لبنان يستوضح السفير الأميركي خلفية «نصائحه» باستبعاده توسيع «المناطق التجريبية»

هل توخى عيسى تمرير رسالة بعدم «تكبير الحجر» في روما؟

الشرطة الإيطالية تفتش سيارة أمام مدخل السفارة الأميركية في روما حيث تُعقد الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (أ.ب)
الشرطة الإيطالية تفتش سيارة أمام مدخل السفارة الأميركية في روما حيث تُعقد الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (أ.ب)
TT

لبنان يستوضح السفير الأميركي خلفية «نصائحه» باستبعاده توسيع «المناطق التجريبية»

الشرطة الإيطالية تفتش سيارة أمام مدخل السفارة الأميركية في روما حيث تُعقد الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (أ.ب)
الشرطة الإيطالية تفتش سيارة أمام مدخل السفارة الأميركية في روما حيث تُعقد الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (أ.ب)

فوجئ الوسط السياسي اللبناني بالبيان الذي أصدره السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى وأحدث صدمة ممزوجة بالقلق والإحباط، خصوصاً أنه جاء عشية انعقاد الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما للمرة الثانية، وحمل دعوة صريحة بترحيل البحث في توسيع «المناطق التجريبية، بحسب قوله في بيانه: «هناك فرق بين صياغة الاتفاق وتنفيذه وعدم التسرع بالانتقال للمرحلة التالية من اتفاق الإطار؛ لأنه قد يعرّض المدنيين للخطر، ومن الأفضل منح العملية الوقت الكافي لضمان إنجاحها بالشكل الصحيح».

وفي معلومات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، استبق عيسى ببيانه ما يمكن أن تتوصل إليه الجولة السابعة، وأخذ على عاتقه إعلان نتائجها قبل انتهائها، ما استدعى تحريك قنوات التواصل بين بيروت وواشنطن للتأكد مما إذا كان يعبّر فيه عن رأيه الشخصي، وأنه مجرد اجتهاد من عنده، أو مُلزم للإدارة الأميركية، أو جاء بطلب من وزارة الخارجية التي ترعى المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.

توقيت محير للأسئلة

وفي هذا السياق، سألت مصادر رسمية عن الأسباب الكامنة وراء إصدار بيانه، بدلاً من اعتماده قنوات التواصل المباشرة بين البلدين لإعلامها بمضمون ما حمله بيانه، خصوصاً أن التوقيت الذي اختاره لتوزيعه يحمل أكثر من سؤال.

وأكدت هذه المصادر أن المفاجأة لا تتعلق بمحتويات البيان، وإنما بالأسلوب الذي اتبعه في مخاطبته بالعلن للدولة اللبنانية بخلاف الأصول.

وقالت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان قد صارح رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في قمة واشنطن، بأنه سيمارس كل أشكال الضغط على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو للسير بتطبيق «اتفاق الإطار» وعدم الإبقاء عليه معلقاً إلى ما بعد خوضه انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

ولفتت إلى أن ترمب أكد لعون دعمه تطبيق الاتفاق وعدم ربطه بالمسار الإيراني. وقالت إنه أوعز أكثر من مرة لوزير دفاعه بيت هيغسيث، عند اجتماعه بعون، الاتصال بنتنياهو والطلب منه تسهيل تطبيقه. وقالت إنه كان صادقاً بدعمه للبنان لإخراج الاتفاق من المراوحة، وهو لا يزال على تعهده.

عون يتمسك بالاتفاق

وأضافت المصادر أن عون يتمسك بالاتفاق ولا يُسقط من حسابه إصرار نتنياهو على الإبقاء عليه معلقاً إلى ما بعد الانتخابات، وهو يراهن على الجولة السابعة لعلها تحدث خرقاً يسمح بتطبيق بعض بنوده لإحداث نقلة نوعية، وهو لا يرى بديلاً عنه بعد أن جرب «حزب الله» الحل العسكري الذي أوصل البلد إلى حائط مسدود وترتبت عليه أكلاف بشرية ومادية لا تقدّر بثمن.

