عميل فرنسا الأول في طرابلس زمن القذافي يصفي حساباته مع مخابرات بلاده الخارجية

موسى كوسا أوحى للمخابرات الفرنسية برغبته في اللجوء لباريس لكنه حطَّ في لندن وحصل على اللجوء السياسي

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)
غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

عميل فرنسا الأول في طرابلس زمن القذافي يصفي حساباته مع مخابرات بلاده الخارجية

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)
غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

ثمة أسرار تلف السياسة الفرنسية إزاء ليبيا زمن رئاسة العقيد معمر القذافي، رغم مرور 12 عاماً على الإطاحة بنظامه وقتله وهو ما ساهمت به باريس بشكل فاعل عندما كان يرأسها نيكولا ساركوزي.

ولا يفهم المتابعون، الأسباب التي دفعت ساركوزي الذي استقبل القذافي في باريس، وفرش تحت قدميه السجاد الأحمر، وأتاح له أن ينصب خيمته في حدائق «بيت الضيوف» التابع للرئاسة والواقع في الجانب المقابل لقصر الإليزيه، إلى تعبئة بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والحلف الغربي ومجلس الأمن، لإتاحة التدخل العسكري الدولي في ليبيا.

ساركوزي والقذافي في طرابلس 15 يوليو 2007 (غيتي)

وما كاد مجلس الأمن يصوت على القرار 1973 الصادر بتاريخ 17 مارس (آذار) الذي يمنح حق التدخل العسكري «لحماية المدنيين الليبيين»، حتى كانت الطائرات المقاتلة الفرنسية تطلع من مطاراتها، وتوجه أول ضربة لدبابات العقيد المقتربة من بنغازي.

وقبل ذلك، كانت العلاقات بين باريس وطرابلس (الغرب) في أحسن حالاتها، والتعاون الأمني والاستخباري قائم على قدم وساق. كذلك كانت باريس ترغب في بيع السلاح لليبيا وتحديداً طائرات «رافال» المقاتلة، التي لم تكن وقتها قد وجدت أول زبون خارجي لها. من هنا، الحاجة إلى فهم التحول الجذري في سياسة باريس، وهو ما سعى إلى توضيحه جان فرنسوا لويلييه، في كتابه الصادر حديثاً عن منشورات «دار ماروي» تحت عنوان: «رجل طرابلس» والعنوان الفرعي: «مذكرات عميل سري». وترك لويلييه المخابرات الخارجية في عام 2014 وهو برتبة ضابط، ولم يتردد لاحقاً في توجيه انتقادات لاذعة لطريقة عملها.

تكمن أهمية الكتاب في أمرين: الأول، أنه يصدر عن شخص يروي من الداخل كيفية عمل المخابرات الفرنسية الخارجية التي كان عميلاً لها لفترة طويلة من حياته. بمعنى أن يخبر قصة حياته بصيغة المتكلم. والثاني، أنه كان في ليبيا، مديراً لمكتب مخابرات بلاده، وذلك بعلم المخابرات الليبية التي كان يتعاون معها في مسائل تخص الإرهاب وشؤوناً أخرى أفريقية.

القذافي وساركوزي في الإليزيه 10 ديسمبر 2007 (غيتي)

كذلك يروي لنا، أن مكاتب مخابرات أخرى كانت بدورها قوية الحضور في طرايلس، أكانت المخابرات الأميركية أو البريطانية أو الإيطالية. ويعطي أسماء ممثليها، الذين كان كل واحد منهم، يتمتع بتغطية دبلوماسية، كما كان الحال معه هو، العميل الفرنسي. من هنا، فائدة الكتاب الذي يصور لحظة بدء انفراط عقد النظام، والتحول الذي أصاب الدبلوماسية الدولية على وقع «الربيع العربي»، وسقوط نظامي زين العابدين في تونس وحسني مبارك في مصر، والتسابق بين الدول الغربية لإقامة علاقات مع «القوى الثورية» الطالعة التي تعد رهان الغد.

بيد أن العميل السابق يستفيد من كتابه كذلك، لتصفية حسابات شخصية مع المخابرات الخارجية الفرنسية، متهماً إياها أحياناً بـ«عدم الكفاءة»، وأحياناً أخرى بالمحاباة، فضلاً عن البيروقراطية. ويعد كتاب «عميل في طرابلس»، إلى حد بعيد، سيرة ذاتية تتضمن وصف حالاته النفسية وتنويعاتها، وأحياناً أخرى تظلمه لأنه لم يحصل على تعيين أو ترقية أو مهمة. والأطرف في كتابه أنه يخبرنا أن زوجته «أنياس» بعد اضطرارهما السريع إلى الخروج من طرابلس عندما بدأ الحراك الثوري يدق أبوابها، بناء على طلب الإدارة المركزية، كانت قريبة من الانهيار العصبي لأنها تركت وراءها أثاث المنزل، واضطرت إلى السكن مع ابنتيها في شقة ضيقة قريبة من ساحة الباستيل في باريس. والأطرف إصابتها بالكآبة لأن هرتها «بابوش» بقيت في ليبيا، ولم ترحل مع من رحلوا.

