بعد «يونيفيل»... كيف تعيد الأمم المتحدة صياغة قوات حفظ السلام؟

مركبات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية قرب الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان 6 يوليو 2023 (رويترز)
مركبات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية قرب الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان 6 يوليو 2023 (رويترز)
TT

بعد «يونيفيل»... كيف تعيد الأمم المتحدة صياغة قوات حفظ السلام؟

مركبات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية قرب الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان 6 يوليو 2023 (رويترز)
مركبات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية قرب الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان 6 يوليو 2023 (رويترز)

تقترب مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) من نهايتها في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، بعد قرابة نصف قرن في جنوب البلاد. ويعيد هذا الاستحقاق إلى الواجهة نقاشاً حول مستقبل عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، في سياق مراجعة واسعة تجريها المنظمة الدولية لهذه البعثات.

ويأتي هذا النقاش في ظل تحوّلات عميقة شهدتها طبيعة النزاعات خلال العقدين الأخيرين. فقد تعددت أطراف القتال، وتشابكت الصراعات الداخلية مع التدخلات الإقليمية، وأصبحت اتفاقات السلام الشاملة أقل حضوراً، بينما فرضت الطائرات المسيّرة والتقنيات الحديثة تحديات لم تكن قائمة عندما صُممت معظم بعثات حفظ السلام. وفي الوقت نفسه، ازدادت حساسية الحكومات المضيفة تجاه الوجود الدولي، وتراجع التوافق بين القوى الكبرى داخل مجلس الأمن، ما دفع الأمم المتحدة إلى مراجعة النموذج التقليدي القائم على نشر قوات كبيرة ذات تفويضات واسعة، والبحث عن صيغ أكثر مرونة تتناسب مع بيئات أمنية وسياسية أكثر تعقيداً.

من البعثات الضخمة إلى المهام المتخصصة

تشير إدارة عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة (UN Department of Peace Operations)، وهي الجهة المسؤولة عن تخطيط وإدارة بعثات حفظ السلام، في دراستها The Future of Peacekeeping: New Models and Related Capabilities الصادرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، إلى أن المنظمة تدرس نماذج أكثر مرونة تقوم على وحدات متخصصة يمكن تشكيلها وفق طبيعة كل أزمة، بدلاً من الاعتماد على بعثات كبيرة ذات تفويضات واسعة، ومتعددة. وتركز الدراسة على تطوير قدرات مراقبة وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والدعم الأمني، وإزالة الألغام، مع منح البعثات قدرة أكبر على التكيّف مع المتغيرات الميدانية.

وجاء هذا التحول استجابةً للتغير الذي شهدته طبيعة الحروب خلال العقدين الأخيرين. فمعظم النزاعات الراهنة لا تنتهي باتفاقات سياسية واضحة يمكن لقوات دولية مراقبة تنفيذها، وإنما تتحوّل إلى أزمات تمتد لسنوات، وتتداخل فيها الأبعاد السياسية، والأمنية، والاقتصادية، وتتعدد أطرافها، ما يوسّع نطاق المهام الموكلة إلى بعثات حفظ السلام. وفي هذه البيئات يغدو نجاح تلك البعثات وثيق الصلة بتقدم العملية السياسية، واستمرارها.

وقد أظهرت تجارب مالي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان أن البعثات الدولية قد تجد نفسها مطالبة بحماية المدنيين، ودعم مؤسسات الدولة، ومراقبة الحدود، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية في الوقت نفسه، بينما لا تتوافر لها الموارد أو الصلاحيات الكافية لتنفيذ جميع هذه المهمات.

جنود حفظ سلام تابعون للأمم المتحدة يحرسون بلدة كورومي في مالي 13 مايو 2015 (رويترز)

فجوة بين الطموح والقدرات

ترى دراسة نشرتها جامعة كامبريدج البريطانية أن المشكلة الأساسية لا تكمن في مبدأ حفظ السلام، وإنما في اتساع الفجوة بين التفويضات التي يمنحها مجلس الأمن والموارد الفعلية المتاحة للبعثات. فخلال العقدين الماضيين، توسعت مهمات القوات الأممية بصورة كبيرة، بينما بقي التمويل والعديد العسكري والدعم السياسي دون المستوى المطلوب، الأمر الذي انعكس على قدرتها في تحقيق النتائج المنتظرة.