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

ومع أن رد فعل «الثنائي الشيعي» على بيان السفير عيسى، كما علمت «الشرق الأوسط»، اقتصر على التعاطي مع مفاوضات روما - 2 على أنها مضيعة للوقت والمال، وليس لدينا منهما ما نضيّعه، فإن المصادر نفسها سألته: ما البديل؟ وهل من جدوى في حال أوقفنا الرهان على «اتفاق الإطار» لمصلحة وضع كل أوراقنا التفاوضية في السلة الإيرانية بتأييدنا لـ«مذكرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية التي لا يزال مصيرها يتأرجح بين هبة باردة وأخرى ساخنة؟ إضافة إلى أننا نصرّ على أن نفاوض عن أنفسنا بأنفسنا من دون وكالة لأحد.

إيران تنعش «الثنائي الشيعي»

ولفتت إلى أن «الثنائي الشيعي» انتعش سياسياً، ولا يزال، بما سمعه من رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي بربطهما تنفيذ «مذكرة التفاهم» بوقف إطلاق النار في جنوب لبنان بالتلازم مع انسحاب إسرائيل، رغم أن «الثنائي» يدرك قبل غيره بأن القرار الإيراني في مكان آخر، أي بيد «الحرس الثوري»، وهذا ما ينسحب على «حزب الله» بعدما تبين من خلال التخبُّط الدائر في طهران بأن الجناح الآخر ليس في الموقع الذي يسمح له باتخاذ القرار.

وأكدت أن لبنان لا يراهن على مسار واشنطن عبثاً بل لأنها الأقدر بالضغط على إسرائيل، ولدينا تعهّد من ترمب بدعمنا على كافة المستويات، بدءاً بتوفير ما يحتاج إليه الجيش لتوسيع انتشاره في الجنوب بالتزامن مع انسحاب إسرائيل، وأن ترمب سيرسل بعثة عسكرية أميركية للوقوف على احتياجاته.

إسرائيل ترفض المناطق التجريبية

ورأت أن بيان عيسى لم يأتِ من فراغ، ويعكس ما تبلّغته إدارته من إسرائيل بأنها ليست في وارد الموافقة على توسيع «المناطق التجريبية»، وهي تشترط التنسيق المباشر مع لبنان للتحقق من انتشار الجيش في المرحلة الأولى منها، والتأكد من عدم وجود مسلحين لـ«حزب الله» فيها، وهذا ما نرفضه ولا نسمح بدخول مراقبين إسرائيليين إليها ما دامت أنها ليست محتلة. وسألت: «هل كان عيسى مضطراً لإصدار بيان على طريقته وبأسلوبه الخاص لتمرير (نصائحه) للبنان بعدم الرهان على موافقة إسرائيل لتوسعة هذه المناطق؟».

مواطن لبناني دمرت إسرائيل منزله يتحدث إلى جندي في الجيش اللبناني في أثناء انتشار الجيش في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان (رويترز)

وأوضحت أن لبنان يتمسك بأن تتولى التحقق لجنة عسكرية لا توجد فيها إسرائيل، ويتم الاتفاق عليها، ويكون لواشنطن دور أساسي فيها لإسقاط ما تتذرع به إسرائيل بإصرارها على دهم البيوت للتأكد من عدم وجود مخازن للسلاح فيها، وهذا يشكل خرقاً للسيادة ويُترك للسلطات اللبنانية معالجته في حال وجوده.

