإحداث إصابات به، فضلاً عن الاستيلاء على وحدة تسجيل كاميرات المراقبة الخاصة بالموقع، وهو ما أكدته تحريات الأجهزة الأمنية»، بحسب بيان قضائي، السبت.

وأورد البيان سرداً لتفاصيل ما جرى العثور عليه خلال تفتيش مسكن المتهم والمقار التابعة له، ومنها «كميات من الأسلحة النارية شملت بنادق آلية ورشاشاً وطبنجة، إلى جانب كميات كبيرة من الذخيرة الحية قُدرت بنحو 1000 طلقة، إضافة إلى أجهزة اتصال غير مرخصة، وقطع يُشتبه في كونها أثرية، فضلاً عن وحدة تسجيل كاميرات المراقبة المبلَّغ بسرقتها».

وأشارت إلى أن التحقيقات الأولية خلصت إلى وجود مؤشرات على تشكيل يُشتبه في كونه عصابياً، يمارس أعمال «فرض السيطرة والبلطجة» باستخدام القوة والتهديد، متخذاً من أنشطة تجارية واجهة لتحركاته، في حين جرى حبس المتهمين احتياطياً على ذمة القضية، وتجديد حبسهم لاحقاً لمدة 15 يوماً.

وكشف فحص الهواتف المحمولة الخاصة بالمتهمين وتفريغ محتواها، بحسب النيابة العامة، عن تسجيلات ومحادثات تتضمن وقائع أخرى قيد التحقيق، من بينها اتهامات «تتعلق بالخطف والاحتجاز القسري والتعذيب والإكراه على توقيع مستندات، إضافة إلى حيازة أسلحة وأدوات تعذيب»، مشيرة إلى أن هذه الوقائع تخضع لفحص موسع إلى جانب تحقيقات مالية موازية لتتبع مصادر الأموال.

رجل الأعمال المصري المثير للجدل صبري نخنوخ (صفحته على فيسبوك)

الخبير القانوني، علاء عابد، يرى أن الجرائم حسب ما أوردها بيان النيابة «تقع تحت طائلة مواد قانون العقوبات، ويعاقب عليها بالسجن المشدد والمؤبد». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «النيابة العامة ووزارة الداخلية ستتخذان الإجراءات القانونية الكفيلة لإعادة حقوق المجني عليهم بمختلف القضايا المنظورة».

وتعيد هذه القضية إلى الواجهة ملف صبري نخنوخ القضائي السابق؛ إذ سبق أن أُدين عام 2012 في قضايا تتعلق بـ«البلطجة وحيازة أسلحة وتعاطي مواد مخدرة»، وصدر بحقه حكم بالسجن قبل أن يشمله عفو رئاسي عام 2018 لأسباب صحية؛ ما جعل اسمه حاضراً بقوة في النقاش العام، وتزايد مع ارتباط اسمه بإدارة شركة «فالكون» للأمن والحراسة، التي تُعد من أبرز شركات الأمن الخاص في مصر.

ولا يزال التباين سيد الموقف في ردود الفعل داخل الشارع المصري، ومواقع التواصل الاجتماعي، بين من اعتبر توقيفه «تأكيداً لهيبة القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء»، ومن يرى أن «القضية تعيد طرح تساؤلات أوسع حول الأنشطة غير القانونية».

أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاهتمام الشعبي الواسع بالقضية يعكس شعوراً مزدوجاً بين الارتياح لملاحقة شخصية مثيرة للجدل تتمتع بنفوذ واسع، والدهشة من استمرار حضورها في المشهد العام رغم سجلها القضائي السابق».

واعتبر أن القضية تثير تساؤلات حول ما وصفه بـ«المنطقة الرمادية» بين النفوذ السياسي والأنشطة الإجرامية، مشيراً إلى أن «الرأي العام يترقب ما إذا كانت التحقيقات والإجراءات الجارية ستقتصر على هذه القضية أم ستطول شخصيات أخرى».

واختتمت النيابة العامة بيانها، السبت، بالتأكيد على أن «دولة القانون ماضية في طريقها بكل حزم»، وأن التحقيقات مستمرة لكشف ملابسات الواقعة كاملة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية حيال جميع المتورطين.


سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

كشفت الاجتماعات التشاورية التي عقدتها الآلية الخماسية الدولية، بشأن السودان في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، خلال الفترة بين 3 و5 يونيو (حزيران) 2026 عن أنَّ الطريق إلى إنهاء الحرب المستمرة في السودان، منذ أكثر من 3 أعوام، لا يمر فقط عبر وقف إطلاق النار بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، بل عبر مواجهة أسئلة سياسية، أكثر تعقيداً تتعلق بشكل الدولة المقبلة، والقوى التي يحقُّ لها المشاركة في بنائها.