وتشير الدراسة إلى أن نجاح أي بعثة لا يرتبط بعدد الجنود فحسب، بل بوجود عملية سياسية قابلة للحياة، وقبول من الدولة المضيفة، وتنسيق بين القوى الدولية والإقليمية. وعندما تغيب هذه العناصر تتحوّل القوة الدولية إلى أداة لإدارة الأزمة بدلاً من حلّها.

ويفسّر ذلك تصاعد الانتقادات التي واجهتها بعض البعثات الأممية خلال السنوات الأخيرة، سواء من الحكومات المضيفة التي رأت أنها تتدخل في شؤونها الداخلية، أو من المجتمعات المحلية التي اعتبرت أنها أخفقت في توفير الحماية الكافية للمدنيين.

جندي من قوات حفظ السلام يرافق امرأة نازحة عائدة من الحقول في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

التكنولوجيا والشراكات الإقليمية

إلى جانب تقليص حجم البعثات، يتجه التفكير داخل الأمم المتحدة إلى توسيع استخدام التكنولوجيا. فالطائرات المسيّرة، وصور الأقمار الاصطناعية، وأنظمة الإنذار المبكر، كلها باتت تؤدي دوراً متزايداً في مراقبة خطوط التماس، ورصد الانتهاكات، بما يسمح بتوجيه القوات إلى المناطق الأكثر حساسية، وتقليص الحاجة إلى انتشار ميداني واسع.

وفي الوقت نفسه يبرز توجه نحو توسيع دور المنظمات الإقليمية في إدارة الأزمات، سواء الاتحاد الأفريقي، أو الاتحاد الأوروبي، أو غيرهما، بحيث تتولى هذه الجهات بعض المهمات التنفيذية، بينما تحتفظ الأمم المتحدة بالدورين السياسي، والإشرافي. ويستند هذا التوجه إلى قناعة بأن المنظمات الإقليمية تمتلك فهماً أفضل للبيئات المحلية، وقدرة أكبر على التحرك السريع.

غير أن هذا النموذج لا يخلو من التحديات، إذ إن بعض المنظمات الإقليمية تعاني نقصاً في التمويل، والقدرات، كما أن قربها من النزاع قد يثير تساؤلات حول حيادها، خصوصاً إذا كانت بعض الدول الأعضاء فيها أطرافاً مباشرة في الأزمة.

وفي هذا الإطار يرى معهد الأمم المتحدة لبحوث السياسات (United Nations University-Centre for Policy Research) أن مستقبل عمليات السلام سيعتمد على توزيع الأدوار بين الأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية، والدول المضيفة، مع التركيز على بناء القدرات المحلية، بدلاً من الاعتماد على وجود دولي طويل الأمد. ويشير المعهد إلى أن نجاح هذا التحوّل يتطلب تفويضات أكثر واقعية، وتمويلاً مستقراً، وتنسيقاً سياسياً بين مختلف الأطراف.

يتم تجهيز طائرة مسيّرة تابعة للأمم المتحدة للتحليق في مدينة غوما بجمهورية الكونغو الديمقراطية في إطار استخدام التقنيات الحديثة لدعم عمليات حفظ السلام (الأمم المتحدة)

السلام لا تصنعه القوات وحدها

رغم كل التغييرات المقترحة، يبقى العامل الحاسم خارج نطاق القوات الدولية نفسها. فالتكنولوجيا قد تحسّن المراقبة، والبعثات الأصغر قد تكون أكثر كفاءة، والمنظمات الإقليمية قد توفّر دعماً إضافياً، لكن أياً من ذلك لا يستطيع أن يحل محل الإرادة السياسية.