لبنان يرفض إشراك إسرائيل بالرقابة

وكشفت المصادر عن أن عون، كونه المشرف على ملف التفاوض بالتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام، أعطى تعليماته للوفد المفاوض بعدم الدخول مع الوفد الإسرائيلي في أي بحث يتعلق بإشراك إسرائيل بفريق المراقبين أو بمستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين، لما ينطوي عليه من تطبيع للعلاقات. وقالت: «لا شيء يمنع من البحث فيه مع الوفد الأميركي باعتبار أن واشنطن مستعدة لدعم لبنان لإخراجه من أزماته ووقوفها إلى جانب إعمار البلدات المدمّرة، مشترطةً حصر السلاح بيد الدولة، وهذا ما تلتزم به، وكان لبنان تعهد به التزاماً بما قطعته الحكومة على نفسها في بيانها الوزاري واستجابةً لإلحاحٍ دولي وعربي الذي يربط مساعدته بحصرية السلاح».

وأضافت: «من المبكر مناقشة التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل ما دامت تحتل القسم الأكبر من الجنوب، مع أن وفدها ضم خبراء في هذا الخصوص، وهذا لا يُناقش إلا في حال التوصل إلى اتفاقية سلام بين البلدين لن يكون لبنان فيها منفرداً، وإنما ضمن إطار عربي جامع التزاماً منه بمبادرة السلام العربية».

ولم تستبعد المصادر أن عيسى يتطلع من بيانه إلى تمرير رسالة للبنان استباقاً لجلسة المفاوضات التي باشرت اجتماعاتها بعدم تكبير الحجر، في سياق تأكيد مصداقية بلاده بدعم لبنان بوقوفه إلى جانبه، برهانه على إحداث خرق في بعض بنود الاتفاق، وتحديداً بما يتعلق بتثبيت وقف النار مشمولاً بوقف الأعمال العدائية وتجريف البلدات والتدمير الممنهج لما تبقى من بيوت في المنطقة الأمنية التي تحتلها إسرائيل، وتربط انسحابها منها بنزع سلاح «حزب الله» الذي يتصدر أولويات الحكومة.

جنود من الجيش اللبناني عند مدخل زوطر الغربية وهي البلدة النموذجية الأولى في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

لذلك، هل يعود الوفد اللبناني من روما حاملاً إحداث خرق لـ«اتفاق الإطار» بدعم أميركي لتأمين ديمومة المفاوضات، وحصول مفاجأة بموافقة تل أبيب على توسعة «المناطق التجريبية» بضغط من واشنطن، فيما بدأ يرتفع منسوب المخاوف من اشتعال جبهة الجنوب على نطاق واسع مع إصرار إسرائيل على إخراج «حزب الله» من تلال «علي الطاهر» واستهدافها لمنشآته العسكرية، إلا في حال أن الحزب أعاد النظر بموقفه ووافق على وضعها بعهدة الجيش؛ لأنه لا يحتمل تبعات موجات نزوح جديدة من الجنوب والضاحية بعد أن عاد مئات الألوف من النازحين إلى أماكن سكنهم الأصلية فور الإعلان عن التوصل لـ«اتفاق الإطار» في 26 يونيو (حزيران) الماضي؟


مقالات ذات صلة

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

المشرق العربي تصاعد الدخان في جنوب لبنان إثر غارة إسرائيلية كما بدا من زوطر الغربية (رويترز)

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

توسّع إسرائيل عملياتها في جنوب لبنان على جانبي نهر الليطاني، ما يعني أنه لم يعد حداً فاصلاً بين منطقتين مختلفتين للعمليات العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الحكومة حاضرة في قاعة مجلس النواب خلال جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

مساءلة الحكومة اللبنانية... مبارزة متوقعة بين مؤيدي «اتفاق الإطار» و«مذكرة التفاهم»

تستعد حكومة الرئيس نواف سلام للمثول أمام البرلمان في جلسة صباحية تُعقَد يومي الثلاثاء والأربعاء في 15 و16 سبتمبر (أيلول) الحالي، هي الثانية منذ تشكيلها

محمد شقير (بيروت)
خاص سجن رومية

خاص تعليق العفو العام يشعل غضب نزلاء سجن رومية في لبنان

بدأ السجناء الإسلاميون في سجن رومية إضراباً مفتوحاً عن الطعام والشراب، والامتناع التام عن تناول الأدوية داخل السجن، بما في ذلك أصحاب الأمراض المزمنة.

