أهالي بنت جبيل والخيام يترقبون محادثات روما أملاً بالعودة إلى جنوب لبنان

ينظرون إلى «المنطقة التجريبية» بوصفها بوابة لإنهاء المعاناة

مشهد عام يُظهر المنازل المدمرة في بلدة الخيام الحدودية بجنوب لبنان في ظل استمرار آثار الحرب (أ.ف.ب)
مشهد عام يُظهر المنازل المدمرة في بلدة الخيام الحدودية بجنوب لبنان في ظل استمرار آثار الحرب (أ.ف.ب)
TT

أهالي بنت جبيل والخيام يترقبون محادثات روما أملاً بالعودة إلى جنوب لبنان

مشهد عام يُظهر المنازل المدمرة في بلدة الخيام الحدودية بجنوب لبنان في ظل استمرار آثار الحرب (أ.ف.ب)
مشهد عام يُظهر المنازل المدمرة في بلدة الخيام الحدودية بجنوب لبنان في ظل استمرار آثار الحرب (أ.ف.ب)

يتابع أبناء بنت جبيل والخيام، أكبر مدينتين لبنانيتين حدوديتين تحتلهما إسرائيل، محادثات روما، بين وفدي البلدين، بعين مختلفة عن السياسيين والمفاوضين.

فما يُناقش على الطاولة بوصفه «منطقة تجريبية» أو مرحلة جديدة من الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، يراه أبناء المدينتين فرصة قد تعيدهم إليهما، أو تؤجل عودتهم مرة أخرى.

بنت جبيل... انتظار طويل

يرى رئيس بلدية بنت جبيل محمد بزي أن أي اتفاق يفضي إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من بنت جبيل أو الخيام سيشكّل بارقة أمل حقيقية لأهالي المنطقة، مؤكداً أن السكان لا ينتظرون سوى هذه الخطوة للعودة إلى أرضهم، مهما كانت الظروف التي سيجدونها عند وصولهم.

ويقول بزي لـ«الشرق الأوسط»: «نتمنى أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من منطقتنا؛ لأن ما نريده هو العودة إلى أرضنا وبلدتنا». ويؤكد أن «هذه الرغبة لا تخص أبناء بنت جبيل وحدهم، بل تشمل مختلف البلدات التي لا تزال واقعة ضمن المنطقة المحتلة»، مشيراً إلى أن الأهالي «ينتظرون إعلان الانسحاب على نار حامية؛ لأن أي خطوة من هذا النوع ستسمح بعودة آلاف العائلات التي تعيش منذ أشهر بين النزوح والترقب، وستفتح الباب أمام إعادة إعمار البلدات التي دمّرتها الحرب».

دمار يناهز الـ95 في المائة

ولا يقلل بزي من حجم الدمار الذي أصاب المدينة، بل يرى أن الواقع يفوق بكثير ما يُتداول في التقديرات، قائلاً إن الحديث عن تدمير نحو 70 في المائة من بنت جبيل لا يعكس حقيقة ما جرى؛ إذ إن «الدمار يتجاوز 95 في المائة بعدما مسح الاحتلال كل شيء تقريباً».

ومع ذلك، يؤكد أن حجم الكارثة لن يغيّر قرار السكان، مضيفاً: «حتى لو اضطررنا إلى نصب خيام أو وضع بيوت جاهزة، فإن الأهالي سيعودون إلى بنت جبيل ولن يتخلوا عنها».

سأكون من أوائل العائدين... ولو كانت ركاماً

ويجسد هيثم بزي جانباً من هذا الإصرار؛ فمنزله الذي احترق خلال حرب عام 2024، دُمّر بالكامل في الحرب الأخيرة، لكن خسارة المنزل لم تغيّر موقفه من العودة، بل جعلته أكثر تمسكاً بها.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن أبناء بنت جبيل ينتظرون نتائج محادثات روما بفارغ الصبر»، آملاً أن تكون مدينته، إلى جانب بلدة الخيام، ضمن المرحلة المقبلة من «المناطق التجريبية». ويضيف: «ننتظر أن يخرج الدخان الأبيض، وأن تكون بنت جبيل والخيام من بين المناطق المشمولة؛ لأن ذلك يعني بداية عودة الناس إلى أرضهم».