ومع اقتراب انتهاء مهمة «يونيفيل» في لبنان تدخل عمليات حفظ السلام مرحلة إعادة صياغة، في ضوء التحوّلات التي شهدتها النزاعات خلال السنوات الأخيرة. والبعثات التي قد تنشرها الأمم المتحدة مستقبلاً يُرجَّح أن تختلف في حجمها، ومهامها، وأدواتها، تبعاً لخصوصية كل أزمة. وستحدد التجارب المقبلة مدى قدرة هذا النموذج على الاستجابة لبيئة أمنية وسياسية تتغير بوتيرة متسارعة.


مقالات ذات صلة

«الوطني الليبي» يضبط أكثر من 1.3 مليون حبة مخدرة

شمال افريقيا عناصر تابعة للجيش الوطني الليبي عقب ضبط شحنة مخدرات مهربة في الكفرة الليبية السبت (إعلام القيادة العامة)

«الوطني الليبي» يضبط أكثر من 1.3 مليون حبة مخدرة

واصل الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، تضييق الخناق على شبكات تهريب المخدرات في جنوب البلاد.

خالد محمود (القاهرة )
الخليج الدكتور عبد العزيز الواصل خلال جلسة مجلس الأمن بحضور المبعوث الأممي هانس غروندبرغ (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة)

السعودية لمجلس الأمن: لن نسمح بتحويل اليمن إلى منصة لتهديد أمننا

أكدت السعودية، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، أنها لن تسمح بتحويل اليمن إلى منصة لتهديد أمنها أو حرية الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب) p-circle

غوتيريش: العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية «ضربة قاسية» للعدالة

أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قرار واشنطن فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، مبدياً «قلقه العميق إزاء التأثير المتوقع» لهذه الإجراءات.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شمال افريقيا اجتماع لجنة «4+4» في تونس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

«خطاب التحريض» يختبر صمود اتفاق «4+4» في ليبيا

رغم توقيع اتفاق «4+4» برعاية أممية، تتواصل السجالات الإعلامية وتبادل الاتهامات بين معسكري شرق ليبيا وغربها، وسط تساؤلات عن فرص صمود الاتفاق.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا جدار مسجد انهار بعد غارة بطائرة مسيّرة في مدينة الخرطوم بحري بالسودان (رويترز) p-circle

السودان: مقتل 26 امرأة و4 أطفال في ضربة بمسيّرة تابعة لـ«الدعم السريع»

قُتلت 26 امرأة و4 أطفال بضربة بطائرة مسيّرة تابعة لـ"قوات الدعم السريع" في جنوب شرق السودان، الجمعة، بحسب ما أفاد مسؤول وشهود عيان "وكالة الصحافة الفرنسية".

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا، قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمنى ترمب لبوتين النجاح والرفاهية خلال اتصال هاتفي يوم الجمعة، كما حرص على نقل تحيات زوجته ميلانيا. وأعرب بوتين عن شكره لترمب على التهنئة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء «تاس» عن مستشار الرئاسة الروسية للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف.

وصرح أوشاكوف بأن الاتصال - الذي يعد السادس بين الرئيسين هذا العام وفقاً لـ«الكرملين» - قد سار بشكل جيد، مشيراً إلى أن كلاً من بوتين وترمب لم يكن يرغب في أن يكون البادئ بإنهاء المكالمة.

وبعد اتصاله الأخير مع بوتين، أعلن ترمب عن اتفاق سيتم بموجبه توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل على الفور للولايات المتحدة والسوق العالمية.

وقال أوشاكوف إن بوتين وترمب ناقشا أيضاً الحرب في أوكرانيا. وأوضح بوتين أن موقف روسيا بشأن أهداف ما تسميه موسكو «عمليتها العسكرية الخاصة»، لم يتغير.

وأضاف أن بوتين أعرب عن تقديره لتركيز ترمب وفريقه على الحوار مع روسيا. وربما يجتمع الرئيسان في قمة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) بالصين في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من أنه لم يتم الاتفاق على موعد بعد.

يذكر أنه في يوم الأربعاء، الذي كان يوافق عيد ميلاد بوتين الـ74، شنت روسيا هجمات قوية بشكل خاص على أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل، وفقاً للسلطات الأوكرانية.