يوسف دياب (بيروت)
عالم الاعمال الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» تؤسسان معهداً للذكاء الاصطناعي

الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» تؤسسان معهداً للذكاء الاصطناعي

وقّعت الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» (CMA CGM) شراكة لتأسيس معهد متخصص في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

المشرق العربي طوافة لبنانية تشارك في إخماد الحريق في مرفأ بيروت بعد انفجار 4 أغسطس 2020 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ملف انفجار مرفأ بيروت قيد الحسم... والنيابة العامة تصدر مطالعتها

دخلت قضية انفجار مرفأ بيروت مرحلة حاسمة، مع إنجاز المحامي العام التمييزي، القاضي محمد صعب، مطالعته بالأساس في الملف، تمهيداً لتسليمها الثلاثاء

يوسف دياب (بيروت)

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
TT

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)

مع اقتراب موعد اكتمال الانسحاب الأميركي من العراق والمحدد بنهاية سبتمبر (أيلول) الجاري، ما زالت قضية حصر السلاح الموجود خارج إطار الدولة تواجه تعقيدات، وسط معلومات عن أن ترسانة الفصائل باقية حتى 2028.

ووفق مصادر عدة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، يبدو أن الفصائل نجحت بمساعدة إيرانية في «إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ».

وخلال الأسابيع الماضية، قضى أعضاء لجنة التفاوض على حصر السلاح، وهم نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، وهادي العامري، مسؤول «منظمة بدر»، ساعات في أربعة اجتماعات على الأقل، للتفاوض على تسوية أساسها «عدم استخدام السلاح» لكن بشرط «عدم التفريط فيه»، وفق المصادر.

ورغم هذه الصيغة «الصورية»، زرع ممثلو الفصائل «قنبلة موقوتة» في التسوية، تعتبر «أي اتفاق على عدم استخدام السلاح ملغى في ظروف محددة»، بينما توصل الجانبان إلى جدول زمني يستمر حتى مطلع 2028 حتى توافق الفصائل في النهاية على حصر سلاحها.

والحال أن اليأس يطبق على مسؤولين في سلطات مختلفة ببغداد. فخلال اجتماع مع مسؤول أميركي زار العراق أخيراً، خاطبه مسؤول كردي كبير قائلاً: «النظام السياسي الآن يشبه حافلة قديمة تنطلق بسرعة على منحدر من دون مكابح».


اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
TT

اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)

اتسعت المظاهرات الرافضة لقرار رفع أسعار الوقود في سوريا، أمس الاثنين، لليوم الثاني على التوالي، إذ شهدت مدينة الشحيل في ريف دير الزور (شرق) تجدد الاحتجاجات التي جرى خلالها إشعال إطارات، كما قطع محتجون الطريق الدولي بين العراق وسوريا في ريف البوكمال شرق المحافظة، وكذلك طريق حقل العمر النفطي.

وأغلق الأهالي في مدينة تل تمر الطريق الدولي «إم 4»، ما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. وشهد معبر باب السلامة مع تركيا في محافظة حلب، إغلاق محتجين للمعبر أمام شاحنات البضائع ومنعوا حركة خروج السيارات بشكل كامل.

وشمل تجدد الاحتجاجات أيضاً مدينة الرقة، إذ أقدم مدنيون على قطع الطريق أمام مقر صوامع الحبوب. وتجمع الأهالي في مناطق بمحافظة الحسكة (شمال) بينها الشدادي وتل براك، مشعلين الإطارات وقطعوا الطرقات، وسط مطالب بالتراجع عن القرار الذي أصدره وزير الطاقة الذي طلب منه مجلس الشعب جلسة استماع الخميس المقبل.

