داخل النفق الذي قُتل فيه محمد السنوار

تقرير «نيويورك تايمز» رصد عدم وجود أي فلسطينيين في الطريق إلى خان يونس بعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية

الغرفة التي عثر فيها على جثة محمد السنوار داخل النفق (خدمة نيويورك تايمز)
الغرفة التي عثر فيها على جثة محمد السنوار داخل النفق (خدمة نيويورك تايمز)
TT

داخل النفق الذي قُتل فيه محمد السنوار

الغرفة التي عثر فيها على جثة محمد السنوار داخل النفق (خدمة نيويورك تايمز)
الغرفة التي عثر فيها على جثة محمد السنوار داخل النفق (خدمة نيويورك تايمز)

بعرض قدمين وارتفاع أقل من 6 أقدام، امتد النفق عميقاً تحت أحد المستشفيات الكبرى في جنوب قطاع غزة. حمل الهواء تحت الأرض رائحة كريهة تشبه رائحة الجثث. بعد السير نحو 40 ياردة داخل النفق، وجدنا السبب المحتمل.

في غرفة صغيرة يؤدي إليها النفق، كانت الأرض ملطخة بالدماء. هنا، وفقاً للجيش الإسرائيلي، قُتل محمد السنوار -أحد كبار قادة حركة «حماس» العسكريين (الشقيق الأصغر لقائد الحركة الراحل يحيى السنوار)- الشهر الماضي بعد سلسلة ضربات إسرائيلية قريبة.

ما شاهدناه في ذلك النفق المظلم والضيق هو أحد أكبر اختبارات «رورشاخ»، (أداة للتحليل النفسي عبر مشاهدة بطاقات عليها بقع حبر) في الحرب، تجسيداً لمعركة أوسع بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول كيفية تصوير الصراع.

نفق بالقرب من مستشفى كبير جنوب غزة يؤدي إلى غرفة صغيرة يقول الجيش الإسرائيلي إن أحد كبار قادة «حماس» قُتل فيها (خدمة نيويورك تايمز)

رافق الجيش، مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» إلى النفق ظُهر الأحد، كجزء من زيارة قصيرة نظَّمها الإسرائيليون لإطلاع الصحافيين الدوليين على ما يرون أنه يثبت أن «حماس» تستخدم البنية التحتية المدنية درعاً للأنشطة العسكرية.

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن هجوم إسرائيل على مجمع المستشفى واستيلاءها عليه لاحقاً سلَّطا الضوء على تجاهلها للأنشطة المدنية.

جثة محمد السنوار

الشهر الماضي، أمر الجيش طاقم المستشفى والمرضى بمغادرة المجمع، جنباً إلى جنب مع سكان الأحياء المحيطة. ثم، كما قال المسؤولون، حفروا حفرة كبيرة بعمق نحو 10 ياردات في فناء داخل أرض المستشفى. استخدم الجنود هذه الحفرة للوصول إلى النفق واستعادة جثة (محمد) السنوار، ورافقوا الصحافيين لاحقاً إلى هناك حتى نتمكن من رؤية ما أطلقوا عليه «ملجأه الأخير».

جنود إسرائيليون يقفون في حفرة تُستخدم للوصول إلى النفق (خدمة نيويورك تايمز)

لا توجد مداخل معروفة للنفق داخل المستشفى نفسه، لذلك نزلنا إلى التجويف الذي صنعته إسرائيل باستخدام حبل. للمشاركة في هذه الجولة المراقبة، وافقت «نيويورك تايمز» على عدم تصوير وجوه معظم الجنود أو نشر تفاصيل جغرافية قد تعرِّضهم لخطر جسدي فوري.

بالنسبة إلى الإسرائيليين الذين اصطحبونا إلى هناك، فإن هذا الملجأ -الموجود مباشرةً تحت قسم الطوارئ في مستشفى غزة الأوروبي- يرمز إلى كيف أن «حماس» تُعرِّض المدنيين للخطر باستمرار، وتنتهك القانون الدولي، من خلال توجيه عملياتها العسكرية من تحت غطاء المستشفيات والمدارس. كما حفرت «حماس» أنفاقاً تحت مستشفى الشفاء في مدينة غزة، ومجمع تابع للأمم المتحدة في مكان آخر من المدينة.