بالتوازي يمكن اعتبار الكتاب بمثابة «دليل» يكشف طريقة عمل المخابرات الفرنسية من الألف إلى الياء. إذ إنه يشرح بالتفصيل القواعد التي يتعين على العميل التقيد بها، والتسلسل الهرمي والأقسام الفاعلة فيها، والتنافس بين أفرادها، وأحياناً كثيرة قادتها، حيث إن لكل منهم حاشية ومحظيين. ويسهب المؤلف في شرح كيفية تجنيد العملاء والقواعد المفترض التقيد بها، ويحدثنا عن أشخاص حاول تجنديهم شخصياً، مسمياً منهم «غابي العجيب» وفيصل وبشير وياسمين، ولا يتردد في تعريفنا بفلسفته في الحياة، والعمل حيث قضى سني حياته باحثاً عن إنجازات. وأحياناً يمل القارىء ويضيع في متابعة تفاصيل عمل المؤلف في طرابلس حيث يصيبه النجاح أحياناً والخيبة أحياناً أخرى.

وزير الخارجية الليبي السابق موسى كوسا (غيتي)

لطمة موسى كوسا للمخابرات الفرنسية

يكشف الكتاب الواقع في 359 صفحة، مجموعة من الأسرار التي يعرف بعضها للمرة الأولى، وأحدها محاولة المخابرات الفرنسية إقناع موسى كوسا، وزير الخارجية الليبي وقتها، والرجل المقرب من القذافي، بالانشقاق عن النظام والانتقال إلى باريس، مما كان سيشكل «نصراً سياسياً» لسياسة ساركوزي. ويروي المؤلف أن طلب لقاء مسؤولين فرنسيين كبار في جهاز المخابرات الخارجية هما إيرارد كوربان دو مانغو، مدير عام الأمن الخارجي وباتريك كالفار، مدير المخابرات، جاء من الطرف الليبي عبر «وسيط» لبناني اسمه س. ر. ويقدمه الكتاب كالتالي: س. ر. لبناني مسيحي، صحافي التكوين ورجل أعمال، سبق له أن انضم إلى «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، التي كان يقودها نايف حواتمة، نجح في التقرب من المسؤولين الليبيين، وعمل وسيطاً لهم مع دول أفريقية وأوروبية، وخصوصاً بريطانيا.

وحصل س. ر المقيم في فرنسا، على الجنسية الفرنسية، وبفضل علاقاته، نجح في التقرب من المخابرات الفرنسية التي كان يبيعها معلومات تتناول ليبيا. وقد أسر لكلود غيان، وزير الداخلية، والمسؤول الأقرب لساركوزي، أن موسى كوسا يود الانشقاق، وهو بإمكانه الحصول بسهولة على إذن من القذافي للقاء الفرنسيين، من أجل «مناقشات سياسية» سرية في جربا. وهذا ما حصل. وجرت اللقاءات على مرحلتين: الأولى بين دو مانغو وكالفار من جهة، ومن جهة أخرى، موسى كوسا وعبد اللطيف العبيدي، مسؤول الملفات الأوروبية في وزارة الخارجية الليبية. وجرت «مسرحية» المحادثات السياسية كما هو مكتوب لها: الجانب الفرنسي يريد من النظام «وقف عدوانه» على المدنيين، ووقف إطلاق النار، وانسحاب القذافي من السلطة، الأمر الذي رفضه المسؤولان الليبيان باعتبار أنه شأن «وطني». لم يرفضا وقف النار، لكنهما أصرا على مشاركة مراقبين من الاتحاد الأفريقي. وهكذا دواليك.

معمر القذافي (غيتي)

أما في الواقع، فإن المسؤولين الفرنسيين، كانا يتحينان الفرصة لإبلاغ موسى كوسا، أن باريس مستعدة لإعطائه اللجوء السياسي حال انفصاله، وأن طائرة حكومية فرنسية تنتظره في مطار جربا. وبعد جلسة محادثات ثانية لم يحضرها موسى كوسا، سأل الفرنسيان س. ر، عما إذا كان موسى كوسا لا يزال راغباً في الانشقاق والرحيل عن ليبيا. وكان الجواب بتأكيد ذلك. وكم كانت مفاجأة الفرنسيين كبيرة، عندما علموا بعد ساعات قليلة، أن كوسا صعد على متن طائرة تجارية متجهة إلى لندن، وحصل على اللجوء السياسي حال هبوطه من الطائرة.

وبذلك تكون المخابرات الفرنسية قد خدعت، ولم تكن اجتماعات جربا سوى حجة، لتمكين موسى كوسا من طلب اللجوء إلى بريطانيا بتواطؤ من س . ر.

يسرد المؤلف قصة خروج الدبلوماسيين الفرنسيين من طرابلس، مع اقتراب الأحداث من العاصمة، ورحيل الغربيين باستثناء الإيطاليين الذين كانوا آخر من خرج، الأمر الذي فاجأ مدير مكتب المخابرات الفرنسية الذي كان على تواصل دائم مع الجنرال سالم كركا، رئيس مكتب العلاقات الخارجية في المخابرات الليبية ومع عبد الله السنوسي، الرجل الثاني في النظام. ويشير الكاتب إلى أن استعجال ترحيل الفرنسيين مرده لكون باريس تحضر لتدخل عسكري سريع في ليبيا. وقد حصل الترحيل صبيحة يوم 26 فبراير (شباط) عام 2011، وسبق ذلك إتلاف المستندات الموجودة كافة في مكتب المخابرات، وتعطيل ماكينات المراسلة المشفرة حتى لا تقع بأيد غير صديقة.

وجاء في الكتاب: «أطلقت فرنسا عملية (هارماتان) منذ 19 مارس (آذار ) والغموض الذي أحاط بقرار مجلس الأمن أصبح اليوم واضحاً . إذ إن فرنسا أطلقت العمليات الحربية، وطلب تدمير الأرشيف سببه، أن العملية تهدف إلى تدمير نظام القذافي»، بينما يدعو قرار مجلس الأمن لحماية المدنيين.