ورأى عدد من المراقبين أنَّ هذه الاجتماعات تمثل أول محاولة جادة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل (نيسان) 2023 لبناء توافق سياسي ومدني واسع ضد استمرار القتال. إلا أن المشاورات شهدت خلافاً حاداً بين المشاركين حول مشاركة «الحركة الإسلامية» وحزب «المؤتمر الوطني»، الذي حكم السودان خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، في أي عملية سياسية مستقبلية، ليصبح هذا الملف الأكثر إثارة للجدل خلال الاجتماعات.

ونظمت الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي، ومنظمة إيغاد، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، هذه الاجتماعات؛ بهدف استكشاف السبل الكفيلة بإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة، وتشكيل لجنة تحضيرية تمهِّد لحوار وطني يقود إلى السلام والاستقرار.

أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين وحالياً في لقاءات أديس أبابا (إكس)

ووفقاً للوثائق التي نوقشت خلال الاجتماعات، اتفقت القوى المشارِكة على ضرورة التعامل مع الأزمة السودانية عبر 3 مسارات متوازية تشمل: معالجة الكارثة الإنسانية، والتوصُّل إلى وقف لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية تعالج جذور الأزمة وتؤسِّس لسلام مستدام. كما تَوافَقَ المشاركون على اتخاذ إجراءات لبناء الثقة، وتهيئة المناخ السياسي، وضمان مشاركة أوسع للقوى المدنية والمجتمعية.

الخلاف حول الإسلاميين

غير أنَّ هذا التوافق تعثر عند نقطة جوهرية تتعلق بمستقبل الإسلاميين وحزب «المؤتمر الوطني». فقد تضمَّنت إحدى مسودات الوثيقة الختامية نصاً يؤكد أنَّ العملية السياسية يجب أن تكون شاملة، باستثناء «المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية» والواجهات التابعة لهما. إلا أنَّ هذه الصياغة أثارت اعتراض بعض المشاركين؛ ما أدى إلى حذفها من النسخة التي وقَّعها تحالف «الكتلة الديمقراطية»، المؤيد للجيش السوداني.

في المقابل، تمسَّك تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، المقرب من «قوات الدعم السريع»، بموقفه الداعي إلى استبعاد «الحركة الإسلامية» و«المؤتمر الوطني» من أي عملية سياسية مقبلة، عادّاً أنَّ تحقيق السلام الحقيقي يتطلب معالجة الأسباب التي قادت إلى الحرب، ومحمِّلاً الإسلاميين جانباً من المسؤولية عن الأزمة الراهنة.

واتخذت «حركة تحرير السودان»، بقيادة عبد الواحد محمد نور موقفاً أكثر تشدداً، إذ رفضت التوقيع على الوثيقة المشتركة مع «الكتلة الديمقراطية»؛ بسبب اعتراض الأخيرة على النصِّ الخاص باستبعاد الإسلاميين. وعدّت الحركة أن السماح للإسلاميين بالمشاركة السياسية يمثِّل مكافأةً لهم على الحرب، وطالبت بحرمانهم من أي دور سياسي مستقبلي، ووصفتهم بأنهم «جماعة إرهابية».

حمدوك وعبد الواحد محمد نور خلال لقاء سابق في باريس (الشرق الأوسط)

واستند هذا الموقف أيضاً إلى قرار وزارة الخارجية الأميركية الصادر في مارس (آذار) 2026، والذي صنَّف ما وصفتها بـ«الحركة الإسلامية السودانية» أو «الإخوان المسلمين السودانيين» تنظيماً إرهابياً، وهو القرار الذي استندت إليه بعض القوى السودانية في مطالبتها بإبعاد الإسلاميين عن أي ترتيبات تخصُّ مستقبل البلاد.

من جانبه، أبدى «التيار الثوري الديمقراطي»، بقيادة ياسر عرمان، وهو أحد مكونات تحالف «صمود»، اعتراضه على حذف النص المتعلق باستبعاد «المؤتمر الوطني»، عادّاً أنَّ ذلك يثير تساؤلات حول الوجهة النهائية للعملية السياسية. كما جدَّد «حزب الأمة»، بقيادة مبارك الفاضل رفضه عودة «المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية» إلى قيادة المشهد السياسي.

تباينات «الكتلة الديمقراطية»

أما الكتلة الديمقراطية، فقد تبنَّت موقفاً مختلفاً، إذ أعلنت موافقتها شفهياً، على استبعاد حزب «المؤتمر الوطني» من العملية السياسية، لكنها اعترضت على تضمين نص صريح يستبعد «الحركة الإسلامية»، كما رفضت الجلوس مع تحالف «تأسيس» الذي تعدّه مظلةً سياسيةً لـ«قوات الدعم السريع».