قال العميد إيفي ديفرين، المتحدث العسكري الإسرائيلي الرئيسي، في المستشفى ظهر الأحد: «جرَّتنا (حماس) إلى هذه النقطة. إذا لم يكونوا يبنون بنيتهم التحتية تحت المستشفيات، لَمَا كنا هنا، لَمَا هاجمنا هذا المستشفى».

وأضاف ديفرين أن إسرائيل حاولت تقليل الضرر بالمستشفى من خلال استهداف المنطقة المحيطة بمبانيها، دون ضرب مباشر للمرافق الطبية نفسها. وقال: «الهدف لم يكن إتلاف المستشفى، وتجنبنا قدر الإمكان الأضرار الجانبية».

أولوية تدمير «حماس»

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين أُجبروا على المغادرة، فإن الهجوم الإسرائيلي على السنوار يجسد استعداد إسرائيل لإعطاء أولوية لتدمير «حماس» على حساب حماية المدنيين والبنية التحتية، خصوصاً النظام الصحي.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، نفَّذت إسرائيل ما لا يقل عن 686 هجوماً على المرافق الصحية في غزة منذ بداية الحرب بين إسرائيل و«حماس»، مما ألحق أضراراً بـ33 على الأقل من أصل 36 مستشفى في غزة، كثير منها، مثل مستشفى غزة الأوروبي، أصبح الآن خارج الخدمة، مما زاد من اتهامات جماعات حقوقية وحكومات أجنبية -التي تنفيها إسرائيل بشدة- بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، جزئياً من خلال تدمير النظام الصحي الفلسطيني.

قال الدكتور صالح الهمص، المتحدث باسم المستشفى، في مقابلة هاتفية من منطقة أخرى في جنوب غزة: «هذا غير مقبول أخلاقياً وقانونياً، لكنَّ إسرائيل تعتقد أنها فوق القانون».

على الرغم من أن إسرائيل استهدفت محيط موقع المستشفى، تاركةً مباني المستشفى قائمة، قال الهمص إن الضربات أصابت 10 أشخاص داخل المجمع، وألحقت أضراراً بأنظمة المياه والصرف الصحي، ودمَّرت جزءاً من السقف. وقتلت 23 شخصاً في مبانٍ خارج محيطه، أي أكثر بـ17 شخصاً مما تم الإبلاغ عنه يوم الهجوم.

قال الهمص إن الاهتزازات الناتجة عن الضربات كانت مثل «زلزال». وأضاف أنه لم يكن على علم بأي أنفاق تحت المستشفى.

وحتى لو كانت موجودة، قال: «هذا لا يبرر الهجوم. كان على إسرائيل أن تجد طرقاً أخرى للقضاء على أي قائد مطلوب. كانت هناك ألف طريقة أخرى لفعل ذلك».

أكوام من الأنقاض

كشفت رحلتنا إلى المستشفى الكثير عن ديناميكيات الحرب الحالية في غزة.

في رحلة استغرقت نحو 20 دقيقة من الحدود الإسرائيلية، لم نرَ أي فلسطينيين -نتيجة قرار إسرائيل إجبار سكان جنوب غزة على مغادرة منازلهم والتوجه غرباً نحو البحر. كان كثير من المباني مجرد أكوام من الأنقاض، دمَّرتْها إما الضربات والتفجيرات الإسرائيلية، وإما ألغام «حماس» المفخخة. هنا وهناك، نجا بعض المباني، إلى حد ما. في إحدى الشرفات، ترك شخص ما صفاً مرتباً من نباتات الصبار في أصص.

سافرنا في سيارات جيب مكشوفة، وهي علامة على أن الجيش الإسرائيلي لم يعد يخشى الوقوع في كمين لمقاتلي «حماس» عبر هذا الجزء من جنوب شرقي غزة. حتى طريق صلاح الدين على الأقل، الشريان الرئيسي شمال-جنوب في القطاع، بدا أن الجيش الإسرائيلي يسيطر عليه تماماً بعد توسيع حملته البرية في مارس (آذار).