وقبل بدء العملية العسكرية، طلب من العميل أن يساعد على تحديد إحداثيات المواقع المهمة في ليبيا، والقواعد العسكرية، والمضادات الجوية التي تحميها والشخصيات المسؤولة، والغريب في الأمر أن الليبيين كانوا يعيشون في كوكب آخر، والدليل على ذلك، أن عبد الله السنوسي، الشخصية الثانية في النظام وقريب القذافي، طلب مباشرة من عميل المخابرات الفرنسية «مساعدة فرنسا» لمحاربة الإسلاميين في بنغازي ودرنة وطبرق والبيضاء، محذراً من قيام «إمارة إسلامية» في الجبل الأخضر، والسطو على مخازن سلاح الجيش في هذه المناطق.

وفي آخر لقاء له مع الكاتب، طلب السنوسي «مساعدة لوجستية ومسلحة فرنسية باعتبار أن الحرب على الإرهاب مشتركة»، مما يعكس جهلاً تاماً بسياسة باريس وخططها، بالنسبة إلى ليبيا، إذ تجدر الإشارة إلى أن فرنسا كانت الأكثر استعجالاً للتدخل العسكري ضد النظام والتخلص من القذافي. ويكشف الكتاب أمرين: الأول، أن فرنسا زودت «الثوار» بأسلحة متنوعة، إضافة إلى الضربات الجوية التي وجهتها طائراتها المقاتلة لقوات النظام، ومنها الضربة التي أصابت موكب القذافي وأدت إلى القبض عليه ثم قتله والتنكيل بجثته التي دفنت لاحقاً في مكان غير معلوم. والثاني، أن أفراداً من القوات الخاصة الفرنسية، عملوا إلى جانب «الثوار»، وهو أمر لم تعترف به فرنسا أبداً.

ويشكو المؤلف، من أنه علم بهذا الأمر عن طريق عميل بريطاني وليس مباشرة من إدارته.

وبعد ليبيا، أعيد إرسال الكاتب عقب إقامة قصيرة في باريس، إلى تونس التي كانت الوجهة المفضلة للاجئين الليبيين وبعض رجالات النظام الراغبين في الانشقاق السياسي. وكانت مهمته «وفق توجيهات عليا»، أي من قصر الإليزيه، «البحث عن مسؤولين يودون الانفصال عن النظام» وجلبهم إلى فرنسا وإبرازهم كغنائم، ونظراً لمعرفته العميقة بأوضاع ليبيا، أعيد العميل إلى الميدان الليبي ليعمل إلى جانب «الثوار»، ويواصل المهمات التي كلف بها سابقاً.

بشير صالح (غيتي)

بشير صالح وعبد الله السنوسي

إذا كان القارىء يبحث عن تفاصيل مثيرة حول مقتل العقيد القذافي، الذي قصفت طائرات التحالف موكبه وهو يحاول الفرار مع أحد أبنائه (المعتصم) ومجموعة من أتباعه عقب سقوط طرابلس، فإنه يخرج فارغ الوفاض. كذلك تخيب آماله إذا منى النفس بالحصول على معلومات عن سر انقلاب ساركوزي على القذافي أو عن المعلومات التي تتحدث عن قيام الأخير بتمويل حملة الرئيس الأسبق في عام 2007، حيث أكد القذافي وسيف الإسلام، أن طرابلس مدت ساركوزي بالملايين.

وتجدر الإشارة، إلى أن محكمة باريسية وجهت اتهامات خطيرة للرئيس الأسبق بخصوص تمويل حملته وتلقيه أموالاً من ليبيا. مرة واحدة فقط، يلمح الكاتب عن بعد، لهذه المسألة حيث يتساءل عن «سر العلاقة بين بشير صالح، مدير مكتب العقيد القذافي وكلود غيان»، أمين عام رئاسة الجمهورية في عهد ساركوزي ثم وزير داخليته. كذلك، فإن شخصية أخرى هي عبد الله السنوسي، تحتل مكاناً بارزاً في رواية لويلييه.

يسهب الكاتب في سرد قصة اقتناص بشير صالح، مدير مكتب العقيد القذافي الخاص والمقرب منه، الذي شغل أواخر التسعينات منصب مدير «محفظة ليبيا وأفريقيا للاستثمار»، التي مكنته من إنشاء شبكة واسعة من العلاقات كانت مفيدة له لاحقاً. ويؤكد الكاتب أنه جمع، وهو في هذا المنصب، ثروة طائلة استثمرها في الغرب. بقي صالح وفياً للقذافي حتى قرب سقوط طرابلس. بعد ذلك، وعند شعوره بالخطر، سلَّم نفسه لكتيبة «ثوار زنتان»، واستفاد من حمايتها الأمنية، ومن علاقاته مع غيان ودومينيك دو فيلبان، رئيس الوزراء الأسبق، ليحصل على ترحيل عائلته إلى فرنسا على أيدي المخابرات الفرنسية. ثم إن الفرنسيين تدخلوا مجدداً لصالحه لدى مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الليبي الانتقالي (الحكومة) ليتاح له الخروج من ليبيا. وكانت «الأوساط العليا» في فرنسا تأمل أن يلتحق بعائلته. وبالفعل، سافر صالح إلى باريس حيث التقى عدداً من المسؤولين، إلا أنه لم يبق فيها، بل فضل التوجه إلى جنوب أفر يقيا. وعاد إلى الواجهة السياسية مجدداً عندما قدم ترشيحه لانتخابات رئاسة الجمهورية في عام 2021. بيد أن تلك الانتخابات لم تحصل أبداً.