وأظهر هذا التباين أن الخلاف لم يعد مقتصراً على الموقف من الحرب أو أطرافها العسكرية، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمَن يملك حقَّ المشاركة في صياغة مستقبل السودان بعد توقف القتال.

ولم تقتصر الخلافات على العلاقة بين «الكتلة الديمقراطية» وبقية القوى المشاركة، بل امتدت إلى داخل الكتلة نفسها. فقد رفض تيار يضم قوى مقربة من وزير المالية ورئيس حركة «العدل والمساواة»، جبريل إبراهيم، وحلفائه وعلى رأسهم ناظر عموم قبائل الهدندوة محمد الأمين ترك، المشارَكة في اجتماعات أديس أبابا من الأساس، عادّاً أنَّ الوفد الذي شارك لا يمثل «الكتلة الديمقراطية» بكل مكوناتها.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش رفض المشاركة في الاجتماعات (رويترز)

وتبادل طرفا الخلاف بيانات متعارضة بشأن شرعية التمثيل داخل الكتلة، في وقت عكست فيه هذه الأزمة صراعاً أوسع حول مَن يملك حقَّ التحدُّث باسم المعسكر السياسي المؤيِّد للجيش ضمن العملية السياسية المرتقبة.

كما زادت حدة الجدل بعد استقالة القيادية في «الكتلة الديمقراطية» ومساعدة رئيس مجلس السيادة سالي زكي، وإعلانها اعتزال العمل السياسي عقب مشاركتها في الاجتماعات. وأشارت في بيان نشرته عبر صفحتها على موقع «فيسبوك» إلى وجود تكتلات داخل التحالف، مؤكدة في الوقت نفسه دعمها القوات المسلحة.

ويشير هذا الانقسام إلى أنَّ أزمة أديس أبابا لم تكن مرتبطةً فقط بمستقبل الإسلاميين أو بمشاركة تحالف «تأسيس»، بل شملت أيضاً التنافس على تمثيل القوى المتحالفة مع الجيش، وحدود التفويض الذي تمتلكه الأطراف المشاركة باسمها.

وخلال المشاورات برز أيضاً دور «تنسيقية القوى الوطنية»، بقيادة محمد سيد أحمد المعروف بـ«الجكومي»، التي سعت إلى تثبيت حضورها داخل العملية السياسية بوصفها ممثلةً لشريحة من القوى المؤيدة للجيش.

ودعت التنسيقية إلى عملية سياسية لا تقوم على الإقصاء، مع رفضها مشاركة تحالفَي «صمود» و«تأسيس»، ورفض أي دور سياسي لـ«قوات الدعم السريع» أو مساواتها بالقوات المسلحة.

مؤشرات إيجابية... وتحديات مستقبلية

ورغم هذه التباينات، يرى مراقبون أنَّ اجتماعات أديس أبابا شكَّلت تطوراً مهماً في مسار البحث عن حل سياسي للحرب، إذ نجحت للمرة الأولى منذ اندلاع النزاع في جمع قوى سياسية ومدنية متعارضة حول طاولة واحدة لمناقشة مستقبل البلاد. كما أظهرت الوثائق المتداولة وجود أرضية مشتركة واسعة بشأن وقف الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف اللازمة لإطلاق حوار سياسي شامل.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

لكن الاجتماعات كشفت في الوقت نفسه عن أنَّ التحدي الأكبر قد لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب، وإنما في إدارة الخلافات السياسية التي ستبرز فور توقفها. فبينما ترى قوى كثيرة أن إبعاد الإسلاميين شرط أساسي لمنع إعادة إنتاج الأزمة التي قادت إلى الحرب، تعتقد أطراف أخرى أنَّ فرض هذا الشرط مسبقاً قد يقوِّض فرص التوافق الوطني، ويؤدي إلى انقسامات جديدة.

وبذلك تبدو مشاورات أديس أبابا أقرب إلى نواة أولية لأوسع توافق سوداني ضد استمرار الحرب منذ اندلاعها، لكنها كشفت أيضاً عن أنَّ معركة السلام قد تكون أقل تعقيداً من معركة تحديد الأطراف التي ستجلس إلى طاولة السياسة للمشارَكة في رسم مستقبل السودان بعد انتهاء الحرب.

وشارك في المشاورات ممثلون لـ«تحالف قوى الثورة المدنية (صمود)»، بقيادة عبد الله حمدوك، وتحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، و«الكتلة الديمقراطية»، وحزب «الأمة» بقيادة مبارك الفاضل، وحزب «البعث العربي الاشتراكي»، و«حركة تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد محمد نور، إضافة إلى شخصيات مستقلة ومنظمات مجتمع مدني ومجموعات نسوية وشبابية. كما أجرى «الحزب الشيوعي السوداني» مشاورات منفصلة مع الآلية الخماسية بشأن تصميم العملية السياسية ومستقبل المرحلة الانتقالية في السودان.