أعلن ائتلاف «إدارة الدولة» العراقي، الذي يضم قوى شيعية وسنية وكردية، موقفاً هو الأكثر تشدداً حتى الآن تجاه الجماعات المسلحة التي تحتفظ بأسلحة خارج إطار الدولة، مؤكداً أن أي نشاط مسلح بعد انتهاء المهلة الحكومية في 30 سبتمبر (أيلول) 2026 سيُعامل وفق القوانين النافذة، بما في ذلك قانون مكافحة الإرهاب، في خطوة تعكس تصعيداً سياسياً وأمنياً في ملف ظل من أكثر القضايا تعقيداً في العراق منذ عام 2003.
جاء الموقف في بيان صدر عقب اجتماع للائتلاف عُقد في مكتب رئيس الوزراء علي الزيدي، بحضور رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، حيث ناقش المجتمعون الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية، إلى جانب التطورات الإقليمية وانعكاساتها على العراق.

وقال البيان إن المجتمعين جدَّدوا دعمهم «لحصر السلاح بيد الدولة» وفق البرنامج الحكومي والقوانين النافذة، وشددوا على منع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار أو إدخال العراق في صراعات إقليمية. وأضاف أن «من يقومون بسلوك يهدّد أمن البلاد خارج إطار المؤسسات الرسمية خارجون عن القانون وتجب محاربتهم»، مؤكداً أن أي سلوك مسلح خارج إطار الدولة بعد انتهاء المهلة المحددة سيجري التعامل معه وفق قانون مكافحة الإرهاب.
ويأتي البيان بعد يومين من تصريحات نُسبت إلى هادي العامري، أحد أبرز قادة «الإطار التنسيقي» وزعيم «منظمة بدر»، خلال لقاء مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في زيارة دينية إلى النجف وكربلاء، قال فيها إنه «سيكون أول بندقية بوجه من يقترب من سلاح المقاومة».
وحددت الحكومة العراقية نهاية سبتمبر 2026 موعداً نهائياً لاستكمال ترتيبات تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع الجدول المعلن لإنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق، وهو ملف ظل محوراً للتجاذبات بين الحكومة والفصائل المسلحة.
وفي المقابل، تمسكت جماعات مسلحة بموقفها الرافض للتخلي عن أسلحتها. وقال الأمين العام لـ«كتائب حزب الله»، أبو حسين الحميداوي، في بيان، إن الجماعة ستواصل «التمسك» بما وصفه بـ«سلاح المقاومة»، داعياً إلى تطوير ترسانتها والالتزام بالإجراءات الأمنية، عادَّاً أن ذلك ضروري لمواجهة ما سماه «التحديات» و«الأعداء وأذنابهم».

تحركات أمنية
وتزامنت لهجة الائتلاف الحادة مع تحركات على المستوى الأمني؛ إذ التقى رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان كلاً من الفريق عبد الأمير الشمري، مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة، والفريق زيد حوشي، رئيس جهاز مكافحة الإرهاب، في اجتماعين منفصلين، دون إعلان تفاصيل رسمية عن فحوى اللقاءين.
ويُعدّ ملف الفصائل المسلحة من أكثر الملفات تعقيداً واشتباكاً في العراق؛ إذ برزت كثير من تلك الجماعات في سياق الحرب على «داعش»، في حين أصبحت لاحقاً جزءاً من مشهد أمني وسياسي معقد. وأكدت الحكومات العراقية المتعاقبة التزامها بحصر السلاح بيد الدولة، في حين ترى بعض الفصائل أن احتفاظها بالسلاح يرتبط بما تصفه بـ«المقاومة» والتهديدات الأمنية.
ماذا يقول الخبراء؟
ويرى محللون أن البيان يمثل تحولاً في الخطاب الرسمي. وقال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية طالب محمد كريم إن البيان لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً أمنياً فقط، بل بوصفه محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة التي نشأت في ظروف استثنائية بعد عام 2003. وأضاف أن المؤيدين يرون احتكار الدولة للسلاح شرطاً لترسيخ السيادة، في حين يخشى المعارضون من أن تتحول العملية استهدافاً سياسياً في ظل أزمة ثقة ممتدة.
وقال رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري إن البيان اتسم بـ«الجرأة السياسية» مقارنة بمواقف سابقة اعتمدت، حسب تعبيره، على المناورة، مضيفاً أنه يعكس جدية الحكومة والقوى السياسية في حسم ملف حصر السلاح بيد الدولة، ولا سيما مع وصف السلاح الخارج عن سلطة الدولة بأنه يخضع لأحكام قانون مكافحة الإرهاب.
من جانبه، قال المحلل السياسي إياد السماوي إن أبرز ما ورد في البيان هو التأكيد على أن استخدام السلاح خارج إرادة الدولة يمثل جريمة تهدد أمن البلاد، وأن التعامل بعد 30 سبتمبر سيكون وفق قانون مكافحة الإرهاب، عادَّاً أن ذلك يؤكد مبدأ عدم قيام الدولة في ظل تعدد مراكز القوة.
أما الخبير الأمني مخلد حازم، فقال إن الحكومة تسعى إلى توحيد الموقف بين المؤسسات السياسية والأمنية والقضائية بشأن هذا الملف، لكنه أشار إلى أن تنفيذ القرار قد يواجه تحديات في ظل استمرار رفض بعض الفصائل تسليم أسلحتها، مضيفاً أن احتمالات المواجهة ستظل قائمة إذا لم يتم التوصل إلى تسوية قبل انتهاء المهلة.