عبد الله السنوسي (غيتي)

ثمة شخصية ليبية عسكرية من الطراز الأول، كانت تهم منذ البداية عبد الله السنوسي، رئيس المخابرات العسكرية ونسيب القذافي لأنه زوج أخت عقيلته ويده اليمنى. يروي الكاتب، أنه كان على علاقة مباشرة مع السنوسي الذي اتهم سابقاً بتدبير مجزرة سجن «أبو سليم» وإسقاط طائرة لوكربي، وبرغم ذلك، لم تتردد المخابرات الفرنسية في التعاطي معه لا بل العمل على دفعه للانشقاق عن النظام. بيد أن االسنوسي لم يستجب للإغراءات الفرنسية وبقي وفياً للقذافي حتى النهاية، مما شكل نكسة أخرى للمخابرات الفرنسية.

والمعلوم أن السنوسي، الذي كان يعد بمثابة «البعبع» لليبيين وقد دارت بخصوصه أخبار متناقضة. وبحسب العميل الفرنسي، فإن مخابرات بلاده بذلت جهداً استثنائياً لوضع اليد عليه، وخططت مع المخابرات الليبية بعد قتل القذافي للقيام بعملية مشتركة للقبض على السنوسي في مالي. لكن الأخير توارى عن الأنظار، لترد أخبار تفيد بوجوده في النيجر أو الكاميرون وأيضاً في المغرب أو الجزائر. لكن السنوسي وقع في قبضة الأمن الموريتاني لدى نزوله من الطائرة في مطار نواكشوط. ويعترف الكاتب أن المخابرات الفرنسية لعبت دوراً في ذلك، ولكن ليس عن طريق مكتبها في طرابلس. وبعد إصرار المجلس الانتقالي وضغوط غربية، أبرمت الحكومة الموريتانية «صفقة» رابحة مع طرابلس سلمت بموجبها السنوسي إلى سلطاتها. وفي 2015، قضت محكمة ليبية بإعدامه. بيد أن الحكم لم ينفذ وفي عام 2019 طالبت قبيلة «المقارحة» التي ينتمي إليها بإطلاق سراحه لأسباب صحية.

طرابلس - ليبيا (شاترستوك)

في الفصل الأخير من الكتاب، يرخي المؤلف العنان لتوجيه انتقادات حادة للدولة الفرنسية، متهماً إياها بـ«الطيش والخداع» في ليبيا. فالعملية العسكرية التي دفعت بها باريس إلى الأمام «كان غرضها الرسمي حماية المدنيين في الشرق» . إلا أنها «تسببت في آلام ومآسٍ لشعب بأكمله». ويضيف الكاتب: «لقد قضينا على رجل (القذافي) ودمرنا بلداً من غير أن نأخذ بعين الاعتبار، أنه كان يشكل (حصناً بوجه الإسلاموية)». وفي نظره، فإن القضاء على النظام الليبي، أعقبه نسف الاستقرار في منطقة الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد) وحتى وسط أفريقيا والكاميرون. ويذهب أبعد من ذلك، ليؤكد أن «مروجي التدخل العسكري سعوا إلى التغطية على الحصيلة الكارثية (لتدخلهم) الذي زرع الفوضى والبؤس. ولكن ما همهم؟ لقد حققوا هدفهم وقضوا على القذافي. لكن مع دفنه وأدوا أيضاً الأخلاقيات الغربية . . . ».


مقالات ذات صلة

تقرير فرنسي يكشف وجود عسكريين أوكرانيين في ليبيا... و«الوحدة» تلتزم الصمت

شمال افريقيا رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)

تقرير فرنسي يكشف وجود عسكريين أوكرانيين في ليبيا... و«الوحدة» تلتزم الصمت

عاد الحديث عن التعاون العسكري بين سلطات غرب ليبيا وأوكرانيا إلى واجهة المشهد الليبي، على وقع تقرير فرنسي تحدث عن وجود عشرات العسكريين الأوكرانيين في 3 مدن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الشيخ الصادق الغرياني (الصفحة الرسمية لدار الإفتاء)

«فتاوى الغرياني» تشغل اللليبيين في ظل أزمات سياسية ومعيشية

تواصل فتاوى المفتي الليبي، الصادق الغرياني، شغل الليبيين بغرب البلاد على المستويين الشعبي والسياسي، إذ بات ينظر لها أخيراً على أنها تؤثر بشكل مباشر بالاقتصاد.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا قوات عسكرية تابعة لـ«الوحدة» الليبية للمشاركة في (فلينتلوك 2026) بسرت (وزارة دفاع الوحدة)

مناورة أميركية لجمع «رفقاء السلاح الليبي» في سرت منتصف الشهر

تنطلق، منتصف الشهر الحالي، في سرت الليبية، فعاليات مناورة «فلينتلوك» الأميركية متعددة الجنسيات، ويعوّل عليها على أنها «بروفة لتوحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة مجتمعاً برئيس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان في 25 ديسمبر الماضي (مكتب الدبيبة)

ليبيا: إنهاء الدبيبة التعاقد مع «أركنو» النفطية... خطوة لم تهدئ مناوئيه

ألقى عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة بملف شركة «أركنو» النفطية الخاصة في ملعب النائب العام، عقب توجيهه بإنهاء «اتفاقية التطوير» معها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة في 11 فبراير الماضي (حكومة «الوحدة»)

