اصطفَّ الأردنيون خلف أسر ضحايا «كنيسة حمود» في الكرك، جنوب البلاد، وهم يستقبلون العزاء في قتلى الهجوم الإرهابي الذي استهدفهم الجمعة، وتسبب في سقوط 8 قتلى وعشرات الجرحى بحسب آخر حصيلة تم الإعلان عنها ظهر السبت. وصارت قرية حمود في الساعات الماضية محجاً للمعزين القادمين دعماً لأهالي القتلى والجرحى.
وأكد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، السبت، «ضرورة إطلاع المواطنين على مستجدات التحقيق أولاً بأول، والتصدِّي بحزم للشائعات والمعلومات المضللة التي قد تستغل هذه الجريمة لإثارة الخوف والفتنة».
كما أكد الملك عبد الله الثاني أهمية «إعداد تقييم أمني شامل لآلية التعامل مع العمل الإرهابي، والخروج بإجراءات عملية تعزِّز الجاهزية الأمنية للتصدي المسبق لأي محاولات مشابهة»، لافتاً إلى ضرورة فرض سيادة القانون وهيبة الدولة.

وترأس الملك عبد ﷲ الثاني، السبت، اجتماعاً لمجلس الأمن القومي، استمع فيه إلى إيجاز أمني حول الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة قرية حمود بمحافظة الكرك، موجهاً الحكومة والمؤسسات المعنية بمراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف، وتكثيف العمل على تجفيف منابعه ضمن خطة منهجية، بالتنسيق مع المرجعيات الدينية.
وشدَّد العاهل الأردني، خلال الاجتماع الذي حضره الأمير الحسين بن عبد ﷲ الثاني ولي العهد، على أنه لا مجال للتهاون عندما يتعلق الأمر بأرواح الأردنيِّين، مجدداً إدانته لهذا العمل الإرهابي الشائن. كما شدَّد على أن أمن الأردنيِّين وسلامتهم خط أحمر، مؤكداً أن يد العدالة ستطال كل إرهابي، وأن مثل هذه الأفعال الجبانة لم ولن ترهب الأردن والأردنيِّين، ولن تزعزع وحدتهم الوطنية.
ووجَّه ملك الأردن الأجهزة المعنية بالرد بحزم، والضرب بيد من حديد على «الخوارج» وكل مَن تسوّل له نفسه العبث بوحدة الأردنيِّين، مشدداً على ضرورة ملاحقة ومحاسبة كل من أيَّد أو برَّر هذا الفعل بقوة القانون.
الكرك... ومحاولات بث فتنة

وظلّت محافظة الكرك الجنوبية على مدى عقود نموذجاً للعيش المشترك بين العشائر المسيحية والمسلمة. ويروي الأردنيون قصصاً حية عن سنوات من الجوار الاجتماعي وطبيعة العادات والتقاليد المشتركة لسكان المحافظة.
وكان لافتاً أن الأردن سعى إلى التعامل بوعي مع حملة على مواقع التواصل الاجتماعي هدفت إلى بثِّ الفتنة في البلاد. وأشارت مراصد تهتم بمتابعة التعليقات ومصادرها، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تفاعل المشتركين كان أكثر قرباً من الرواية الرسمية، على الرغم من ندرة المعلومات بسبب طبيعة التحقيقات في ملابسات هجوم الكنيسة.
تحييد السياسي لصالح الأمني
وفور وقوع الاعتداء، توجَّه فريق حكومي إلى محافظة الكرك وعقد سلسلة اجتماعات، وقدَّم بعض الإيجازات الصحافية. لكن الاهتمام بما حصل لم يقتصر على الفريق الحكومي، بل كان لافتاً أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وصل إلى الكرك بنفسه مرتدياً الزي العسكري وبلباس وحدة العمليات الخاصة. وفي عام 1998، قاد الأمير (آنذاك) عبد الله الثاني بنفسه، مع كتيبة تابعة للعمليات الخاصة، عمليةً عسكريةً هدفت إلى اعتقال خلية إرهابية في منطقة سحاب شرق عمّان. وكان آنذاك يحمل رتبة عميد في الجيش الأردني.