ولا يخفي بزي حجم القلق الذي يرافق هذا الانتظار، معتبراً أن ما يجري على الأرض «لا يدعو إلى كثير من التفاؤل». ويقول إن «الأمل ضعيف في ظل الممارسات الإسرائيلية المتواصلة».

ورغم ذلك، يؤكد أن القرار بالنسبة إليه محسوم، وأنه لن ينتظر انتهاء الإعمار أو إزالة آثار الدمار. ويقول: «بمجرد الإعلان عن إدراج بنت جبيل ضمن المنطقة التجريبية سأكون من أوائل العائدين إليها. أريد أن أرى أرضي وبيتي حتى لو أصبحا ركاماً، وحتى لو كانت الأرض محروقة. المهم أن أعود إلى بلدتي، وبعدها سنرى ماذا يمكن أن نفعل».

دخان يتصاعد إثر غارة إسرائيلية على بنت جبيل في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)

لكن هذا الأمل لا ينعكس بالقدر نفسه لدى نافع سعد، الذي يرى أن حجم الدمار يفرض واقعية أكبر في مقاربة أي حديث عن العودة. ويقول إن الصور الأخيرة التي وصلت من بنت جبيل كانت صادمة، مضيفاً: «لا أعتقد أن هناك بيتاً واحداً بقي على حاله، وما رأيناه يؤكد أن البلدة نُسفت بالكامل تقريباً بفعل التفجيرات وعمليات التجريف».

ويعتبر سعد أن موقع بنت جبيل والخيام في عمق المنطقة التي لا تزال تسيطر عليها إسرائيل يجعل إدراجهما ضمن المرحلة المقبلة أمراً صعباً، مشيراً إلى «أن التجربة بدأت من مناطق كانت ظروفها مختلفة، بينما يبدو الطريق إلى بنت جبيل أكثر تعقيداً».

ولا يقتصر قلقه على المنازل المهدمة، بل يمتد إلى المقابر التي تضم أجيالاً من أبناء المدينة. ويقول: «إن مطلب الأهالي خلال الأيام الماضية لم يكن حماية البيوت فقط، بل أيضاً وقف تجريف المقابر، بعدما أظهرت صور محاولات طالت أجزاء من المقبرة الجديدة».

وبرأيه، فإن السؤال لا يتعلق فقط بموعد الانسحاب، بل بما سيجده الأهالي بعده، متسائلاً: «إذا أصبحت بنت جبيل منطقة تجريبية، فإلى أين سيعود الناس إذا لم يبق حجر على حجر؟».

استهداف مركّز لمدينة الخيام كبرى المراكز السكانية في القطاع الشرقي (أرشيفية - أ.ف.ب)

الخيام... بين الحذر والإصرار على العودة

في الخيام، لا يختلف المشهد كثيراً، وإن كانت مقاربة الأهالي للمفاوضات أكثر حذراً. فالتسريبات التي تتحدث عن احتمال إدراج البلدة ضمن المرحلة الثانية من «المناطق التجريبية» أعادت الأمل إلى كثيرين، لكنها لم تبدد الشكوك التي يفرضها الواقع الميداني واستمرار العمليات الإسرائيلية.

مجرد أحاديث

ويقول أحد أبناء البلدة، مفضلاً عدم كشف اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «أبناء الخيام يتابعون باهتمام كل ما يُتداول عن محادثات روما، لكنهم يتعاملون معه بحذر؛ لأنهم لم يسمعوا حتى الآن أي موقف إسرائيلي رسمي يؤكد أن البلدة ستكون ضمن المرحلة المقبلة».