تساؤلات ليبية حول توظيف تقرير أممي للضغط على أطراف الصراع

أثار تقرير أممي مسرّب حالة من الجدل في ليبيا دفعت عدداً من المهتمين إلى تساؤلات تتعلق بدلالة تسريبه قبل اعتماده رسمياً، وهل سيوظف أداةَ ضغطٍ لانتزاع تنازلات؟

جاكلين زاهر (القاهرة)

«العمل عن بُعد» يُعيد تساؤلات بشأن «جودة الإنترنت» في مصر

اجتماع لمجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع لمجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)
TT

«العمل عن بُعد» يُعيد تساؤلات بشأن «جودة الإنترنت» في مصر

اجتماع لمجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع لمجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)

يُثير قرار الحكومة المصرية بتفعيل منظومة «العمل عن بُعد» ضمن إجراءات ترشيد الاستهلاك تساؤلات بشأن «جودة الإنترنت» في مصر، وسط مخاوف وانتقادات بشأن تأثير القرار الرسمي على «جودة الخدمات والأداء الحكومي الفترة المقبلة».

وتبدأ الحكومة اعتباراً من (الأحد)، تفعيل قرارها الخاص بـ«العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع، ولمدة شهر، في المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، مع استثناء عدد من المنشآت الحيوية.

وتتخذ الحكومة إجراءات عدة لاحتواء تأثيرات الحرب الإيرانية، وأعلنت عن قرارات استثنائية تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة وترشيد الإنفاق العام، وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأسبوع الماضي، إنه «لا يزال أمامنا تحدٍ واضح، وهو عدم القدرة على استنتاج مدى زمني لانتهاء الحرب، وهذا ما يضاعف من تأثيراتها الاقتصادية».

ووفق وكيلة «لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، مها عبد الناصر، فإن «الحكومة المصرية خاضت من قبل اختبار (العمل عن بُعد) وقت (جائحة كورونا)». وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «تكرار التجربة في الظروف الاستثنائية الحالية سيحتاج إلى تدابير لضمان نجاح التجربة».

وترى مها عبد الناصر أن «المهم أن توفر الحكومة باقات إنترنت كافية تضمن استدامة العمل الحكومي، وتوفير الخدمات الحكومية والمصرفية دون عوائق»، وقالت إن «تطبيق المنظومة في القطاعين الحكومي والخاص في وقت واحد، قد يشكل ضغطاً على بنية الاتصالات والإنترنت، مما يثير مخاوف من تعطل بعض الخدمات».

ويبلغ عدد مستخدمي الإنترنت في مصر، نحو 93 مليون مستخدم، بينما يستخدم الهاتف المحمول نحو 90 مليون شخص، ويشارك نحو 50 في المائة من السكان في وسائل التواصل الاجتماعي، وفق بيانات وزارة الاتصالات المصرية.

اجتماع سابق للمحافظين عبر «الفيديو كونفرانس» (مجلس الوزراء المصري)

وبحسب مها عبد الناصر: «سيزيد عدد مستخدمي الإنترنت والاتصالات أثناء تطبيق نظام (العمل عن بُعد)»، وتوضح أن «من المتوقع زيادة الإقبال على أنظمة التعليم الإلكتروني، وزيادة استخدام مواقع الترفيه، ما يتطلب زيادة باقات الإنترنت للمستخدمين، لا سيما مع وجود شكاوى من ضعف جودة الاتصالات والإنترنت في بعض المناطق».

وأشار رئيس الوزراء المصري، الأسبوع الماضي، إلى أن حكومته تجري نقاشات مستفيضة لاتخاذ إجراءات تضمن تخفيض فاتورة الوقود والاستهلاك دون المساس بحركة الاقتصاد وقوته.

ويرى سكرتير «شعبة الاتصالات» بالاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، تامر محمد، أن «الحكومة ستكون في اختبار بشأن جودة الإنترنت والاتصالات مع بدء تطبيق (العمل عن بُعد)»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك ترقباً لنتائج التجربة، خصوصاً وأنه كانت هناك شكاوى وانتقادات لبعض القطاعات الخدمية وقت (جائحة كورونا) بسبب (العمل عن بُعد)».

إجراءات بوزارة الإسكان لترشيد العمل بالمدن الجديدة (وزارة الإسكان المصرية)

ووفق محمد، فإن «المخاوف من منظومة (العمل عن بُعد) تتمثل في أن تطبيقها سيكون متزامناً في القطاعات كافة، مما قد يشكل ضغطاً على منظومة الاتصالات في مصر»، ويقول إن «هناك انتقادات للقرار الحكومي، في ظل مخاوف من تعطل منظومة العمل في بعض الجهات، خصوصاً وأن البيانات الحكومية غير متوفرة على أجهزة العاملين الشخصية، وهو ما يثير التساؤلات بشأن كيفية إدارة الخدمات الحكومية بشكل كامل دون تأثر».

يأتي ذلك في وقت، طلبت شركات الاتصالات العاملة في مصر، من «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» (جهاز حكومي) رفع أسعار خدماتها بنسب تتراوح بين 15 و20 في المائة، في ظل تراجع قيمة الجنيه المصري بأكثر من 10 في المائة أمام الدولار، وزيارة أسعار الوقود، حسب وسائل إعلام محلية، السبت.