كما يبدو أن مستشفى غزة الأوروبي والنفق تحته أصبحا الآن تحت السيطرة الإسرائيلية حصراً.

وفقاً لقوانين الحرب، يعد المرفق الصحي موقعاً محمياً لا يمكن مهاجمته إلا في حالات نادرة جداً. إذا استخدم أحد الأطراف الموقع لأغراض عسكرية، فقد يجعله هدفاً مشروعاً، ولكن فقط إذا كان الخطر على المدنيين متناسباً مع المكسب العسكري الناتج عن الهجوم.

فلسطينيون بموقع غارة جوية للجيش الإسرائيلي على المستشفى الأوروبي في خان يونس (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي إنه حاول الحد من الأذى الذي يلحق بالمدنيين من خلال استهداف أطراف مجمع المستشفى فقط. لكنَّ خبراء قانونيين دوليين قالوا إن أي تقييم لشرعية الضربة يجب أن يأخذ في الاعتبار أيضاً تأثيرها على النظام الصحي الأوسع في جنوب غزة.

قال الخبراء إنه في إقليم أصبح فيه كثير من المستشفيات غير قابلة للعمل بالفعل، يصعب العثور على مبرر قانوني لضربات تعطّل المستشفيات المتبقية، حتى لو اختبأ المسلحون تحتها.

السنوار و4 مقاتلين

عندما دخلنا النفق يوم الأحد، وجدناه سليماً بالكامل تقريباً. كانت الغرفة الضيقة التي قيل إن السنوار وأربعة من رفاقه المقاتلين لقوا حتفهم فيها ملطخة بالدماء، لكن الجدران بدت سليمة. لم يبدُ أن الفراش والملابس والشراشف قد تحركت بسبب الانفجارات، وكانت بندقية إسرائيلية -سُرقت سابقاً في الحرب، كما قال الجنود- معلقة على خطاف في الزاوية.

لم يتضح على الفور كيف قُتل السنوار، وقال ديفرين إنه لا يستطيع تقديم إجابة قاطعة. وأشار إلى أن السنوار وحلفاءه ربما اختنقوا في أعقاب الضربات أو سقطوا بسبب موجة صادمة ناتجة عن الانفجارات.

قال خبراء في القانون الدولي إنه إذا تم تسميم السنوار عمداً بغازات ناتجة عن مثل هذه الانفجارات، فسيثير ذلك أسئلة قانونية.

قالت سارة هاريسون، المحامية السابقة في وزارة الدفاع الأميركية ومحللة في مجموعة الأزمات الدولية: «سيكون استخداماً غير قانوني لقنبلة تقليدية -سلاح مشروع عموماً- إذا كان القصد هو القتل بالغازات الخانقة المنبعثة من تلك القنبلة».

نفى ديفرين أي نية من هذا القبيل. وقال: «هذا شيء يجب أن أؤكده هنا، كيهودي أولاً ثم كإنسان: نحن لا نستخدم الغازات أسلحةً».

في أنفاق أخرى اكتشفها الجيش الإسرائيلي، استخدم الجنود فلسطينيين دروعاً بشرية، حيث أرسلوهم أمامهم للبحث عن ألغام.

نفى ديفرين هذه الممارسة. وقال إن النفق حفره الإسرائيليون.

* خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

مقتل فلسطيني وإصابة آخرين في قصف إسرائيلي على جنوب غزة

المشرق العربي رجل يهرع حاملاً طفلاً يُقال إنه أصيب في غارة إسرائيلية إلى مستشفى ناصر بخان يونس الثلاثاء (أ.ب) p-circle

مقتل فلسطيني وإصابة آخرين في قصف إسرائيلي على جنوب غزة

قُتل مواطن فلسطيني وأصيب آخرون، الأربعاء، جراء استهداف من القوات الإسرائيلية في مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يقف بجوار مركبات عسكرية بالقرب من حدود إسرائيل مع قطاع غزة 1 مايو 2024 (رويترز)

إسرائيل تعلن اغتيال قائد لواء شمال غزة في منظومة «حماس» البحرية

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه وجهاز الشاباك قضيا، يوم الاثنين، على قائد لواء شمال قطاع غزة في المنظومة البحرية التابعة لحركة «حماس» يونس محمد حسين عليان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص مجموعة من المقاتلين التابعين لـ«سرايا القدس» في غزة أكتوبر 2023 (إ.ب.أ)

خاص إسرائيل تلاحق قياديين من «الجهاد» في إيران... ماذا نعرف عنهما؟

نقلت وسائل إعلام عبرية أن إسرائيل استهدفت في إيران قائدين كبيرين في حركة «الجهاد الإسلامي»، وهما محمد الهندي وأكرم العجوري... فماذا نعرف عنهما وطبيعة أدوارهما.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يركبون عربة يجرها حمار وسط عاصفة رملية في مدينة غزة (أ.ب) p-circle

بسبب حرب إيران... غزة تستقبل أول عيد في ظل الهدنة وسط قلق من نسيانها

للمرَّة الأولى منذ بداية الحرب في قطاع غزة قبل أكثر من سنتين، تشتري رائدة أبو دية ملابس جديدة لطفلتها لمناسبة عيد الفطر، ولكنها في الوقت ذاته قلقة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي خيام تؤوي فلسطينيين نازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... زخم يتصاعد أمام تعقيدات ومخاوف

زخم يتواصل بشأن ملف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بعد جمود زاد من وتيرته اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوعين.

محمد محمود (القاهرة )

برلين تدعو الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز دعمه لسوريا واستقرارها

يوهان فاديفول وزير الخارجية الألماني يزور حي حرستا الدمشقي أكتوبر الماضي وتبدو خلفه المنازل المدمرة برفقة رائد الصالح وزير الطوارئ والكوارث - يمين الصورة (د.ب.أ)
يوهان فاديفول وزير الخارجية الألماني يزور حي حرستا الدمشقي أكتوبر الماضي وتبدو خلفه المنازل المدمرة برفقة رائد الصالح وزير الطوارئ والكوارث - يمين الصورة (د.ب.أ)
TT

برلين تدعو الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز دعمه لسوريا واستقرارها

يوهان فاديفول وزير الخارجية الألماني يزور حي حرستا الدمشقي أكتوبر الماضي وتبدو خلفه المنازل المدمرة برفقة رائد الصالح وزير الطوارئ والكوارث - يمين الصورة (د.ب.أ)
يوهان فاديفول وزير الخارجية الألماني يزور حي حرستا الدمشقي أكتوبر الماضي وتبدو خلفه المنازل المدمرة برفقة رائد الصالح وزير الطوارئ والكوارث - يمين الصورة (د.ب.أ)

تدفع ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي نحو تسريع توسيع العلاقات الاقتصادية مع سوريا. وفي ورقة موقف موجهة إلى المفوضية الأوروبية، ودائرة الشؤون الخارجية، دعت الحكومة الألمانية إلى بدء محادثات مع البنك الأوروبي للاستثمار بشأن العودة إلى سوريا، ودراسة تسهيلات تجارية للقطاع الزراعي، وقطاع المنسوجات هناك.

كما تشير الورقة، التي اطلعت عليها «وكالة الأنباء الألمانية»، إلى إمكانية الإعداد على المدى الطويل لاتفاق شراكة شامل بين الاتحاد الأوروبي وسوريا.

ويهدف توسيع العلاقات الاقتصادية إلى دعم إعادة إعمار سوريا التي دمرتها الحرب الأهلية، وبالتالي تحسين آفاق المستقبل للمواطنين.