ويعتقد مراقبون أن الاحتجاجات جاءت نتيجة عدم تحسن الوضع المعيشي للسوريين وما كانوا يأملونه أن يتحقق على يد السلطات الجديدة عقب إسقاط نظام الأسد، خاصة أن غالبية المحتجين يعدون من الحاضنة الاجتماعية لحكومة الرئيس أحمد الشرع.


توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
TT

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

زيارة قصيرة ولكنها حافلة قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، يرافقه وفد رسمي كبير، إلى باريس، محطته الأوروبية الأولى منذ تسلمه رئاسة الوزراء، في حين ستكون برلين محطته الثانية قبل عودته إلى بغداد. وعكس البيان المشترك الذي وزّعه قصر الإليزيه، عصر الاثنين، المروحة الواسعة من الملفات التي تناولها الطرفان، على مستوى الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء علي الزيدي، ولكن أيضاً على المستوى الوزاري بين الجانبين ومع الشركات الفرنسية، ومنها شركة «توتال إنرجيز» الساعية لتوسيع حضورها في العراق.

وقال رئيس الوزراء العراقي، في مقالة له نشرتها صحيفة «لو فيغارو» ظهر الاثنين، إن بلاده تمثل رابع احتياطي نفطي مؤكد في العالم بما يقدّر بـ145 مليار برميل. وفي المقالة ذاتها، عرض الزيدي رؤيته للعلاقات الجديدة التي يريد لبلاده أن تبنيها مع فرنسا بحيث «يكون فيها العراق شريكاً فاعلاً، لا دولة تأتي محمّلة بقائمة من المطالب أو تبحث عن مظلة سياسية». وفي نظره، فإن زيارته «تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها»، ولكن أيضاً لأنها تحل «في مرحلة يسود فيها قدر كبير من عدم اليقين في الشرق الأوسط، حيث باتت فيه الحاجة ملحّة إلى جهود إقليمية وأوروبية ودولية لاحتواء التوترات وإعادة الهدوء إلى المنطقة».

وفي نظر الزيدي، فإن أهمية الزيارة «تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين العراق وفرنسا؛ فهي تتيح للعراق توسيع دائرة شراكاته وانخراطه في أوروبا، وتعزيز دوره في الجهود الجماعية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة».

وبحسب البيان المشترك، فإن الغرض الأسمى للزيارة يكمن في «تعزيز الشراكة الاستراتيجية وعلاقات الصداقة بين فرنسا والعراق».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يشرفان على توقيع عدد من المذكرات والتفاهمات في قصر الإليزيه بعد ظهر الاثنين (أ.ف.ب)

يتكون البيان من عشرين فقرة تتناول كل ما حصل خلال الزيارة، بما في ذلك الاتفاقات وإعلانات النوايا والتفاهمات التي فصّلها بيان منفصل صادر عن الرئاسة الفرنسية، ومنها ستة اتفاقات وُقّعت بحضور ماكرون والزيدي. وكانت لافتة الإشارة إلى «الرؤية المشتركة» للطرفين حول كيفية التعامل مع أزمات الشرق الأوسط وكيفية تعزيز الأمن والاستقرار فيه «على أساس احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل، وحسن الجوار، وسلامة الأراضي، واحترام القانون الدولي، واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية للتعامل مع الأزمات والتهديدات المشتركة التي تواجهها المنطقة». وفي الفقرة تلميح للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ورؤية الطرفين أن الانتهاء منها يجب أن يمر عبر الحلول الدبلوماسية.

وإذ تضمن البيان المشترك إشادة ماكرون بـ«السياسة الخارجية المتوازنة التي ينتهجها العراق»، و«الدور الذي يضطلع به هذا البلد في إقامة الروابط وتعزيز الحوار وتشجيع التعاون الإقليمي»، فإن الزيدي حرص في مقالته على طرح العراق «منصة للحوار»، مضيفاً أنه «لن يسمح بأن تتحول أراضيه إلى قاعدة لشن تهديدات ضد الدول المجاورة، أو إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية». ووفق ما قاله، فإن العراق «مستعد لاستضافة حوارات مباشرة بين أطراف النزاع متى توافرت الإرادة السياسية اللازمة».