وسبق أن نفى «جهاز تنظيم الاتصالات» الشهر الماضي، ما جرى تداوله بشأن زيادة أسعار خدمات الاتصالات بنسبة 30 في المائة، وأكد حينها أن «أي تحريك في أسعار خدمات الاتصالات يقوم (الجهاز) بدراسته في إطار من التوازن بين حماية حقوق ومصالح المستخدمين، وضمان استدامة الاستثمارات واستمرار تطوير الخدمات بقطاع الاتصالات».


مصر لتوطين المزيد من «الصناعات الدفاعية» بالتعاون مع شركاء أجانب

اهتمام مصري متزايد بالتصنيع العسكري المشترك (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
اهتمام مصري متزايد بالتصنيع العسكري المشترك (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
TT

مصر لتوطين المزيد من «الصناعات الدفاعية» بالتعاون مع شركاء أجانب

اهتمام مصري متزايد بالتصنيع العسكري المشترك (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
اهتمام مصري متزايد بالتصنيع العسكري المشترك (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

تعزّز مصر من تعاونها مع شركاء أجانب لتوطين «الصناعات الدفاعية» في ظل أوضاع إقليمية مضطربة، ووفق خطة تستهدف زيادة مكونات الإنتاج المحلي، وهو ما كان مثار محادثات أجراها وزير الدولة للإنتاج الحربي المصري، صلاح جمبلاط، مع شركة «يونغ-هانز» الفرنسية-الألمانية، وشركة «تاليس مصر» التي ركزت على التعاون في مجالات إنتاج الذخائر.

وقالت وزارة الدولة للإنتاج الحربي المصري، في بيان لها السبت، إن الاجتماع «هدف إلى مناقشة أوجه التعاون المشترك في مجال (الصناعات الدفاعية)، وإمكانية التصنيع المشترك مع الشركة (الألمانية-الفرنسية)، من خلال استغلال الإمكانيات التكنولوجية والتصنيعية والفنية لشركات ووحدات الإنتاج الحربي».

وتطرق الاجتماع إلى إمكانيات شركة «أبو زعبل» للصناعات المتخصصة (مصنع 300 الحربي)، التي تُعدّ من أحدث القلاع الصناعية العسكرية في مصر، وتختص بمجال صناعة «الطابات»، المستخدمة في إنتاج مختلف أنواع الذخائر وتصنيع أجزاء الذخائر بمختلف أنواعها وأعيرتها، وفقاً للبيان المصري.

ويأتي هذا التعاون بعدما تعددت الاجتماعات التي قامت بها وزارة الدولة للإنتاج الحربي في مصر مع شركات أجنبية عديدة خلال الأشهر الماضية، وتنوعت بين شركات صينية وتركية وكورية جنوبية وفرنسية وألمانية، وهو ما عدّه خبراء عسكريون، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ضمن خطة مصرية لتطوير القدرات العسكرية، اعتماداً على التصنيع المشترك والمحلي بالتوازي مع تنويع مصادر استيراد السلاح.

ولدى مصر تجربة ناجحة مع شركة «Hanwha» الكورية الجنوبية في تصنيع منظومة الدفاع «الهاوتزر» التي تُعدّ من «أكثر أنظمة المدفعية تطوراً وفاعلية في العالم»، حسبما أعلنت الحكومة المصرية في فبراير (شباط) الماضي.

وقبل أسبوعَين تقريباً تفقد وزير الدولة للإنتاج الحربي في مصر خط إنتاج منظومة «الهاوتز K9A1EGY»، بعد نجاح الانتهاء من المرحلة الأولى وبدء تنفيذ المرحلة الثانية التي يزيد فيها المكون المحلي، واطّلع الوزير على اللمسات النهائية لتسليم الكتيبة الأولى من المنظومة الجديدة لتشكيلات القوات المسلحة.

وتُعدّ منظومة «الهاوتزر K9A1 EGY» عيار «155 مللم/52» واحدة من أحدث منظومات المدفعية ذاتية الحركة على مستوى العالم، وتتميز بقدرتها على ضرب الأهداف بدقة على مسافات تتجاوز 40 كيلومتراً، بالإضافة إلى قدرتها على إطلاق عدة قذائف في زمن قصير جداً، مما يمنحها قوة نيرانية عالية وسرعة كبيرة في التعامل مع الأهداف المتحركة والثابتة.

لقطة من فعاليات معرض «إيديكس 2025» الثلاثاء (الهيئة العربية للتصنيع)

ويتزايد الاهتمام بالتصنيع العسكري المشترك في ظل التصعيد الحالي بمنطقة الشرق الأوسط، وفق مدير كلية الدفاع الوطني الأسبق، اللواء محمد الغباري، مشيراً إلى أن مصر بدأت الاهتمام بالتصنيع العسكري منذ فترة، غير أن الظروف الداخلية لم تكن مواتية لمواكبة التطورات العالمية، والآن أضحى هناك تصنيع مشترك بمكونات محلية وصلت إلى 90 في المائة كما هو الحال بالنسبة إلى الدبابة الأميركية «إم وان إيه وان».

وأضاف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن خطط تطوير القدرات العسكرية الآنية في مصر تعتمد على التصنيع المشترك والمحلي بالتوازي مع مصادر استيراد السلاح، وأضحى هناك ضرورة للتصنيع المشترك بأهمية صفقات التسليح نفسها، مشيراً إلى أن التعاون مع شركة «يونغ-هانز» يركز على إنتاج «الطابات» وهي أحد أبرز مكونات الذخائر، وتُسهم في تطوير تصنيع الذخائر بمصر، مع إمكانية تسويقها وتصديرها إلى الخارج.