بوتين يقلل من أهمية استئناف المحادثات مع أوكرانيا

كما قال «الكرملين» إن بوتين أبلغ ترمب أمس (الجمعة)، بأن كييف قوضت إمكانية الاستئناف ​الفوري لمحادثات السلام الثلاثية بشأن أوكرانيا، بعد أن شنت هجمات بطائرات مسيرة على موسكو خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وحاول ترمب حتى الآن، دون جدوى، التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت مع الغزو الروسي للبلاد في فبراير (شباط) 2022.

وقال وزير ‌الخارجية الأميركي ‌ماركو روبيو، يوم الخميس، إن ​الحرب الروسية ‌في ⁠أوكرانيا ​وصلت إلى ⁠مأزق خطير، وإن الولايات المتحدة ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع.

وذكر بوتين أن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي جرت الشهر الماضي، لكن أوكرانيا شنت هجمات على موسكو واستهدفت ⁠مراكز التصويت، مضيفاً أن ذلك عرّض عملية ‌السلام للخطر.

وأفاد ‌أوشاكوف ​تعليقاً على الاتصال الهاتفي مع ‌ترمب: «من خلال شن هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة ‌على موسكو ومدن أخرى ومراكز التصويت، فضلاً عن استهداف أفراد معينين شاركوا في تنظيم الانتخابات، في يوم الانتخابات الرئيسي، أدى النظام في كييف فعلياً إلى تعطيل ‌إمكانية الاستئناف الفوري لعملية التفاوض».

وأضاف: «والآن، كما قال الرئيس، سننظر في موعد استئناف ⁠تلك المفاوضات»، ⁠في إشارة إلى المفاوضات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا».

وكان ترمب قد ذكر أمس (الجمعة)، بعد الاتصال مع بوتين، أن روسيا وافقت على توريد الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر ​المقبل، على الرغم ​من أن المحللين قالوا إن الكميات لن تؤدي على الأرجح إلى انخفاض كبير في الأسعار.


زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»: «الهدايا المقدمة لبوتين لن تجلب السلام ولا أي فائدة للعالم المتحضر».

وأضاف: «روسيا سوف (ترد الجميل) مقابل الديزل بمزيد من الإرهاب والغدر. السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية هو استثمار في حرب يجب إنهاؤها وليس إطالة أمدها. ما نحتاج إليه هو تخفيف حدة التوتر بشكل حقيقي مع روسيا بصورة متبادلة».

كما انتقد زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن الاتفاق المُعلن مع موسكو يمثل قراراً «مخزياً»، ويعكس «ضعفاً» من جانب واشنطن.

وقال زيلينسكي للصحافيين: «هذا بالتأكيد ليس نزيهاً، وهو بالتأكيد مخزٍ من جانب شركائنا، كما أنه في رأيي قرار ضعيف»، وذلك فيما يزور وفد أوكراني الولايات المتحدة يومي الجمعة والسبت للقاء مبعوثي ترمب.

وأعلن الرئيس الأميركي ترمب، في وقت سابق اليوم، أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين التزم بطرح ملايين الأطنان من الديزل في السوقين الأميركية والعالمية على مدى أشهر، بعد «محادثة مثمرة للغاية».

وكتب ترمب على وسائل التواصل: «ستقوم روسيا على الفور بتوريد أكثر من 300 ألف طن من وقود الديزل إلى السوقين الأميركية والعالمية، و500 ألف طن أخرى خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن مباشرة بعدها. علاوة على ذلك، وبحسب حالة مصافي التكرير لديها، ستضخ روسيا ثلاثة ملايين طن من الديزل بسرعة». وأكد أن أسعار الديزل «ستنخفض بسرعة بالنسبة للأميركيين، بل للعالم بأسره، وبمعدلات قياسية!».

بدوره، نقل الكرملين عن ​الرئيس بوتين قوله، الجمعة، إن بلاده مستعدة لتوريد النفط والمنتجات البترولية ‌إلى الولايات ‌المتحدة ​والأسواق ‌العالمية، ⁠وإن ذلك ​من شأنه ⁠أن يدعم الاقتصاد العالمي ككل.


نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.