إفطار رمضاني جماعي في حي جوبر الدمشقي المدمر بالكامل بسبب الحرب (أ.ب)

وخلال النزاع وحكم بشار الأسد، فرّ ملايين من السوريين من وطنهم، ولا يزال الكثير منهم يعيشون حتى اليوم في ألمانيا، أو دول أخرى في الاتحاد الأوروبي، ومن بين أسباب ذلك أن الوضع الاقتصادي في سوريا لا يزال قاتماً حتى بعد سقوط الأسد، ورفع عقوبات الاتحاد الأوروبي.

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق الثلاثاء (رويترز)

وتشير ورقة الموقف إلى تحليل للبنك الدولي يفيد بأن نصيب الفرد من الدخل في سوريا تراجع مؤخراً بشكل ملحوظ إلى ما دون العتبة الدولية للدول منخفضة الدخل. ووفقاً للبيانات، يعاني نحو ربع السوريين من فقر مدقع، بينما يعيش ثلثا السكان تحت خط الفقر للدول ذات الدخل المتوسط المنخفض.

أمطار غزيرة تغرق شوارع الحسكة شمال شرقي سوريا أمس (رويترز)

وتحذر الورقة من أن ضعف آفاق التنمية قد يهدد أيضاً مسار الانتقال السياسي، وبالتالي استقرار البلاد بوجه عام. وأكدت الورقة أن سياسة الاتحاد الأوروبي يجب أن تولي دعماً خاصاً للتعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار.

وتقدر تكاليف إعادة الإعمار، استناداً إلى البنك الدولي، بما لا يقل عن 216 مليار دولار أميركي (187 مليار يورو).

ووفقاً لدبلوماسيين، تحظى ورقة الموقف أيضاً بدعم عدة دول أخرى في الاتحاد الأوروبي، من بينها فرنسا، وإيطاليا، والسويد، والنمسا.


العراق يؤكد «استتباب الأمن» رغم استمرار الهجمات المتبادلة

لقطة عبر نهر دجلة لجانب من السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
لقطة عبر نهر دجلة لجانب من السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق يؤكد «استتباب الأمن» رغم استمرار الهجمات المتبادلة

لقطة عبر نهر دجلة لجانب من السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
لقطة عبر نهر دجلة لجانب من السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

رغم هجمات تشنها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على مواقع عديدة لـ«الحشد الشعبي» ومواقع لشخصيات في الفصائل، إلى جانب استهداف الجماعات الموالية لإيران للسفارة الأميركية ومواقع في مطار بغداد وإقليم كردستان، من دون أن تتمكن السلطات الأمنية من وقف تلك الهجمات المتبادلة، تصر على أن «الأوضاع مستتبة» في البلاد.

وفيما يبدو أنه «تحرك جماعي»، أصدرت معظم الأجهزة الأمنية، الأربعاء، بيانات تؤكد استقرار أوضاع البلاد الأمنية. بيد أن مراقبين يعزون ذلك إلى سعي هذه الأجهزة للتخلص من الضغوط والانتقادات الشعبية بعد إخفاقها في إبعاد البلاد عن دائرة الحرب.

ولم يعد يخشى كثير من المواطنين «دخول العراق» فعلياً ضمن دائرة الحرب، إنما من انعكاساتها الخطيرة المقبلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع تواصل الهجمات المتبادلة وتوقف معظم صادرات البلاد النفطية، إلى الانسحاب المتواصل للبعثات الدبلوماسية في العراق، خاصة الخليجية منها.

وحتى الآن شنت الفصائل المسلحة أكثر من 400 هجوم على مواقع مختلفة في البلاد، في مقابل نحو 50 شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على مواقع لـ«الحشد الشعبي».

تشييع عنصر في «كتائب حزب الله» في بغداد بعد يوم من مقتله بضربة جوية في جنوب العراق 4 مارس 2026 (أ.ف.ب)

عمليات بغداد: الوضع مستقر

وأكد قائد عمليات بغداد الفريق الركن وليد خليفة، الأربعاء، أن الوضع في بغداد مستقر وآمن، وقال لعدد من وسائل الإعلام، إن «جميع الإجراءات الاحترازية متخذة لاستقرار العاصمة بغداد».