وحسب صلاح جمبلاط فإن التعاون مع الشركة «الفرنسية- الألمانية» يأتي في إطار حرص الوزارة على توطين التكنولوجيا التصنيعية الحديثة داخل شركاتها بالتعاون مع الشركات العالمية وزيادة تعميق التصنيع المحلي لتقليل الفاتورة الاستيرادية، مؤكداً أن المهمة الأساسية للوزارة تتمثّل في تلبية احتياجات ومطالب القوات المسلحة من مختلف الذخائر والأسلحة والمعدات.

وتتنوع مسارات التعاون بين مصر والشركات الأجنبية؛ إذ بحثت وزارة الدولة للإنتاج الحربي خلال الشهر الماضي التعاون مع شركة «تاليس» الفرنسية لإنشاء كيان صناعي مشترك تحت اسم «تاليس بنها»، ليكون منصة كبرى لسلاسل الإمداد لصالح الشركة الفرنسية في تصنيع الأجهزة والمعدات الإلكترونية داخل مصر.

وكذلك بحثت الوزارة سبل نقل تكنولوجيا الاتصالات العسكرية عن طريق الأقمار الاصطناعية إلى شركة «بنها للصناعات الإلكترونية»، بما يعزّز القدرات التصنيعية والتكنولوجية المحلية في هذا المجال الحيوي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت شركة «أسيلسان» التركية، إحدى أبرز شركات الصناعات الدفاعية في العالم، افتتاح مكتب تمثيلي إقليمي لها في مصر تحت اسم «Aselsan Egypt» لـ«تعزيز التعاون المشترك مع مصر والشركاء»، حسبما قال المدير العام للشركة، أحمد أكيول.

ويهدف «المكتب» -وفق تصريحات أكيول في هذا التوقيت- إلى «تسهيل تقديم الخدمات والدعم الفني إلى القوات المسلحة المصرية والعملاء المحليين، مع التركيز على تطوير وإنتاج أنظمة دفاعية مشتركة».

مباحثات مصرية مع شركات أجنبية لتعزيز التعاون في التصنيع الدفاعي المشترك (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

الخبير العسكري المصري، اللواء علاء عز الدين، يرى أن وتيرة التباطؤ التي كان يشهدها التصنيع المحلي والمشترك طيلة العقود الماضية أخذت تتسارع خلال العقد الأخير، مشيراً إلى أن مصر تستهدف ألا تكون «تحت رحمة» اشتراطات تصدير السلاح وحماية القرار الوطني وسيادة الدولة.

وأضاف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التصنيع المشترك يُعدّ مسألة تجارية بحتة وتختلف اشتراطات التصنيع من صفقة إلى أخرى دون أن يُملي طرف شروطه على الآخر، ولكن يمكن أن تكون للمواءمات السياسية وعلاقات التعاون والصداقة بين الدول دور في التفاوض، وفي نهاية الأمر يضمن الطرفان تحقيق مكاسب.

ولدى مصر 57 منتجاً عسكرياً، بينها 18 منتجاً جديداً بالكامل، وبعضها يجري تصنيعه بالشراكات مع مصانع عسكرية أجنبية، وفق ما أكده رئيس الهيئة العربية للتصنيع اللواء مختار عبد اللطيف، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، في شهر ديسمبر الماضي.


تقرير فرنسي يكشف وجود عسكريين أوكرانيين في ليبيا... و«الوحدة» تلتزم الصمت

رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)
رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)
TT

تقرير فرنسي يكشف وجود عسكريين أوكرانيين في ليبيا... و«الوحدة» تلتزم الصمت

رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)
رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)

عاد الحديث عن التعاون العسكري بين سلطات غرب ليبيا وأوكرانيا إلى واجهة المشهد السياسي الليبي، خصوصاً بعد نشر تقرير فرنسي تحدث «عن وجود عشرات العسكريين الأوكرانيين في 3 مدن ليبية»، بعد أشهر من مؤشرات ذهبت إلى قيام حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة بـ«تزويد قواتها بطائرات مسيّرة أوكرانية منذ أغسطس (آب) الماضي».

ولم تصدر حكومة «الوحدة» تعليقاً على تقرير إذاعة «فرنسا الدولية»، تحدث عن وجود أكثر من 200 ضابط وخبير أوكراني في 3 مدن ليبية بالتنسيق مع الحكومة، وفق مصدرين ليبيين؛ ما أثار تساؤلات حول طبيعة هذا الوجود وسياقاته.

الدبيبة مع قادة أمنيين وعسكريين ليبيين في العاصمة طرابلس يناير الماضي (مكتب رئيس الحكومة)

ووسط اهتمام إعلامي محلي، رأى مصدر عسكري ليبي سابق، تحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضّلاً عدم ذكر اسمه، أن اللجوء للمسيّرات الأوكرانية، والاستعانة بخبراء فنيين «خيار منطقي» تفرضه تحولات الحروب الحديثة، خصوصاً النزاعات الإقليمية، بينما أشار خبراء عسكريون إلى أن «الأمر لم يتم تأكيده بعد، والمعلومات تستند إلى تقارير إعلامية وأمنية».

ويلاحظ مدير «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، شريف بوفردة، غموضاً مستمراً حول حجم هذا الوجود الأوكراني، وطبيعة الأسلحة المستخدمة، والذي لم يستبعد وجوده، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «الأمر لم يتم بعد تأكيده، خصوصاً أن المعلومات المتوفرة تعتمد على تقارير إعلامية وأمنية، وليست مستندة إلى بيانات رسمية».