ويضيف: «كل ما يُقال يصدر من الجانب اللبناني، ولم نسمع أي تصريح من إسرائيل يتحدث عن هذا الأمر، لذلك يصعب التفاعل مع هذه الأخبار أو البناء عليها، وكأنها مجرد أحاديث داخل السلطة اللبنانية، وهذا ما يزيد من حالة التشاؤم لدى الأهالي»، مشيراً إلى أن «التقديرات تتحدث عن تدمير نحو 90 في المائة من البلدة؛ إذ دُمّر ما بين أربعة آلاف وخمسمائة منزل من أصل أكثر من خمسة آلاف».

ورغم كل هذه الشكوك، يؤكد أن قرار الأهالي لن يتغير إذا فُتح الطريق إلى البلدة، قائلاً: «إذا أصبحت الخيام منطقة تجريبية فسنعود من اليوم الأول. سننسق مع الجيش اللبناني، لكننا لن نؤجل العودة؛ لأن ما يهمنا هو تثبيت وجودنا في بلدتنا».

الخيام ليست منطقة تجريبية... إنها وطن

بالنسبة إلى ندين أبو سمرا، لا يبدأ الألم من حجم الدمار، بل من اللغة التي تُستخدم لوصف مدينتها؛ فالتعبير الذي يتكرر في النقاشات السياسية، أي «المنطقة التجريبية»، يبدو بالنسبة إليها اختزالاً لمدينة عاشت الاحتلال والتحرير والتهجير، قبل أن تتحول إلى بند على طاولة المفاوضات.

ورغم كل ما عاشته، تحسم قرارها بكلمات تختصر ما يشعر به كثيرون من أبناء البلدتين: «سأعود إلى الخيام فور تيسّر العودة، حتى لو كان كل شيء فيها مدمراً؛ لأن الوطن لا يُقاس بما تبقى من حجارة، بل بالانتماء إليه. بيوتنا وأرضنا ليست منطقة تجريبية، بل وطن، والعودة إليه حق لا تجربة».


مقالات ذات صلة

«روما 2»... لبنان يتمسّك بتثبيت وقف النار وتوسيع «المناطق التجريبية»

المشرق العربي وصول أحد الوفود إلى سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث تُجرى محادثات على مستوى السفراء بين إسرائيل ولبنان برعاية أميركية (أ ب)

«روما 2»... لبنان يتمسّك بتثبيت وقف النار وتوسيع «المناطق التجريبية»

انطلقت الثلاثاء في العاصمة الإيطالية، روما، مجدداً جولة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وهي السابعة، برعاية أميركية.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي إحدى قريبات ضحايا انفجار مرفأ بيروت عام 2020 تحمل صورة فقيدتها وهي تبكي خلال تجمع لإحياء الذكرى السادسة للانفجار الهائل (أ.ب)

6 سنوات بعد انفجار مرفأ بيروت... عائلات الضحايا تطالب بمعرفة كيف قُتل أبناؤها

بعد ست سنوات من انفجار مرفأ بيروت المروع، تنتظر عائلات ضحايا الكارثة صدور القرار الاتهامي لمعرفة «كيف قُتل» أبناؤها ومحاسبة الفاعلين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صحافيون أمام السفارة الأميركية في روما ينتظرون وصول الوفود المشاركة في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)

سلام يرد على هجوم قاسم: حروب «حزب الله» أعانت إسرائيل على لبنان

شنّ أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، الثلاثاء، أعنف هجوم على الدولة اللبنانية، متهماً إياها بـ«معاونة إسرائيل»، مما دفع رئيس الحكومة نواف سلام للرد عليه.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الشرطة الإيطالية تفتش سيارة أمام مدخل السفارة الأميركية في روما حيث تُعقد الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (أ.ب)

لبنان يستوضح السفير الأميركي خلفية «نصائحه» باستبعاده توسيع «المناطق التجريبية»

فوجئ الوسط السياسي اللبناني بالبيان الذي أصدره السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى وأحدث صدمة ممزوجة بالقلق والإحباط.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جانب من المضبوطات (الجيش اللبناني عبر «إكس»)

الجيش اللبناني: ضبط صواريخ «غراد» جرى تهريبها من سوريا

أعلن الجيش اللبناني، اليوم (الثلاثاء)، ضبط صواريخ «جراد» جرى تهريبها من الأراضي السورية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)