وأضاف خليفة أن «عمليات بغداد اتخذت مجموعة من الإجراءات، ومنها انتشار القواطع العسكرية وتأمين الحماية لجميع الهيئات الدبلوماسية والسفارات»، مطمئناً العراقيين وجميع الهيئات الدبلوماسية، بأن «الوضع في بغداد مستقر وآمن».

الداخلية: إجراءات احترازية

​وأصدرت وزارة الداخلية، الأربعاء، إجراءات احترازية لأمن المواطنين منعت فيها «منعاً باتاً» نشر أو تداول مقاطع الفيديو وصور المواقع المستهدفة على منصات التواصل الاجتماعي «لما يشكله ذلك من كشف لمواقع حيوية قد تخدم الجهات المعادية».

وأهابت بالمواطنين «عدم الاقتراب من أماكن الحوادث، حفاظاً على سلامتهم الشخصية ولإفساح المجال أمام الأجهزة المختصة لممارسة مهامها».

كما دعت جميع المؤسسات الإعلامية إلى «توخي الدقة وعدم الكشف عن إحداثيات أو مواقع الأحداث بشكل تفصيلي».

إحباط هجمات سيبرانية

وأعلن جهاز الأمن الوطني هو الآخر، الأربعاء، عن رصد محاولات لبث خطاب طائفي والتحريض على الفوضى والإساءة للأجهزة الأمنية والرموز الدينية، وكشف عن إيقاف 270 هجمة سيبرانية من داخل البلاد وخارجها، مؤكداً أن أوضاع المؤسسات الإصلاحية مستقرة وتخضع لإجراءات أمنية مشددة.

وقال الناطق الرسمي باسم الأمن الوطني، أرشد الحاكم، خلال مؤتمر صحافي، إنه «في ظل التطورات الأمنية التي تشهدها المنطقة وتداعياتها على الساحة العراقية، فإننا أمام مرحلة تتطلب وضوحاً ومسؤولية في التعامل مع الوقائع، كما تتطلب جهداً أمنياً واستخبارياً متواصلاً لحماية الأمن الداخلي ومنع أي محاولات لاستغلال الظروف الراهنة لإثارة الفوضى أو الإضرار باستقرار البلاد».

وأضاف أن «جهاز الأمن الوطني واصل جهوده في حماية الجبهة الداخلية خلال الفترة الماضية، إلى جانب مهامه المستمرة في مكافحة الإرهاب والمخدرات والابتزاز والتهريب، مع التركيز على عدد من الملفات المرتبطة بالمرحلة الحالية».

ولفت إلى أنه وبناءً على المعطيات الاستخبارية التي وفرها جهاز الأمن الوطني «جرى اتخاذ جملة من الإجراءات بإشراف (ق ع المشتركة)، ومنها تعزيز حماية المؤسسات الإصلاحية ومعالجة الثغرات الأمنية، وتعزيز الأطواق الخارجية للسجون». في إشارة إلى المخاوف من هروب عناصر «داعش» من تلك السجون في حال تعرضها لضربات جوية.

وأضاف الحاكم أن «هذه الإجراءات شملت سجن بابل المركزي، وسجن الناصرية المركزي، وسجن التاجي، ومجمع سجون بغداد المركزي».

وبشأن ملف الأمن السيبراني، أكد أن «مفارز الجهاز تمكنت من معالجة وإغلاق عدد من المواقع والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي التي كانت تنشر معلومات مضللة أو خطاب كراهية، حيث تم رصد وإيقاف 270 هجمة سيبرانية من داخل البلاد وخارجها، إضافة إلى استهداف ومعالجة 1043 حساباً على مواقع التواصل الاجتماعي كانت تهدد السلم والأمن المجتمعي، وذلك بالتنسيق مع القضاء المختص».

صورة مأخوذة من فيديو متداول لموقع الهجوم على «الحشد الشعبي» في عكاشات غرب العراق

المخابرات ترد على الاتهامات

وفيما يبدو أنه رد على اتهامات تسوقها جهات مقربة من الفصائل بشأن تقديمه إحداثيات لمواقع الفصائل، قال جهاز المخابرات العراقي، إنه «تابع حملة ممنهجة على منصات التواصل الاجتماعي استهدفت دوره الوطني من خلال التشكيك بمهنيته والتحريض على قياداته وضباطه».