وأشار الخبير العسكري الليبي، العميد عادل عبد الكافي، إلى أن مراقبة السواحل من «الناتو» و«إيريني» تجعل رصد أي قوات أمراً سهلاً، مرجحاً أن يقتصر الحضور الأوكراني على الجانب الدبلوماسي، وربما يُستخدم، حسبه، كورقة ضغط في الصراع الروسي - الأوكراني.

وبحسب التقرير الفرنسي، يبدو أن الوجود الأوكراني يتمركز في 3 مواقع رئيسية: الأول في «أكاديمية القوات الجوية» في مصراتة، حيث توجد أيضاً عناصر من القوات التركية والإيطالية وقيادة «أفريكوم»، إضافة إلى مركز استخباراتي بريطاني. أما الموقع الثاني، ففي قاعدة بالزاوية مجهزة لإطلاق الطائرات المسيّرة الجوية والبحرية قرب مجمع مليتة النفطي، والثالث هو مقر «اللواء 111» على طريق مطار طرابلس، ويُستخدم لاجتماعات التنسيق مع قوات غرب ليبيا.

قوات ليبية فيما يعرف بـ«اللواء 111» خلال تدريب عسكري في غرب البلاد مارس الماضي (الصفحة الرسمية للواء 111)

وأشار التقرير الفرنسي إلى أن سلطات طرابلس وقَّعت اتفاقية تعاون مع أوكرانيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشمل تدريب العسكريين الليبيين على تشغيل الطائرات المسيّرة، إضافة إلى بنود طويلة الأمد تتعلق ببيع الأسلحة.

في هذا السياق، يرى المصدر العسكري السابق أن الاعتماد على المسيّرات «يهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية والهجومية، ويعد ضرورة عملياتية في الظروف الراهنة»، مشيراً إلى دورها المحوري في الاستطلاع والاستهداف بدقة، مع تقليل المخاطر البشرية.

أما شريف بوفردة فلا يستبعد «توجه القوات التابعة لحكومة الوحدة الوطنية نحو اقتناء مسيّرات أوكرانية، في إطار مساعي تحقيق قدر من توازن الردع الجوي»، مشيراً إلى أن هذا الاحتمال يكتسب وجاهته في ضوء ما ورد بمسودة تقرير حديث لفريق خبراء الأمم المتحدة، تحدثت عن حصول الجيش الوطني في شرق ليبيا على طائرات مسيّرة تركية وصينية.

ومن منظور بوفردة فإن المسيَّرات الأوكرانية، رغم كونها أقل تطوراً مقارنة بالنظيرات التركية، فإنها أثبتت فاعلية ملحوظة، لا سيما في تنفيذ العمليات الهجومية ذات الطابع الانتحاري؛ ما يعزز قيمتها العملياتية في بيئات النزاع غير المتكافئة.

ويأتي الحديث عن وجود خبراء أوكرانيين، واقتناء الطائرات المسيّرة في بيئة سياسية وعسكرية ليبية منقسمة، حيث توجد حكومتان: إحداهما في الغرب برئاسة الدبيبة، وأخرى في الشرق والجنوب برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

ومن زاوية أخرى، فتحت المعطيات الفرنسية حول التعاون العسكري الأوكراني مع سلطات ليبيا الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن احتمال تحوّل ليبيا إلى ساحة صراع موازية بين موسكو وكييف، لا سيما بعد حادث ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتاغاز» قبالة الساحل الليبي قبل شهر تقريباً، الذي عدته موسكو عملاً تخريبياً تقف وراءه أوكرانيا.

من زيارة سابقة لنائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف إلى مطار بنينا في بنغازي (الجيش الوطني)

غير أن بوفردة يستبعد أن تتحول ليبيا إلى «ساحة تنافس مباشر بين روسيا وأوكرانيا على مستوى مسرح العمليات، خصوصاً مع تمركز القوات الروسية في قواعد محصنة، بعيدة عن الساحل الليبي».

أما عبد الكافي فيعتقد أن التورط في هذا الصراع يدخل ليبيا في صدامات وقضايا دولية، ويذهب إلى أن حكومة الدبيبة «لن تقدم على خطوة تورطها في الصراع، أخذاً في الحسبان تحركات السفير الروسي الأخيرة، ولقاءاته مع مسؤولين ليبين في غرب البلاد».

يُشار إلى أن السفير الروسي لدى ليبيا، أيدار أغانين، كثف خلال الأيام الماضية لقاءاته مع عدد من المسؤولين العسكريين والسياسيين في غرب البلاد، من بينهم رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» الفريق أول صلاح النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، تناولت تكثيف التعاون العسكري والفني، وتوسيع الشراكة وتطوير المبادرات.

وشملت المحادثات الروسية المستوى السياسي مع وزير الخارجية المكلف الطاهر الباعور، إضافة إلى المستشار الخاص لرئيس المجلس الرئاسي، وصولاً إلى رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة.

وفي تطور آخر، سارعت السفارة الروسية، السبت، إلى نفي ما تداوله تقرير آخر للإذاعة الفرنسية حول مقتل الجنرال أندريه أفريانوف، أحد أبرز قادة الاستخبارات الروسية، إثر الهجوم على ناقلة النفط الروسية «قنديل» قبالة السواحل الليبية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكد البيان أن أفريانوف بصحة جيدة وعلى قيد الحياة، وأن المعلومات المتداولة حول مقتله أو إصابته لا أساس لها من الصحة، مشيراً إلى أن هذه الأنباء تستند إلى مصادر مجهولة، ولم يتم التحقق من صحتها.