وحضور العاهل الأردني بلباسه العسكري يختصر إلى حدٍّ كبير المشهد في البلاد خلال الفترة المقبلة، إذ إنه يحمل رسائل ودلالات، خصوصاً في مثل هذه الظروف الأمنية، بحسب ما يقول محللون.
ويقول مسؤولون حضروا اجتماعات مع الملك عبد الله الثاني، إنه يضع خطط تنفيذ العمليات العسكرية بنفسه، ويشرف في كثير من الأحيان على العمليات بشكل مباشر، ليس بصفته قائداً أعلى للقوات المسلحة، بل بصفته عسكرياً متمرساً في ميادين التدريب والعمليات.
الفيديوهات تحدثت عن كل شيء
وفور وقوع الاعتداء على الكنيسة انتشرت فيديوهات وثَّقت تفاصيل العملية الإرهابية، بحيث لم يعد هناك أي ضرورة لشرح الحدث. وأظهرت مشاهد الاعتداء 3 إرهابيِّين ترجَّلوا من مركبة وهم يحملون أسلحةً أتوماتيكيةً، وبدأوا في إطلاق النار على المدنيِّين بدم بارد. وكانت بعض وجوههم واضحة للكاميرات.
وقد سُئل وزير الداخلية مازن الفراية، لحظة وصوله إلى نقطة تجمّع لأسر القتلى والجرحى، برفقة رئيس الوزراء جعفر حسان، عن سبب «تكفيل» أحد الإرهابيين الـ3ة قبل أيام من تنفيذ العملية. لكن الوزير نفى ذلك بعد خروجه من العزاء، وقال في بيان صحافي إنه «لم يتم تكفيل منفِّذ العملية».
وأكدت مصادر مطلعة تقدُّم التحقيقات في أحداث كنيسة حمود وتحديد هوية منفِّذي الجريمة، مشيرة إلى أن نتائج التحقيقات سيتم الإعلان عنها عند اكتمالها، بعد تغطية جميع أركان وأطراف العملية الإرهابية التي تُعدُّ سابقةً خطيرةً في البلاد.
والأمن الأردني مستهدَف في الحقيقة من جهات عدة. ويقول محللون في عمّان إن الخصومة مع الجماعات التكفيرية تجعل من أفرادها أدوات يسهل توجيهها لضرب أمن البلاد ووحدتها، عبر اعتداءات على غرار استهداف الموجودين في كنيسة حمود بالكرك، والذين كانوا يحضرون عزاء. وبحسب هؤلاء المحللين، فإن عملية الكرك مقصود منها إيقاع فتنة في البلاد، والفتنة هنا موجَّهة ضد «مكوّنَين ملتحمَين لا يمكن الفصل بينهما»، بحسب تصريحات صحافية للأب نبيل حداد، وهو واحد من أبرز رجالات الدين المسيحيِّين في الأردن.
وينتظر الأردنيون الآن إجابات حول انتماءات المجموعة الإرهابية التي نفَّذت عملية «كنيسة حمود»، وهل لها اتصالات بجماعات خارجية، أم أنها كانت مدفوعة بأفكار متطرفة ينتمي لها الإرهابيون الذين نفَّذوا الاعتداء. وفي انتظار الإعلان عن انتماءات المجموعة، تُثار تساؤلات عمّا إذا كان لها اتصال بجماعات أخرى في مناطق مختلفة من البلاد، وسط مخاوف من تنفيذ هجمات مشابهة، ولو بطريقة «الذئاب المنفردة».

الإرهاب... واستهداف الكرك
وكانت محافظة الكرك واجهت أحداثاً مؤلمة في عاميَ 2015 و 2016. فبعد سقوط طائرة الطيّار معاذ الكساسبة الذي ينتمي إلى قرية في جنوب المحافظة، ووضعه في الأسر من قبل تنظيم «داعش» في سوريا، لجأ هذا التنظيم الإرهابي إلى إعدام الطيار الأردني بحرقه في يناير (كانون الثاني) 2015، في صورة عكست مفاهيم «إدارة التوحش» لدى التنظيمات التكفيرية، وأثارت استياء واسعاً في الأردن. وفي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2016 تعرَّضت محافظة الكرك لحادثة إرهابية كان مسرحها في قلعتها، حيث تحصَّن أفراد ينتمون إلى تنظيم «داعش» أخفوا أسلحةً في القلعة. في تلك الحادثة، تم حجز رهائن داخل القلعة، واستمرَّت العملية لأكثر من 15 ساعة، ما أسفر عن مقتل 14 من عناصر الأمن ومدنيين وسائحة أجنبية، وإصابة كثير من الموجودين في محيط القلعة. كما قُتل عناصر خلية «داعش» الأربعة.