وأضاف الجهاز أنه «في الوقت الذي يدين الجهاز تلك الأنشطة الإجرامية المضللة والتحريضية، يشدد على ملاحقة المتورطين فيها واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقهم».

وأكد أن الاتهامات ضده «محاولات يائسة لثني الجهاز عن أداء واجباته القانونية والدستورية ضمن منظومة الأمن العراقية بالتزامن مع التحديات الأمنية الخطيرة التي تشهدها المنطقة».


ماذا تبقّى من ترسانة «حزب الله» العسكرية؟

آثار الدمار الناتج عن صاروخ أطلقه «حزب الله» باتجاه نهاريا (رويترز)
آثار الدمار الناتج عن صاروخ أطلقه «حزب الله» باتجاه نهاريا (رويترز)
TT

ماذا تبقّى من ترسانة «حزب الله» العسكرية؟

آثار الدمار الناتج عن صاروخ أطلقه «حزب الله» باتجاه نهاريا (رويترز)
آثار الدمار الناتج عن صاروخ أطلقه «حزب الله» باتجاه نهاريا (رويترز)

تثير الصواريخ التي يواصل «حزب الله» إطلاقها منذ قراره الانخراط في حرب إسناد إيران، من حيث كثافتها ونوعيتها، استغراباً واسعاً لدى المراقبين، وخصوصاً في إسرائيل، التي تُعبّر وسائل إعلامها عن دهشة إزاء استمرار امتلاك الحزب هذه القدرات العسكرية، رغم الحرب المتواصلة عليه منذ سبتمبر (أيلول) 2023.

الدخان يتصاعد نتيجة اعتراض منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية صاروخاً أطلقه «حزب الله» من لبنان باتجاه كريات شمونة (أ.ب)

وكانت التقديرات الإسرائيلية السابقة تُرجّح تآكل جزء كبير من ترسانته، خلال الحرب الماضية وما تلاها من عمليات قصف تواصلت طوال 15 شهراً لمخازنه ومواقعه، إلا أن وتيرة الإطلاق، منذ بدء الجولة الجديدة من الحرب، طرحت تساؤلات جدية حول الحجم الفعلي لهذه الترسانة، ومصادرها، وآليات الحفاظ عليها، وأماكن تمركز ما تبقّى منها، وكيفية إدارتها واستخدامها في ظل هذه الظروف المعقدة، علماً بأن الجيش اللبناني كان، بدوره، قد وضع يده على جزء غير قليل من هذه الأسلحة في منطقة جنوب الليطاني.

ولا تقتصر التساؤلات حول المخزون العسكري، وإنما أيضاً حول قدرة «الحزب» على ملء الشواغر في المراكز القيادية، بعد عمليات اغتيال طالت المئات من قيادييه وعناصره، وحول كيفية وصول هؤلاء بأعداد كبيرة للمشاركة في القتال براً بالقرى والبلدات الحدودية.

مواقع تخزين سرية

ويرجّح معظم الخبراء العسكريون عدم مغادرة هؤلاء العناصر بلداتهم وقراهم، طوال الفترة الماضية، مع حفاظهم على أسلحتهم في منشآت خاصة لم تجرِ مداهمتها.

ويعد الدكتور رياض قهوجي، الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع، أنه «إذا كانت التقديرات الإسرائيلية تتحدث عن تدمير ما بين 50 و70 في المائة من ترسانة (حزب الله) العسكرية، خلال الحرب الماضية وما تلاها من عمليات خلال الأشهر الـ15 الماضية، وإذا كان لدى (الحزب) 100 ألف صاروخ، تبعاً للسردية التي كانت قائمة، وفي حال القضاء على 70 في المائة من هذه الصواريخ، يبقى نحو 30 ألف صاروخ في الترسانة العسكرية لـ(الحزب)، وهذا ليس بالعدد القليل على الإطلاق، دون أن ننسى أنه لم يجرِ بعدُ استخدام الترسانة الموجودة في البقاع».