ويشكل الملف الأمني أحد أهم الملفات التي تمت مناقشتها في اجتماع الإليزيه. وجاء في البيان المشترك أنه «نظراً إلى الدور الإيجابي الذي تؤديه فرنسا ضمن (التحالف الدولي)، اتفق رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الوزراء العراقي على مواصلة وتعميق التعاون العسكري، ولا سيما تعزيز القدرات العراقية بهدف حماية الحدود ودعم سيادة العراق على أراضيه، وذلك في إطار ثنائي يحترم سيادة البلدين، وسيتم الاتفاق عليه لاحقاً، بعد انتهاء مهمة (التحالف الدولي)».

الرئيس ماكرون في استقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في قصر الإليزيه (أ.ب)

ويندرج هذا التفاهم في إطار رغبة البلدين في تعزيز علاقاتهما بالاستناد إلى «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الثنائية الموقعة عام 2023»، والتي صادقت عليها فرنسا بالفعل، في حين أن العراق «عازم على المصادقة عليها قريباً». وتبرز أهمية الجانب الأمني في توصل الطرفين إلى «خريطة طريق استراتيجية خاصة باستحواذ العراق على تجهيزات عسكرية فرنسية في إطار سعيه لإعادة بناء وتحديث قدراته العسكرية». كذلك وقّع الطرفان «رسالة نوايا» بشأن «أنظمة الدفاع الجوي الذاتية» بين وزارة الدفاع العراقية والشركة الفرنسية «هارماتان AI». وترى باريس في هذين العنصرين «تأكيداً لرغبة الطرفين في مواصلة تعاونهما في مجال تعزيز القدرات العسكرية ودعم العراق من أجل مهماته السيادية». وجاء في إحدى فقرات البيان المشترك أن الزيدي أعرب عن عزمه على «تشجيع المناقشات بين الشركات الفرنسية ووزارة الدفاع العراقية في مجالات الحركة الجوية، وأنظمة المدفعية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة (C-UAS)، وأنظمة الدفاع والمراقبة الجوية».

ما سبق يعكس ميلاً عراقياً لتنويع مصادر تسلحه، وباريس تعد مدخلاً ملائماً لهذا الغرض. وإذا كان صحيحاً أنها تسعى إلى تعزيز حضور متعدد الأشكال (سياسياً ودبلوماسياً وثقافياً وصحياً) في العراق، فإنها تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين رئيسيين هما الدفاع من جهة، والطاقة من جهة أخرى.

وكما في القطاع الدفاعي، فقد تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الكهرباء العراقية ومجموعة «توتال إنرجيز» من أجل تزويد العراق بالغاز الطبيعي المسال. وفي هذا السياق، استقبل علي الزيدي رئيسَ الشركة النفطية الفرنسية باتريك بويانيه. كذلك وقّع الطرفان مذكرة تفاهم خاصة ببرنامج تأهيل وتعزيز القدرات العراقية في قطاع الطاقة. بيد أن طموحات فرنسا النفطية والغازية في العراق تذهب أبعد من ذلك؛ فقد ورد في البيان المشترك أن العراق اتفق مع شركة «توتال إنرجيز» على الدخول في مناقشات بشأن عدد من مشاريع الطاقة «تقوم على استثمارات واسعة النطاق، وتهدف إلى تعزيز إنتاج النفط العراقي، والمساهمة في زيادة كفاءة الطاقة، وتعزيز السيادة في مجال الطاقة، ودعم التحول في مجال الطاقة» في العراق. وفي زمن يعاني فيه العالم من أزمة طاقة حادة، فإن اتفاقاً مع بلد يمتلك احتياطياً نفطياً كبيراً يعد لفرنسا إنجازاً بالغ الأهمية.