وعن مواقع الصواريخ وأماكن تخزينها، يوضح قهوجي، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن إسرائيل «دمرت، في كثير من الأحيان، مداخل بعض الأنفاق، سواء في الجنوب أم السلسلة الشرقية، لكنها لم تستطع تدميرها بالكامل، لذلك محتوياتها لا تزال موجودة، من هنا يمكن الحديث عن نية للوصول إلى هذه الأنفاق براً لوضع اليد عليها».

ويذكّر قهوجي بأن «(الحزب) لم يتعاون مع الجيش اللبناني لا جنوب ولا شمال الليطاني، لذلك معظم مداهمات عناصر الجيش طالت مواقع حدّدتها إسرائيل ولجنة الميكانيزم، ما يعني أن مواقع كثيرة أخرى لم يجرِ المس بها.. إضافة إلى أن عناصره لم تغادر جنوب الليطاني، وطالما وُجدت مع سلاحها في المنشآت الخاصة التي كان الجيش اللبناني يرفض دخولها، لذلك كانت هناك شكوك دائمة حول ما كان يُحكى عن تطهير منطقة جنوب الليطاني بالكامل، والأحداث الأخيرة أثبتت أن ذلك لم يحصل».

جنود إسرائيليون يتجمعون عند الحدود مع لبنان في الجليل الأعلى (أ.ف.ب)

ويضيف قهوجي: «كما يجب ألا ننسى أن لدى (الحزب) منشآت تصنيع صواريخ كاتيوشا وغراد وتجميع مُسيّرات ومعظم الصواريخ التي رماها (الحزب) في الآونة الأخيرة هي من الطرازين السابق ذكرهما، والتي يمتلكها بأعداد كبيرة. أما الصواريخ التي يمتلكها بأعداد محدودة فهي الصواريخ البعيدة المدى، ورمى بعضها بعمق 150 كيلومتراً داخل إسرائيل»، مذكّراً أيضاً بـ«عمليات التهريب التي كانت تحصل عبر سوريا، لتعزيز ترسانته من الصواريخ الموجهة كالكورنيت».

أنفاق ومراكز تحت الأرض

ولا يستغرب الأستاذ المحاضِر في الجيوسياسة، العميد المتقاعد خليل الحلو، امتلاك «الحزب» هذه الترسانة والقدرات العسكرية، رغم كل ما تعرَّض له خلال العامين الماضيين، وإقفال الحدود السورية بوجهه، لافتاً إلى أنه «منذ عام 2006 حتى عام 2023 أي خلال 17 عاماً، حفر (الحزب) أنفاقاً ومراكز تحت الأرض وخزّن وكدّس الأسلحة القادمة من إيران عبر مطاريْ دمشق وحلب، مروراً بالبر إلى الداخل اللبناني، على مدار الساعة. ولم تستطع إسرائيل استهداف الإمدادات عبر هذه الطريق على مر السنوات، وباعتراف مراجع إسرائيلية، إلا بما نسبته 50 في المائة».

ويتحدث الحلو، لـ«الشرق الأوسط»، عن «استعدادات كبيرة على المستويات كافة لدى (الحزب)، ليس فقط بالسلاح، وإنما لوجستياً وطبياً، وعلى الرغم من تدمير إسرائيل، خلال الحرب الماضية، قسماً كبيراً من كل هذه الأسلحة والمراكز، وتوقف خطوط الإمداد عبر سوريا، لكن هناك قدرات لا تزال موجودة»، موضحاً أن «الجيش اللبناني في الجنوب داهم المواقع التي تمكّن من تحديدها، لكن لا شك بقيت هناك مواقع أخرى لم يجرِ اكتشافها، علماً بأن الصواريخ التي تقصف راهناً تنطلق إما من البقاع أو منطقة شمال الليطاني، إذ إن مجريات المعركة تُظهر أن القسم الأكبر من منطقة جنوب الليطاني حقيقة كانت شبه خالية من السلاح».